تحذير هاااام

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ... نحيط علم السادة زوار الموقع الكرام بان هذا الموقع لا يتبع اى جهة او جماعة او طريقة بعينها ولكن نشره على شبكة الانترنت ماهى إلا محاولة منا لنشر تراث الامام المجدد السيد محمد ماضى ابو العزائم - طيب الله ثراه ... وأننا لا نتحدث بإسم أحد ولكن نعرف العامة من هو الامام رحمه الله . والموقع إهداء من الاستاذ الدكتور / احمد جمال ماضي ابو العزائم

 

 

تابعنا عالفيس بوك

الموقع من الآن تحت التطوير والمراجعة لنشر التراث بطريقة اكثر سهولة للجميع جارى العمل اخر تحديث الاحد 9 ديسمبر 2017

 

الجزء الاول من اسرار القرآن للامام ابو العزائم

تقييم المستخدم:  / 6
سيئجيد 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المـدخـل

للجزء الأول من ((أسرار القرآن ))

 

الحمد لله قوله حق، وحكمه عدل، وكلامه هدى، ووحيه نور، ورحمته واسعة، وعفوه  عظيم، وفضله كثير، وعطاؤه جزيل.والصلاة والسلام على نورك المشرق فى القلوب المطمئنة بذكرك، وسرك السارى فى عوالم ملكك وملكوتك، الدال عليك بك سبحانك، سدرة منتهى علوم الخلائق، من جملته بكمال الأوصافوجميل الأخلاق سيدنا ومولانا محمد، نعمتك العظمى على عبادك، ورحمتك الواسعة العامة فى الدنيا لجميع خلقك، والخاصة فى الآخرة لمن سبقت الحسنى من جنابك العلى. وعلى آله الدعاة إلى  الله، الأدلاء على مرضاة الله، المخلصين فى توحيد الله، المظهرين لأمر الله ونهيه، عباده المكرمين، الذين لا يسبقونه فى القول، وهم بأمره يعملون. ورحمة الله وبركاته على صحابته الهادين المهديين. ورضى الله تبارك وتعالى عن الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم، ونضر الله وجه خليفتهالأول الإمام الممتحن السيد أحمد ماضى أبى العزائم.

وبعد، فنقدم دار الكتاب الصوفى ((الطبعة الثالثة ))(1) لتفسير القرآن للإمام المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم المسمى (( أسرار القرآن )) .

 

كتاب أحكمت آياته ثم فصلت :

إن كنه كلام المولى جل اسمه، لا يقف عليه وعلى أسراره، إلا من ارتضاه واختصه وانتجاه من بريته، فالعقول المحددة المقيدة، لم يتأت لها خوض غمار ذلك البحر الخضم، ودرك رموز تلك المعجزة الخالدة، وما اشتملت عليه من أسرار هذه الحياة الدنيا من حين نشأتها حتى نهايتها.

إن كتاب الله الكريم، ببلاغة بيانه، وفصاحة أسلوبه، حير عقول البلغاء وفطاحل اللغة )قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ياتوا يمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً((2).  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

 

(1) الطبعة الأولى صدرت فى أول رمضان 1369 هـ الموافق 17/6/ 1950 م وقام بإصدارها الإمام الممتحن السيد أحمد ماضى أبو العزائم، والطبعة الثانية غرة صفر 1401 هـ الموافق 8 ديسمبر 1980 م.  

(2) سورة الإسراء آية 88

 

 

}أسرار القرآن {

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبما حوى من المعارف والعلوم والأسرار الكونية، أثبت أنه كلام الله الذى لا يبلى مع  الجديدين،وأنه أجل من أن يحيط بكنهه وصف الواصفين، والاعتراف بالعجز بين يدى )كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ((1)  .

إن إعجاز القرآن لم يقفعند هذا الحد ، بل كل ناحية من نواحيه معجزة فى ذاتها ، فدساتيره العقائدية .. وقوانينة التشريعية .. وأنظمته الرصينة .. تحققللبشرية أبلغ ما تتطلع إليه من سعادة فى  تدبير شئون الحياة.

فكما أنه كتاب توحيد وإيمان .. وكتاب تشريع وسنن .. وكتاب تأمل وعبادات .. وكتاب  بلاغة وأدب .. فهو قبل كل ذلك كتاب جمع فأوعى ، فيه تبيان كل شىء (( وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين))(2)ففيه أصول كل العلوم ، وفيه الحكمة والموعظة الحسنة ، وفيه كل ما يتطلبه ويحتاج  إليه الإِنسان فى نشأتيه الدنيوية والأخروية .

وصف الأئمة لكتاب الله الكريم :

يصف أمير المؤمنين الإِمام على رضى الله عنه كتاب الله الكريم فى خطبة بليغة فيقول: ((ثم أنزل  عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ، وسراجا لا يخبو توقده ، وبحرا لا يدرك قعره ، ومنهاجا لا  يضلّ نهجه ، وشعاعا لا يظلم ّضوؤه ، وفرقانا لا يخمد برهانه ، وتبيانا لا تهدم أركانه ، وشفاء لا تخشى أسقامه ، وعزا لا تهزم أنصاره ، وحقا لا تخذل أعوانه .فهو معدن الإِيمان وبحبوحته ، وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافى الإِسلام وبيناته ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه المستنزفون ،وعيون لا ينضبها الماتحون،ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل لا يضل نهجها  المسافرون ، وأعلام لا يعمى عنها السائرون ، وأكام لا يجوز عنها القاصدون . جعله الله ريا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومحاج لطرق الصلحاء، ودواء ليس بعده داء ، ونورا ليس معه  ظلمة ، وحبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وعزا لمن تولاه ، وسلماً لمن دخله ، وهدى لمن   ائتم به ، وعذرا لمن انتحله ، وبرهانا لمن تكلم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاج به ،  وحاملا لمن حمله ، ومطية لمن أعمله ، وآية لمن توسم وجنة لمن استلأم ، وعلما لمن وعى ، وحديثا    لمن روى ، وحكما لمن قضى))  ( 3)   .

ويصف الإِمام أبو العزائم رضى الله عنه تمسك أبناء طريقته بالقرآن فيقول :

(( القرآن المجيد مورد آل العزائم الروى ، وروضهم الجنى ، وحوضهم المورود ، وكوثرهم المشهود ، وميزان أحوالهم ، ومرجع مقاماتهم ، يسألونه قبل العمل ، فإن أذان سارعوا ، وإن منع 

        ــــــــــــــــــــ

(1)     سورة هود آية 1.

(2)     سورة النحل آية 89

(3)     نهج البلاغة .ج 3 : 9ع - 70

 

 تركوا واستغفروا ، فهو الإِمام الناطق وإن صمت ، لأنهم يسمعونه عن رسول الله فتسمعه آذان قلوبهم حضورا ووجودا ، وإن كان التالى له إنسانا آخر . وقفت بهم همتهم العلية على القرآن فأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، لو أمرهم بقتل أنفسهم لقتلوها ، أو بمفارقة أموالهم وأولادهم  لفارقوها ، فرحين بالسمع والطاعة ، تجلت لهم حقائق القرآن جلية ، وانبلجت لهم أنواره العلية   ظاهرة ، فلم تبق بهم همة إلا فى القرآن ، ولا رغبة إلا فيه ، أحبوا القرآن حبا ينبىء عن كمال حبهم   للمتكلم سبحانه ، كاشفهم الله تعالى بمراده فى كلامه العزيز ، حتى كان الرجل منهم إذا سئل : لم  تعمل هذا ؟ يقول : أمراى القرآن ، ولم تترك هذا ؟ يقول : نهانى القرآن ، وإذا طلب منه أمر يقول : مه حتى أستشير القرآن ، فيقرأ القرآن المرة والمرتين ، حتى تتضح له حقيقة حاله ، وسر قصده ، فيسارع إلى التنفيذ ، أو إلى الترك .

فالقرآن طهور الحب ، وحلل القرب ، ولا يوفق للعمل بالقرآن إلا من جذبته العناية ، واقتطعته   المشيئة ، واختطفته محبة الله السابقة له .

واعلم أنه لا يجد فهم القرآن عبد فيه أدنى بدعة ، أو مصر على ذنب ، أو فى قلبه كبر ، أو  مقارف لهوى قد استكن فى قلبه ، أو محب الدنيا ، أو عبد غير متحقق بالإِيمان ولا من هو واقف عند مبناه غافل عن معناه ، ولا ناظر إلى قوله مفسر ساكن إلى عمله الظاهر ، ولا راجع إلى معقوله،  فهؤلاء كلهم محجوبون بعقولهم ، مردودون إلى ما يقرر فى علومهم ، موقفون مع ما تقرر فى  عقولهم ، أما العبد الذى يجد حلاوة القرآن ، ويكاشف بمشاهدته ، فهو من قرأ ملقيا السمع بين  يدى سميعه ، مضغياً إلى سر كلامه ، شهيد القلب لمعانى صفات شهيد ه ، ناظرا إلى قدرته ، تاركا لمعقوله ، متبرئا من حوله وقوته ، معظما للمتكلم ، واقفا على حدوده ، مفتقرا إلى الفهم بحال  مستقيم ، وقلب سليم ، وصفاء يقين ، وقوة علم وتمكين ، سمع فصل الخطاب ، وشهد علم غيب   الجواب )) (1) .

أسماء القرآن وأوصافه :

سمى الله القرآن بأسماء ، فمن أسمائه :

1- القرآن :قال تعالى فى سورة الحشر آية 21 : ]لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًامُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ        [.

2- الكتاب : قال تعالى فى سورة الكهف آية(1): ]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ   وَلَمْ يَجْعَل لَّهُعِوَجَاقَيِّمًا... [.

3- الفرقان : قال تعالى فى سورة الفرقان آية (1) : ]تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَــى عَبـْدِهِ لِيَكُـــونَ  لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً[.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع كتاب :الطهور المدار على قلوب الأبرا ) للإمام المجدد السيد محمد أبى ماضى أبى العزائم الطبعة الثانية ص85

}أسرار القرآن {

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4- كلام الله : قال تعالى فى سورة التوبة آية (6) : ]وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ  حَتَّى يَسْمَعَكَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّيَعْلَمُونَ  [.

5- الذكر : قال تعالى فى سورة الحجر آية (9) : ]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون[.   كما وصف القرآن بأوصاف عدة منها : الشفاء ، القصص ، الحكيم ، الحكمة ، الجبل ،   الصراط المستقيم ، العزيز ، الموعظة ، المجيد ، بلاغ ، بصائر ، بيان ، التنزيل ، الوحى ،  الرحمة ، النذير ، المهيمن ، وغيرها من الأوصاف المناسبة للقرآن .

 

التفسير :

التفسير فى اللغة : الاستبانة ، وفى الاصطلاح : علم يبُحث فيه عن معانى ألفاظ القرآن  وخصائصه . فالنظر فى القرآن الكريم من حيث كونه كلاما له دلالة ومعنى ، ولله تعالى فيه هدف  وقصد ، ومن أجل بيان هذه الدلالة ، وشرح المعنى ، وإيضاح القصد ، والإِفصاح عن الهدف ،  نشأ (( علم التفسير))الذى تكفل بتلك الغايات . ولا بد لطالب هذا العلم من مؤهلات منها العلوم  العربية بشتى أقسامها ، وعلم الفقه وأصوله ، ومنها علم الحديث وعلم الكلام ، ومنها علم التجويد  والقراءات ، ومنها أسباب النزول والناسخ والمنسوخ ..

 

تسلسل المفسريين:

إن الله عز شأنه هو أول مبين لكتابه ، لأنه أعلم بكلامه ومراده ، ولذلك يقول القرآن الكريم :  ] وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ[(1) وقوله تعالى : ]كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ  [(2)وإذا راجعنا الآيات التى جاءت فيها كلمة «يسألونك » أو «يستفتونك » فهمنا منها أن الله سبحانه وتعالى تولى بيان الأمر وتفسير الأحكام .

وبعد تفسير الله تبارك يأتى تفسير الرسول e، لقوله تعالى : ]وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[(3) وقوله : ]وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ  فِيهِ[(4).      

ويأتى تفسير الصحابة بعد تفسير الرسول e، ويعد الإِمام على رضى الله عنه أول من تكلم فى  تفسير القرآن من أصحاب رسول الله eلعلمه بكتاب الله وتأويله ، وقد وضع ابن عطية المفسر ترتيبا للصحابة فى التفسير فقال : إن صدر المفسرين والمؤيد منهم هو على بن أبى طالب الذى يقول:     

    ــــــــــــــــــ

(1)      سورة آل عمران أية 7.

(2)     سورة البقرة أية 187.

(3)     سورة النحل أية 44.

(4)     سورة النحل أية 64.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(( لوأردت أملى وقر – الحمل الثقيل – بعير على الفاتحة لفعلت)) ويتلوه عبد الله بن عباس الذى  دعا له الرسول بفهم الوحى والتنزيل ، وقد نما هذا الاستعداد فى نفس عبد الله بن عباس لملازمته  للإِمام على رضى الله عنه ، وخاصة بعد انتقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى ..  فالإِمام على رضى الله عنه – كما نعلم – باب هذا المنهل الفياض من علوم النبوة . ومن ثم كانت مأثورات عبد الله بن عباس ورواياته فى تفسير آيات الكتاب ، أول ما عرف من التفسير التى تستند   فى جملتها على الحديث والأثر ، وهذا النهج من التفسير بالأثر والحديث من العلوم التى تفرد بها البيت النبوى .

فلما كان العصر العباسى ، وازداد اتصال العرب بحضارات الفرس والرومان واليونان والهند ، حدث الامتزاج الفكرى وتمخض من هذا المزج عقل عربى مكتمل ، يجمع فى أحكامه بين المنقول  والعقول .

وفى القرن الثالث والرابع الهجرى بلغت الحضارة الإِسلامية مكانه الذروة ، وانعكست هذه  الجوانب الفكرية فى التشريع الإِسلامى ، وكان للتفسير الحظ الأوفر من هذه الجوانب ، فتعددت مذاهب المفسرين ، فمنهم من آثر جانب المنقول فاكتفى فى تفسيره بما جاء بالحديث والأثر ، كما فعل  ابن جرير الطبرى والجلال السيوطى فى كتابه : (( الدر المنثور فى التفسير بالمأثور))، منهم من جعل  للمنطق والجدل والفلسفة النصيب الأوفر من تفسيره ، مثل الفخر الرازى .

وكما تلونت بعض التفاسير بالمناهج الفكرية ، تلونت كذلك بالمناهج اللغوية البحتة ، مثل تفسير   ((البحر المحيط))لابن حيان الأندلسى . وبرزت البلاغة فى تفسير (( الكشاف))للزمخشرى ، واقتصر بعضها على الأصول الفقهية كالقرطبى وابن عطية وابن العربى والجصاص .                                         

وفى القرن الخامس ، عرف شيخ الطائفة الإِمامية وفقيها ، الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى صاحب كتاب : (( البيان الجامع لكل علوم القرآن)) ، ثم السيد الشريف الرضى الموسوى صاحب كتاب : (( حقائق التنزيل ودقائق التأويل))وإمام الحرمين أبو المعالى الجوينى ، وعبد الملك  الثعالبى .

وفى القرن السادس ، اشتهر جار الله الزمخشرى ، صاحب ((  الكشاف))، وكذلك أبو على الفضل بن الحسن الفاضل الطبرسى صاحب كتاب : (( مجمع البيان)) وأبو البقاء العكبرى ، وأبو  محمد البغوى ، وابن الدهان .

وفى القرن السابع ، اشتهر البيضاوى صاحب التفسير المشهور المسمى ((بأنوار التنزيل)) وعرف  ابن رزين ، والشيخ الأكبر محيى الدين بن العربى صاحب الفتوحات ، وابن عقيل النحوى ، ومحمد ابن سليمان البلخى والمعروف بابن النقيب .

وفى القرن الثامن ، عرف الشيخ بدر الدين الزر كشى الفقيه الشافعى ، وابن كثير إسماعيل بن عمرالقرشى ، وابن حيان الأندلسى صاحب كتابى ((  البحر))  و (( النهر))فى التفسير ، ومحمد بن عرفة             .

}أسرار القرآن {

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المالكى , وأبن النقاش .

وفى القرن التاسع , عرف البقاعى صاحب «نظم الدرر فى تناسب الآى والسور»والمولى الجاحى , وبرهان الدين بن جماعة , وعلاء الدين القرامانى صاحب «بحر العلوم فى التفسير », والجلال السيوطى صاحب « الإتقان فى علوم القرآن».

وفى القرن العاشر , عرف الشيخ على بن يونس السنباطى صاحب مختصر «مجمع البيان», والعلامة ابن كمال باشا أحمد بن سليمان بن كمال الرومى , وأبو مسعود العمارى مفتى القسطنطينية   صاحب التفسير «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم »والشيخ أبو يحيى زكريا بن محمد الأنصارى .

وفى القرن الحادى عشر , عرف الشيخ على القارى , والشيخ حسن البورينى , والشيخ بهاء الدين العاملى الكركى صاحب تفسير «عين الحياة »والشيخ خير الدين الرملى , والشهاب  الخفاجى .

وفى القرن الثانى عشر عرف الشيخ العارف عبد الغنى النابلسى صاحب «التحرير الحاوى فى  شرح تفسير البيضاوى»والسيد هاشم البحرانى صاحب «البرهان فى تفسير القرآن».

وفى القرن الثالث عشر , اشتهر الألوسى صاحب التفسير المسمى «روح المعانى »والسيد محمود الحمزاوى مفتى دمشق بكتابه «در الأسرار».

 

الإمام أبو العزائم مجدد القرن الرابع عشر :

جاء تفسير القرآن للإمام المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم بالجديد الذى لم يسبق إليه , لأن المفسر للقرآن الذى لا يأتى بالجديد , لا يملك عقلا ملهما من الله ورسوله , وإنما يملك عقلا قارئا ,  يرتسم فيه ما يقرأه لغيره , فإذا وقف المفسر عند حد من الحدود , ثم جاء اللاحق وترسم خطاه لا يتجاوزها ولو بخطوة واحدة , كان مقلداً لا مجدداً .

فبالتجديد يدوم النقاء للدين  ,وتستمر البراءة للشريعة من الشذوذ الفكرى , ومن الزوائد  والإضافات , ومن البدع والخرافات . كما أنه هو الطريق الأوحد لتقرير أحكام الشريعة التى تستدعيها وتطلبها التطورات والتغيرات المستحدثة فى واقع الإنسان , بحكم التطور الذى يحدثه مرورالزمان وتغير المكان , حتى لا يبدو الدين عاجزا عن مسايرة ركب الحياة المتطورة باستمرار .

ولكل هذا قرر الرسول صلوات الله وسلامه عليه فى حديثه : «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس  كل مائة سنة من يجدد لها دينها »(1)بل إن الرسول يقرر أن التجديد مطلوب كذلك للإيمان فقال 

         ـــــــــــــــــــــ

(1) جاء فى سنن أبى داود سليمان بن الأشعث السجستانى فى أول كتاب الملاحم من باب ما يذكر فى القرن المائة واتفق الحفاظ على     تصحيحه منهم الحاكم فى مسنده والبيهقى فى المدخل والحافظ بن حجر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه : «جددوا إيمانكم »(1) فلما سألوه : يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا ؟! قال : «أكثروا من قول لا إله إلا الله».

ويقول محيى الدين بن عربى فى الجزء الرابع من الفتوحات المكية باب حضرة الحكمة :    «... يتلو المحفوظ من القرآن , فيجد فى كل تلاوة معنى لم يجده فى التلاوة الأولى , مع أن الحروف المتلوة هى هى بعينها , وإنما الموطن والحال تجدد , ولابد من تجدده , فإن زمان التلاوةالأولى غير زمان التلاوة الثانية »فلابد إذن لمعانى القرآن من أن بتجدد المجددين فى الإسلام  ومن هؤلاء الذين هيأهم الله كمنارات للأمة الإسلامية , على رأس القرن الرابع عشر الهجرى , كى يجدد للأمة الإسلامية دينها , الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم .

ويجرى تفسير الإمام «أسرار القرآن»مع الآية حيث تجرى , ويكشف معناها حيث تشير ,  ويوضح دلالتها حيث تدل , فهو تفسير حكيم حينما تشتمل الآية على الحكمة , وهو تفسير أخلاقى  حين ترشد الآية إلى الأخلاق , وهو تفسير فقيه حين تتعرض الآية لفقه , وهو تفسير اجتماعى حين تبحث الآية فى الاجتماع .

ويعد كتاب : «أسرار القرآن»دائرة لمعارف القرآن .

 

الإمام أبو العزائم من أئمة العترة المحمدية :

أئمة العترة المحمدية , هم أعلم الناس بأسرار كتاب الله الحكيم , بعد جدهم صلوات الله وسلامه عليه وأبيهم علىّ رضى الله عنه , فهم منار الهدى , وينابيع الإيمان واليقين , وقد أيد ذلك الكتاب  والسنة , فالعترة هم الأدلاء على القرآن والعاملون بفضله .

فلا مناص أن يكون الكتاب خليفة لرسول الله e, غير أن مداركنا قاصرة عن الوصول إلى  هذه الكلية الواسعة فى كتاب الله , فلابد إذن من أن يكون له قوم يعرفون مدى ما فيه , ويعلمون  ما حواه , قال تعالى : ]وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ...... [(2)

ولو أهمل الرسول الإشارة والإرشاد إلى الراسخين فى العلم وأصحاب التأويل , لساغ أن  يزعم كل ناعق بضلالة لأته الراسخ فى العلم وصاحب التأويل , فالأئمة من أهل البيت هم الكتاب الناطق الكاشفون عن أسرار الكتاب الصامت  .

فلا غرور أن يأتى تفسير القرآن للإمام المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم , فرع العترة الزكية  والذرية النبوية الحسنى من جهة والدته والحسينى من جهة والده (3) كاشفا عن أسراره مبينا لعلومه ,

     ـــــــــــــــــــــــــ

(1)     رواه أحمد بن حنبل فى المسند .

(2)     سورة آل عمران آية 7

(3)     راجع : ( نيل الخيرات بملازمة الصلوات )

 

 

}أسرار القرآن {

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأنه كما سبق أن ذكرنا هو الإمام المجدد لزمننا هذا , الذى ورث العلم النافع والفضيلة عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه , عن الوحى عن الفيض الأعلى , وهو من أهل البيت الذين أذهب الله  عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا , ومن العترة التى تركها النبى eفى أمته لتكون بيانا عن كتابه , والتى ينجو المستمسك بها من مهاوى الضلال .

 

آثار الإمام العلمية :

تزخر المكتبة الإسلامية بآثار الإمام العلمية , فى التفسير والعقيدة والفقه والتصوف , والفتاوى والسيرة والمواجيد :

فى جانب تفسير القرآن :

هذا السفر الجليل « أسرا القرآن»

فى جانب العقيدة :

1-     كتاب : عقيدة النجاة 2- كتاب : الإسلام دين وفطرته التى فطر الناس عليها

فى جانب العلوم الفقهية :

1-       كتاب : أصول الوصول لمعية الرسول e 2- صيام أهل المدينة المنورة . 3- هداية   السالك إلى علم المسالك

فى جانب السيرة النبوية والرد على المستشرقين :

1-     سيرة النبى e( تحت الطبع ) . 2- وسائل إظهار الحق .

فى جانب ما يجب أن يعرفه المسلم :

1- النشأة الثانية.  2- الوسيلة وما اختلف فيه من السنة والبدعة . 3- الشفاء من مرض   التفرقة

. 4- الجفر . 5- تحذير الدين من بيع أراضى فلسطين .  6- النور المبين لعلوم اليقين  ونيل السعادتين .   7- إنسان المؤمنين وإنسان الملحدين .      8- وسائل نيل المجد الإسلامى .

فى جانب الأخوة الإسلامية :

1- الإسلام نسب يوصل إلى رسول الله e.       2- الإسلام وطن والمسلمون جميعا أهله

فى جانب المناسبات الدينية :

1- السراج الوهاج فى الإسراء والمعراج     2- بشائر الأخبار فى مولد المختار e. 3- مشارقالبيان قى فضائل شعبان . 4- لبيك اللهم لبيك . 5- الهجرة

فى جانب المسرحيات الإسلامية :

1- محكمة الصلح الكبرى .  2- العالم والتاجر والفلاح    3- المقتصد والمسرف والفاسد                 .

       

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4- السياسى والحكيم الغشيم .    5- الصالح واللص والسكرى .

فى جانب الصلوات والأدعية :

1-   نبل الخيرات بملازمة الصلوات . 2- الفتوحات الربانية والمنح النبوية فى الصلاة على خير                  البرية . 3- أكمل الصلوات على سيد الكائنات e. 4- إلهى إلهى إلهى 5- أدعونى استجب   لكم .

فى جانب التصوف :

1-  شراب الأرواح من فضل الفتاح . 2- تذكرة المرشدين والمسترشدين . 3- معارج  المقربين . 4- الطهور المدار على قلوب الأبرا . 5- من جوامع الكلم . 6- الطريق إلى الله تعالى . 7- الفرقة الناجية . 8- دستور السالكين طريق رب العالمين . 9- دستور آداب السلوك  إلى ملك الملوك . 10- مصطلحات الصوفية ( تحت الطبع ) . 11- آداب آل العزائم ( تحت  الطبع ) 12- دروس تزكية النفوس ( تحت الطبع ) . 13- موارد أهل الصفا ( تحت  الطبع ) . 14- قبس من المضنون ( تحت الطبع ) . 15- الصوفية والتصوف ( تحت الطبع ) .

فى جانب المواجيد :

1-   مواجيد شهر رجب , صفر , ربيع أول , ربيع آخر , جمادى الأولى , جمادى الآخر ,   رجب , شعبان , رمضان , 2- المواجيد العزمية فى مواجهة الروضة الحسينية , 3- ديوان ضياء  القلوب من فضل علام الغيوب المجلد الأول والمجلد الثانى والمجلد الثالث 4- مزامير من المزامير التعريف بالإمام أبى العزائم :

·انبثق فجر ميلاده رضوان الله عليه فى مدينة رشيد , بضريح سيدى زغلول  ,وكان لولادته ظاهرة عجيبة ، حيث ولدته أمة السيدة ((آمنة المهدية))أثناء زيارتها لضريح سيدى زغلول ، عندها فاجأها  المخاض فى يوم السابع والعشرين من شهر رجب 1286 هـ .

·استأثر الإِمام أبو العزائم فى طفولته بعناية أبيه (( السيد عبد الله المحجوب))دون بقية إخوته ، لما   يلوح عليه من مخايل النيل ، ولما ألهمه الله من مكنون العلم .

·حفظ رضى الله عنه القرآن الكريم بمكتب بلدته – محلة أبو على مركز دسوق محافظة كفر الشيخ - ولما بلغ رضى الله عنه السادسة عشرة من عمره ، توجه إلى الأزهر الشريف ، فاشتغل فى تلقى العلوم ، مع المحافظة على ما تألفه نفسه من دوام زيارة أهل البيت وأولياء الله الصالحين ، ثم التحق بكلية دار العلوم ، وظهر نبوغه وتفوقه فى طلب العلم . وكان هذا تعهدا إليها لهذا الذى يوشك أن  يصبح فيما بعد إماما عارفا ، بصيرا ربانيا ، مبارك الخطوات .

·تخرج الإِمام من كلية دار العلوم ، وعمل بالتدريس ، حتى صار أستاذا للشريعة الإِسلامية بكلية  غردون بالخرطوم ، وقد وجد الإِمام أن العالم العربى الممتد من سواحل الأطلنطى  فى الغرب ، إلى

 

                                                          ]  أسرار القرآن [

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخليج العربى فى الشوق ، تعرض لغزو الاستعمار ، الذى تسابقت ممالكه وجمهورياته لاغتصاب  أراضى الإِمبراطورية العثمانية ، وفى سنة 1830 م استولت فرنسا على الجزائر ، وفى سنة 1880 م   نزلت جيوشها تونس تحت الحماية ، وفى سنة 1882 م أناخت بريطانيا بمصر ، وفى سنة 1911 م  فاجأت قوات إيطاليا ساحل طرابلس .

 هكذا بدا للإمام أبى العزائم أن العالم العربى والإِسلامى ، قد تعرض من جديد لحرب صليبية  تستهدف كيانه القومى وعقائده الدينية ، فوقف مناديا بالجهاد تحت لواء الخلافة الإِسلامية ، فأقصاه  الحاكم الإِنجليزى عن وظيفته فى 1/8/1915 م لتحذيره المسلمين من الوقوع فى حبائل الاستعمار ،  فاستقبل رضى الله عنه أمر الإِقصاء بصدر رحب ، لأنه كان يجاهد فى سبيل الله .

·    أسس جماعة آل العزائم سنة 1311 هـ والطريقة العزمية سنة 1353هـ ومقرهما 114 شارع  مجلس الشعب .

·    وكان للإِمام أبى العزائم دور كبير فى ثورة 1919 م فمطابعه التى كانت تطبع مؤلفاته العلمية                      حولها لطبع المنشورات ضد الاحتلال الإِنجليزى لجمعية اليد السوداء التى كان يتعقبها الإِنجليز فى كل  مكان ، واعتقل الإِمام أبو العزائم وابنه الأكبر سيدى السيد أحمد ماضى أبو العزائم أكثر من مرة . كما  وقف رضى الله عنه من جميع حكام مصر وزعمائها ، موقف المعارض كلما لانت قناتهم لمفاوضة   المستعمر الغاصب ، فكان يوجه النصح فى مجلاته وكتبه وفى الصحف لسعد زغلول ولغيره من  زعماء الأحزاب ، ليصرفهم عن مهادنة الإِنجليز ، مبينا لهم مغبة مساومة المستعمر على حقوق الأمة .          

·    بعد أن قررت الجمعية الوطنية بأنقرة فى 2/ 3/ 1924 م إبعاد الخليفة عن تركيا ، وتخليه عن  الخلافة ، ونظرا لتعدد أدعياء الخلافة فقد دعا الإمام أبو العزائم إلى عقد مؤتمر عام بمكة سنة 1926 م تمثل فيه جميع الشعوب الإسلامية لتعود مياه الخلافة إلى مجاريها , الأمر الذى أغضب الملك فؤاد ,  فجند جنوده وأنشأ جماعة أخرى للخلافة الإسلامية , وبذلك أصبحت هناك هيئتان للخلافة   الإسلامية , إحداهما حكومية يرعاها الملك فؤاد , والأخرى شعبية برئاسة الإمام أبى العزائم (1) ,  وعندئذ أعلن الإمام بأن مصر دولة محتله , وحكامها قد تربوا فى أحضان الأجانب , ودانوا    بفكرتهم , ومن ثم فلا يكون لهذا البلد فى ظل الاستعمار , وفى ظل هذه الشرذمة من الأحكام , أن يتصدر ملكها عرش الخلافة الإسلامية .

·    وقد أنتقل رضى الله عنه إلى الرفيق الأعلى يوم الخميس 27 رجب 1356 هـ ودفن فى روضته  التى أعدها لنفسه فى مسجده بشارع مجلس الشعب قبل وفاته بسنتين .

·    خليفته الأول : الإمام الممتحن السيد أحمد ماضى أبو العزائم , وهو الابن الأكبر للإمام , شكل  عمرا جديدا لدعوة والده الإمام , وقام بنشر تراثه العلمى , حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى يوم 20 

         ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     أنظر كتاب : ( الاتجاهات الوطنية فى الأدب المعاصر ) للدكتور محمد محمد حسين , الطبعة الثالثة – بيروت – ص 52 الجزء الثانى

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ربيع أول سنة 1390 هـ ودفن بجواره والده الإمام .

·  تلك هى حياة الإمام أبى العزائم الصورة الآدمية لمعانى القرآن , والتفسير الحى لحقائق الفرقان , والمثل الكامل للنور المفاض من قوله تعالى : ]يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [(1)وقوله تعالى : ]إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [(2)وقوله تعالى : ]وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ [(3)وقوله تعالى : ]وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [(4)وقوله تعالى : ]وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [(5)وقوله تعالى : ]إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا[(6).

وفى هذه المناسبة يسرنى أن أنوه بجهود فضيلة الشيخ محمد أحمد عامر والدكتور محمد أمين حسين والظابط قنديل عبد الهادى , لإشرافهم على تصحيح الطباعة وضبطها , حيث شاركوا مشاركة فعالة  محمودة فلهم من الله الكريم جزيل الأجر والمثوبة , ومنى عاطر الشكر والثناء .

والله أسأل أن ينفع بهذا السفر العظيم من يقرأه ويدرسه , وأن يدخر لى أجر ما بذلت فيه من جهد , وأتوسل إليه بالنبى وآله , عليه وعليهم أفضل الصلوات وأزكى التحيات .

 

دار الكتاب الصوفى                                                     شيخ الطريقة العزمية

4 رجب 1413 هـ                                             السيد عز الدين ماضى أبو العزائم

28 ديسمبر 1992 م                                                 المحامى بالنقض

 

(1) سورة الإسراء أية 71                                            (2) سورة الرعد آية 7                  (3) سورة فاطر آية 24

(4) سورة القصص آية 5                                             (5) سورة الأنبياء آية 73                               (6) سورة البقرة آية 124

 

 

 

 

 

مقدمة الطبعة الأولى

للإمام الممتحن

السيد محمد ماضى أبى العزائم

1369 هـ - 1950 م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله الذى أنزل من سماء فيوضاته حياة الأنفس من الحكمة والعرفان , فسالت أودية القلوب  بقدرها من العلم والبيان , سبحانه أنزل القرآن تبايناً لكل شىء , شفاء وهدى ونوراً , وحفظه سبحانه   وتعالى من التغيير والتبديل بما شاء سبحانه , وبمن شاء , فتح به جل جلاله آذاناً صما وأعيناً عميا , وأطلق  به ألسناً خرسا , خَدمَةَ صَفوٍة مِنْ عبادة المقربين , فألهمهم الصواب فى القول والعمل والحال , وجعل  لهم نوراً يفقهون به كلامه سبحانه , ولساناً يبينون أسرار كتابة العزيز . وهم القائمون بالحجة لله على  عباده , الدالون على الله , الذين أطلعهم على حكمة أحكامه ومراده . وهم أنجم الهدى المشرقة فى سماء    الدلالة عليه جل جلاله  , وسرج البيان عند غياهب الشبهات , وكثائف الظلمات , يحيى الله بهم موات القلوب , ويجدد بهم سنن الهدى  . والصلاة والسلام على السراج المنير , ورحمة الله العامة لجميع خلقه ,  ونعمة الله العظمى على عباده , سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم .

وبعد : فيقول أحمد ماضى أبو العزائم إنى والحمد لله قد نعمت فى حضانة سيدى ووالدى الإمام  المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم متغذياً بلبان العرقان,ومتحداً مع العباد والزهاد من تلاميذ سيدنا الإمام رضى الله عنه وأرضاه,وكنت أحرص الناس على تلقى الدروس الخاصة التى كان يلقيها رضى الله عنه من تفسير القرآن الكريم , وعلوم السنة المطهرة السمجاء , واحرص  الناس على أقتباس تلك الأنوار مع كثرة اشتغالى بتلقى الدروس المختلفة بالجامعات . على أن أكثر طلبة هذا العلم الإلهى كانوا يتلقونه من سيدى الوالد إملاء , محافظة على تلك الأنفاس الطاهرة , وكنت متخذاً لى أصدقاء من خاصة أهل الصفا , فإذا   فرغنا من الدروس راجع بعضنا البعض ما تلقاه فى مذكراتنا , ثم عرضناه على الإمام رضى الله عنه فكان  يسره ذلك رضى الله عنه , وقد كان يبين لنا ما أبهم علينا ويفصل ما أجمل مزية يخصنا بها , فكنا نتحقق  أن هذا إذن من سيادته لجمع تلك الدرر والنفائس , ولا نزال على تلك الحالة طيلة حياته رضى الله عنه .  نرجع فيما تلقيناه من الدروس إلى خاصة تلاميذه , ثم عليه رضى الله عنه وأرضاه أخيراً . وقد التمسنا منه رضى الله عنه أن ننشر ما تلقيناه من هذه المشكاة النورانية , فسمح لنا رضى الله عنه بذلك .

وهاهو ( الجزء الأول ) يصدر فى ثوبه القشيب من حسن الطباعة , وجودة الورق , ودقة التصحيح                     .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ     

يتناسب مع جلال هذا التفسير . وإن أنس لا أنس ما قام به الخيرة من أفراد آل العزائم بوادى النيل   وعلى رأسهم محمد أفندى غازى عبد الله وأخى وحبيبى وإبراهيم افندى الخطيب وَاعِظ آل العزائم  بوادى النيل من جهد مادى وأدبى ما كان فاتحة لتحقيق رغبة الإِمام وتحقيق رجائنا فى طبع  هذه الدرر الغوالى الكاشفة لأسرار القرآن وغوامضه .

على أبى إن شاء الله قد وطدت العزم على تحقيق آمال العالم الإِسلامى فى نشر كل مؤلفات الإِمام .  مواصلا نشر التفسير جزءاً بعد جزء حتى يعم النفع به للإنسانية جمعاء سائلا الله تعالى أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، إعلاء لكلمته وإحياء لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

فشكرت المولى جل وعلا على الإِذن وتوجهت إليه سبحانه مستعيناً الربانية متوسلا بحبيبه  ومصطفاه صلى الله عليه وسلم ، أن يؤيدنا الله بروحانية حبيبه صلى الله غليه وسلم ، ويجعل هذا العمل  مقبولا لديه نافعاً شافعاً إن شاء الله تعالى ،

   

 

ــــــــــــ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد الله الذى لم يخل الأرض من قائم له سبحانه بحجة . إما ظاهراً مشهوراً وإما باطناً مستوراً . لئلا تبطل حجج الله وبيناته . والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء الذى لا نبى بعده . من أكمل الله لنا به ديننا الذى أرتضى لنا وأتم لنا وأتم علينا به eنعمته فرفعه إليه بعد أن أمكن الله لنا فى الأرض بالحق وحفظ فينا  كتابه العزيز وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف الصالح وتفضل فأدام لنا فضله بإقامة عباد اجتبابهم وألهمهم فقه دينه , وأذن لهم فى البيان فبينوا للناس فى كل عصر الأحكام الشرعية المتعلقة بكل حادث لم    يكن فى عصر أئمة الهدى لأن القرآن المجيد كتاب الله الذى لا ينسخ . ففيه تبيان كل شىء , حتى قال على ُّ  عليه السلام ( لو ضاع منى عقال بعير لوجدته فى كتاب الله )

وبعد : فيقول خديم الفقراء محمد ماضى أبو ماضى العزائم , إن العلماء ورثة الأنبياء قد شرحوا القرآن المجيد فى كل عصر بما يتناسب أهله لا بقدر الكلام لأن الكلام صفة المتكلم قال تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)يعنى فى كل شىء : فليس كالقرآن شىء من الكلام حتى يحيط الشارح له بحقيقة . وقد صرنا  فى زمان انصرف الناس فيه عن القرآن والسن إلى آراء أهل الأهواء وجهالة أهل الحظ من المبتدعين .  وليت الأمر وقف عند هذا الحد ولكن تعداه إلى ما هو أفسد للعقيدة من الاقتداء بالضالين المضلين من أعداء الإسلام فقلدوهم فيما يضر ولا ينفع وهم لا يزالون يجهلون حقائق محسوسة ملموسة فى الصناعات التى بلغوا فيها مبلغ النحل فى صناعته فهم يجهلون حقيقة الكهرباء وحقيقة النور والظلمة وهى تحت سلطان الحس فكيف يصلون إلى الغيب المصون , قال سبحانه : ]مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْوَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [أنا لا ألوم قوماً حرموا العقل القابل للحق ومنحوا   العقل القابل للصناعات والفنون لأنهم أضل من الأنعام , ولكنى ألوم من أكرمهم الله بالإسلام   وجعل لهم أبوين مسلمين كيف يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ؟! لكل تلك المقتضيات   رغبت فى أن أخدم إخوتى المسلمين شرحاً تستبين به لأهل هذا العصر أنواره الماحقة   لظلم أهل الطغيان وظلمة أهل الجحود والله وليى وحسبى ونعم الوكيل ,

 

 

                                               ]  أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]أعوذ بالله من الشيطان الرجيم [

الاستعاذة : لفظها ]أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم [ومعناها لغة الالتجاء إلى الله تعالى  والاستجارة به عند الإضرار والعجز عن دفع ما لا قبل للعبد به وعن نيل , ما لا بدله منه , وهى حقيقة طهرة النفس من شوب الشرك لأن الإنسان مهما نسى حقيقته التى هى العدم , بدءه الذى هو الماء المهين الخارج من مجرى البول مرتين وغرته نعمة الله تعالى عليه من العافية والجاه والمال والأولاد ونفوذ الكلمة وما حصله من الفنون والصناعات , أصابته البلايا من حيث لا يحتسب , وتفرق قلبه فى أدوية الهموم , وحرم التنعيم بما آتاه الله فإن دام على ذلك وفارق الحياة الدنيا مات على شعبة من شعب الكفر أو النفاق كما قال سبحانه ]الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا   [.

فإذا سبقت للمؤمن الحسنى تحقق عجزه بنفسه عن دفع الشر وجلب الخير , فاسعاذ بالله متحققا بأنه سبحانه هو الذى يمنح الخير بقدرته لمن يشاء ويعطى التوفيق بحكمته ويحفظ العبد برحمته من الوقوع فى المعاصى والمخالفات والبليات فقال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم معتقداً أن الله تعالى يسمع  دعاءه ويعلم ما فى نفسه من الإخلاص ثم قال من الشيطان الرجيم يعنى من كل ضار مفسد أو عدوّ قاهر أو من شياطين الإنس أو من شياطين الجن الذين يوسوسون فى الصدور أسرع الله إليه بخفى لطفه فأعاذه  وأجاره ومكن له فى الأرض وبدله أمناً بعد الخوف وهداه صراطه المستقيم , لأن الاستعاذة كمال التجرد  من الحول والقوة والتبرئة من الثقة بغير الله وبالتحقيق بتلك المعانى كمال التوحيد .

ومن استعاذ بالله عند كل عمل من أعماله التى أجلها قراءة القرآن مستحضراً تلك المعانى أعاذه الله  حقاً وتولاه وولاه قال تعالى : ] فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَالشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [لأنه تحقق بما  يحبه الله , ومن لم يستعذ بالله فهو عبد مغرور وكله الله إلى نفسه فتخبط فى النوائب وتلظى فى سعير الهموم , وسلط الله عليه نفسه وعلمه وأولاده , فكانوا عذاباً له فى الدنيا , ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .

وإنا لنرى أهل هذا الزمان تركوا الاستعاذة بالله فضرب الله بعضهم ببعض ومكن منهم  من كانوا  أذلاء . والواجب علينا أن نتدارك الأمر بالالتجاء إلى الله والعمل بوصايا رسول الله والله لا يضيع  أجر من أحسن عملا .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[

]حكمة الافتتاح بالبسملة [

افتتح سبحانه الكتاب العزيز بالبسملة ليعلم عباده الأدب معه سبحانه واستحضار ذكر اسمه عند   كل عمل  أو قول أو حال ذى شأن , وبذلك يكون المسلم حاضر القلب مشاهداً غيباً مصوناً من دقائق علم    التوحيد , لأن المسلم يقول أبتدىء ببسم الله أو أعمل أو أصنع أو أؤلف أو آكل باسم الله فلا ينسى فى كل   شأن من شئونه أن يذكر ربه مراعياً العبادة الخالصة فى ذكره – وكيف ينسى المسلم ربه وهو جل  جلاله تنزه عن أن ينساه . فالبسملة حجة قائمة لمن يقولها مراعياً معناها على أنه حاضر القلب مع ربه   كثير الذكر له جل جلاله كما قال سبحانه ]اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا[.

 

]حكم البسملة [

يجب النطق بها فى الصلاة عند من يقولون إنها آية من الفاتحة وهم قراء الكوفة ومكة وفقهائها وهو مذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه وحجتهم إثبات السلف الصالح لها فى الصحفُ أما قراء المدينة والبصرة والشام فلا يرونها آية من الفاتحة ويرون إثبات السلف لها للتبرك , فيكون الافتتاح بها فى الصلاة أوفى كل عمل ذى شأن سنة , ويكره عندهم الجهر بها فى الصلاة وهو مذهب الإمام مالك ومذهب  أبى حنيفة ومن تابعهما .

]حكمة الترغيب فيها [

قال رسول الله : ( كل لأمر ذى بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر [والمعنى ناقص وقليل البركة وهذا الحديث الشريف يشير إلى أن الابتداء بالبسملة يدل على حضور القلب مع الله تعالى  رعاية للتوحيد لأنه سبحانه هو الفاعل المختار , فإذا ابتدأ بالبسملة أثبت عجزه عن القيام بالعمل أو العجز عن إتمامه فالتجأ إلى الله مستعيناً به سبحانه فحصلت له العناية من الله وكتب من الذاكرين وسجل له عمله  فى سجل العبادة لأن العبادة كلفنا الله بها لشكره وذكره .

]بركة بسم الله الرحمن الرحيم [

من بركاتها طمأنينة القلب بنجاح العمل أو بالسلام من سوء عاقبته . ومن بركاتها سرح صدرالعامل فرحاً بتوفيق الله بذكرها ، ومنها أن يقله أبناؤه وإخوانه فيكون أعان على خير وسنيين معنى  الاسم : الله الرحمن الرحيم , فى الفاتحة .

 

                                               ]  أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]الفاتحة [

]بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[

الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ+الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ+مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ+ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ +اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَأَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهم وَلاَ الضَّالِّينَ+                                                              .

هى سبع آيات وسميت الفاتحة لافتتاح المصحف بها , وقد تضمنت مع قصرها جميع معانى القرآن                          والكتب السماوية من قبله لأن الله  سبحانه وتعالى افتتحها بصيغته الحمد لنفسه بنفسه ورضى بهذه الصيغة   من خلقه لأنه طالبنا بحمده فعجزنا فرضى منا بما حمد به نفسه . ولفظة ]الحمْدُ [دلت على توحيد الأسماء  والصفات كلها ، لأن الحامد لابد وأن يكون موحداً للمحمود معتقداً اتصافه بكمال الأسماء والصفات،  محباً له مسارعاً إلى طاعته فمن لم يعتقد تلك العقيدة فليس الله تعالى . ولبس المراد مجرد ألفاظ تتلى  إنما المراد رعاية معانى تلك الألفاظ وذوق العقل والنفس منها ما دلت عليه بالمطابقة أو بالتضمين أو بالالتزام  فإذا زكت نفسه أفلح فكوشف بتفريد الله تعالى بالصفات المحمودة التى بها ينال الخلق الخير بفضله سبحانه لأنه غنى عنهم غنى يجعله يختص بالحمد دون غيره فلا يحمد سواه جل جلاله فيترقى من العلم إلى الذوقومنه إلى الشهود.وهذا هو الذى إذا قال الحمد لله شهد توحيد الأسماء والصفات أشرقت عليه أنوارها. قوله تعالى ]للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[هو الاسم الأعظم الواجب الوجود لذاته المفرد العلم الدال على الإله الحق دلالة جامعة لجميع الأسماء الحسنى الإلهية الأحدية الجامع للجمال والجلال والبهاء والنور والضياء والكمال لذاته بذاته . ومن الأثر ترك التكلم فى اشتقاقه وجموده . ومن اصطلم فى إلهانية الرب جل جلاله واصطنع لهيمنته سبحانه غاب عن الموجودات وفر من المكونات علواً وسفلا كما قال تعالى : ( َففِِرُّوا إِلى الله) وأهل العزائم منحهم الله النور الذى به أفردوا حضرة هذا الاسم المقدس بالقصد دون غيره لما فى جميع الأسماء من الصفات التى تدعو السالك إلى التأله لها إلا هذا الاسم الأعظم فإنه مع دلالته على جميع الكمالات إجمالا  لا يلحظ من اصطفاهم الله فى حالة الإِلهانية غير الأحدية فى العماء وغيب الغيب تفريداً للحضرة العلية   بالقصد وفراراً من الغين إلى العين . ذكره حضوراً طمأنينة للقلوب والنطق به وجوداً خروج من الظلمات إلى النور . وهو سبحانه وتعالى ولى المؤمنين قال تعالى ( فَالله هُوَ الْوَلِىُ) لا يخلص إيمان مؤمن من الشوب إلا إذا تأله له دون غيره وهو جل جلاله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .

 

قوله تعالى: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى : ]الرَّحْمنِ الرَّحِيم[الرحمن هو المنعم فى تلك الدار الدنيا ، والرحيم هو المنعم بالخير الدائم فى الآخرة . فى ذكرها إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى عامل الخلق بالرحمن الرحيم فأبدعهم وأنشأهم  وخلقهم بمشيئته وإرادته لا لعلة ولا سبب بل بفضله وبرحمته وأمدهم بما به قوام حياتهم ضروريا وكماليا  بحث لو فقد عنصر هذا الكون لهلك العالم أجمع . ومثال ذلك الهواء والماء والشمس والأرض المنبسطة التى يسر لنا حرثها والبناء عليها والسير فيها . ولو كانت أباطح وجبالا لهلك الإِنسان لتعذر الحياة                  عليها . ولذلك ورد فى الأثر الشريف: ( سبقت رحمتى غضبى ) ولو أن الغضب سبق الرحمة ما أبقى على                  ظهرها من دابة قال تعالى : )وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِندَابَّةٍ(وقد بين                          الله تعالى التوحيد بياناً مفضلا لا يحتاج إلى بيان بعده .

قوله تعالى : ]ماَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ[أى يوم القيامة – يوم يقوم الناس لرب العالمين – يوم لا تملك                                   نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله – يوم توفى كل نفس ما كسبت- يوم ينفع الصادقين صدقهم -                            يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من إلا من أتى الله بقلب سليم .

هذا هو يوم الدين الذى تتميز فيه المراتب وتنكشف الحقيقة على ما هى عليه ، فتظهر الربوبية                         بأجلى معانيها من الكبرياء والعظمة والجلال ماحقة لكل حقيقة غيرها ، ولم يبق إلا الحى القيوم فيقول                   تنزه وتعالى )لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ(إظهاراً لعظمته وتفريده بالقوة والقدرة ثم يجيب بنفسه بنفسه )للّهِ الْوَاحِدِ     الْقَهَّارِ(فإذا شاء سبحانه أن يعيد النشأة الأخرى أمر السماء أن تمطر ماء كمنى الرجال أربعين سنة حتى  تذوب فتصير كالعجينة فيأمر سبحانه وتعالى أربع رياح عاصفة تعتقم الأرض من جهاتها الأربع فترجها  رجاً وتدكها دكا حتى تصبر الجبال كثيباً مهيلا وتقوى صدمات الرياح فتجعل الجبال هباء منثوراً ،  وهى ما نعرف صلابة فيكف بالأرض ويوجد سبحانه فى كل ذرة من ذرات الهيكل الإِنسانى قوة  جاذبية تجمع بعضها ببعض لشدة رج الأرض ودكها ، حتى إذا تكونت الأجساد وصارت الأمم أطواراً  طبقة فوق طبقة أسكن الرياح سبحانه وأعادها إلى مهابها ثم أمر بالنفخة الثانية فتفيق الأرواح من صعقها وتهب كالجراد المنتشر ، كل روح تسارع إلى بيتها الذى سكنت فيه فى حياتها الدنيا وهو جسمها .

وهذه هى كيفية النشأة الأخرى وهى أشبه بالنشأة الأولى لآدم عليه السلام وليست كالنشأة الأولى                         لأبنائه تحتاج إلى إمناء وجمل ووضع ورضاع فإن لكل نشأة أسباباً وضعها سبحانه .

وتلك الأسماء المقدسة التى هى – الله – ورب العالمين – والرحمن الرحيم – ومالك يوم الدين تشير                       لأهل العلم بالله تعالى إلى أنه سبحانه منفرد بالإيجاد والإمداد فإذا لاحت لهم ساطعة الغيب المصون فى تلك             .                         

  

 

 

 

 

)أسرار القرآن (

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأسماء المقدسة عرفوا أنفسهم أنهم عبيد مقهورون وعباد مربوبون ، ثم تحققوا بمعرفة الله تعالى معرفة                جعلتهم يفردونه بالعبادة دون غيرة وذاقوا حلاوة عجزهم عن القيام بما يجب عليهم لحضرته العلية من العبادة           فأيقنوا أنه المعين لا غيره فرتلوا ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين[قولا وعلماً وشهوداً لأن مراتب                       التلاوة سماع فتصديق فعل فشهود – ولما كان البيان بالقول والعمل لا ينتج شهود الحقيقة ولا فقه                      الحكمة بل ولا مشاهدة الآيات الدالة على تفريد الله تعالى بالألوهة والربوبة أدبهم الله تعالى ، فعلمهم                   الدعاء بطلب الاتصال بمن هداهم بقوله سبحانه :]اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَصِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ  عَلَيهِمْ [والصراط . والطريق . والسبيل . والمنهج . والمنهاج . والشارع . والشرعة . والشريعة ألفاظ مترادفة لما يوصل إلى المقصود من المكان المضرب للسير فيها بشرط أن يكون أقرب من غيره   وأسلم . وفى هذا إشارة إلى أن المسافر إلى الله تعالى لابد وأن يقطع المسافات التى بينه وبين ربه   وتلك المسافات هى تلقى العقيدة الحقة من العلماء بالله ومجاهدة النفس لتزكيتها لتتجمل بالأخلاق  الفاضلة . ورياضة النفس لتراقب ربها بحس معاملة الخلق ، ابتغاء مرضاة الحق جل جلاله وتطهير القلب بالرياضة ليكون بيتاً معموراً بمشاهدة سواطع العظمة ولوامع الجلال رهبة وخشية وبأنوار الجمال والبهاء رجاء وأنساً وحبا والتمسك بآراء أهل اليقين ومذاهب أهل التمكين ، وقد أشار إلى ذلك بقوله تعالى:]غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهم[ممن بدلوا نعمة الله كفراً وهم اليهود ]وَلاَ الضَّالِّينَ[ ممن ضلوا السبيل فجعلوا لله ندا أو ولداً أو شبيهاً أو شريكا وهم النصارى .

والفاتحة كنز التوحيد وسر الوصول إلى اله سبحانه وتعالى ، وهى الصلاة ، وهى السبع الثانى والقرآن                 العظيم . عن أبى هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله eيقول : قال الله عز وجل : إنى قسمت              الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل – فإذا قال العبد : (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال  الله : حمدنى عبدى . وإذا قال : (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ  ) قال الله : أثنى علىَّ عبدى . وإذا قال : (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال : مجدنى عبدى . وإذا قال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قال : هذا بينى وبين عبدى  ولعبدى ما سأل وإذا قال : (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَصِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِعَلَيهِمْوَلاَ الضَّالِّينَ)  قال : هذا لعبدى ولعبدى ما سأل .

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

  

 

  

قوله تعالى : الم#ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ... ( 1، 2 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    

]سورة البقرة [

بسم الله الرحمن الرحيم

المp1iذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَp2i الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ                              وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنفِقُونَp3i

معلوم أن هذه السورة الشريفة مدنية أنزل الله سوراً كثيرة بمكة ، بين فيها مقامات التوحيد                              وقبائح الشرك بالله تعالى لمناسبات دعوة أهل مكة . ولما كانت آيات القرآن المجيد فيها تكرار                        الألفاظ الدالة على معان كثيرة لبيان علم أو لكشف حقيقة أو لتفصيل حادثة ، اقتدينا بأئمة الهدى من                     المفسرين بالأثر يفصلون معانى اللفظة فى كل آية ذكرت فيها أولا . ويلمعون إليها عند ذكرها ثانياً                والاقتداء بهم حفظاً للعلم والأثر .

قوله تعالى : ]الم[ . معلوم أن العلماء بالتأويل تتفاوت مقاماتهم فى العلم ، فمنهم الراسخون فيه ،                    ومنهم و منهم . ولكل فريق تأويل فى هذة الآية الشريفة وكلهم على حق لأنهم مجتهدون ، والآيات                    الشريفة تتحمل كل تلك المعانى ، وقول بعضهم : الله أعلم بمراده ، كلمة يقولها كل مؤمن ولو أطلعه الله               على مكنون العلم – قال الله تعالى :]وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء[فمن شاء الله أن يحيطه            بشىء من العلم أحاطه به ، وعندى أن الله تعالى كشف تلك الحقائق لمن شاء ممن اجتباهم فعلمهم ما لم                يكونوا يعلمون ، ومن هذا التأويل فى قوله ]الـم [،فالألف إشارة إلى لفظة (أنا ) واللام إلى ( الله )               والميم إلى كلمة ( أعلم )فكأنه سبحانه وتعالى يقول : أنا الله أعلم أو الله الملك ، ويكون قسما كأنه                      سبحانه وتعالى يقول أقسم بى أنا الله الملك . وما بعده جواب للقسم . ومن التأويل ]الـم[اسم للسورة              - ومنه ]الـم[إشارة إلى حروف الهجاء وأن هذا الكتاب منها – ومن التأويل ( الـم ) آية  متشابهة تقول للعقل : أنت عاجز لا تقوم على تحصيل العلم بمراده سبحانه إلا إذا وقفك للتقوى وعلمك ما لم  تكن تعلم . قال الله تعالى)وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ(فهى إشارة إلى سجود العقل عجزاً عن إدراك  كلمة عربية مركبة من حروف الهجاء وليس فى ذلك التكلف مالا يطاق إنما فيه الحث على التمسك بتقوى الله تعالى ، فإن المضنون به من العلم لا ينال إلا بفادح المجاهدة وكيف لا والله تعالى يقول : )وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا (وعلى تلك الإِشارة ( آلم ) و (المص ) (و الر ) و ( حم ) وغيرها  أسماء الله أوهى الاسم الأعظم – قال علىٌّ عليه السلام يوم حرب الخوارج ( حمعسق ) ودعا الله  تعالى بالحديث الشريف ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) . وهذا الحديث يشير إلى أن كلمات الله التامات هى هذه الآيات الموضوعة فى أوائل بعض السور ولا يستعاذ إلا بأسماء الله تعالى فهى أسماء               .         

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الله . ومن التأويل أن تلك الآيات أعمار لقوم . فالألف لسنة واحدة واللام لثلائين والميم لأربعين . ومن             التأويل أن كل حرف منها دل على معان كثيرة علمها من علمها بفضل من الله تعالى وتلك الأسرار العلية                يعلمها أهل التقوى بطريق الإِلهام إذا تطهروا بالتوبة حتى أحبهم الله تعالى لخضوعهم لسلطان الشريعة               ومجاهدتهم لأنفسهم مجاهدة تجعلهم مجانسين لعالم الطهر والصفاء عمار ملكوت الله الأعلى ، فتفتح لهم                  أبواب السماء للسياحة فيها ليروا من آيات الله الكبرى ما تطمئن به قلوبهم وتلوح لهم غرائب الحكمة               وأسرار بدائع . إبداع الله تعالى وهم الصديقون والشهداء . ومن قصرت بهم هممهم عن التشبه بأهل المجاهدة         فالأولى أن لا يجمعوا على أنفسهم بين الحرمان من الخير والإنكار على أهله . فإن الذين راضوا عقولهم             بعلوم الرياضة اخترعوا من الصناعات والفنون ما به طاروا الجو وغاصوا فى البحار ، بل اخترعوا من أنواع        الصناعات ما حير العقول واستعبد العباد ودمر البلاد . فكيف بمن جاهد نفسه حتى زكت فجانست العالم                الأعلى وشهدت ما هنالك من بهاء وضياء ونور وجلال . منحنا الله التسليم لله تعالى ولرسوله eوالأدب               مع القرآن المجيد . وورد فى الحديث أن لكل حرف من القرآن ظهراً وبطناً وحدا وًمطلعاً . فتح الله  لنا كنوز القرآن وسقانا جرعة من شرابه الطهور ، وأعاد لنا مجد سلفنا بالعمل إنه مجيب الدعاء .

قوله تعالى : ]ذَلِكَ الْكِتَابُ[أشار سبحانه وتعالى إلى الكتاب باسم الإشارة الدال على البعد مع أن                      الكتاب قريب من الذاكرة فأشار إليه بما يدل على البعد لعلو مكانته أو لعظمة منزله سبحانه ، والكتاب                   هنا هو القرآن ]لاَ رَيْبَ[أى لاشك ، والريب هو شك مع سوء ظن. ومعنى انتفاء الريب عنه كمال               التحقيق بأنه منزل من عند الله تعالى وأنه صحيح ومعجز . وتلك الحقائق معترف بها من أعدى أعداء القرآن          لأن فطاحل الفصحاء من سادات العرب عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله وعجزهم هذا حجة قاطعة علىعجز           غيرهم من العالم أجمع بالأولى . فإذا شك ممرور أو متعوه لا يعتبر حكمه على الكتاب بأن فيه ريباً . كما لو ادعى صناع أوربا بأن علماء الأزهر يجهلون الأحكام الشرعية مثلا كانت دعواهم باطلة ، لأنهم ليسوا  أهلا للحكم على هذا ، والجاهل عدو نفسه فكيف يحكم على غيره ، والخبر إنما هو لعاقل ثبت لديه علو القرآن الكريم علواً سجدت له عقول فرسان البلاغة . فالقرآن المجيد من حيث نظمه معجز ، ومن حيث  أخباره عن الأمم السابقة صادق ومن حيث الأدب الذى أدب الله به أنبياءه وأولياءه جذاب للأرواح ،  ولو أنا شرحنا فضائل القرآن وما جمع الله فيه من العلوم والأسرار لعجزنا عن حصرها . وقد بينت فى  كتاب ( الإسلام نسب ) بعض العلوم التى احتوى عليها القرآن . وللكتاب العزيز أسماء كثيرة منها : القرآن ، والفرقان ، والنور والذكر ، والتبيان ، وغيرها وكل اسم من هذه الأسماء علم على آيات دالة على معان خاصة بهذا الاسم يعلمها من جعل الله لهم نوراً فى قلوبهم .

       

 

 

 

 

قوله تعالى : ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ... ( 2 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى : ]فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ[كلمة ( فيه ) إن كانت خبراً ( للا ) فى ( لا ريب ) فهى لنفى  الريب عن الكتاب وإن كانت خبراً مقدماً لهدى فهى لإثبات الهداية . وعلى جعلها خبراً  للاريب يكون ]هُدًى[حالا عاملها اسم الإشارة وهو صفة للكتاب : والقرآن هدى للعالمين كما  أن رسول الله eرحمة للعالمين والهدى هو الدلالة والبيان والقرآن دال مبين . وإن كانت الدلالة  لا تقتضى لذاتها نيل البغية ولا الوصول إلى الغاية المنشودة لأن الله جل جلاله جعل الدلالة حجة   لمن سبقت لهم منه سبحانه الحسنى . وجعلها حجة على من سبقت لهم السوى فصدهم الشيطان                               عن السبيل . فالكتاب الكريم دال مبين موصل للبغية فى الحقيقة ونفس الأمر . ولكن من أعمى  الله بصائرهم فى آذانهم وقراً وعلى أبصارهم غشاوة يكون عليهم عمى . وتلك الحقيقة تظهر آثارها فى أهل النفوس الخبيثة ، الضالين المضلين الذين حرموا العقل الذى يعقل عن الله فاشتروا الضلالة بالهدى ،  والعذاب بالمغفرة . وقفوا عند العقول المكتسبة التى تفوق عليهم فيها صناع أوربا وأمريكا فحكموا بها على الغيب المصون ، كما حكم الصناع على المادة من أجسام المعادن . وهؤلاء شر على المسلمين من الشيطان  الرجيم وأضر من الوحوش الكاسرة ولا يخلو عصر من شياطين الإنس الذين يبدلون نعمة الله كفراً وهم  الأخسرون أعمالا فى الدنيا ، عمار الدرك الأسفل من النار فى الآخرة لأنهم يدعون الإسلام وهم أعداؤه  الألداء . حفظنا الله من شرورهم . ومثالهم فى هذا الكون المحسوس كالخفافيش التى تنكر ضوء الشمس  لضعف أنصارها . والشمس علية جلية : إذن فالقرآن هدى حقيقة للمتقين وهو حجة على من لم يسعدوا بتوفيق الله إياهم . والتقوى خوف يهجم على القلب يجعله يراعى الأدب خشية الوقوع فى الغضب . والتقوى لغة هى الوقاية من الوقوع فيما يضر دنيا أو ديناً . وهى أربعة أنواع : تقوى النار ، وتقوى اليوم ، وتقوى الرب ، وتقوى الله تعالى . قال سبحانه : )فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ(وقال تعالى : )وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ(وقال جل جلاله )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ(وقال عز وجل )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ      آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ(وهناك تقوى أخرى وهى السياسة الحكيمة التى يراعها أهل الرحمة فى أخلاقهم ومعاملتهم            لدوام الصفاء ومداراة للناس – أما السياسة التى هى الخديعة والكيد فهى من أخلاق الشياطين ، وكم                     دمرت مدناً. وأبادت أمماً .حفظنا الله من شرور أهلها ، وتقوى كل مسلم بحسب مقامه فهى عند العصاة                 التوبة النصوح . وعند العلماء : الخشية من الله تعالى . وعند أهل مقام الإِحسان : مراقبة جلال الله تعالى             وعظمته سبحانه حتى يكون المتحقق بمقام الإحسان كأنه فى معية الله تعالى يراه حقيقة أو يعتقد أن الله                يراه ، ومسلم يعتقد أن الله معه بعلمه وسمعه وبصره كيف يغفل عن ذكره أو يتعدى حدوده . وهنا يحسن                .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن نبين تقوى أهل مقام الإيمان فى معنى قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) وهى أن توحد الله فلا تجحده ، وأن تشكره فلا تكفره ، وأن تطيعه فلا تعصيه ، وأن تذكره فلا تنساه ، وهى التقوى التى منحها الله رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام وورثتهم وهى عندهم أيضاً انكسار القلب  بين يدى مقلب القلوب والأبصار . ودليل ذلك قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) فلكل مسلم مقام فى التقوى . والقرآن هدى حقيقة وفيه هدى ولكن للمتقين وعلى غيرهم  عمى – وصرف أهل الضلال عنه أو معارضة أهل النفوس الخبيثة له لا يمنع من أنه هدى بل تقوم الحجة على أن هؤلاء القوم أضل من الأنعام . قوله تعالى ]الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ           وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنفِقُونَ[سمعت الأرواح عن الله تعالى قوله (فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) فاشتاقت إلى أن يبين              الله تعالى لها خصال المتقين من عقيدة وأعمال وأحوال ومعاملات وأخلاق والله أعلم بمراد عباده وبما به نيل         كمالهم فبين الله لنا ما اشتاقت إليه أرواحنا ، وعلى هذا يكون (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) صفة للمتقين                    والإيمان هو تصديق المتكلم فيما يخبر عنه . تصديقاً يقتضى لذاته المسارعة إلى ما يأمر به من الخير ويحث          على التباعد عما ينهى عنه من أنواع الشرور وفوق الإيمان علم ، وفوق العلم ذوق الذوق شهود ، به                  طمأنينة القلب ، قال سبحانه لخليله )أَوَلَمْ تُؤْمِن(وقوة الإيمان تكون بحسب قوة الذى يبين لنا هذا                       الغيب بالعبارة فالإيمان بأخبار الرسل أقول مراتب الإيمان لأنهم أقاموا الحجة بالمعجزة على أنهم رسل                 الله إلينا . وليس كل إنسان يحتاج إلى المعجزة لأن الله سبحانه وتعالى خلق نفوس أهل الإيمان من نور              ملكوته وهم أهل التسليم للحكمة متى سمعوها . وأكثر من سارعوا إلى الإسلام هم خيرتهم ، والذين                     يحتاجون إلى المعجزة إذا ظهرت لهم سلموا وأسلموا – أما النفوس التى خلقت من أردأ جواهر النفوس ،             فإنهم لا يسمعون إلا بالقوة القاهرة وهم المنافقون ولا يخلو منهم زمان . فإن أنواع النفوس التى خلقتها الله             تعالى لا تختلف حقائقها فى كل زمان : فمثل النفوس العنادية ، والنفوس النزاعة إلى الجحود ، والنفوس               الإنكارية ، والنفوس السبعية ، والنفوس الإبليسية . لا يخلو منها زمان . وهم أعداء الحق وعباد الحظ                والهوى كما أن النفوس التى صيغت من أصفى الجواهر النورانية نزاعة إلى الخير والحكمة ، لأن الله تعالى            وهب لها القابل لهذا الفيض المقدس .

هذه الآية الشريفة من جلائل آيات الثناء والمدح لأهل الإيمان ، وكم من آية مدح الله بها المؤمنين                     مدحاً وقف العقل عن إدراك حكمة هذا المدح والثناء . كما أنه سبحانه وتعالى أكثير فى الكتاب العزيزمن ذم الكافرين والتشنيع عليهم ، وقد التبس على كثير من أهل العلم هذا الموضوع حتى وقعوا فيما حظر الله عليهم فصار بعضهم يكفر بعضاً لجهلهم بحقيقة العلم والإيمان ، وما كان لمسلم أن يكفر مسلماً                .

 

 

 

 

قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ... ( 3 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذا خرج مما دخل به وهو الإقرار بالشهادتين واعتقاد وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج . ومتى كان           المسلم مجملا بهذه الحقائق فهو مؤمن لا يكفر بخطيئة يعملها ، ولا بترك سنة سهواً أو نسياناً أو غفلة ولا            بفهم حكم من أحكام الشريعة يخالف فيه غيره من نظرائه ما لم يجحد معلوماً من الدين بالضرورة . وهنا             أعراف العلم والإيمان ليتميز المؤمن والعالم وليرتدع الذين يحكمون على أهل الإيمان بالكفر فإن ذلك حكم           بكفر من كفر من ليس بكافر عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم وعند العلماء الراسخين فى             العلم ونحن لا نزال نرى فى بعض كتب العالم الحكم بكفر بعض طوائف من المؤمنين ، لمخالفتهم فى رأى             أوفهم أو عقيدة .

العلم : المعلوم لا يكون علماً للنفس إلا إذا تصورت رسومه – إذا تقرر هذا فالعلم تصور النفس                         رسوم المعلوم فى ذاتها ، وشتان بين هذا وبين الإيمان الذى هو تصديق المخبر فى خبره من غير أن تتصور          النفس رسوم المعلوم فى ذاتها . وبين العلم والإيمان فرق عظيم جداً عند العلماء الربانيين .

والإيمان كما تقدم هو تصديق المخبر فيما أخبر به . فإذا ارتاض ونظر بعين المتدبر المفكر اشتاق إلى                العلم فحصل العلم النافع الذى يكسب القلوب خشية من الله تعالى لأنه يتمثل صورة المعلوم على جوهر                نفسه فيكون كأنه يرى المعلوم رؤية تأثير على النفس والجسم والحس تحفظ الجوارح من تعدى حدود الله وتحفظ الجسم من الوقوع فيما حرم الله وتحفظ العقل من التخبط فى بيداء الحظ والهواء ، ولابد من الإيمان قبل العلم وإلا عاش الإنسان جاهلا لأن أخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الله تعالى بما يجب  على الناس أن يصدقوا به من معانى الكمالات الإلهية ، وتنزيه ذاته عز وجل وما وصف به نفسه سبحانه  وتعالى لا تدركه الأرواح فضلا عن العقول لأن النفوس لا يمكنها أن تتصور رسومه أو تبين معانيه قبل التصديق الذى هو الإيمان والإقرار الذى هو حجة على التصديق بل وقبل مجاهدة النفس لتزكيتها  وتطيرها من كثافة الجهل وظلمات العقائد والآراء الفاسدة والحظوظ والأهواء .

الإيمان هو الإقرار والتصديق بدون تصور رسوم المعلوم فى ذات النفس ، وبذلك يظهر الفرق بين العلم والإيمان ، ولذلك دعا الأنبياء أممهم إلى الإقرار والتصديق أولا ثم حثوهم على طلب المعارف الحقيقية بدليل قوله عز وجل :)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ(ولم يقل سبحانه يؤمنون بالشهود ثم حثهم على طلب  العلم بقوله تعالى : )فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ(– ثم مدح فقال : )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَدَرَجَاتٍ(وقال تعالى : )  وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ(وكفى بهذا فرقاً بين  العلم والإيمان .

وأول الإيمان هو تصديق الأنبياء للملائكة فيما يخبر ونهم عنه مما هو فوق إدراك النفوس البشرية                  .

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل أن تخبر الملائكة الأنبياء . فالتصديق بأخبار الملائكة من الرسل عليهم الصلاة والسلام أول الإيمان              وإذن فالتصديق سابق على الخبر كما قال تعالى : )آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ(واعلم          أن الملائكة محتاجون إلى الإيمان فهم متفاوتون فى درجات العلوم كما أخبر الله عنهم فقال : )وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ   مَقَامٌ مَّعْلُومٌ(لأن أشرف الملائكةحملة العريش الذين هم فى أعلى القامات فى العلوم وهم أيضاً محتاجون إلى الإيمان كما أخبر عنهم سبحانه بقوله جل ثناؤه)الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ  رَبِّهِمْوَيُؤْمِنُونَ بِه(وأنت أيها الراغب فى السعادة محتاج إلى الإيمان بقول المخبر لك الذى هو فوقك فى  العلم وأعلى منك فى المعارف إن لم تؤمن بما يخبرك به حرمت أشراف العلوم وأجل المعارف .

واعلم أنه ليس لك طريق إلى تصديق المخبر لك فى أول الأمر إلا حسن الظن بصدقه على ممر الأزمان            لتظهر لك حقيقة ذلك فلا تطالبه بالبرهان فى أوله ، ولكن سلم له وذق من لطيف عبارته وجميل إشارته             وعلىِّ أحواله وشريف أعماله ، ما به تتروح روحك وتزكو نفسك وينكشف لبصيرتك صدق ما يقول                 وحقيقة ما يفعل .

ظهر لك يا أخى سر قوله تعالى : )الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ(وإنما اختلف أهل التأويل بسبب العلماء                   الذين لم يحصلوا العلم النافع الذى يجعل النفس تتصور رسوم المعلوم فيكسبها الخشية من الله تعالى ، فحكموا         على المقلد بالكفر ثم اختلفوا فقام ، بعضهم يكفر بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً وصار ، تكفير المسلم عندهم              كتحية بعضهم بعضاً فإنا نسمع عن بعض العلماء أنه يحكم بالكفر على من خالف سنة وذلك كله من الجهل             بحقيقة الإسلام مع أن الله تعالى أثنى على الذين يؤمنون بالغيب ورفع درجاتهم عنده .      

والإيمان الذى هو التصديق ، يورث العلم ولا علم بغيره لأنه متقدم الوجود على العلم إذا الأنبياء صلوات                 الله وسلامه عليهم الأمم بالإقرار بما أخبروهم به بالتصديق بما هو غائب عن إدراك حواسهم وتصور                  أوهامهم فإذا أقروا بألسنتهم سموهم عند ذلك بالمؤمنين ،طالبوهم بتصديق القلب كما قال تعالى : )وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ(فإذا وقع التصديق بالقلب سموهم الصديق كما قال تعالى : )وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَوَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ(.

وأنواع الناس فى العلم والإيمان ثلاثة : نوع رزق العلم ولم يرزق الإيمان وهم المسارعون لتحصيل حطام الدنيا     من يد أهلها بما أتوا من علم الأحكام والاختلافات وعلم اللسان ، وقد حذرنا رسول الله eمنهم . ونوع              رزق الإيمان ولم يرزق العلم وهؤلاء إذا ماتوا على الاستقامة كانوا ممن مدحهم الله تعالى . ونوع رزق الإيمان     والعلم ، وهم الذين أثنى الله عليهم بقوله تعالى : )وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ(وقوله سبحانه : )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَدَرَجَاتٍ(وقوله تعالى : )هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ                          .

 

 

قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ... ( 3 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(ونيل الخير كله متوقف على الإيمان أولا ، ثم على السعى لتحصيل العلم النافع بالبصيرة      النافذة والفكر الثاقب .

قوله تعالى : ]وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ[الصلاة لغة : الدعاء . واصطلاحاً : هى أقوال باللسان وأعمال                   بالجوارح والله سبحانه وتعالى أمرنا بإقامة الصلاة وأثنى سبحانه وتعالى على الذين يقيمون الصلاة وشنع على     الساهين عنها بقوله تعالى: )فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ# الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(والصلاة عماد الدين ، وشكر         بجمع الجوارح لرب العالمين ومناجاته تعالى بكلامه العزيز بها العبد بأجمل حلله التى بها يحمله ربه                ويحبه ويقبل عليه .. وإقامة الصلاة هى خشوع القلب فيها خشوعاً تخشع به الجوارح لمواجهة القلب لمقلبه  فى الصلاة . وفى الحديث القدسى بسند الإمام أبى طالب المكى . قال الله تعالى فى الكتب السالفة :( ليس كل مصل أتقبل صلاته إنما أتقبل صلاة من تواضع لعظمتى ولم يتكبر علىّ وأطعم الفقير الجائع  لوجهى ) وقال رسول الله e: ( من صلّى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشىء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه ) وقد جمع الله لنا فى الصلاة عبادة جميع الأنواع من عمار سمواته إلى رتبة الجماد ، فقيامنا فيها كقيام الحافين العرش ، المسبحين المهللين المكبرين ، وركوعنا تنزل إلى مرتبة الحيوانات إظهاراً  لكمال الذل لله تعالى فى حال القيام له بما فرض علينا . والسجود تنزل إلى رتبة النباتات لنلصق وجوهنا  بالتراب ذكرى لنشأتنا الأولى التى هى من التراب , وشهوداً لما جملنا الله به من الحياة والحس والحركة  والعقل والروح , فنذكر ونشكر . والجلوس للتشهد كالجبال تنزل إلى رتبة الجماد لنشهد ما يتفضل الله به علينا بتسخير جميع مخلوقاته لنا . وحركة الرأس إلى اليمين والشمال تمثل حركة الكواكب السيارة الدائرة  حول محورها خشوعاً لعظمة العظم الأكبر جل جلاله ز وهو الشكر الذى يطيقه العبد المؤمن , فتارك      الصلاة فى منزلة أهل الجحود لأنه ترك الشكر لله على مالا يحصى من النعم .

ومن إقامة الصلاة رعاية أن المصلى واقف بين يدى الله يراه الله عاملا بمحابه ومراضية وهو قد تبلغ  به الجذبة التى يتمثل بها أنه يرى ربه كما قال e: ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) , وهذه هى الإقامة وفيها مشهد أعلى من هذا وهو أن يشهد المصلى أنه عبد أقامه القيوم الموفق فى مقام مواجهته على بساط الأنس , يتملق أمام ربه متذللا خاشعاً آنساً بما يجلى له من سطوع  أنوار معانى ما يتلوه وظهور أسرار حكمة ما يعمل . فيكون فى موقفه عبداً بين يدى الله يعمل عملا يحبه الله   وهو المراد و بقوله r: ( وجعلت قرة عينى فى الصلاة) أما ما يتعلق بالصلاة من وسائلها وأركانها  وآدابها، فقد  فصلته فى ( كتاب أصول الوصول ) فليراجعه من أراد القيام بتحصيل الواجب عليه .

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى : ]وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[الرزق هو كل ما يباح للإنسان أن يتصرف فيه للانتفاع                           به شرعاً , ومالا يباح له أن يتصرف فيه شرعاً من المغصوب أو المسروق أو ما يؤخذ من الناس بالخديعة                    ليس رزقاً شرعياً يقبل الله قربة من تقرب به فى وجوه البر , وإن كان فى الحقيقة رزقاً للعبد المتصرف               وعلى هذا نجمع بين قول المعتزلة وغيرهم فى أن الحرام ليس رزقاً يعنى ليس بالرزق الذى يؤجر عليه منفقة        فى وجوه البر , وإن كان رزقاً للعبد يأثم على نسبته إلى نفسه وتصريفه فيه .

والحقيقة أنه لا خلاف بين العلماء لأن الخلاف لفظى فالمعتزلة صدقوا و الأشعرية صدقوا . وهذا حجة                  على قولنا أن الرزق شرعاً هو ما كان من حلال طيب لأن الله تعالى لا يمدح منفقاً من حرام . وذكر                            الرزق هنا لا لأنه لا رزق إلا ما كان حلالا طيباً ولكنه ذكر أشرف الرزق وأعلاه فى مقام التقرب                     إلى الله تعالى لإنفاقه , وأما ما يتصرف فيه الإنسان من غير الحلال الطيب فهو رزق إلا أنه حرام لا يقبله                 الله تعالى , والإنفاق هو خروج الشىء من اليد لانتفاع الغير به كما يقال – نفقت السوق أى باع التجار ما بأيديهم من السلع وأنفق فلان أى أخرج ما فى يديه لغيره والإنفاق عام لا يراد به الخاص , فالنفقة قد   تكون فرضاً كالزكاة والقيام بواجب الزوجة والأولاد والوالدين وفروعهما  ممن تقضى الشريعة على المنفق  بذل ما فى الوسع لهم , وقد تكون ندباً كإكرام الضيف والجار والسائل ومن فى منزلتهم , وقد تكون    فضلا كالمواساة ومساعدة المنكوبين والمداراة عن العرض , وقد تكون النفقة حراماً كالتقرب بالمال   وعمل الولائم والهدايا للظلمة أو لوسائلهم ليستعين بهم على نيل جاه أو منصب أو مال من الغير أو للانتقام  من عدو أو للظهور بين الناس بالباطل كما قال تعالى : ]وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ  وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَىالْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْتَعْلَمُونَ[وهذه الآية  الشريفة جمعت أنواع القربات فأولها الإيمان بالغيب . وهو عمل القلوب خاصة  . وثانيها إقامة الصلاة  وهو عمل الجوارح الناتج عن تعظيم الله تعالى بالقلب , وحب القيام بين يديه بما يحبه ويرضاه شكراً له على عميم النعم التى لا تحصى .

والإنفاق هو العمل المالى الذى تقوم به الحجة على أن المؤمن آثر ما عند الله تعالى على ما عند نفسه  مما به تطيب حياته فى الدنيا , وهو الحجة على كمال إيمانه بالغيب , لأن يوم القيامة من الغيب . وبذل المال لنيل السعادة فيه كمال التصديق بها,وعندى أن قوله تعالى ]وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون[يدل  بصراحة على أن المؤمن واجب عليه أن ينفق من كل نوع من الأنواع التى تفضل الله تعالى بها عليه من العافية والعلم والجاه والمنصب والحكمة والصناعات والفنون , فإن كل ذلك رزق من                         .                                                

 

 

 

                                  
قوله تعالى : والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنقَبْلِك....َ ( 4 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رزق الله تعالى العبد , ومن حصرها فى المال لاحظ أن كل ما ينفق خرج من ملك المنفق . والعلم ينمو بالنفقة فتسمية ماعدا المال بالنفقة تسامح . وردا على هذا نقول إن الله وعد المنفق من الحلال الطيب فى الوجوه الشرعية بعشر أمثال ما ينفق و بسعمائة وبأضعاف ذلك والله ذو الفضل العظيم .

قوله تعالى : والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنقَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ   هُمْ يُوقِنُونَp4i

وهذه الآية الشريفة من ذكر الخاص بعد العام . فإن قوله تعالى]الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ[عام يدخل   فيه كل مؤمن . وقوله تعالى : ] والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ[خاص وفيه  النص على من لم يؤمن بما أنزل على محمد eمن أهل الكتابين أنه ليس على هدى ولا هو من المفلحين  فكل من لم يصدق بما أنزل على رسول الله eليس بمؤمن . لا فرق فى ذلك بين أهل الكتابين وغيرهم ، والإنزال هو وصول الشىء من الأعلى , والكتاب العزيز أنزله الله تعالى على رسول eمن   حضرة العزة والذى نزل به جبريل ، ولا مانع من أن يكون الله تعالى خلق ما أنزله كتابة فى اللوح المحفوظ أو خلق عبارات الكتاب بقوة الإلهام فى جبريل ، وأن السفرة استنسخوه من اللوح المحفوظ  وأنزله الله تعالى إلى سماء الدنيا فى ليلة القدر . كل ذلك جائز . وجائزغير ذلك .

واليقين هو محو الشك والريب بما ينتج الإيقان بالآخرة والإقرار بأن القيامة لا محالة كائنة ، هى                     النشأة الآخرة ، وأن الخلق كلهم يبعثون ويحشرون ويحاسبون بما عملوا من خير ومعروف ويجازون بما              عملوا من شر ومنكر أو يغفر الله لهم وهو الغفور الرحيم .

ذكر هنا الإيقان بالآخرة أنه الحجة التى تقوم على أن العبد الموفق سبقت له الحسنى من الله تعالى                     وكيف لا والإيقان بالآخرة يمثلها للعبد بما فيها من نعيم مقيم للروح وللعقل والجسم والحس ، ومن عذابأليم حتى كأنه يراها فينجذب بكليته إلى نعيمها ويفر من عذابها . وإنما ينال نعيمها بالتمسك بالكتاب والسنة ويقع العبد فى عذابها بترك العمل بشرائع الإسلام . ولا تكاد ترى ناسياً للآخرة إلا وهو يعمل ما يغضب الله ورسوله eويغضب الخلق . قال تعالى )الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا(   وقال سبحانه )بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(وما آمن من صدق بيوم الحساب ووقع فى معاصى الله فإن التصديق  الكامل يجعل المصدق لا ينسى يوم القيامة .

ولما أن بين الله لنا صفات أهل التقوى الذين ذكرهم فى قوله تعالى )هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ(يبن سبحانه  ما تفضل به عليهم بقوله: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُالْمُفْلِحُونَp5i  وتأويل ذلك أن  الله سبحانه وتعالى منحهم من العناية والتوفيق ما جعلهم يستعلون على الهدى ويتمكنون منه تمكين اليقين              .

               

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحق . وفى تعالى]مِن رَّبِّهِم   [شارة إلى أن الله أشهدهم من مقامات التوحيد العلية ما جعلهم   يرون توحيد الفاعل المختار وتفريده سبحانه بالإيجاد والإمداد , وللروح أن تحتسى من تلك الآية شراب تلقيها من ربها بالإلهام تستبين به لها وجوه الحق والصواب فى كل أمر كما قال سبحانه وتعالى ]إَن تَتَّقُواْ اللّهَ  يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً[وقوله تعالى]وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [وفى الآية من الأسرار العلية  ما لا يمكن أن يباح به إلا لأهل الخصوصية ممن جملهم الله تعالى بصفات أهل المعية المحمدية بصريح قوله تعالى  )  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ(الآية.

قوله تعالى : )وَأُوْلَئِكَ هُمُالْمُفْلِحُونَ(هذه الآية تدل على اختصاصهم بالإفلاح  دون غيرهم ، فإنه                سبحانه لو أولئك لما دات على اختصاصهم فإن لفظة هم عينت الاختصاص ، والمفلح هو  الفائز بكل قصوده فكل من وفقه الله تعالى فجعله بما ذكره سبحانه من الصفات فى تلك الآيات فهو  مفلح . أى فائز بقصده . والمقاصد تتفاوت فمن طلب الله فاز بقصده ، ومن طلب الرضوان الأكبر أو مقعد صدق أو الفردوس الأعلى أو غيرها نال مقصده .

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْتُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَp6i                                          خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْغِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌp7i                                     

افتتح الآية بحرف التوكيد راحة لرسول الله eمما كان فيه من الحزن الشديد على حرمان                           قادة قريش وأحبار اليهود من الإسلام مع شدتهم عليه e، فلما أكد الله تعالى خبره عنهم بأنه                         استوى عندهم الإنذار وغيره علم eأن إسلامهم مستحيل . ولما كانت حقيقة الكفر لم تظهر                          لكثير من الناس أردنا أن نبينها لانا نراهم يحكم بعضهم على بعض بالكفر فيما ليس بكفر ، ويلعن                   بعضهم بعضاً ، وقد يكون الحاكم على غيره بالكفر مرتكباً ما به يكفر عند الله باتخاذه أعداء الله                      أولياء من دون المؤمنين والله تعالى يقول : )وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ(والكفر فى اللغة : هو                    الجحود والستر ، وشرعاً هو عدم تصديق الرسول فى شىء مما علم بالضرورة مجيئه به . وما جاءنا به            رسول الله eإما يكون قد علم من الدين بالضرورة أو بالدليل أو بخبر الواحد فإنكار ما علم من الدين                بالضرورة كفر صريح كما قررنا وأمثلة الجحود إنكار توحيد الله تعالى أو البقاء له سبحانه أو إنكار                    وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج والبعث وحرمة الربا والخمر وكفر منكرها ، لأنه ترك تصديق                 الرسول فيما علم من الدين بالضرورة – وأما غير هذة فلا يحصل به كفر كالاختلاف فما ثبت بالدليل أنه من الإسلام وذلك كالخلاف فى إثبات رؤية الله وعدم رؤيته يوم القيامة ، أو الخلاف فى أنه عالم بذاته                       .

 

 

 

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْتُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ... ( 6 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أو بعلم زائد أو أنه خالق أعمال العباد أم لا . كل ذلك لا يوجب الكفر ، وكذلك أقوال أهل الخشية  من الله تعالى فى تأويل ما لم يعلم من الدين بالضرورة ليس بكفر كتأويل الخلف من علماء الأمة ( اليد  بالقدرة ) والقول فى إثبات الرؤية أو عدمها وفى خلق أفعال العباد مما لم يثبت بالدليل لأن علم تلك  الحقائق ليس من الإيمان إنما هو فوق الإيمان وفوق الإيمان علم فذوق وكشف . والإيمان إنما هو التصديق  بالغيب فقط ، فإذا كمل الإيمان وجب على المؤمن أن يحصل العلم الذى به تنكشف له تلك الحقائق كما قال تعالى )فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ( وقال تعالى )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينأُوتُوا الْعِلْمَدَرَجَاتٍ(– أما ما لا سبيل إلى تحصيله إلا بطريق الآحاد فإن لم يصح لديه خبر الواحد فليس  بكافر شرعاً . إذن فكل من يرمى المسلم بالكفر من غير أن يكون جحد ما علم من الدين بالضرورة فقد استظهر على الله تعالى لأنه حكم على المؤمن عند الله تعالى بأنه كافر ، والله تعالى يقول : )أَن لَّعْنَةُ          اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(– وقد حكم الله بالإيمان لمن ضرب بعضهم رءوس بعض . قال تعالى )وَإِن طَائِفَتَانِ    مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا(الآية : فليتق الله أهل الجهالة بحقيقة الإسلام وليتأدبوا بآداب الله  تعالى لنا فى قوله سبحانه )لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ(.

قوله تعالى : )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ(.

الآية خبر من الله تعالى عن قوم مخصوصين دعاهم رسول الله eإلى الإسلام فعاندوا وحاربوا ،                      والظاهر أنهم قادة قريش وأحبار اليهود . أما قادة قريش فلأنهم فى بدر . وأما أحبار اليهود                             فلأن الآية السابقة كانت خبراً من الله تعالى عمن آمن منهم وهو تعالى : (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَاأُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ)  فناسب أن تكون الآية من عاند وجحد منهم لأن كثيراً من الكفار أسلموا وحسن إسلامهم فلا يجوز أن تكون تلك الآية عامة لكل كافر لما بينا – و (أنذرتهم ) خوفتهم وحذرتهم – والإنذار التبليغ مع التخويف و( لا يؤمنون ) لا يصدقون .

أما قوله سبحانه وتعالى : )خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْغِشَاوَةٌ وَلَهُمْعَذَابٌ عظِيمٌ(.

فبيان ذلك أن القلوب والأسماع أوعية وظروف لحقائق الغيب توضع فيها كالأوعية والظروف التى                      يستعملها الناس لحفظ ذخائرهم فإذا ختموا عليها استحال دخول شىء فيها أونيل شىء منها إلا بقك                       الختم فكذلك إذا ختم الله على القلوب والأسماع استحل أن تقبل نور الإسلام والإيمان مادام هذا الختم .                 والختم والطابع سواء ، والختم على القلوب والأسماع أى قفلها عن يصل إليها نور الإيمان والتسليم ،                  .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولما كان ما فى القلوب غيباً مستوراً عن الأبصار والعقول كان الإعراض عن الإيمان وجحود ما علم من              الدين بالضرورة دليلا قاطعاً على أن الجاحد ختم الله على سمعه وقلبه ، وأعراض مرض الكفر هى الكفر            والإعراض عن الحق واحتقار أهله والمسارعة فى أعداء الحق وتقليدهم وسوء الأدب مع الحق سبحانه                حفظنا الله من السلب بعد العطاء ، وما يقوله بعضهم من أن الكفر والإنكار والجحود هو الختم ففيه                       تجوز وتسامح . فإن الختم سبب لعمل كل منكر والخلاف بين المفسرين لفظى ، والحقيقة أن الله تعالى  ختم على قلوب وأسماع من سبق فى علنه أنهم أشقياء . ولا خلاف بين قوله تعالى ( كَفَرُواْ) فى أول  الآية ، وقوله سبحانه )خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْغِشَاوَةٌ (لأن الكفر شرصفات الإنسان والمتصف به يسمى كافراً ويحكم عليه بأنه كفر ، والله جل جلاله حكم علينا بما يليق بنا كما حكم لنا بما نحن أهل له وأخبر عن نفسه بما يناسب جلاله وعظمته فقال )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ(لأنهم جحدوا الحق وستروه عن الخلق فى هذه الآية وهم أحبار اليهود الذين أخذ الله تعالى عليهم العهد أنهم   يؤمنون برسوله eإذا بعثه الله للناس كافة – وقد بشر به الأنبياء عليهم السلام أممهم فجحدوا  الحق الذى يعلمونه وستروه عن الخلق ، فالجحود وقع منهم بعد العلم فنسب إليهم . والختم نسب إلى  الله تعالى أنه هو الفاعل المختار كما نسب الإمناء لنا والخلق له سبحانه . ونسب لنا الشرب وله عز وجل                    إنزال الماء فقال تعالى )أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَأَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ(.

والأقدار إنما تبرزها القدرة على يد مظهر لها ، فتنسب إلى المظهر من حيث احتياجه وانتفاعه ،                          وينسب إلى الله تعالى ما يليق به من حيث إيجاده والتفضل به . وفى هذه الآية شميم من عبير التوحيد  فى قوله تعالى )خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ(. فإن خبر الله تعالى بأنه ختم يحير عقول المتكلمين حيرة تجعلهم يقعون فى الاختلاف وتأييد أنفسهم بالأدلة . وتلك الأدلة التى يقيمون الحجة بها لم توضع للغيب الذى هو فوق الماء . بل وفوق العقول والأرواح ، لأن تلك الموازين إنما وضعت لاستنتاج نتيجة من مقدماته بحسب تصورها أو تصديقها أنها تؤدى إلى حقيقة معينة كقولك : الإنسان متغير وكل متغير حادث ينتج أن الإنسان لا بد له من محدث ، لأنا رأينا تغير الإنسان المتغير لم يكن وجوده بنفسه بل بغيره  فتنتج النتيجة ولكن العقول مهما صفت جواهرها بل والأرواح ولو من أعلى عليين لا تعلم ما غاب عنها من كمال وبهاء ونور وجمال وجلال الله تعالى إلا بخبره سبحانه عن نفسه . ولا سبيل إلى نيل السعادة يوم القيامة إلا بالتسليم بما جاءنا به رسول الله eمما ليس بمستحيل عند العقل .

وخير الأمة سلفها . ومذهبهم التسليم بعد أن قامت الحجة فأسجدت العقل للمعجزة الباهرة التى                            .

 

 

 

قوله تعالى : خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْغِشَاوَةٌ .... (7) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أجلها وأعظمها القرآن المجيد وهى بمنزلة قوله : محمد عبدى ورسولى إليكم أقمته مقامى فى تبليغكم                   ما يجب عليكم لى وما أحبه منكم من العقيدة الحقة التى أنزلتها فى كتابى والعبادة المتعينة عليكم شكراً                                      لى والمعاملة الحسنة التى بها تسعدون فى الدنيا بالرحمة والتعاون والتعاضد والأخلاق الجميلة التى تكونون                       بها أشبه بعالم الطهر والصفاء عالم عالين , فبين eبقوله وعمله وحاله وإقراراته فى الشئون التى رآها أو             علم بها محاب الله ومراضيه , ولم يبق من حاجة إلى الاشتغال بالأقيسة التى وضعها اليونان لكشف              الحقائق التى لا بد منها للذين يريدون علم خواص المادة التى تحيط بهم . وهذا العلم لا تنكشف به  آيات الله فى مكوناته فكيف تنكشف به كمالاته تنزه تعالى . فالمشغولون بالأدلة المنطقية ليزنوا بهاالغيب المصون وضعوا الشىء فى غير محله لأن الأقيسة المنطقية وضعت لحفظ الذهن من الخطأ فى الحكم فى تدبير الفرد والمجتمعات لا لينفذ بها من أقطار السموات والأرض ليصل إلى الغيب كما يصل راكب القطار إلى مقصده كما وضعت الهندسة للمساحات والحكم بها على ما يلزم الزراعة والتجارة والمدن والرى  من آلات وأدوات وأمكنة . وكما وضع الحساب لضبط الأموال والأعيان والمحاصيل وكذلك علم الجبر  واللوغاريتم وعلم الهيئة وغيرها فإن كل منها وضع للانتفاع به فى شأن خاص .

قوله تعالى : ]وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ[. بعد أن سبحانه أنه خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلّى                                         سَمْعِهِمْ حكم بأن أبصارهم غشاها من الظلمة .ما حجبها عن رؤية آياته الدالة على كمال قدرته , وعما                 أظهره سبحانه من المعجزات على يد حبيبه محمد e, مما جذب قلوب من سبقت لهم منه الحسنى .                  والغشاوة معلومة لغة وهى ما يغشى الأبصار فيخفى عنها الحقائق . وهذه جملة خاصة لم تتعلق بقوله                    ( خَتَمَ ) وهنا إشارة إلى أن الله تعالى قدر للسعادة العظمى قابلا فى العبد وفيضاً مقدساً منه , فمن                          لم يتفضل الله عليه بالقابل حرم السعادة ولو كان من قرابة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم , ومن                       منح القابل ولم يتيسر له الفيض المقدس على يد مرشد دال حرم السعادة أيضاً , لأنه سبحانه بعث  حبيبه eفانقسم الناس إلى ثلاثة أقسام – قسم سبقت لهم الحسنى وهم الذين انتفعوا برسول الله eوقد أثنى الله عليهم بقوله ]هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ[إلى قوله ] وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[وقسم حرم الانتفاع  وسجل عليه القضاء بالكفر وهم المذكورون وفى الآية ممن قدر عليهم أن يؤذوا السل عليهم السلام وهم قوم مخصصون , لأن من أثنى الله عليهم كانوا كفاراً قبل بعثة رسول الله eفأسلموا وحسن  إسلامهم – وقسم ثالث . منحوا الفيض وحرموا القابل فمالت بهم الأهواء وهم المنافقون الذين لم تصف  جواهر نفوسهم فتتصور رسوم المعلوم تصوراً يقوى به اليقين , لأن الإيمان لون واحد والكفر لون واحد                         .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والنفاق ألوان متعددة  ,وقد أفرد الله السمع وجمع البصر لأن المراد هنا السمع به عن الحق  سماع قبول – لا الأسماع التى تسمع داعى الشهوة والحظ والعلو فى الأرض والهوى , وجمع الأبصار لأنها لا تشهد ما يدل على الحق صريحا كالسمع فإن السمع يصغى إلى كلام الله تعالى الدال على كماله وجماله  وجلاله وبهائه وضيائه ونوره بل ويصغى إلى الإشارات بخلاف الأبصار فإنها إنما ترى المظاهر فتوصل صورها إلى الخيال والخيال يمثلها للعقل والعقل يوصلها إلى جوهر النفس فتحكم بحسب صفائها أو شوبها  فقد يرى البصر الحقيقة فتصل صورتها إلى النفس فتحكم بشهوة , وقد تصل صورة تلك الحقيقة إلى نفس  أخرى فتحكم بعطف ورحمة . وتصل إلى نفس أخرى ببدائع إبداع صنع الله تعالى وعجائب قدرته ,    ولهذا جمع الأبصار , وأفراد السمع .

قوله تعالى :]وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ[

العذاب العظيم هو النكال الشديد وهذا خبر من الله تعالى توعد به أهل الكفر وهو أرحم الراحمين    فقد يرحم ويغفر , ومن الجهل الاختلاف فى تلك المواضيع بعد أن وردت صريحة فى القرآن فإن الله  تعالى لا يبلغ العقل أسرار أقداره ولا حكمة تقديره . وما أختلف إلا من قاسوا الغائب بالشاهد , وهذا القياس إنما يحسن فى قياس الغائب على الشاهد إذا كان من جنسه أو نوعه , ولكن من الحمق أن نقيس   غائباً بمشهود , والغائب لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار . وليس كمثله شىء فى كل شىء والواجب  على أهل العقول أن يقفوا موقف الأدب. فإن سوء الأدب يوقع فى الغضب , وكيف يحكم العقل المخلوق  المقهور على الرب القاهر الخلاق وهو سبحانه خلق الخلق وقدرا آجالهم وأعمالهم وأجبرهم عنهم بما شاء أن يخبر فمن دلائل السعادة وسابقة الحسنى التسلم  لله فما أَخبر , وطاعته فيما أمر والمسارعة إليه بما يجب من غير شك ولا ريب , ولا تحكم للعقل , فهو يعذب من شاء ويغفر لمن شاء لحكمة تخفى عن الأرواح  فضلا عن العقول , ومن وقف به حظه من الشك والريب فليتب إلى الله وليعمل بقوله : ]وَاتَّقُواْ اللّهَ  وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ [ويترك عقله يسبح فى غرائب الحكمة وعجائب القدرة وبدائع الصنعة , حفظنا الله تعالى   مما يغضب الله ورسوله eومنحنا التسليم – قال سبحانه : ]فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ    فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْتَسْلِيمًا [ومما يجب أن نحكًّم الله   ورسوله فيه ما شجر بين عقولنا وأنفسنا , وبين الخيال والوهم والحس والجسم , بل وبين كل تلك الحقائق  وبين ما جاءنا به رسول الله e.

قوله تعالى :   وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمبِمُؤْمِنِينَp8i

 

 

 

 

 

 

قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمبِمُؤْمِنِينَ.... (8) البقرة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين الله تعالى صفات المؤمنين فى الآيات السابقة بمن حكم عليهم بالكفر فظهر من  كلامه أن الإيمان لون واحد متى أشرق نوره على القلب تمكن فيه فسارع العبد إلى محاب الله ومراضيه - ومن تحصيل العلم المسارعة إلى القيام بما أمر الله تعالى والتباعد عما نهى عنه . وقد ظهر أن الكفر أعاذنا  الله منه لون واحد متى اظلمّ به القلب صار الإنسان ماردا معاديا للحق وأهله, جاحدا كل ما يليق   بالله تعالى من جمال وجلال وبهاء وضياء ونور وكمال .وقد حكم الله تعالى على أهل الكفر بالله فى الآية   السابقة بأنهم لا يؤمنون . وبين لنا سبحانه أن من أهل الكفر بالله فئة هم كفار فى الحقيقة إلا أنهم أخفوا كفرهم بأنواع من الكيد والخديعة فإذا أمنوا أظهروا الكفر والعناد , وإذا خافوا أخفوا الكفر  وأظهروا الإيمان . وهم شر من الكفار لأنهم حفظنا الله من شرورهم يكيدون للمؤمنين . وإذا علموا  منا ما به تمكين الكفار سارعوا فيهم وأعانوهم . فكل ما أصاب المسلمين من استبعاد الأعداء لهم واستبدادهم فيهم هو من هؤلاء المنافقين قاتلهم الله , ولا تزال تلك الكوارث تصيب أهل الإسلام  بسبب هؤلاء المنافقين حتى زماننا , هذا فإن دول الاستعمار لم تتمكن من الشرق إلا بمساعيهم , ولم تظهر فتنة فى دين ولا فى عِرض ولا فى خُلُقٍ إلا وهم فاتحوا أبوابها . فإن أجلى الله المستعبدين تظاهروا بالولاية الكبرى –

والمنافقون الذين أخبر الله عنهم بقوله تعالى : ] وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا [الآية إنما قالوا  ما قالوا عند قوة المسلمين بدليل قولهم فى الآية بعدها ]وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا  نَحْنُمُسْتَهْزِؤُونَ   [أخبروا أنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر كذباً على المؤمنين , لأن المؤمن بالله واليوم  الآخر كملت روحه بالإيمان بالله وكمل جسمه وحسه بالإيمان باليوم الآخر , لأن الإيمان بالله لا يناله العبد إلا بعد صفاء جوهر نفسه من عمى الحظ , وظلمة الهوى . فدعوى الإيمان باللسان من غير أن ينعقد    القلب على حقيقة الإيمان كفر فى الحقيقة ونفس الأمر عند الله تعالى , ولكنه خديعة يدفع بها المنافقون  عن أنفسهم إباحة الدم والمال فيحفظون بهذا الكذب أنفسهم وأموالهم وهذا هو النفاق , وهو لأن يضمر الإنسان الشر فى نفسه ويظهر ما يدفع به الشر عن نفسه , والنفاق مأخوذ من النفق وهو ما يعمله الناس  فى بيوتهم لإخفاء النفائس . وما يصنعه اليربوع فى جحره , وهو نفق له بابان إذا جاءه الصياد من باب                     خرج من الآخر . زمن هذا سمى عمل أهل الكفر المتظاهرين بالإيمان نفاقاً .       

والإيمان باليوم الآخر يجعل المؤمن يستحضر بهجة النفس ونعيم الجسم وشقاء الروح وعذاب الجسم يوم              القيامة فيسارع إلى ما ينال به هذا النعيم المقيم ويدفع به عن نفسه العذاب الأليم : ومن أنكر يوم القيامة وقع            فى هاوية الإباحة والرضا بالحياة الدنيا . فقولهم ]آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ[من إتقان الكيد والخديعة                  .

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد كذبهم القرآن المجيد بقوله ]  وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ[فنفى عنهم الإيمان . فإن الآية اسمية تفيد تأكيد                               الخبر عنهم بخلاف ما قال سبحانه : ما آمنوا . وكأن سائلا سأل عن حقيقة قولهم :]  آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ    الآخِرِ[   وعن سر نفى الإيمان عنهم فأجاب سبحانه بقوله ] يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا[  والخداع أن يظهر                             الإنسان غير ما يبطن كيداً وسوء قصد , وهذا لا يتحقق منهم فى جانب الله تعالى , لأنه سبحانه علام                   الغيوب لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء يخادعون الله إذا كانوا يهودا يعلمون صفاته    فى التوراة – أما إن كانوا من أهل الجاهلية كعبد الله بن أبىّ ابن سلول ونظرائه ممن يجهلون الألوهية  لأنهم لم يؤمنوا بقلوبهم وإن أظهروا الإيمان نفاقاً . فجائز أن يكون الإيمان اعتقاداً منهم أنهم يخادعون    من أنزل القرآن على رسول الله eولكن اليهود كانوا يعاندون حسداً منهم وبغضاً أن تنتقل النبوة إلى   العرب أبناء إسماعيل . نعوذ بالله من العناد فى الحق , وكم من حسود يكره نعمة الله على عبادة ويتمنى أن يدخل النار ولا يرى لعدو له نعمة علم أو هداية . أو ولاية . أو شهرة أو وظيفة .. وكم أحرق الحسد  قلوب من يعلمون الحق فدعاهم الحسد إلى إنكار الحق ونصرة الباطل حسداً ..

وأصول الكبائر ثلاثة : وهى الحسد : وهو شرها لأنه خطيئة إبليس , والطمع : وهو معصية آدم .                    والحرص : وهو سيئة قابيل . ومن تلك الكبائر تفرعت كل المعاصى .. حسد إبليس آدم وخالف أمر الله فلعن وطرد. وطمع آدم فى البقاء فى الجنة فعصى ربه وأكل من الشجرة فأخرجه وزوجته من  الجنة . وحرص قابيل على أخته التى هى حق هابيل فقتل أخاه وكان ما كان . والحسد غريزة من غرائز النفس لا نفارقها , وقد أباحت الشريعة للمسلم الحسد فى اثنين وهما حسد العالم الذى يعمل بعمله   ويعلمه الناس , فالذى يحسده بمعنى أنه يتمنى أن يكون عالماً مثله يثاب من الله على حسده . وحسد الغنى  الذى ينفق ماله فى طاعة الله يحسده بمعنى أن يكون غنياً مثله ويعمل عمله يكتب له حسده فى حسناته ,  وهذا هو حسد أهل الإيمان ويسمى الغبطة , وقد أباحته الشريعة لأنه من فطر النفوس – أما الحسد  الإبليسى وهو تمنى زوال نعمة  الغير فهو شر الذنوب .                      

وفى النبوات السابقة : سئل إبليس عن تجارته فقال : الحسد وأبيعه للعلماء . والظلم . وأبيعه للقضاة .           والكيد : وأبيعه للنساء . والخيانة : وأبيعها للتجار . ويئست التجارة أعاذنا الله منها . وجائز أن يخادع      المنافقون رسول الله المؤمنين فنسب ذلك منهم إليه سبحانه بدليل قوله تعالى : ] فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ   وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِيَجْحَدُونَ[وقوله تعالى : ]مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ[وقوله  سبحانه : ]إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ  [ فنسب المخادعة منهم له تعالى ليكون عذابهم                  .

 

 

 

 

 

قوله تعالى : يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم.... (9) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عظيما بقدر من يخادعون بحسب اعتقادهم , والحقيقة أنهم لم يخادعوا لأن المخادع ينفع نفسه بخداعه ويضر           غيره  ,والمنافقون إنما أضروا أنفسهم ونفعوا غيرهم من المؤمنين . وإن كانوا انتفعوا دمائهم وأموالهم                                   ولكن الله كشف الستر عنهم وأظهرهم لرسول الله eولأصحابه , فأحاط بهم الخزى والمهانة وماتوا                   بغيظهم , وقد بين الله تعالى ذلك بقوله : ]يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم[                                       وفى قوله : ]يُخَادِعُونَ[إشارة إلى المفاعلة التى لا يتحقق وقوع الخديعة فيها إلا بدليل كما تقول : سابق                الرجل الولد . فإذا قلت فسبقه تحقق السبق للرجل , وإن لم تقل لم يتحقق ولكن قوله تعالى : ]وَمَا  يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم[تحقق وقوع الخديعة بهم , وما ترك من الشر من أوقعه الحسد فى الخديعة   فكفر بالله , وكانت مخادعته سبب خلوده فى نار جهنم .

قوله تعالى : وَمَا يَشْعُرُونَ p9i

الشعور إدراك الأشياء بالمشاعر وهى الجوارح – نفى الله عنهم علم ما يصيبهم من العذاب بسبب                    مخادعتهم , لأنهم جهلوا أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور , فأظهروا الإيمان بألسنتهم فرحين بما                   نالوه من مساعدة المؤمنين ومن حفظ دمائهم وأموالهم ونيل قسط من الغنائم , وجهلوا أن الله تعالى حكم                      لهم بمساواتهم بالمؤمنين فى كل شىء , وأخفى علينا ما تكنه قلوبهم من الكفر والعناد لحكم كثيرة : منها سعة رحمة الله تعالى بالصبر عليهم وستر أحوالهم رعاية لمصلحة العباد . وقد خلق الله منهم رجالا أخلصوا لله العمل ورجع منهم كثيرا للحق بعد أن تبين لهم ضلال زعمائهم الذين هم شياطين الإنس مثل بد الله بن أبىّ ابن سلول وأبيرق وغيرها . وهذا الفهم مأخوذ من قوله تعالى : ]لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا  الَّذِينَ كَفَرُوا  [يعنى لو تميز المؤمنون من الكفار فى مكة لعجل الله بفتح مكة وعذب أهلها , ولكنه  رحم ضعفاء المؤمنين فى مكة لأنهم لم يتميزوا من المشركين فى غزوة الحديبية , فكذلك صبرُ الله عليهم  وسِعةُ رحمته لمصلحة يعلمها الله جل جلاله تظهر لنا بعد تنفيذ قدره , وقد أسلم من اليهود رجال كعبد الله  ابن سلام وغيره , وكم من رجال كمل إيمانهم من المنافقين . والله سبحانه له فى كل حدث من الأحداث حكمة .           

قوله تعالى:  فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُمعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَp10i

المرض هو الآفة التى تحل بالعضو لضعفه أو لفساد مزاج من الأمزجة . والطبيب النطاسى هو من يعالج الأمزجة لا من يعالج مركز المرض . وتلك المعالجة هى ما كان عليها أطباء المسلمين .. وقد  رجع إليها الطب الحديث – وإن أطباء هذا العصر يجهلون كثيرا من وظائف الأعضاء . وما علموا  منها إلا ما دوّنه أطباء المسلمين فى كتبهم .. وأما ما كان يعلمه كبار الأطباء من المسلمين بطول التجارب         .

                                                     

 

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبتزكية النفس بالتقوى وبما أودعه الله فى قلوبهم من الرحمة بالخلق فذلك لا يدركه علماء عصرنا هذا              لفقدهم أسباب الوصول إليه , قال سبحانه : ]وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ [والمرض لا يرى , ولكن تُرى أعراضه من ألم العضو وصفرة اللون وذبول الجسم أو بواسطة ( كشف الأشعة ) و وكم من مريض   لا يحس بألم ولا بذبول جسم فلا يشعر كالمرضى بالديدان فى أمعائهم أو بالحصى فى المثانة أو الكليتين  أو الزائدة المعوية ( القولنج ) بأن تلك الأمراض توجد فى الجسم زمناً طويلا من غير أن يحس بها المريض , فإذا حصل مرض آخر أهاج تلك  الأمراض كلها . وقد تقدم أن الألم يسمى مرضاً . وهؤلاء  المنافقون فى قلوبهم شك وريب جعلهم فى أشد الآلام حسداً وغيظاً . ولم يقل سبحانه وقلوبهم مريضة لأن القلوب المريضة لا يؤاخذ صاحبها كالممرورين . وكم أفسدوا قواهم العقلية بتناول المسكرات والمخدرات.  وهؤلاء يُعَجٌلُ الله لهم العذاب فى الدنيا لأنهم خالفوا الشريعة وأضروا أنفسهم فيعيشون فى الدنيا فى ذل ومهانة من الجوع والعرى والألم , لأنهم لم يرحموا أنفسهم ويعذبون يوم القيامة على ارتكابهم ما أضاعوا  به جوهرة العقل الذى يعيشون به فى هناءة وعلم وعبادة .

وفى هذه الآية إشارة لطيفة وهى أن الصحة الروحانية لا تتحقق إلا بعلم التوحيد والعمل بها أمر الله به واجتناب ما نهى عنه , وبذلك يكون كل مخالف للشريعة مريضا بما فى قلبه من الريب  والشك , أم من العقائد الباطلة والآراء المضلة والمذاهب الفاسدة , ولو أنه كان متمتعاً بالصحة الروحانية لظهرت أعراضها عليه من الاستقامة والهداية والمسارعة إلى محاب الله ومراضية سبحانه , وما ظن عقل  من يعتقد عقيدة باطلة بإنكار أخبار القرآن أو بإهانة أحكام الله تعالى إلا كذبته الحقائق . وكيف لا والنفوس خمسة أنواع : نباتية , حيوانية , وإبليسية , وملكوتية , وقدسية . فكل نفس تسلطت على الإنسان قهرته على القيام بما تقتضيه , فكم من شيطان فى صورة إنسان بل ومن سبع كاسر وثعلب  خاتل . وخنزير نجس . وثعبان لاذع فى صورة إنسان . قال تعالى : ]شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنّ[  وقال                 جل جلاله ]إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا[. وإنما تتميز تلك النفوس بآثارها فى الإنسان . قوله تعالى :]فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً[.

أى فزادهم الله بما يظهر من نصرة نبيه eوتأييده ورفع شأن أصحابه . ومن التمكين فى الأرض                           بإذلال أعدائنا , ]مَرَضاً[يعنى ألماً فى القلوب فانتقلوا من شك وريب إلى جحود وعناد . ولولا سيف             الإسلام المسلول على رءوسهم لكانوا شرا من الكفار المجاهرين .

قوله تعالى : ]وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ[ .               

 

 

 

 

 

 

قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْإِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ... (11) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعنى أن الله سبحانه وتعالى يضاعف لهم العذاب يوم القيامة , وكيف لا وهم آلات الكفار التى  يستعينون بها على مناوأة المسلمين وعيونهم وآذانهم عند المسلمين : والسبب الظاهر فى تشديد العقوبة عليهم هو أنهم كانوا يكذبون على المؤمنين فيما أقروا به أمامهم ويكذّبون رسول الله eفيما جاءهم به ,  وقد انطوى فى باطن قوله تعالى : ]يَكْذِبُونَ[كل ما كانوا عليه من الكفر بالله باطنا ً ومن الاعتراف بالإيمان ظاهراً للخديعة ومن تربص الدوائر بالمؤمنين . وإن تلك النفوس لا تزال ولن تزال حتى تقوم  الساعة . ففى كل عصر مؤمنون كاملو الإيمان . وكفار مجاهرون ومنافقون , ولكن أهل النفاق شر من  الكفار  ,لأنهم إذا تمكن العدو من المسلمين سبقوه إلى الإنكار على الأحكام الشرعية , وذم العادات الإسلامية الفاضلة , وتكذيب أخبار القرآن تأييداً لما وضعه أعداء الإسلام فى كتبهم من الأكاذيب التى   يراد بها وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين وغيرهم . ولكن مُنزل القرآن الذى قال سبحانه )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(يمهلهم لحكمة ومصلحة ، ثم ينتقم منهم انتقاماً عاجلا يتمنى المنافق                    منهم أن يكون تراباً ، حفظنا الله من النفاق ومن نصرة أهل الباطل على الحق ومن المسارعة فى أعداء الله           وأعدائنا طمعاً فى نيل عاجل يفنى وشهوة توبق فى نار جهنم .

قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْإِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَp11iأَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ p12i

أخبرانا الله تعالى أن الصحابة الذين علموا ما يقوم من الإفساد فى الأرض باتحادهم بأهل  الكفر بالله من مشركى مكة وغيرهم من اليهود فى خيبر و قريظة و قينقاع قالوا لهمك لا تفسدوا فى الأرض . والفساد لغة : هو تغير الشىء تغيراً يجعله لا ينتفع به قيصر ضارا . ومعنى الفساد فى هذه الآية هو الكفر بالله أو العمل بمعاصيه سبحانه وتعالى من مخالفة السنة وعمل البدعة , ومن ظهور الزنا والربا وشرب    الخمر وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام على طلب الدنيا وإفشاء الحسد فى العلماء والظلم فى الحكام  والخيانة فى التجار والكيد فى النساء , وظهور تلك المعاصى يغضب الله تعالى فيسلط على من تركوا الأمر  بالمعروف والنهى عن المنكر قوماً أولى بأس شديد فيستعبدونهم بإذلال الأعزاء وإعزاز المنافقين كما قال  تعالى ]  وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِلَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا#فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِيبَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ [أفسدوا فسلط  عليهم بختنصر فدمر المدن وأباد أكثر بنى إسرائيل , ثم رحمهم الله وأعاد لهم الملك فأفسدوا الثانية فبعث الله عليهم جبابرة الروم وهم ظلمة إيطاليا فمزقهم الله كل ممزق – أعاذنا الله من الفساد فى الأرض                     .

                                                        

 

 

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد ظلم المسلمون فى عصر العباسيين فسلط الله عليهم هولا كوخان بجيش التتار فمحا دولة العباسيين                                           وها هم أفسدوا الآن بترك العلماء الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر , وترك الحكام تنفيذ الأحكام الشرعية وإهمال الأمة ما يجب عليها من الضرب على أيدى المجاهرين بالمعاصى فسلط الله على الشرق أذل  خلقه من سكان جزر الشمال وجنوبها وجزر المحيط الهادى شرق آسيا , وما كان لأمثال هؤلاء أن  يظهروا على المسلمين الذين كانوا أصحاب الحول والطول والسلطة على القارات والبحار , وإذا ظهر السبب   بطل العجب . وسبب ما نحن فيه من الذل لمن كانوا أتباعاً لنا وخدماً هو العمل بمعاصى الله تعالى جهراً   من غير أن يمنع المجاهر , والواجب أن نسارع إلى التوبة وإلى العمل بمحاب الله ومراضية ليعيد لنا الدولة    على أعدائنا , ويمكن لنا ديننا الذى أرتضى لنا .

يقول الصحابة رضوان الله عنهم للمنافقين : لا تفسدوا فى الأرض بإظهاركم الإيمان لنا فنثق بكم ثقتنا                 بإخواننا الصادقين أنصار الله تعالى وإذا بهم شر من الأعداء لأن المنافقين بإظهارهم الإيمان يأمن                  المؤمنون جانبهم ويقيمونهم مقام أنفسهم فى نصرة الحق والعمل لإعلائه وهم فى الحقيقة أنصار للأعداء                  يعينونهم على الباطل . وقد كشفت تلك الآية ما انطوت عليه صدور الذين يقولون بأفواههم ما ليس   فى قلوبهم من الكيد لأهل الإيمان والنصرة لأهل الكفر .

وهذه الآية الشريفة من معجزات القرآن الكريم – قال سلمان الفارسى رضى الله عنه فى تأويل  هذه الآية : لم يجىء هؤلاء بعدُ , وكأنه يريد أنها ليست خاصة بالمنافقين فى زمان الصحابة فقط لأن خصوص السبب لا يقضى خصوص الحكم , وهؤلاء الأشرار من المنافقين لم يخل منهم زمان . وهم الآن شر على المسلمين من الكفار لأن السلطة لأعداء الدين وهم أنصارهم, وقد كشف الله الستر عنهم وأظهرهم للمسلمين بما جاروا به من محاربة الله ورسوله بأنواع من الاعتداء , تارة على القرآن المجيد  بتكذيب أخباره . ومرة بالاعتراض على أحكام الدين الحنيف فى تعدد الزوجات , أم أنهم باستهانة ما وعدو  الله به . أو المسارعة على أعداء الدين من المستعبدين بالنار والحديد وبالدعاة إلى النصرانية فينصرون أهل  القوة بأموالهم وآرائهم طمعاً فى نيل الجاه والعز بهم أو خوفا ً من أن تصيبهم دائرة : أما الذين ينصرون  دعاة النصرانية فهم شر من هؤلاء . وذلك لأنهم يدعون العلم بين أهل الجهالة بروح الإسلام ، ثم                    يحرفون الكلم عن مواضعه بحجة أنهم يتكلمون بلسان العلم . والعلم برىء منهم .. قال تعالى : )يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِالْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(وقال تعالى : ) مَا أَشْهَدتُّهُمْ  خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْوَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا(وكم أفسد أهل                                            .

ٍ               

 

 

 

قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ... ( 12 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الضلالة الذين يدعون العلم كذباً قلوباً لم تعقل عن الله حكما.

وما هو العلم الذى يدعونه ؟ أهو علم تحليل وتركيب المعادن أم فن بناء الآلات البخارية و الكهربائية ؟                 أم هو معرفة الظواهر الجوية من تصريف الرياح وتسخير السحاب وإنزال الماء وجرى الأنهار .                    واختلاف الليل والنهار ؟ وكل ذلك آيات دالة على أنها فضل الله الذى أكرم به عباده ، قال تعالى : )وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَاكِتَابٍ مُّنِيرٍ#ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنسَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌوَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ(. وقال سبحانه : )أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍمُّبِينٍ#فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ  ( قال تعالى : )صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ(، وقال تعالى : )أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍوَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنيَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ                      أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(.

بينت لنا هذه الآية الشريفه ما عليه المفسدون فى الأرض وهم أهل النفاق الذين يظهرون الإيمان                       ويخفون الكفر ، فإذا ظهر أهل الحق استتر بالخديعة والكيد ، وإذا ظهر الكفر جاهروا بالاعتداء                       على الدين ، وأعانهم على باطلهم من لأخلاق لهم ممن سجل عليهم الشقاء فى الدنيا والعذاب يوم القيامة .               وماذا تقول فى من أعمى الله بصره وبصيرته فنقل كلام أهل الكفر المحاربين لله ورسوله eونسبه                    لنفسه ليفرق كلمة المسلمين ويرد عن الإسلام أهل الجهالة بالدين فينكر وجود الخليل وبناءه الكعبة                      تكذيباً للكتب السماوية جميعها ولكافة الرسل من إبراهيم ومن بعده عليهم السلام . لم ينشروا تلك                        الأباطيل إلا مسارعة فى الأعداء الغاصبين وإلحاداً وكفراً بالله ورسوله ونصرة لمن حارب الإسلام طمعاً                  فى نيل حظ يزول – ومنهم من يسارع إلى من بيده السلطة من أعداء الدين فيعز ويكرمه ويبذل له   ما فى وسعه من المال فى الاحتفال به ليمكن له فى أرض المسلمين ومنهم من يشكو إلى المتسلط لينتصر به  ويظهر للعالم أجمع أنه هو الحاكم العادل .

وقد حكم رسول الله eعلى من يشكو لغير المؤمنين بمفارقة الدين بسند الإيمان البخارى فى كتاب                    الأدب المفرد له قال عليه الصلاة والسلام  : (من شكا لمؤمن فقد شكا لله ورسوله ومن شكا لكافر  فقد شكا الله ورسوله ) وقد يستدرجهم الله فيجرى لهم الخير الفانى على يد المتسلط فيكونون سبباً   فى إفساد القلوب والأخلاق وفى تفرقة الأمة وإذلالها . ومنهم من يجاهر بعمل المعاصى فيجلس فى   الحانات لاحتساء الخمر ويعين على العهارة ومنهم من ينكر إكرام الله لأوليائه فيذم العلماء العاملين بالكتاب            .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والسنة ، ومنهم المتنطعون الغلاة فى الدين ، وكل النافقين لا يخفون على أهل الإيمان بالله ، وكفاهم خزياً              حكم الله عليهم بقوله :  )أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ(.

قوله تعالى : ]قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [

قال العربى : يُقْضَى عَلَى الَمْرءِ فىِ أَيامِ محِنَتهِ حَتَى يَرَى حَسَنًا مَا لَيْسَ بِالَحسنِ

أنكروا إفسادهم فى الأرض  وحصروا فى أنفسهم , والحقيقة أنهم يعلمون حق العلم نواياهم   ومقاصدهم , التى هى محاربة الدين وأهله , ونصرة الباطل وأهلة – ولكن الهوى أخو العمى – غلبت  الشقوة فرأوا الكفر بالله واستعباد عباده للأعداء بدعوى أنهم رجال الإصلاح والحضارة والمدنية وتحريرالأمم خيراً من الحكم بالكتاب لثقله على النفوس الخبيثة التى أصيبت بفقد الحياة الإيمانية والحرمان  من  العقل الذى يعقل عن الله تعالى , فجاهروا بما يمكن أن يجاهر به أعداء الإسلام فى بلد إسلامية – فتحوا  أبواب الفتن على المسلمين ففرقوا كلمة الأمة , ناصروا الأعداء الظالمين أعاذنى الله وإخوتى المؤمنين من  الفتن العمياء الصماء , قال تعالى : ]إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَأَنَّهُم مُّهْتَدُونَ[  والشياطين الذين أتخذهم هؤلاء المنافقون هم طليعة الجيوش الصليبية ( البعثات ) التى تنشر ما لا يرضى من القول فى جانب رسول الله eوالكتاب العزيز والدين الحنيف , وقد ثبت ذلك                           لذى عينين , ووجود أمثال هؤلاء لحكمة اقتضاها تفريد الله تعالى بإيجاد كل شىء حتى يكمل توحيد أهل   الإيمان , فلا يغتر عالم بعلمه وتقواه فيظن أنه بحوله وقوته عَلِمَ واتقى .

والواجب على كل مسلم قهر أهل النفاق بما يبيحه له الدين إذا لم تقهره الحكومة الإسلامية , فإن كل                         مسلم واجب عليه أن ينهى عن المنكر بيده أو بلسانه أو بقلبه  , اللهم إلا المنكر الذى لا تتحمله النفوس  الإسلامية مثل تكذيب القرآن أو إهانة سيدنا ومولانا محمد eفإن الله تعالى قال : ]وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ   الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّاالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ  [والحكم الشرعى فى من ارتد عن الإسلام بإنكار ما علم من الدين بالضرورة أن يقتله الإمام المنفذ للشريعة بعد أن يمتنع عن التوبة , فإن لم ينفذ الحاكم   هذا الحكم طالبته الأمة بتنفيذه أو عرّضت نفسها لما لا قبل لها به من النقم . قال سبحانه : ] وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً[.

قوله تعالى : ]أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ[.

كذبهم الله فى دعواهم الإصلاح بقولهم : )إنٌمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ(, وأتى بالحكم مؤكدا بإن  وباسمية  الجملة تقوية للخبر , واثبت لهم الإفساد , ونفى عنهم الشعور بإفسادهم لغرورهم بأهل السلطة                          .                                         

 

 

 

 

 

قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ......... ( 13) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واعتمادهم عليهم فى نيل الخير ودفع النصر ولو كانوا يشعرون أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعون من لم يرد    الله أن ينفعه لما نفعوه ، أو يضره لما ضروه ، بل لو علموا أن القوى اليوم يضعف غداً ، وأن الضعيف             يقوى وأن الملك لا بقاء له لسارعوا إلى نصرة الحق وتأييده ، وقهر الباطل وإذلاله ولكن القضاء سبق                  والقدر حكم ولا راد لقضاء الله . هذه الآية أخافت قلوب الصديقين وجعلتهم يحافظون على الكتاب                      والسنة مهما منحوا من الشهود أو المعرفة خوفاً من الوقوع فى وعيد هذه الآية ، فإن الله سبحانه لم يقيد              الخبر بفئة مخصوصة ، وقد يسارع  بعض أهل التقوى والصلاح فى فينتج الإفساد فى الأرض ، وأقل                 الفساد فى الأرض الوقوع فى الجدل والمعارضة ، فعلى من تفضل الله عليهم بشىء من المعرفة أو والأحوال           أو المشاهد الملكوتية أن يحذروا الوقوع فيما يفرق المسلمين بإظهار مالا تقوى على قبوله العقول أو بعمل               مالا تسعه السنة التى يعلمها العلماء بأحكام الله الجهلاء بالله وبأيامه وبحكمة أحكامه ، وقد علمنا الله الأدب              إذا قهرتنا سواطع أنوار الحكمة ، وصالت على العقول أسرار الآيات المنبلجة فى الكائنات ، فقال سبحانه :            )  وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَإِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ(. تشير تلك الآية                      الشريفة إلى أن أهل مقام حق اليقين يجب عليهم فى الدعوة أن ينزلوا إلى مقام الإسلام فقط ، رحمة                      بالمسلمين ، وقد نفى أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه أبا ذر الغفارى إلى الربذة ، لأنه رضى الله عنه كان          ينكر ما يراه أمير المؤمنين من تأليف الناس بالحكمة والموعظة الحسنة .

قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَاآمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ                                    هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَp13i

هذا الخبر من الله سبحانه وتعالى بيان لصفة ثانية من صفات المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان مع              المؤمنين كما بينته الآية التالية لتلك الآية وكانوا بعد إيمانهم أمام المؤمنين يغشون الأعداء فى أنديتهم             وبيوتهم ولاية لهم ونصرة ، وإيمانهم هذا يفارق إيمان أهل الإخلاص والاستقامة الذين كانوا يحبون فى   الله ويبغضون فى الله ، ويرون غير المؤمنين أعداء لهم إذا كانوا يعتدون على الدين والوطن . وكل من   سارع فى الظلمة من غير المسلمين كان منهم والقائل )   آمِنُواْ  (هم الصحابة الذين كان يعلمون منهم النفاق  بموالاة الأعداء ، فكانوا إذا خلوا بغير المؤمنين ) قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَاآمَنَ السُّفَهَاء (. والمراد بالسفهاء عندهم  أكثر المسلمين لأنهم كانوا من الموالى الفقراء أو كل مسلم لأن الله تعالى سلب منهم العقل الذى يميز بين الحق  والباطل والسفه والطيش ، وكل من أعمى الله بصيرته وحجبت عنه أنوار الإسلام نظر بعين نفسه وبعين عقله  المكتسب فلم يفقه آيات القرآن ولا أسرار السنة ، بل يرى بعين نفسه الشهوانية ونفسه الإبليسية فيميل              .

                                                                                         ( 5 أسرار – جـ 1 ) 

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لى أن يكون بهيماً مطلقاً يتقيد بأحكام الشريعة المطهرة التى تقهره على فعل المكارم والتباعد عن الرذائل ،                 ويرى هذا الضلال خيراً وحقا وإصلاحاً ، ويرى مجاهدة النفس لنيلها كمالها النفسانى الذى يكون به منعماً             مع أهل الكمال فى فردوس الله الأعلى يوم القيامة ، ومعظماً محترماً رفيع القدر والمنزلة فى الدنيا ، بما تجمل         به من جمال الأخلاق وكمال العبادات وحسن المعاملات . يرى ذلك كله شرا وسفهاً لفقده قوة النفس                   الملكوتية التى إذا تسلطت على الجوارح ألاحت لها سبل الخير وسلكت بها الصراط المستقيم . وكم  من مسارع إلى أقبح الخصال وشر الأعمال مما تدعو إليه الغرائز السبعية والبهيمية ، وهو مغتبط بحظه  مبتهج بما هو فيه من العمى والضلال ، لا فرق فى ذلك بين من حصلوا العلم وبين من لم يحصلوه لأن العلم إذا لم تتصوره النفس الملكوتية كان كالمال إذا ملكه من لاخلاق له ، أو كالعافية إذا منحت لأهل الفساد ، أو كمنصب الحكم إذا ناله الظالم الطاغى الذى لم يرتسم العلم على جوهر نفسه . والكمال إنما هو بالنفوس لا بالدروس ، فإذا تفضل الله على العبد بنفس ملكوتية طاهرة زكية ، ومنحه تحصيل العلوم النافعة بلغ من الكمال مبلغاً يصير به فوق الملائكة قرباً من الله تعالى . وإذا لم يتفضل الله على الإنسان بأنوار تلك النفس وحصل العلم كان شراً على المجتمع الإنسان من الشيطان وأضر من   الوحش المفترس وانحط إلى أسفل سافلين البعد عن الله تعالى لذلك فإن الله سبحانه شنع عليهم وأنزلهم                 إلى الحضيض الأسفل بقوله سبحانه : )أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ(.

وهنا إشارة فى قوله )لاَّ يَعْلَمُونَ(إلى أن الإيمان وإن كان فى الحقيقة تصديق رسول الله e                            فيما جاءنا به ، إلا أن هذا التصديق لا يكون إلا من ذى نفس قابلة للخير الحقيقى مؤهلة للمزيد من                      فضل الله تعالى . ولذلك يقول الله تعالى : )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْقُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىرَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(لأن تلاوة الآيات لا تزيد الإيمان   إلا عند من يعقلها . والعلم هو كمال نفسانى يرد على النفس بالقوة العاقلة ، فنفى الله تبارك وتعالى عنهم  العلم ، ونفى العلم يقتضى فقد النفس القابلة له التى هى محل صورة رسم المعلوم عليها . فإن حقيقة العلم  أن تتصور النفس رسوم المعلوم كما نفى الله الشعور عن الذين يفسدون فى الأرض ويدعون أنهم مصلحون ،  لأن الإفساد فى الأرض يقضى بفقد العاطفة وسلب الرحمة . وإنسان سلبت منه القوة التى بها يعطف على المحتاجين للعطف أقام الحجة على نفسه أنه من شياطين الإنس ، أما من جملهم الله تعالى بالرحمة فهم الذين أمدهم الله بروح منه وأقامهم أبدالاً لرسله عليهم الصلاة والسلام ، وهم غيثه الهاطل على قلوب نظرائهم  المؤهل لنيل السعادة .

 

                                 

 

 

قوله تعالى : وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا... ( 14 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــقوله تعالى : وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىشَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ                                    إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَp14iاللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَp15i

بينت أن الله تعالى خلق الإنسان وجمله بمعانى صفاته ،ليرى فى نفسه وفى الآفاق من بدائع إبداع  صنع الله تعالى , وعجائب قدرته وغرائب حكمته , ما به يفقه إن الله تعالى إنما خلقه ليظهر سبحانه له  لا ليظهر الإنسان لنفسه نافعاً ضاراً مفيداً منازعاً لربه , فيكون من الغافلين إذا لم يسمع يراع أسرار التوحيد ,    أو من الهالكين إن نسى مبدأه ومعاده , أو نسى يوم القيامة كما قال سبحانه : ]نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ  أَنفُسَهُمْ[ وكما قال تعالى : ]نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا[لتلك الحكمة خلق الله أرواح من سبقت له منه الحسنى من نور جماله , وخلق نفوس المنافقين من سافلين وخلق نفوس  الكافرين من أسفل سافلين . فمن سبقت لهم الحسنى منحهم الله تعالى القابل الذى يقبل الفيض المقدس , كما قال تعالى : ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْقُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ    عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىرَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (، وقال تعالى : )وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَالدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ (، وقال سبحانه فى الحكم على الكافرين ولفقد القابل : (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ) الآية ، وقال فى المنافقين لضعف القابل : )وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْآمَنَّا(  الآية لأن الحس تسلط على قواهم فنسوا يوم الحساب . وهؤلاء إذا ظهر أهل الباطل تظاهروا بالكفر ، وإذا ظهر أهل الحق تظاهروا بالإيمان . ولا يخلو منهم  زمان ولا مكان وهم شر من الكفار على المسلمين .

ولذلك ترى فى زماننا هذا كثيراً منهم لتسلط الأعداء على المسلمين . ولا تزال تلك الصفة المذمومة                    لاصقة بهم ، فهم الآن ينكر بعضهم صريح القرآن وينسب إلى نفسه كلام أعدى أعداء الإسلام غير                    هيابَّ ولا وجل ، فلا يبالى أن يواجه المؤمنين بصريح الكفر لاعتقاده قوة الأعداء ، ولا يهمه الجهر بتكذيب القرآن وترك العبادات الإسلامية ، ويبث الروح الخبيثة فى نفوس من يألفونه ، ممن أصم الله  آذانهم وأعمى أبصارهم وبصائرهم ، وكأنه أعادنا الله تعالى داعية للكفر بين المسلمين ، ومع هذا فالله  تعالى يستدرجه وأمثاله من حيث لا يعلمون ، فيمدهم بمساعدة بعض رجال الحكومة أو بنصرة نظائرهم بنظرائهم لهم ، والحق لا يعدم نصيراً .

وهذه الآية الشريفة بينت النوع الرابع من المنافقين الذين بلغ بهم النفاق أن يخفوا الكفر فى  قلوبهم ويظهروا الإيمان لمن يخافونهم من المؤمنين ، واللقاء هو الاستقبال . وقولهم (  آمَنَّا  ) مرادهم به           .     

 

 

             ]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التصديق بالقلب لأن إيمانهم بالقلب متحقق عند الصحابة لجهرهم به , وفائدة الخبر الإخلاص فى الإيمان              وكذبوا لأنهم إذا خلوا إلى مردتهم من كبار المنافقين أى انفردوا بهم قالوا إنا معكم , فإذا أنكروا عليهم                                      إظهارهم الإيمان ووجودهم مع الصحابة منعوا عنهم تلك الشبه بقولهم ]إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ[والاستهزاء               هو الاستخفاف  ,فهم يستخفون بالمؤمنين جهلا منهم أن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور  اعتقاداً بأنه متى سلموا من عقوبة المؤمنين لا يصيبهم شىء بعد ذلك , لأن نور الإيمان لم يباشر قلوبهم   ومعنى الاستخفاف هنا إظهار الموافقة مع إخفاء الشر والسوء فى القلوب , فشنع الله تعالى عليهم بقوله وهو  القوى القهار : ]اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ[نسب الله تعالى إلى نفسه                                                 الاستهزاء بالمنافقين . والواجب علينا أن نتأدب لكاتم الله تعالى , ونعتقد أنه سبحانه ليس كمثله شىء                                         لا فى ذاته ولا فى أسمائه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله , فهو كما وصف نفسه بالمعنى الذى يليق به جل جلاله                           وبصفاته – قال تعالى : ]وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[ والعارفون بالله سلموا له فى كلامه تسليما كما                             سلموا سبحانه فى أحكامه , واستهزاء الله تعالى بهم المعنى الذى يليق به بقدر ما نفهم استخفافه سبحانه                   بهم فى الدنيا وإملاءه من حيث لا يعلمون . وفى الآخرة بما يوقعهم سبحانه فيه بدليل قوله تعالى :  ]يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَانَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ  فَالْتَمِسُوا نُورًافَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُمِن قِبَلِهِ الْعَذَابُيُنَادُونَهُمْ  أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى [ الآية .

وقد فعل ذلك بالكفار بقوله ] وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ   لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌمُّهِينٌ  [  ومن هذا البيان نتأول ما ورد فى القرآن منسوباً إلى الله تعالى من الاستهزاء والمكر والخديعة والسخرية بالمنافقين وأهل الشرك, وإن   تأويل بعض الأئمة قوله تعالى : ]اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ  [بمعنى توبيخه إياهم ولومه لهم على مسارعتهم   إلى معصية الله والكفر به , فتأولوا استهزاء الله تعالى : إما بهلاك المنافقين والكفار وتدميرهم , وإما    بإملائه لهم واستدراجه إياهم , ليزدادوا نفاقاً وكفراً , ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .  

وكل ما ورد فى القرآن من الاستهزاء والمكر والخديعة مؤول عندهم بهذا المعنى , وهذا مذهب  سلفنا الصالح أهل التسليم , جمعنا الله تعالى بما جملهم به من الفقه والتسليم , والله تنزه وتعالى عن الهزء والمكر والخديعة بمعناها المعروف عندنا , ولكنه سبحانه وتعالى ينسب إلى نفسه ما شاء من الصفات , التى يجب أن نسلمها من غير تأويل . قال الله تعالى مخبراً عن العارفين به : ]آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا[     .

 

 

 

 

 

قوله تعالى : اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ.... (15) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهنا يجب علىً أن أبين ساطعة أنوار التوحيد لتخشع القلوب بما يلوح لها بالعلم من أسرار علام الغيوب فنلزمها الخشية والأدب مع كلام الله تعالى , فلا تتأوله بقدر العقول والأهواء , ولا تقيس الغيب المصون  بالمحسوس المشهود , ولا تزن كلام الخلاق العظيم القهار المعبود بكلام المخلوق العابد .

قال الإمام أبو طالب المكى فى كتابه قوت القلوب : قال الله تعالى لرسوله e]فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ[وقال لعباده يأمرهم بمثل ذلك : ]فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [فالله هو كما وصف نفسه لنا بقدر ما أهلنا له وفوق ما وصفه خلقه : والواجب علينا أن نصفه  بما ثبتت به الرواية وصحت عن رسول الله e, بأنه ليس كمثله شىء فى كل شىء  بإثبات الأسماء   والصفات ونفى التمثيل والأدوات , وأنه سبحانه وتعالى لم يزل موجوداً بصفاته كلها , وأن صفاته قائمة  به لم تزل كذلك ولا يزال بلا نهاية ولا غاية ولا تكييف ولا تشبيه ولا تثنية , بل بتوحيد هو متوحد   به وتفريد هو منفرد به . لا يجرى عليه القياس , ولا يمثل بالناس , ولا ينعت بجنس , ولا يلمس بحس ,  سبحانه وتعالى عما يقول الملحدون عن ذلك عدواً كبيراً . انتهى .

ولمزيد طمأنينة المؤمنين التى تكشف لهم الستار عن حقيقة تلك الآية : وإن منافقى هذا                                             الزمان تلقوا دروسهم من الطب والبيطرة وتخطيط الأرض وعلوم الكيميا والطبيعة وعلم النبات والمعدن            والحيوان فى أوربا التى تركت الدين فارتقت فى الحضارة والتمكين فى الأرض بالحديد والنار , وأبادت      العباد ومرت البلاد . فظن هؤلاء الجهلاء أن الدين الإسلامى كالدين النصرانى , يأمر بالرهبانية ويحرم                                الطيبات , ويحرم تحصيل العلوم النافعة ويكره العمل للدنيا , وبصريح كلام المسيح فى الإنجيل . وحكموا              على دين الإسلام بما حكموا به على غيره من الأديان , ولو أنهم حصلوا بعض مبادىء الإسلام , أو وصلوا                        إلى فهم روحه الحقيقية , لأيقنوا أن الإسلام دين العلم , دين البحث عما أودعه سبحانه فى مكوناته  من                        بدائع إبداع صنعه . دين النظر إلى ما حولنا من أفلاك دائرات وثابتات , وسحب مسخرات ورياح               مصروفات , ونباتات وحيوانات , وانهار جاريات , ومعادن متفاوتات . دين العمل لكشف أسرار المادة التى سخرها الله لنا . قال تعالى : ]وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ[,  دين العقل الذى يعقل عن الله آياته حتى يبلغ من الكمال مبلغاً لا يرى فوقه إلا ربه سبحانه . يقولون العلم شىء والدين شىء آخر , وكذبوا . فإن الله تعالى شنع على الجاهلين , وأنزلهم منزلة الشياطين فى قوله تعالى : ]قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين[.

وقد ورد فى القرآن فى الحث على تحصيل العلم بكل الحقائق الكونية آيات لا تحصى قال سبحانه :                       .

 

 

             ]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِوَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ  النَّاسَ وَمَا أَنزَلَاللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّفِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ   وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِبَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[, وقال سبحانه  ]أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى  الأرض كيف سطحت [. فالله سبحانه وتعالى كلفنا فى القرآن أن نبحث حتى نعلم كيفية إيجاد تلك   الحقائق وسر إيجادها . وإن كان بعض المسلمين يجهل تلك الحقائق, فالدين برىء ممن أهمل تحصيل العلم  بها , وهنا يجب علينا أن نعتقد كمال العقيدة أن الله تعالى يهدى من يشاء ويضل من يشاء وإن هؤلاء  القوم لم يعلم الله فيهم خيراً كما قال سبحانه : ]إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُالَّذِينَ    لاَ يَعْقِلُونَوَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْأَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُون [مبالغة فى  أن القدر سجل عليهم السوءى , ونحن نشكر الله على ما تفضل به علينا من الإيمان والتسليم لرسوله e  ونسأله أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن , وأن يمنحنا  التوفيق والعناية وأن يتفضل بالهداية ليرجعوا إلى الحق .

قوله تعالى : ]وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ[

مدٌ فى اللغة : زيادة الشىء من نوعه , فيقال مد النهر : إذا زاد ماؤه , وأمد فى اللغة : زيادة الشىء   من غير نوعه , كما قال تعالى ]وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ [الآية – ومعنى يمدهم يزيدهم ذلك طغياناً   وضلالا , باستدراجهم بوفرة الأموال وكثرة العيال ونفوذ الكلمة , وكثرة من يعينهم على  كفرهم  , فيزدادون كفراً كما هى الحال فى منافقى هذا الزمان , فإنهم كلما جاهروا بما يغضب الله ورسوله رفع  أعداء الإسلام شأنهم وأيدهم فى مراكزهم فازدادوا طغيانا . والطغيان : التعدى على الغير ظلما .   والعمه: أخو العمى , إلا أن الأخير يكون فى البصر والبصيرة , والعمه يكون فى البصيرة وهو عمى  القلب . والمعنى أنهم فى ريب وتردد كما وصفهم الله تعالى فى الآيات السابقة . والمنافق فى المجتمع  كالقرحة فى الجسم، إذا لم نستأصل بالسلاح ويكوى محلها بالنار أو بالعقاقير الحريفة السامة جعلت الجسم   كله قرحة , حفظنا الله . ومنافق واحد فى مدينة شر من السيل الجارف , لأن الإنسان إن قتله السيل  مات شهيداً وإن نجا  منه كتب مجاهدا , وهذا المنافق إن اتصل بمسلم أفسد عليه دينه ودنياه و آخرته                 ومن الضرر البليغ مناظرة البليغ مناظرة أهل النفاق فى أيام قوة دولة السلطة الغشومة فإنهم كما قال تعالى:]وإذا

 

قوله تعالى : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَارَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ... ( 16 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم(إلى قوله تعالى : )هُمُالْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ  قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(.

والواجب على إخواننا حفظنا الله وإياهم بما حفظ به أولياءه ، الاستخفاف والازدراء بهم واحتقارهم   حتى يبوءوا بالخزى والصغار والذلة الأمة . أو يقام عليهم الحد الشرعى بالقتل بعد الاستتابة وعدم  قبول التوبة وكم من زنديق قتل كفراً بعد أن أمر بالتوبة من نفاقه فأبى : ذلك هو دواء هذا المرض   الوبىء . أسأل الله أن يسرع بالقوم الذين يحبهم ويحبونه فيطهرون الأرض من المفسدين فيها . 

قوله تعالى : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَارَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَp16i                  

الشراء : هو اعتياض شىء ببذل شىء آخر . والمنافقون بعد أن جاءهم رسول الله eبالهدى  وقامت الحجة بالمعجزة وبالحكمة أبوا أن يقبلوا الهدى وأنكروه , وبذلوه ثمنا للضلالة التى كانوا عليها ]فَمَارَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ[التى هى بذل الهدى لتمسك بالكفر . ولما كان الشراء هو أخذ شىء ببذل غيره كان عملهم هذا شراء للباطل وبذلاً للحق , وهو التجارة . وعدم الربح هو خسران ما يترتب على اشتراء   الضلالة بالهدى من الخير فى الدنيا والسعادة فى الآخرة , نفى ربح التجارة يدل على فقد رأس المال   المتحقق فى رأس هذا الموضوع , وقد تأول بعض المفسرين قوله : ]اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى[أى أختاروا  واستحبوا أخذاً من قوله : ]وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [وهذا تأويل يوجب علينا أن نجعل الباء فى قوله بالهدى بمعنى على والباء قد تأتى بمعنى على كما فى قوله تعالى : (  وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ) أى على قنطار . وتأويل الآية بأنهم اختاروا الضلال أو استحبوها   على الهدى لا يلزم منه أن يكون سبق لهم إيمان ثم ارتدوا عن الإِيمان ، بل يلزم منه وجود الضلالة  والهدى ، فباعوا الهدى واشتروا الضلالة ، وبيعهم الهدى عدم قبولهم إياه . وأما قول من قال إنهم كانُوا   مؤمنين ثم كفروا فمراده الإيمان باللسان ، واعتبر ذلك إيمانا عند الناس فقط لا عند الله تعالى بدليل قوله تعالى )لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمنِقُلُوبُهُمْ(. والإيمان هو تصدق بالقلب بما جاء به النبى eمن عند الله تعالى – )وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ(نفى الله عنهم الرشد والصواب ، لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى ، كأنه يقول سبحانه وتعالى   ما كانوا فى اختيارهم الضلالة على الهدى رشداء .

قوله تعالى : ]مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ  وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ[.

      

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أن بين الله لنا بعض ما عليه أهل النفاق من الخديعة والسخرية والاقتدار على إخفاء الكفر    فى قلوبهم وإظهار الإيمان لتسلم أنفسهم وأموالهم ويعيشوا متمتعين بين المؤمنين بما لهم من الحقوق .  ضرب سبحانه لحالهم العجيبة مثلا ، والأمثال تكشف للعلماء الربانيين قال تعالى : )وَتِلْكَ  الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّاالْعَالِمُونَ(، فغير العلماء لا يعقلون عن الله سبحانه وتعالى . مثل   حالهم العجيبة التى يحتار منها اللبيب بالنسبة لوضوح الحق لهم بما جاء به رسول الله eمن الآيات  الدالة على وحدانية الله تعالى وما بينه عليه الصلاة والسلام من أنواع العبادات والمعاملات والأخلاق التى  بها نيل السعادة ، وبما كانوا علية من الكفر بالله تعالى ، ومن العقوق والقطيعة وعبادة الأحجار والصور   والبهائم ومع هذا فإنهم أظهروا الإيمان وأخفوا الكفر فجمعوا بين الخبيثين : ظلمة الكفر ، وخبث النفاق . فكانوا بذلك فى الدرك الأسفل من النار لأن الكافر المجاهر بالكفر علمه المؤمنون فحصنوا  أنفسهم من كيده وسلموا الأهل النفاق وعاملوهم معاملة أنفسهم فكانوا شراً علينا من أهل الكفر بالله . ولذلك فقد ضرب الله لهم هذا المثل فشبههم فى حالهم هذه مجال رجل استوقد ناراً فأضاءت أفقه ،  واستبان بضوئها كل شىء حوله ووضحت له السبل ، ثم طفئت النار ، فعمته الظلمة وارتفع عنه كل شىء.وحذف الله من المثل جملا كثيرة تضمنها كلامه سبحانه السابق ، فكأنه يقول سبحانه مثل حال المنافقين الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم وعملوا بأبدانهم عمل المسلمين أمام المؤمنين ، فأنزلهم المؤمنون  مزلة أنفسهم فناكحوهم ووارثوهم ، وعاملوهم معاملة أخوة المؤمنين ، فسعدوا فى الدنيا بما أظهروه    من الإيمان ، فلما ماتوا وجدوا أنفسهم من أهل العذب والخزى بما أضمروه فى قلوبهم من الكفر ، فشبه   حالهم هذه بحال أوقد ناراً ، والنار التى أوقدها فى المشبه به ، هى الإقرار باللسان والعمل بالجوارح ،  وإضاءة النار التى كشفت له ما حوله ، هى حسن معاملة المؤمنين له . ولما كانت المعانى مفهومة من سياق الكلام أتى سبحانه بالآية موجزة من كمال البلاغة . فانظر إلى فخامة قوله تعالى : )ذَهَبَ اللّهُ    بِنُورِهِمْ(فأفرد المشبه به ، ثم جمع ليدل على إيجاز الكلام . وذهاب الله بنورهم إماتتهم وكانوا  يعتقدون أنهم نجوا نجاة لا عقوبه بعدها ، على ما أضمروا من الكفر ، فأخبرنا الله عنهم أنهم يوم القيامة   يعاملون الله تعالى معاملتهم للمؤمنين ، ويظنون نجاتهم بتلك المعاملة لجهلهم بالله تعالى ، قال تعالى مشنعاً عليهم : )يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْوَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا  إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ(– وتركهم فى الظلمات يوم القيامة ، يعنى تركهم فى النار لا يبصرون غيرها .ومعنى المثل : أن المنافقين لما رأوا قوة المؤمنين خافوا على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، فأظهروا           .

 

 

 

 

قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ.... ( 18 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإيمان فحفظوا لأنفسهم كل شىء وأخفوا الكفر فى قلوبهم , وعاشوا مستضيئين بنور ما أظهروه   من الإيمان , حتى ماتوا انكشفت الحقائق , فأرادوا أن يتخلصوا من عذاب النار بما تخلصوا به من عذاب الدنيا من الأَيمان الكاذبة , فكشفت الله لهم عن الحقيقة ما فى قلوبهم , وأمر بهم إلى النار  بعد أن أقسموا له سبحانه على صدقهم فلم ينفعهم ذلك , إذا كانوا فى الدنيا منافقين . وإن تأويل بعض                                       المفسرين هذه الآية بأنهم كانوا مؤمنين ،ثم كفروا . وقال بعضهم كانوا مؤمنين ثم نافقوا , ولا حجة                                           فى الآية تقوم على ذلك , والحقيقة أنهم لم تسبق لهم إيمان أبداً . وأن تلك النار التى أضاءت ما حول                                               الموقد إنما هى إقرارهم باللسان الذى نفعهم الله به فى الدنيا , وإن كان الله تعالى كشف الستر عن بعضهم   فى الدنيا كعبد الله  بن أُبىّ ابن سلول وكطعمة بن أبيرق الذى ثبتت عليه السرقة وهو من كبار المنافقين فقام بعض  أقاربه يجادل عنه فنهاه الله عن ذلك بقوله : ]وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ[- إلا أن المؤمنين كانوا يحبون الستر والمداراة , وهذا المثل بين حقيقة ما عليه كثير من منافقى أهل هذا الزمان , الذين يسارعون فى أعداء الله طمعاً فيما يفنى وخشية من أن تصيبهم دائرة , من عزل من وظيفة أو نفى                                  أو سجن . وكذلك المنافقون الذين أوقدوا نار التستر بالعلم بظاهرة الحياة الدنيا , ثم تضىء لهم تلك النار ,                                فيحسبوا أنهم على خير وهم الضالون , إذا ليس العلم بظاهرة الحياة الدنيا هو العلم النافع عند الله وعند                                       رسوله eوعند العلماء الربانيين , لأنه صنعة لراحة الأبدان لا تكتسب منه الأرواح ذرة من الخير ,                                           وربما كان سبباً فى الكفر أو النفاق أو الجدل أو منازعة الأحكام الشرعية أعاذنا الله وإخواننا المؤمنين.            

قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَأَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ  ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَأَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ    واللّهُ مُحِيطٌبِالْكافِرِينَp18i

     بينت لك فيما سبق تمثيل الله حالة المنافقين بحسب ما اكتسبوا فى

قوله تعالى : ]مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ  الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْمَا حَوْلَهُ ذَهَبَ  اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّيُبْصِرُونَp17i              

 وكان هذا البيان يكاد يكون إجمالياً , فاشتاقت نفوس المؤمنين إلى تفصيل هذا الإجمال بما  يشم منه رائحة التوحيد , فأشار سبحانه إلى شىء من عبيره لأهل النفوس الطاهرة بقوله : ]صُمٌّ   بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ[فليس المراد  صم الآذان , بل فقد القابل . ولا بكم الألسنة ,   بل حرمان التوفيق للنطق الصحيح بالإخلاص .  لا عمى الأعين , بل محو القوى التى تبصر آيات الله فى   مكوناته , فهم صم لا يعون الآيات الجليلة الواضحة , ولا يسمعون تسبيح الكائنات البينية , ولو بالتسليم   للقرآن . و ]بُكْمٌ[فلا ينطقون بالحقائق التى تشير إليها الآيات من إبداع السموات والأرض . و ]عُمْيٌ[.

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فلا يبصرون تلك الآيات إلا مادة فاعلة مختارة : قال تعالى : ]إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ  لِّلْمُؤْمِنِينَوَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَوَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِوَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِنرِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌلِّقَوْمٍ   يَعْقِلُونَ[وهذه الآية مؤخرة عن تقدم لأن موضعها ]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا  رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ [- ]صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ[إلى الهداية أبدا, وإن كان الكلام فى الآخرة فلا يرجعون إلى الدنيا .

ثم أتى سبحانه وتعالى بأو التفصيلية التى ليست للإباحة ولا للشك لتفيد تفصيل هذا المجمل فقال                          سبحانه : ]أَوْ كَصَيِّبٍ[والصيب : هو المطر الغزير . وليس هذا بعمل كسبهم ولكنه زواجَهُ ما يقتضى  الفزع منه . والمراد بالصيب هنا الإيمان , ولكنه شبه بسحابة سوداء ذات مطر غزير فى ليلة ظلماء  مصحوبة بظلمات ورعد وبرق , والرعد والبرق التكاليف الشرعية التى كلف بها العبد رغم أنفة , من   صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد , والصواعق هى الجهاد . فكان كلما أمروا بالجهاد أو الزكاة كرهوا   سماع هذا الأمر , فجعل مثلهم فى ذلك مثل الفزع من الصواعق القتٌالة ولخوفه يضع أطراف أصابعه فى أذنيه , ومثال حالهم هذا مفصل لما انتابهم من سابقة السوءى أعاذنا الله تعالى .

ولا تعجب يا أخى فإنك ترى فى زمنك هذا أناساً تعلموا العلم الدينى , وهم فى أثناء تعليمه فى معهده         ترى نفوسهم تنزع إلى الإنكار والسخرية . وسبب ذلك سابقة القدر . قال تعالى : ]وَلَئِنْ أَتَيْتَ   الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْقِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةبَعْضٍ[وهم هؤلاء .. لا فرق بين اليهودى والنصرانى والمسلم , وكم من يهودى لان قبلة لبعض الآيات !!    وكم من نصرانى خلع ثوب النصرانية بمجرد فهم حكمة واحدة من حكم القرآن !!

كثير من الناس يقولون فلان عالم وفلان بن فلان حصل أمثال الجبال عالماً وأنا منفرداً أقول:وإنما  هى النفوس لا الدروس . والنفس الزكية الطاهرة يكفيها قليل الحكمة , والنفس الخبيثة اللقسة كالقرحة  لا يصدر منها إلا الصديد . فاحذر أخى أن تجالس أو تجانس أصحاب النفوس التى تنكر كرامات الأولياء ,   فضلا عن إنكار القرآن وإنكار الأحكام ]واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ[.

يجب على من وفقه الله لشرف خدمة تأويل القرآن أن يكون عالماً بمراتب العبودية ومقادير   خطابها , وبساطة من عظمة الذات وكبريائها , وكمالها وجمالها , وبهائها وضيائها ونورها , لأن استغراق  .         

 

قوله تعالى : يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُممَّشَوْاْ فِيهِ... ( 20) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كل ذلك علماً مستحيل – ومن جهل نفسه فجهل ربه , وحصل أمثال الجبال من العلم الإنسانى                          وكتب على القرآن أخطأ ولو حكم له ألف عالم بأنه أصاب – قال تعالى : ]الرَّحْمَنُ#عَلَّمَ الْقُرْآنَ#  خَلَقَ الْإِنسَانَ#عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [.

]واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ[بالنسبة لهذا الميزان , أى أن الله تعالى هو القهار شديد البطش الذى  إذا أخذ عبداً لم يفلته .

وليست الآية تدل على أن هناك محيطاً ظرفاً ومُحاطاً به مظروفاً , تنزه الله تعالى علواً كبيراً , ولو تتبعانا  آيات القرآن المجيد فى أمثل تلك المعانى لوجدنا اسم القهار أو المنتقم أو شديد البطش يوضع موضع  محيط . وكأن المعنى والله أعلم : والله محيط بكل وُجَهِهِم , أى آخذ عليهم كل مسالكهم فلا ملجأ ولا  منجى من الله إلا إليه . ولذلك فالعارفون بالله بعد معرفتهم لأنفسهم فقدوا فى أعينهم كل شىء إلا دالاً  على الله تعالى بما فيه من بدائع إبداع الحكمة , أو خاصية وضعها الله فى الكائنات , أو آية تغذوا أرواح   المحبوبين بما فيها من غرائب القدرة وعجائب الحكمة , أو كتاباً صامتاً وهو القرآن المجيد والسنة , أو إنساناً بلغ وراثة رسول الله eناطقاً بما آتاه الله من فضله , فهذا الذى أثبت عند العارفين وجودها    لمعانيها . وأما ما عدا ذلك من مادة يعبدها أهل الغرة بالله , أو جاه يتفانى فيه أهل الدنياٍ , أو رياسة   بها تنفيذ كلمة الظلمة أو ذخائر إذا فارق صاحبها الحياة كانت سبباً فى الحرب بين ورثته , وسبباً لِكَبّه       فى نار جهنم فلا تنفعه فى الدنيا لأنه كنزها , ولا فى الآخرة من الفقير المحتاج إليها منعها .

أما أهل المعرفة فإنهم جعلوا الدنيا المعبودة لأهلها , كما قال رسول الله e: )تعس عبد الدينار                      وعبد الدرهم وعبد الخميصة , إن أعطى رضى , وإن لم يعط سخط , تعس وانتكس , وإذا شيك                           فلا انتقش ) فإنهم أمدنا الله بروحانيتهم عاشوا غرباء , وإن أقبلت عليهم الدنيا قدموها لتكون   لهم ذخيرة عند الله , وضعوا أموالهم وأولادهم وعقارهم فى موازينهم يوم القيامة , من غير عاطفة تفسد  عليهم حالهم , فإنهم عرفوا أن الدنيا غرارة ضرارة مرارة وهى دار الخاسرين . ومن تذكر ما حصل   لخير الرسل فيها منها بالقليل , وعمل فيها المسافر العجِل , والغريب الذى لا أهل له . وفقنا   الله لما يحبه ويرضاه . وكما أن الله محيط بقهره وانتقامه وشدة بطشه وتفريده فى إيجاد كل شىء بالكافرين    فهو كذلك محيط برحمته وحنانه , وفضله وإحسانه بالمؤمنين .

قوله تعالى : يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُممَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْوَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَبِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه  عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌp20i

يقرب البرق لشدة لمعانه أن يخطف أنوار عيونهم , والبرق هنا هو حجج الإسلام البينة التى

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يقوى طالب الحق على إدحاضها , ولكن صاحب الهوى وعمىّ البصيرة محكوم عليه بالقطيعة مهما              كانت حالته , وكلنا نعلم أن الله خلق  ناراً وخلق جنة , وأن أهل النار عبيد الله , وأهل الجنة أيضاً عبيد ه                   كأهل النار لأن الله تعالى خلق النار وخلق لها أهلا, وخلق الجنة وخلق لها أهلا  ,ولم يقو أحد  على أن                       يغير ما قدره الله عليه أزلا , وغاية ما فى الأمر أن الله أخفى عن العالم جميعاً سر القدر , ثم إنه سبحانه         وتعالى أمر أبا بكر بالإيمان وكتب له فى الأزل الإيمان , وأمر أبا لهب بالإيمان , وكتب له فى الأزل   الكفر والمعاداة , وكلتا الدارين من نار أو جنة يؤولان إلى مراد الله , فما فى النار مراد الله كما أن  ما فى الجنة مراده , إلا أن الله أخلص الجمال والإحسان لأهل الجنة يوم القيامة , وجعل الجلال والعذاب لأهل النار فى هذا اليوم ولا مراد لقضاء الله , ومن ظن أنه يدرك الغيب المصون بعقله المعقول فقد جهل  نفسه , وإلا فما هو الإنسان وإن علا ؟ أليس هو بولة بالها أبوه من ذكره وبالته أمه من فرجها ؟ وما مقدار رجل هو من بولتين ؟ فليتأدب لله ورسوله e, ولا يكون سبباً لنفسه فى لقاء عذاب  لا قبل له به , ولا يكون كضلاٌل أوربا المغرورين بعلومها التى تلقوها عن أساتذتهم , الذين كانوا  فى القرون الوسطى شراً من مجاهيل أفريقيا , ولولا الأندلس وسلب كتبها وترجمتها ونابليون وسرقته   كتب الأزهر ووحوش الصليبية الأولى الذين كانوا أقل ظلماً من صليبية هذا الزمانفإنهم سرقوا الكتب من كل معاهد أفريقيا والشام ثم ترجمتها لهم بعض من لا خلاق لهم من المسلمين الذين تلقوها عن أساتذتها لكانوا كالبهائم فى بلادنا , ولعلك لا تنسى أن ابن رشد الأندلسى لما فر من الأندلس إلى فرنسا   طلب منه كبارها أن يكون أستاذاً لهم , فقبل وفتح أول مدرسة فى فرنسا وترجم لها علوم المادة وعلوم   الفلك والطب والهندسة وغيرها , فرحم الله الشرق ورحم آثار رجاله السالفين , وأعاد لنا ما سلبته أيدى   الأعداء منا .

قوله تعالى : ]يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ [كائن سائلا سأل – مَثّل ْ لنا حال هؤلاء القوم لنعلم    ما كان عليه حال المنافقين؟ فقال سبحانه ]كُلَّمَا أَضَاء لَهُم[نوراً إقرارهم باللسان وحضورهم الصلوات مع  الصحابة ]مَّشَوْاْ فِيهِ[, أى انتفعوا به , ]وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ [بذكر بعض السرايا التى كان يرسلها  رسول الله eأو طلب زكاة المال المفروضة أو التقرب إلى الله بما يصلح للجهاد ] قَامُواْ [ أى احتاروا :  ولم يقمهم الله فى هذا المقام إلا ليزدادوا تعذيباً أو ليكشف عنهم ستره عندما يريد الانتقام منهم ،    فتكون فضيحتهم شنيعة .

قال تعالى : ]وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَىكُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[.

 

                   

قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنقَبْلِكُمْ... ( 21 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أى ولو أن الله سبحانه عجل لهم العقوبة لمحا سمعهم وأبصارهم وكشف عنهم الستر للمؤمنين  ليعلموا حق اليقين ما هم عليه بالنسبة للإيمان )إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(من أن يباغتهم بالعقوبة أو يمهلهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم : أعاذنا الله من النفاق العلمى والعملى .

 

قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنقَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَp21i

 

لو أوقرنا بضع جمال ٍ كتباً فى تفسير تلك الآية لكان قليلا لأنها أول آية بحسب ترتيب المصحف   شرف الله فيها الإنسان وأنزله منه منزلة القريب , فرض فيها على الإنسان كل فرائضه من المعرفة  والعبادة لأنه ناداه بقوله ( يا) التى ينادى بها القريب (أَيُّهَا النَّاسُ)  يريد كل إنسان يسمع من الرسول )اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ(العبادة هى القيام بإخلاص لتأدية أوامر الله ونواهيه التى أعظمها وأجلها تحصيل المعرفة به ولكن لما قال سبحانه )الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنقَبْلِكُمْ(الخ – أشارات تلك الآيه بصريح لفظها إلى أن أعظم أصول الدين هى معرفة الله بالطريق الشرعى الذى نهجه الله لعباده فى القرآن المجيد ولما كان الخلاف بين المسلمين فى هذا الأصل العظيم أوقع كثيراً من الناس فى فتن مضلة.وأعمال باطلةوأحوال مخزية . بل وجعل من أبعدهم الله تعالى من زنادقة زماننا هذا يرمون الدين بما يرونه فى المتمسكين  بقشور منه لا حقيقة لها.لذلك أردت أن أبين مناهج بعض الطوائف (1) المختلفة المشهورة وهى الأشعرية والحشوية والباطنية الذين هم أدعياء المتصوفة , والصوفية والعلماء العاملون الذين تلقوا تلك العقائد  عن القرآن المجيد .

ولما كانت الطائفتان الأخيرتان أهم هذه الطوائف بالذكر , بل هم أهم أهل الله الصالحون  الذين تحروا الرشد فى سلوكهم طريق الله تعالى , فلم تشتبه عليهم المسالك , ولم  تشطح بهم الأهواء , كان لابد لنا أن نبدأ بذكرها , وإيراد شىء عن معتقدات هؤلاء القوم وحقيقة حالهم )الَّذِي خَلَقَكُمْ(  الذى أوجدكم من العدم , لأن الإنسان  لم يوجد على وجه الأرض  إلا بعد  أن خلقت السموات والأرض   والحيوانات والنباتات والأنهار والجبال والبحار والمعادن وسائر الموجودات فالله خلقه من العدم . لا شك فهو  حادث بالبرهان الذى لا يشو به ريب , ولا يقتضى مقدمات ولا قضايا يوجد لها نقيض , ولكن قتل الإنسان ما أكفره .. ظنوا قبحهم الله أنهم خلقوا من آبائهم , وأن آبائهم خلقوا من آبائهم , وأن   المادة خلقت الكل فكذبهم الله تكذيباً حقيقياً يصدقه أهل التسليم بكتاب الله والتصديق برسول الله . ممن وهب  لهم العقل الذى يعقل عن الله بقوله )وَالَّذِينَ مِنقَبْلِكُمْ(وهذا دليل الإيجاد الذى اختص الله به , ووجبت له من أحله العبادة دون غيره . )لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(. لعل : من حروف                ـــــــــــــــــــــــــ

(1)راجع كتاب عقيدة النجاة للإمام أبى العزائم ص 16

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجى والإشفاق , ولا يكون إلا من الجاهل بالعافية . والله تنزه وتعالى عن أن يجهل عاقبة الأمور  كلها , فإما أن يكون الكلام منسوباً إلى المخاطبين , يعنى أنهم إذا عبدوا الله حق عبادته لتلك  الحكمة التى ذكرها تحصل لهم التقوى وهى التحفظ من الوقوع فى غضب الله يوم القيامة , والتباعد عن المعاصى التى توجب مقته فى الدنيا , وجائز أن تكون من كلام الله , ويكون معناها أطاعهم فى نيل  التقوى التى بها الاحتزاز من العذاب , أو يكون مراده سبحانه تحقق التقوى لهم . وكل ما جاء فى القرآن من حروف الترجى أو أفعال الترجى مثل عسى يجب أن يؤوٌل بهذا المعنى

 

قوله تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَالسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ  بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَتَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَp22i                                              

 

تقدم فى تفسير اول الآية أن الله سبحانه وتعالى وضح دلائل التوحيد مبينة فى الكتاب العزيز بياناً                                                       صريحاً لا يقبل الله من موحد غيره , وتلك الآيات كما قدمنا هى الدالة على دليل الإيجاد ودليل الإمداد,                                   وقد جمع الله تعالى فى هذه الآية الدليلين معا ً . فأخبر سبحانه وتعالى أنه هو الذى خلقنا وخلق الذين من   قبلنا من آبائنا وأسلافنا , وهذا هو الدليل الذى قامت عليه الحجة العقلية على أننا وجدنا  بعد أن لم نكن ٍ. وكيف لا ؟ والنوع الحيوانى بالأخص نوع الإنسان لا يمكن أن يوجد إلا على أرض تقله وسماء تظله                                 وتيسير ضروريات لابد منها .. والعقل السليم يحتمل على أن الكائنات كلها  وجدت قبل الإنسان بل   قبل الحيوان والنبات , وإذا جعل الله فى قلب العبد نوراً وكاشفه بآياته فى مكوناته ثبت أن الكون   وما فيه خلقه الله ليعمره بالإنسان , فخلق الأرض له فرشاً والسماء سقفاً , وخلق الجنة إحسانا ً منه لمن وفقه للعمل بطاعته , وخلق النار عقوبة منه لمن أقامه مقام المغضوب عليهم . خلق كل ما فى الكون من   جماد ونبات وحيوان وأنهار وبحار وهواه وأفلاك  للإنسان . وكما انه سبحانه وتعالى خلقنا على غير مثال  سبق وأوجدنا بعد أن لم نكن , فقد قامت الحجة العقلية على أنه سبحانه وتعالى جعل الإنسان أول مراد  لحضرته  ,وقدر أن يخلقه محتاجاً إلى أشياء مضطراً إلى ما به قوامه وحياته . فخلق ما خلق سبحانه   لضروريات الإنسان وكمالياته . وكل ما فى الوجود من جميع الأنواع من عمار البحار والقفار , بل وما فى  الأجواء والأرجاء وما فى السموات مخلوق بعد أن لم يكن , مبدع بعد العدم , لمنافع الإنسان . فالإنسان   جوهرة العقد وما فيه وهو مخلوق باليدين , ومؤهل للحياة فى النشأتين . فسبحان من خلق الكون  بحكمته وقدرته . سبحان من كان ولم يكن قبله شىء . وهو سبحانه ولم يكن شىء  وهو هو والأشياء به قائمة. وهو فى السماء إله كما هو فى الأرض إله, وهو مع كل شىء. كما لم يكن قبله

 

 

 

 

قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء..... (22)  البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شىء , سبحانه لا تدركه  الأبصار وهو يدرك الأبصار : أبعد من أبعده بقدرته فجحد وضل ونسى ]وَمَا  كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا[  وقرب من شاء بحكمته وواسع رحمته , فاهتدى وأقبل على الله , وسمع وأطاع وسلم .                            والله سبحانه هو الغنى ونحن الفقراء .

يقول سبحانه : ]الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً[المراد بقول (الَّذِي) لفت نظر من سبقت   لهم الحسنى إلى صلة الموصول ليشهدوا بدائع صنعته . فالآية للمدح – يعنى هو ]الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ  الأَرْضَ فِرَاشاً[الآية ليسجد العقل للبديع الخلاق العظيم , صاغراً , ليسارع من شهد تلك المشاهد  إلى الله شاكراً . ومعنى  )الأَرْضَ فِرَاشاً(يعنى أنها مبسوطة فى نظر الناظر ليتمكن من المنفعة بسطحها   وهذه الآية لا تقضى أن الأرض منبسطة , فقد تكون على شكل الكرة , أو عل شكل آخر كما  قال تعالى : ]أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا[فالأرض لعظم حجمها صارت  كالمبسوطة فى نظر العين . كون الأرض على شكل كرة أو أشبه بالكرة أو بأى شكل من الأشكال يجعلنا نعظم القادر البديع الذى خلق هذا الجسم الهائل على شكل من الأشكال , ولم يجعله معتمداً على شىء , كما قال سبحانه وتعالى : ]اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا[.

فالنظر أيها العاقل بعين الفكرة , وأفرد ربك بالألوهية دون غيره ، واعلم أن هذا الرب الكبير المتعال لا يعجزه شىء .. ولم لا يجوز أن يكون جعلها على شكل من الأشكال ليعجز العقل عن درك  الحكمة التى جعلها من أجله كذلك ، ولو أن العقل يسلم أنها على شكل غير البسط بما أجراه سبحانه على وجهها من الأنهار والبحار ، وما رفعه على سطحها من الأوتاد الهائلة والجبال الشامخات – ومع   ذلك فالإنسان يعتقد أنها ساكنة وهى متحركة ، كما قال سبحانه : )وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً   وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ(فحكمة حيرت العقول ، وقدرة أسجدتها ، وإنما هو النور الذى جعله الله فى قلوب المؤمنين تنكشف به آيات الله تعالى فتطمئن القلوب بذكره .

ومن أراد أن يفقه تلك الأسرار بعقله رد خاسئاً وحسيراً .. وقد كفر الإنسان وجحد ربه وعبد النار من أيام قابيل فى حياة أبيه آدم . وكم كتب جاحد لاَحِدٌ كتبًا أثبت فيها الشرك وعبادة الأصنام  والملوك ، وكتب آخر فأنكر عبادة الأصنام والملوك وجحد عبادة الله وكل ذلك فى الشرق لتوالى الأنبياء  فيه . وكم تحيرت عقول فى هذا الجانب من زمان الفراعنة ومن قبلهم من الآشوريين والبابليين  والكنعانيين والهند من الباحثين فى غرائب إبداع صنع الله تعالى .

وقد نشر الله نور برسوله eوانتشرت كتب الجاحدين والباحثين من أهل الظلمة والضلال                        .

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فى أوربا ، فقبلت أوربا الضلال والظلمة ولم تقبل من النور شيئاً ، وذلك لأن الله سبق إرادته تعالى أن يضلهم ، قال سبحانه : )وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا(فأهل أوربا ومن تلقى عنهم هذا الضلال المبين ، أخذوا هذه الكتب وترجموها ونسبوها لأنفسهم ، ظانين أنه ليس فى الشرق من يعلم بِمِلَلِ وَنحَلِ القرون السابقة والحقيقة أنهم لا يعلمون من ذلك شيئاً ، وإنما هم يمثلون صورة الببغاء التى  ترجع صوت المتكلم – وإلا فتلك العلوم وتلك الفنون التى يدعون أنهم تعلموها وقلدهم فيها زنادقة  زماننا وكذبوا . فوالله ما أجرى الله على من الفنون والصناعات هو ما أجراه على أيدى الأمم الغابرة ولكن الإنسان آخذ فى الرقى فإن كانوا برعوا فى علم البخار والكهرباء بتيسير طريق المواصلات فتلك فنون وليست علوما ، ولا ينبغى أن يعظم الإنسان العاقل من كد نفسه حتى اخترع طيارة أو  غواصة أو باخرة أو قطاراً يمشى على الأرض لينتفع بما يناله من اختراعه من مال أو شرف أو علو فى الأرض , لأنه أخذ أجرته , والمادة التى اخترع بمعرفة تحليلها وتركيبها تلك الآلات مخلوقة لله تعالى , واليد التى حركتها فى الصنع والعقل الذى يحث  فيها حتى اختراعها مخلوقان لله تعالى,فما لهذا المخترع من فضل إنما الفضل لمن أوجد المادة وأنشأها صالحة لانتفاع الإنسان , وأحوج الإنسان إلى ضروريات  وكماليات لا بقاء له بغيرها فهو يعمل ويجتهد ليحص ما به سد ضرورياته وكمالياته ولا فخر له فى ذلك .

ومن عظم المادة فجعلته جاحداً بالله , أو عظم خادماً ارتاض بالعلوم النظرية , حتى نوع المادة فجعلها  نافعة فقد جهل المبدع العظيم الذى خلق الإنسان وخلق له عقلا ومادة ينوعها كيف يشاء . فالمادة  وخواصها , والعقل وصاحبه , صنع الله الذى أتقن كل شىء . ولولا الله تعالى لم تكن مادة ولا إنسان   ولا غيرها , فسبحان من خلق الإنسان وسخر له كل شىء فى السماء والأرض . ]وَالسَّمَاء بِنَاء[أى    جعل السماء بناء . والبناء ما أخاط بك كالقبة وكالسقف . يقال بنى الرجل على امرأته : أى بنى  لها قبة . والمعنى أنه تعالى صير السماء مرفوعة فوقنا. والسماء من السمو وأصلها سماو , قبلت الواو همزة لمناسبة حرف اللين قبلها . وقد ورد أن السماء جسم محيط بالأرض ذو لَون أزرق , وبعض أهل النظر من الباحثين بعقولهم وحواسهم يقولون إن هذا اللون الأزرق هو لون البحار , والسماء هى الأفلاك الثابتة والدائرة . ولكنا نؤمن بما ورد إذا صح سنده ونكذب من لم يصل إلى السماء فيخبرنا عنها   إلا بقدر ما يحكم به عليها ببصرة أو بالآلة – والله تعالى يقول وهو أصدق القائلين : ]مَا أَشْهَدتُّهُمْ  خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْوَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا[, ويقول سبحانه : ]يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا                          .

 

 

قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء... ( 22 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ[   وصدق الله وكذب الذى أنعم الله عليه بالحس , الحاكم على المادة  فقط , ولكن لا اطلاع له على ما أظهره لأهل الإيمان من الآيات الدالة على قدرة القادر جل جلاله , وحكمة الحكيم سبحانه .  

وقد ذكر الله مكررة فى الكتاب العزيز فى عدة آيات والحس كم كذب على صاحبه , فترى  العين تبصر الجبل الذى بينك وبينه سفر أيام قريباً جداً , وترى الشمس قدر رغيف وهى أكبر من الأرض ألف ألف مرة تقريباً . واللسان يذيقك الكر مراً عند انحراف الصحة . والأذن قد تسمعك الكلمة القبيحة , واليد قد تفقد الشىء  وتبحث عنه وهو فيها . فالحس إذا كان يكذب على الإنسان فى الأشياء المعروفة له فكيف نصدقه فيما وراء ذلك – اللهم إنا آمنا بكتابك الذى أنزلت وبنبيك الذى أرسلت , وكفرنا بكل طاغوت يحرف الكلم عن مواضعه , يحسب ما يوحيه إليه الشيطان الهوى الرجيم ,  أو عقله الكليل أو حسه السقم , قوله تعالى ]وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء[الجملة معطوفة على قوله : ]جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً[نسب سبحانه الإنزال لحضرته العالية , ولما كانت نعمه المفاضة من سماء  إحسانه لنفع جميع خلقه مرتبطة بأسباب وضعها جل جلاله ليرى العباد من غرائب حكمته وعجائب قدرته , ما به تطمئن قلوبهم بحقيقة اليقين أنه سبحانه وتعالى هو المنفرد بالإيجاد والإمداد , قدر سبحانه أن يجعل نعمه مرتبة على أسباب أودعها سبحانه وتعالى فيما خلقه من البحار العظيمة وحرارة الشمس والهواء وبرد الجو فى العلو . وهو القادر أن ينزل الماء من نفس السماء من غير تلك الأسباب التى وضعها سبحانه . ولكنه أراد أن يشهد أهل العقل أنه وضع تلك الأسباب لترتقى عقولهم إلى معرفة من وضع الأسباب  جل جلاله . قوله : ]مِنَ السَّمَاء[إذا كان الماء متقاطراً بتلك الأسباب المذكورة يكون المراد بالسماءالعلو فإن الشمس تبسط الحرارة على نصف الأرض فى نصف اليوم , وعلى النصف الثانى فى نصف اليوم الباقى , وغير أهل الإيمان أن الحرارة ضائعة فى تلك الأجواء , تنزه الله تعالى عن أن يخلق شيئاً  عبثاً , فإن حرارة الشمس المنتشرة على وجه الأرض لها منافع لا يحصى القلم عدها .

فمن تلك المنافع أنها تحزن فى ألياف الأشجار فتكون منها النار التى نوقدها لمصالحنا , وبعض تلك  الحرارة يبخر جزءاً آخر من البحار تبخيراً متقناً ,فيرفع هذا البخار فوق أكتاف الهواء حتى يصل إلى                                                          مرتفع تكون فيه الحرارة منخفضة جداً فيتجمد ويكون سحباً عظيمة ٍ, فيحملها الهواء ويذهب بها حيث                     يشاء الله تعالى لمنافع العباد . ولذلك فإنك ترى كثيراً من المناطق التى لا عمران فيهالا ينزل فيها المطر                وإنما ينزل فى الأمكنة العامرة رزقاً للخلق . وأنزل سبحانه قطرات لأنه لو نزل كأفواه                           .

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القرب،  لهدم البيوت وخدد الأرض واهلك النبات والحيوانات والأناسى . فسبحان من قدر إنزاله                               قطرات رحمة بالناس . وكيف لا وفى بعض السنين تنزل السيول من قمم الجبال فتهلك كل ما مرت به -                          ولكن الله جل جلاله جعل فى قلوب أهل محبته نوراً تنكشف به لهم أٍسرار تلك الحكم العالية والآيات               العجيبة , التى تجعل العقول ساجدة إجلالاً وإعظاماً لهذا الرب الرءوف الرحيم , المنعم بجلائل النعم  ودقائقها - ]فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ[يريد الله سبحانه أن يبين لعباده ما من به عليهم  مما به قوام حياتهم ومزيد إكرامهم فيقول : ]فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ  [وإلا فالمطر أخرج النبات  أولا , وهو سبحانه إنما يمن على عباده بما تحقق النفع وداوم المسرة ونيل القصد . فالمخرج هو الله  تعالى , ولو شاء الله أن تمطر السماء ثمراً وثياباً وخبزاً لفعل , ولكنه جعل الإنسان خليفة عنه سبحانه ,  فأقامه فى الأرض ليعمل بإذن الله ما به نيل الخير وشهود نعمة الله عليه , الذى جعل له جوارح مجترحة  تعينه على الانتفاع باستخراج ما كنزه الله لنا فى الأرض , بسبب ما أودعه فى تلك الحقائق التى خلقها وسخرها لنا من شمس وهواء وبحار عظيمة , وأرض جعلها فراشاً لنا , ومنحه ما هو فوق ذلك وهوالعقل المكتسب بالرياضة والتجارب : ]بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ[كأنه سبحانه يبين لنا أن  نؤمن بالأسباب التى وضعها جل وعلا ليحدث ما يشاء أن يحدثه من الشئون .

وقد خلط الأشعرية فى هذا المقام , فأشاروا فى كلامهم إشارة تومى إلى أن الأسباب ليست مؤْثرة                                بنفسها , وإنما تؤثر بإذن الله تعالى – وسأورد لك ما قاله الأشعرية , وأشرح لك العقيدة التى عليها أئمة الهدى فى هذا الموضوع , والعقائد مبينة بالتفصيل فى رسالتنا المسماة ( عقيدة النجاة ) .

ذكر الغمام شهاب الدين أبو الفضل الألوسى فى تفسيره المسمى ( روح المعانى ) فى شرح عقيدة                   الأشعرية والتعليق عليها ما نصه : الباء فى قوله تعالى : ]فَأَخْرَجَبِهِ[للسببية , والمشهور عند الأشاعرة: أنها سببية عاديه فى أمثال هذا الموضوع فلا تأثير للماء عندهم أصلا فى الإخراج بل ولا فى غيره , وإنما المؤثر هو الله عند الأسباب لا بها لحديث الاستكمال بالغيب .

قالوا : ومن اعتقد ان الله تعالى أودع قوة الرى فى الماء مثلا فهو فاسق وفى كفره قولان , وأجمعوا                   على كفر من قال أنه مؤثر بنفسه . فيجب عندهم أن يعتقد المكلف أن الرى جاء من جهة المبدأ الفياض                                       بلا وساطة , وصادف مجيئه لشري الماء من غير أن يكون للماء دخل فى ذلك بوجه من الوجوه سوى  الموافقة الصورية . وإنى لا أقول بذلك , ولكنى أقول إن الله سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعاً   وقدراً , وجعل الأسباب محل فى أمره الدينى الشرعى وأمره الكونى القدرى , ومحل ملكه                     .

 

قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء... ( 22 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتصرفه , فإنكار الأسباب والقوى حفظ للضرويات وقدح فى العقول والفطرة ومكابرة للحس وجحد                للشراع والجزاء , فقد جعل الله تعالى مصالح العباد فى معاشهم ومعادهم , والثواب والعقاب , والحدود          والكفارات , والأوامر والنواهى , والحل والحرمة . كل ذلك مرتبط بالأسباب فأتم بها بل العبد نفسه                             وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه والقرآن مملوء من إثبات الأسباب , ولو تتبعنا ما يفيد ذلك من القرآن                   والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع حقيقة لا مبالغة . إذا كان الله تعالى خالق السبب والمسبب , وهو               الذى جعل هذا سبباً لهذا , والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة , فأى قدح يوجب ذلك                          فى التوحيد ؟ وأى شرك يترتب عليه ؟ نستغرق الله تعالى مما يقولون .

فالله عز وجل يفعل بالأسباب التى اقتضاها الحكمة مع غناه عنها كما يفعل عندها لا بها . وحديث               الاستكمال يرده أن الاستكمال إنما يلزم لو توقف الفعل على ذلك السبب حقيقة , واللازم باطل لقوله                 تعالى : ]إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْفَيَكُونُ[فالأسبابمؤثرة بقوى أودعها الله  تعالى فيها , ولكن بإذنه , وإذا لم يأذن وحال بينهما وبين التأثير لم تؤثر كما يرشدك إلى ذلك بقوله :  ]وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ [ولو لم يكن من الأسباب قوى أودعها العزيز الحكيم , لما قال سبحانه ]يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [إذ ما الفائدة فى القول وهى ليس فيها قوة الإحراق , وإنما الإحراق منه تعالى بلا وساطة . ولو كان الأمر كما ذكروا لكان للنار أن تقول : إلهى  ما أودعتنى شيئاً , ولا منحتنى قوة , وما أنا إلا كيَدٍ شلاء , صحبتها يد صحيحة , تعمل الأعمال , وتصول وتجول فى ميدان الأفعال . أفيقال لليد الشلاء لا تفعلى , وفى ذلك الميدان لا تنزلى ! ولا يقال ذلك إلا  لليد الفعالة وهى اَلْحرِيّة بتلك المقالة ؟ وما أظن الأشاعرة يستطيعون لذلك جواباً . وهذا الذى ذكرناه , هو ما ذهب إليه السلف الصالح , وتلقاه أهل الله تعالى بالقبول .

إشارات الآية الشريفة

أظهر الله سبحانه وتعالى للحس فأراه إنزال الأمطار من السماء على الأرض , ثم قدر سبحانه أن                        ازدواج ماء المطر بالأرض يجعلها تحيا بعد موتها وتحمل وتلد الحدائق والثمار , وكل ما به قوت الحيوانات               والأناسى لنعلم حق اليقين أن لإيجادنا مبدأ كالنبات فإنه سبحانه خلقنا من التراب والماء  والنار والهواء .     وهى أركان الوجود لنتحقق أن البعث والإحياء والنشور للقيامة سهل جداً على القادر الذى أرانا كيف                        يحيى الأرض بعد موتها – فالسماء فى النشأة الأُولى كالزوج والأَرض  كالزوجة والمطر النازل من السماء                                                                              كالمنى الذى ينزله الرجل فى فرج المرأة , والمرأة تلد رجالا وإناثاً , والأَرض  تلد لنا من الحبوب والثمار  .  

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والصموغ والأَعشاب ما يقيتنا ويقيت حيواناتنا , فسبحان من خلقنا مضطرين لنعمته , وأسبغها علينا                   من السماء والأَرض , وأمرنا سبحانه بالعبادة وضمن لنا ما لابد لنا منه وأكمل , وإنما منّ سبحانه علينا   بما أخبرنا به فى الآية من خلقنا وخلق الذين من قبلنا , وجعل الأَرض لنا فراشاً والسماء بناء , وأنزل  المطر من السماء , واخرج الثمرات لنا من الأرض , ليشير إلى أنه فرغ قلوبنا وأراح أبداننا , لنستغرق كل أوقاتنا فى عبادته : وليست تلك النعم علة فى العبادة , فإن من عبد الله لجنة أو لنيل الخير منه جهل  نفسه وجهل ربه .. والله تعالى يجب أن يفرده كل إنسان بالعبادة دون غيره لذاته جل جلاله , لأنه  هو المستحق للعبادة سبحانه , كما قال تعالى : ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ[وكما قال : ]أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ[وقال eفى الحديث القدسى : ( مَنْ شَغَلَهُ ذِكرِى عَنْ مَسْأَلَتِى أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِى السٌائِلينَ ) فالذى أرانا إحياء الأرض بعد موتها , هو الذى ينشئنا النشأة الثانية , وهى أيسر وأهون عليه                        أما النشأة الآخرة فهى كما ورد فى الآثار أن السماء تمطر أربعين سنة منيا كمنى الرجال , فتذيب  الأرض , ويرسل الله أربعة رياح تعتمّم الأرض من جهاتها الأربع , فتدكها دكة واحده , ولديها تجتمع   متفرقات الأجسام , ويعيد الله لكل إنسان نفسه كما بينا فى كتاب " النشأة الثانية " – وويل لمن   نسى يوم القيامة واتبع هواه وحظه , ومؤمن ينسى يوم القيامة مستحيل . اللهم إلا إذا سلب منه الإيمان  لأنه أمن جانب الله تعالى , ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون .

ظهر لنا أن الأرض أمٌنا الأصلية بل هى أفضل من أمٌنا فإن أمٌنا تلدنا وترضعنا لبنها فقط , أما  أمّنا الأصلية وهى الأرض , فهى تغذينا بجميع الثمار وتسقينا , وهى الأُم الشفيقة التى لا تغضب منا أبداً  فإذا تحققنا هذا فكيف نخاف منها إذا كنا فى بطنها بعد الموت , بل يجب أن نتحقق أنها إذا ولدتنا الولادة الثانية للقيامة نرى إن شاء الله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت , مما لا يحصى من خيرات ربنا الذى أكرمنا بأمنا ( الأرض ) ولكن ذلك ينال إن شاء الله لمن أناب إلى الله وأسلم له سبحانه , وحافظ  على اتباع خاتم الأنبياء متابعة يكون فيها أِشبه الناس به , فإن اجتهد أن يتشبه به eفيحفظ  سمعه وبصره ولسانه وبطنه وفرجه ويديه ورجليه , حاء يوم القيامة فتتلقاه ملائكة الإحسان بما أعده الله له من الخير العظيم , بل يكون مع رسول الله eفى دار الكرامة كما قال تعالى : ]فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَأَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَوَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا[والمخالف لرسول الله eالمتشبه بإبليس أو بالوحوش الكاسرة أو بالأفاعى المضرة , فهذا أعاذنا الله منه بقول يوم القيامة: )يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا(                .

 

 

 

قوله تعالى : وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍمِّن مِّثْلِهِ... (23) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وباب التوبة والحمد لله مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها , فليسارع إخواننا وفقنا الله وإياهم                                                إلى التوبة والإنابة قبل الفوات , ولا يجلسوا بعد الذكرى مع أهل الظلمة والجحود , والله ولينا وهو                            حسبنا ونعم الوكيل .

قال تعالى : ]فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[.

الآية الشريفة مرتبة على ما تقدم فى صدرها . كأنه سبحانه وتعالى يقول : ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْرَبَّكُمُ[- ]فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً[والند فى اللغة : المِثْل بكسر الميم وسكون الثاء . والند أيضاً هو المنافر , مأخوذ من ند البعير إذا نفر من صاحبه . والند الذى يجعله الكافر من الأصنام أو الكواكب أو الأناسى إلهاً يعتقد فيه أنه ينفعه ويضره . وكل مسلم يعتقد أن إنساناً أو مالا أو أطياناً أو عقاراً أو  والياً أو ذا سلطة أو وظيفة أو ولداً أو والداً ينفعه أو يضره بذاته من غير أن يلحظ فى ذلك مسبب   الأسباب جل جلاله , فهو مشرك , اتخذ من دون الله نداً , والنافع والضار فى الحقيقة هو الله وحده . وما عداه فأسباب وضعها سبحانه كما بينت ذلك فى أول الآية . ومن حجبه السبب عمن وضعه سبحانه ,   وأقامه لينفع به من يشاء ويضر من يشاء فقد أشرك قال تعالى : ]وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم    مُّشْرِكُونَ[حفظنا الله من الشرك الظاهر والخفى والأخفى – وكأن الله تعالى يخاطب كل إنسان منحه عقلا يدبر به شئونه فى الدنيا , فإن أقل عقل ينظر فى الأرض المنبسطة وما تخرجه لنا , وفى الأمطار وما تحدثه لنا بفضل الله , وفيما أحاط بنا من أجواء وأرجاء وكواكب منتثرات  ,وبحار محيطات , وهواء  وأمطار , وأنزلها سبحانه وتعالى يعتقد حقاً أن مبدعاً حكيما قادراً , ولذلك قال سبحانه :  ]وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[.

أيها المخاطبون إن ما تفضلت به عليكم مما لم يكن لكم فيه كسب ولا عمل , وما أحسنت به إليكم  فكنزته فى الأرض وفى الهواء , ويسرت لكم مفاتيح تلك الكنوز : ]فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً[  واعبدوه مخلصين العبادة  له سبحانه وتعالى , فلا تشوبوا إيمانكم بشرك الله تعالى , ويقول سبحانه :] إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِميَشَاء [.

قوله تعالى :  وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍمِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ    شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَp23iفَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّار الَّتِيوَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَp24i

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أقام القرآن المجيد الحجة البيضاء على كمال توحيده سبحانه وتعالى , فوضحت الدلائل التى لا يقبل الله  تعالى من عبد صرفاً ولا عدلا , إذا لم يفقه ما أتى به القرآن فى توضيح حجج التوحيد . فلما أتم سبحانه  وتعالى تلك الحجج التى أسجدت العقول التى تعقل عن الله تعالى , وقهرت النفوس الجامحة إلى الحظ   والهوى , ولم يبق عذر لإنسان لم يكن شيئاً مذكوراً فخلفه الله تعالى من العدم , وكيف لا وقد ولدته أمه .  فوجد بعد أن لم يكن , ولا أبعد بالإنسان فى أمربين رشده لا تحتاج إلى نظر لأنه محسوس ملموس ,   فكم من إنسان لم يرزق ولداً وعنده أربع نسوه ! وكم من فقير ليست معه إلا امرأة ومعه تسعة أولاد ! فمن الذى قدر هذا ؟ ونرى الأشياء صغيرها و كبيرها تحدث بعد أن لم تكن . ومن الذى جعل كل ما فى    الكائنات نافعاً للإنسان ؟ فلو فقدت حقيقة من حقائق الكون كالهواء والمطر والشمس والنبات بل    وعنصر التراب لمحى الإنسان . سبحانه خلقنا وسخر لنا شىء فى السموات والأرض جميعاً منه . تلك     الحجج التى بينها الله تعالى فى هذه الآية لا يجهلها إنسان سلم من الأمراض العقلية والنفسية , وكمل فى    نوعه حتى صح تكليفه  .

أما أهل الأمراض النفسية أو العقلية فليسوا مكلفين بأحكام الشريعة ولا بالنظر فى دلائل التوحيد  وهم الكفار . تلك الحجج التى تجعل الجاحد والمتخذ أنداداً لله يستقبل عذاب جهنم على نفسه ويسأل الرجعة إلى الدنيا , لأن عذاب الضمير أشد من عذاب الأجسام , وإن إنساناً يرى هذا البيان وتلك  الدلائل ويلفت وجهة عنها لهو أضل من الحيوان فى الدنيا , وأشد الناس عذاباً يوم القيامة , لأن الله يجمع   عليه عذاب الضمير كما قال سبحانه وتعالى : ]نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ# الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ[وقال تعالى : ]كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْالْعَذَابَ  [ وهذا يبلغ به الحزن مبلغاً يجعله يتمنى    أن يكون تراباً , ويزداد عذاباً فوق هذين العذابين : وهو عذاب رؤية من كان يؤذيهم ويحتقرهم من  النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، منعمين بما وعدهم الله به أعاذنا الله تعالى وإخوتنا المؤمنين من  الكفر بنعمة الله . ومن إنكار حجج الله وبيناته بعد أن أقام الله تعالى تلك الحجج الناصعة على أنه  تفرد بالألوهة ، وهو القادر الذى أبدع بقدرته بدائع صنعه الحكم ، تنزه عن أن يوجد شيئاً عبثاً ، أو  يحدث حدثاً لعباً . ولما كانت الحجج على وحدانيته تليها فى الرتبة دلائل النبوة بين حجج النبوة بما ملأ  القلوب السلمية من الحظ إيماناً وتسلما . قال تعالى : )فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ  فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْتَسْلِيمًا(  فابتدأ الله تعالى إقامة الحجج على إثبات سيدنا محمدeبقوله تعالى : ]وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى  عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍمِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[. ثبتت رسالة                  .

 

 

 

قوله تعالى : وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍمِّن مِّثْلِهِ... (23) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خاتم الأنبياء بالمعجزات التى لا تحصى عداً , وقد التجأ بأقل منها فرعون إلى الإيمان , وهى معجزة               سيدنا موسى عليه الصلاة السلام , التى فلق بها البحر المبتدىء من المحيط الهندى إلى السويس                         وأعنى بتلك المعجزة , شق القمر التى هى فى قوة قول الله تعالى : َصَدقَ عَبْدٍى فِيماَ جَاءكٌمْ به مَنْ عِنِدى لِأنٌى شَقَقْتُ اْلقَمَرَ بِطَلَبِه . وأعداؤه eشهود لم ينكر أعدى عدوه تلك الحادثة , وهم من    تعلمهم عداوة له eوتربصاً لزلة يزلها , ولكن الله أنزلها فى القرآن فى زمان إجماع العرب على معاداته e  , فآمن من عقلوا هذه الآية , وازداد بها أهل الضلال عناداً وكفراً , وقالوا شَيٌيْتنا بسحرك    يا محمد . ومعجزة أخرى وردت بالتواتر وهى جرى الماء من بين أصابعه e, صح ذلك بالتواتر فى  سفرة eللجهاد . ورده عين قتادة بعد أن فقئت فى غزوة أحد , فصارت خيرا من الثانية .

وقد أجرى الله على يده eمن المعجزات المحسوسة للحس ما لا يحصى , بحيث لو جمعت معجزات الرسل لما كانت شيئاً بالنسبة لما أجراه الله على يده e, ولكن الله سبحانه وتعالى لما قدر أن يكون   هو خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم لم يتحد بشىء من تلك المعجزات الباهرة المحسوسة ,  لأن قدرها فى تنويع الأفكار لا يؤثر بالمعنى المطلوب إلا على شهدها , وكم أضلت معجزات الرسل  أمماً . فإن عيسى عليه السلام لما أن أحيا يعاذر بن مريم المجدلية عند ما طلبت منه أمه عليه السلام ذلك  فأحياه بإذن الله تعالى . قال له بطرس :- أحد حوارييه -  أنت الله . فاشتد غضب المسيح عليه  السلام  , وذلك لأن المعجزة أثرت على بطرس تأثيراً أخرجه عن الاعتدال . وكثير من اليهود يدعون أن  العزير هو ابن الله لما أماته الله مائة عام وأحياه . وقد أضل موسى السامرى بنى إسرائيل بالعجل الذى  صنعه من الذهب المسروق من آل فرعون : وأمثال هذا كثير . فلم يتحد ّ الله قريشاً بمعجزات محسوسة   لأنها كما ذكرنا إما أن تضل أو تنسى . فكم من معجزة تذكر ولا تؤثر على السامع التأثير المراد بها لأنه       لم يشهدها , وتحداهم بالقرآن المجيد الذى هو معجزته الحقيقية e. وهو المعجزة التى لا تزال بهجتها   تزداد , ونورها يسطع . يعجز الله به كل جبار عنيد , وتخشع له القلوب إذا تلى , ويسجد له العقل إذا قرىء , وتأنس به الأرواح إذا رتل .

بين الله لنا فيه ما لابد من معرفته . وأشهدنا فيه جميل أوصافه ونور أسمائه , وجمع لنا فيه  العبادات  والآداب والمعاملات والأخلاق المحبوبة لحضرته . فهو الشمس المشرقة على فلك العلا لا تغرب ,  وهو المعجزة القائمة لإخراج العلم من ظلمة الشرك والجحود إلى نور التوحيد والإيمان . لذلك تحداهم الله بكتابه العزيز الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , ولم يذكر المعجزات التى تفوق كل                .

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معجزات الرسل قبله من الأحداث التى أدهشت من شهدها وانتشرت بين العالم أجمع , وتنقلها الرواة                     بالتواتر إلى اليوم . بل ذكر القرآن المجيد عند النبوة , لأن رسول الله eخاتم الأنبياء ورحمة الله  بالعباد , وجعل كتابه المنزل عليه معجزته التى يقيمها حجة على كل منكر مرتاب . فالقرآن الكريم دعوى وحجة , ولم يسبق لرسول من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام أن الله تعالى ينزل عليه كتاباً هو دعوى وحجة فى آن واحد . ففى القرآن الكريم المقصود من علم التوحيد وعلم المواعظ وعلم   العبادات , والقرآن فيه ما يبشر وما ينذر به , وفيه تفصيل العبادات الروحانية و الجسمانية , والأخلاق  والتاريخ والعبر , وفيه تدبير الإنسان منفرداً , وتدبير العائلة , وتدبير المجتمعات القروية والمدنية  والمجتمع العام , فهو معجزة وكتاب .

أخاطب العقل الذى يعقل عن الله أما العقول التى حسبتها المادة ولوازمها , فرضوا بالحياة الدنيا  واطمأنوا بها , والذين غرهم ما اخترعوه من المادة التى هى مخلوقة مسخرة بإذن الله تعالى لنا , وإن   العقول التى اخترعت والأيدى التى صنعت مخلوقة لله , وأمثال هؤلاء المبعودين عن فقه آيات الله لا نقيم  لهم وزناً فإنهم إنما ضروا أنفسهم ونظراءهم ممن هم على صورة الإنسان , وهم أضل من القردة والخنازير  لأن بيان القرآن فى دلائل التوحيد ودلائل النبوة كالشمس فى رابعة النهار لا يشهدها الخفافيش .  يقول الله تعالى : ]وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ[بيننا الريب فى قوله ]فِي رَيْبٍ[وهو الشك مع العناد . ولما كان الريب فى رسالة خاتم الأنبياء بعد إقامة تلك الحجج القوية من الأمور المستقبحة عقلا   التى يجب أن لا تكون .

أتى الله بحرف ( إن) التى للتشكيك فى معناها , ولم يقل " إذا " بَدَلَه ]مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىعَبْدِنَا[   من هنا للبيان , لأنها بينت حقيقة المشكوك فيه عند الممرورين , وما يراد بها القرآن الكريم . وإن   قال بعض العلماء إنها للابتداء أو للتبعيض فجائز . لأن الشك فى بعض الحقيقة شك فى الحقيقة . قوله  تعالى : ( أنزلنا ) معناها أن القرآن نزل نجوماً , آيات , بحسب الأحداث لأنه لم يقل سبحانه أنزلنا لأن  الإنزال نزول الشىء دفعة واحده . وأما التنزيل فنزول الشىء مرة أخرى . وقوله : (عَلَىعَبْدِنَا)  أتى بكلمة ( على ) بدل اللام إشارة إلى الاستعلاء بدليل قوله تعالى : ]إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلً[فكأنه eمتعين عليه الدعوة , ولفظ عبدنا أشرف وصف يصف به الله خير أحبابه , وهى الكلمة  التى حفظت بها قلوب المسلمين من أن يتجاوز أحد الأدب مع الله تعالى فى رسول e  , فإننا والحمد لله حفظنا الله بكتابه العزيز من أن نتجاوز بحبيبنا eمقام العبودية الأمر الذى به نجاتنا . وكم زلت             .

 

          

قوله تعالى : وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍمِّن مِّثْلِهِ... (23) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أقدام الأمم السابقة فجعلوا الأنبياء أو ورثة الأنبياء فى مقام الألوهية أو الربوبية . أعاذنا الله وإخواننا             المسلمين جميعاً .

يقول الله تعالى : ]نَزَّلْنَا عَلَىعَبْدِنَا[بنا التى للتعظيم , إشارة إلى تفريد خاتم المرسلين بمقام                        الإعظام والإجلال , وإذا كان المتبوع فى أرقى مقامات القرب والحب من الله تعالى , فأتباعه يفوزون                 بقسط وافر من تلك العناية , ولذلك فقد ثبت بتواتر أهل الإيمان أنه شفيع العالم يوم القيامة , وإن  أنكر الشفاعة العظمى من حرم مزيد الإيمان كما قال تعالى : ]وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى  [.   وقال تعالى : ]ويَزْدَادَ اّلذِينَ آمَنُوا إِيَمانًا[فيكاشفهم بأسرار مقامات رسول الله e, مكاشفة  يقوى بها الإيمان , ثم إن الله سبحانه وتعالى خاطب أهل البعد خطاباً مفحماً , وأمرهم أمراً معجزاً ,  وصرح فى كتابه العزيز فأباحه eمتمكناً فى تصديق الخير,  متحققاً أن الأنس والجن لو أجمعوا على  أن يأتوا بسورة من مثله لعجزوا . يقول الفخر الرازى إن المراد من السورة التى يأتون بها  هى سورة من    طوال السور , ولكنى أقول إن مراد الله مطلق لا مقيد ومراده سبحانه وتعالى أن يطالبهم ولو بسورة  الكوثر أو الإخلاص , لأن المراد ليس بتحقيق الألفاظ وتنسيق الكلم ولكن المراد كشف تلك                               الحقائق التى مع عجزهم عن نظمه اللفظى , فإنهم عاجزون عن تلك الحقائق التى كشفها القرآن , وليس المراد حسن لفظ الكلام فحسب , فإن القرآن المجيد معجز من كل جهة , وإنا نرى فحول الفصاحة  والبلاغة الذين تفوقوا على نظرائهم كان تفوقهم بما أدمجوه  فى كلامهم من الأمور الخالية التى لا تطابق الحقيقة , ولو أن أفصح كاتب أو شاعر أراد أن يكشف الحقيقة على ما هى عليه بألفاظ مجردة عن هذا  الحشو لانحطت عبارته رغم أنفه , مع أن القرآن المجيد يكشف الحقائق على ما هى عليه , ومع ذلك فقد  بلغ من حق الانتساق وحلاوة العبارة وطلاوة القول , وما سجد له العقل معترفاً أنه ليس بكلام البشر , ولا قدرة لمخلوق أن يأتى بأقصر سورة منه ولا الملائكة .

أخاطب أهل العقول السليمة , أما الذين ليست لهم عقول أو لهم عقول مكسوفة بالحظ والهوى ,   فهؤلاء , لا تنفعهم الحكمة ولا تؤثر عليهم الحقائق : عجز والله لسان البلاغة وفحول الفصاحة , ممن كان كبار الفصحاء يسجدون لكلامهم المعلق على الكعبة , عن أن يأتوا بأقصر سورة منه . وكيف لا ؟   وهذه الآية تنادى بأفصح بيان : يا من تعاندون رسولى وتكذبون وتحاربونه , واجتمعوا وأجمعوا أمركم  وأتوا بسورة من مثله .لعل ممروراً ممن غرته أوربا التى لم تخرج عن تنويع المادة إلى طيارات وغواصات , يظن أن هذه المخترعات ليست من الأعمال التى كان يفكر فيها الإنسان منذ نشأته الأولى ,                 .

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أن اكتشف الحديد والنار , وأخذ الإنسان يترقى فى الصناعات , فقد صنع الجوهرى صاحب                  الصحاح فى اللغة طيارة وطار بها قبل إحداث البخار والكهرباء , وانتفع كثير من المصانع فى بابل                                                                          وآشور باستخدام البخار فى أمور للنفع الخاص , وأخذ الإنسان يترقى حتى انتفع بالبخار هذه المنفعة . وليس      لصناع أوربا فضل إذا الفضل كله للشرق , ولكنه وصل إلى أوربا بعد أن أهمل المسلمون أمر دينهم                                                                  وتنافسوا الدنيا , وشغل بعضهم ببعض عن العمل لخيرى الدنيا والآخرة . فيقول هذا الممرور إن العرب               لم يجتمعوا ليأتوا بسورة من مثله على فرض هذا , والمفروض غير الواقع أنهم لم يجتمعوا . فعدم اجتماعهم                     برهان العجز عن إتيان مثله , ولعل هذا الممرور يلاحظ إيمان فرعون عندما أدركه الغرق , ولو أن عنده   قوة تنجيه من البحر ما قال آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل , فكذلك العرب تحققوا بالعجز ولم يجتمعوا  أو اجتمعوا , كل ذلك لا يعنينا . وإذا كانت دول أوربا تشهد لألمانيا بالتفنن فى اختراع الصناعات    وقام بعض زنوج أوساط إفريقيا يدعون أنهم أتقن فى الصناعات من ألمانيا لكذبوهم .

فالقرآن أعجز من جميع العالم مَنِ اللغُة لُغَتهُم , والبيان بيانهم , فكيف يدعى رجل ربما كان من    أبوين أعجمين أن العرب كان يمكنهم أن يأتوا بسورة من مثله ولكنهم لم يجتمعوا لذلك . إذا كان من   يقول هذا مسلوب العقل فكيف بمن يقوم فى هذا الزمن من أهل القطيعة والبعد يكذب خيراً من  أخبار القرآن وهو بناء الكعبة . ألا قبح الله من عادى قومه ودينه ثم نصر الأعداء .. لم يكتف الله   تعالى بدعوة العرب أجمعين أن يأتوا بسورة من القرآن بل دعاهم إلى ما هو أكبر من هذا فقال تعالى :   ]وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم[يعنى الأصنام التى كانوا يعبدونها والملوك الذين يقدسونهم , وهذه الآيه تدل على أن الله أقام الحجة على عجز العرب أجمعين , وعجز الذين اتخذهم أنداداً من دون الله , وعجز من اعتقدوا فيهم  النفع والضر من النكهة والفلاسفة والسدنة , ثم ختم الآية بآية هى أشد من لهيب النار وقعاً على القلوب .  وهى قوله تعالى :  ]إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [فيما ترمون به خاتم الأنبياء .

انظر أيها القارىء إلى تنزل ربك بكمال رحمته وحنانه بعباده الذين يريد أن لا تكون لهم حجة يوم القيامة , وأن تكون له الحجة البالغة بقوله : ]فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِيوَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ[أتى سبحانه بإن  الشرطية التى هى للتشكيك لسابق علمه أنهم يعجزون عن الإتيان , ثم أتى "بلم" التى تفيد نفى قدرتهم على الإتيان يمثل سورة .

ثم بين سبحانه وتعالى أنهم لا قدرة لهم على ذلك لتكون أحرى فى إغرائهم على العمل إن قدروا ,  وفى قوله : ]وَلَن تَفْعَلُواْ[الخبر عن الغيب الذى وقع بعد وهو من معجزات القرآن , لأن الله تعالى       .

          

           قوله تعالى : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِيوَقُودُهَا النَّاسُ(24) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخبرنا أنهم عاجزون عن الإتيان بمثل سورة من القرآن , فكان كما أخبرنا سبحانه وتعالى ]وَلَن [لنفى        المستقبل تفيد تأبيد . وصدق الله العظيم . وكيف لا يكون كذلك وهو كلام الله الذى بيده ملكوت كل شىء أنزله على خاتم أنبيائه الذى أتى به ليمنح أهل أتباعه كمال اليقين , وما منحه العالم الإسلامى  بالنسبة لكمال يقين رسول الله eكذرة صغيرة – يقول تعالى : ]فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِيوَقُودُهَا النَّاسُ  وَالْحِجَارَةُ [معلوم أن النار ما  يشعل فى الحقائق القابلة للتفريق , فالنار شىء وما يوقد فيها شىء آخر , لأن نار الآخرة هى حقيقة المكان وليست كنار الدنيا التى يلزم أن تتقد فى  القابل , ويوضع فيها ما يراد الانتفاع بالنار فيه فى الحقيقة الموجودة بها , كوضع الحديد ليلين والخبز لينضج , لكن نار الآخرة   وقودها الناس والحجارة كأنها مسعرة بغير الحقائق التى تزيد عليها , وكأن الناس المعهودين هم الكفار كما قال : ]أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ[وأتى هنا بذكر الحجارة ليفيد أن الحجارة تلتهب من شدة سعير  النار , فإذا كانت الحجارة تلتهب فكيف بجسم الإنسان .

وليس المراد بأنه لا يدخلها إلا من كفر بالله فقط بل أهل الكبائر الذين لم تخرجهم الكبائر إلى  الكفر بالله يدخلونها للتحميص زمناً لأنهم كفروا بغير الله , فمرتكب الزنا وشرب الخمر والقتل والسرقة   وآكل مال اليتيم وآكل الربا يدخل النار إذا  لم يتب , لأنه كفر , يعنى سترت عنه حقائق أتى بها  القرآن . منها قوله تعالى : ]وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ [والمسلم الذى لا يراقب المعية مراقبة علم أو شهود كأنه كفر بتلك الحقيقة , لأنها سترت عنه , والكفر فى اللغة : هو الستر , فجاحد ربه أو المتخذ نظائر لله أو المعتقد الألوهية فى غير الله هذا كافر بالله . وأما المسلم الذى لا يراعى آيات القرآن فى عبادته  وعمله وفى المنهى عنه فهو كافر لغة مستحق للتطهير فى النار لتنكشف له تلك الحقائق جلية , فلا يدخل النار مؤمن كامل ولا يدخل الجنة قليل الإيمان إلا بالتوبة منه فى الدنيا أو يغفو وشفاعة يوم القيامة .  وليس لنا أن نحكم على الله تعالى , ولكن الواجب علينا أن يراعى آداب الشريعة تقتضى   أن يكون المؤمن بين الرجاء والخوف فلا ييأس من روح الله ولا يأمن من جانب الله , وهذا أكمل حالالمؤمن فينطبع على المحافظة  على اتباع الشريعة ويخاف من مخالفتها , ومعنى قوله تعالى: ]فَاتَّقُواْ النَّارَ[  أى تباعدوا عما يوقع فيها من مخالفة رسول الله e.

ولما أن قام الحجج على النبوة أردف ذلك بإنذار أهل العناد بتخويفهم من النار إذا خالفوا                                           ولم يقيم هنا دليلا على وجود النار , لأن تقرير دلائل التوحيد وإقامة الحجة على وجود رب تنزه وتعالى  خلق الخلق بقدرة وحكمة عجيبة , تبرهن تلك الحجج أن ذلك الرب سبحانه وتعالى من كمال عدله                .

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يجازى المطيع بالثواب والمخالف بالعذاب .

والحكمة تقتضى أن يكون الثواب فى دار النعيم والعقاب فى دار الجحيم , أعاذنا الله منها . وتقتضى  أن تكون فيه قيامة بعد الموت , وهو الحشر والنشر والحساب , كما أقمنا الدليل على ذلك فى كتاب " النشأة الثانية " وقد بين القرآن المجيد دلائل إثبات الدار الآخرة مما ملأ قلوب المؤمنين تسليماً وتصديقًا  قال تعالى : ]وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْوَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ[  وقال سبحانه : ]إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[وآيات الدلائل على قيام الساعة فى القرآن لا تحصى . وبعد أن قرر الله سبحانه وتعالى الحجج على صدق رسول الله  eبشر من طاعة وأتبعه بنعيم مقيم ومسرة دائمة لا تنتهى أبد الآبدين , كيف لا , وقدر ذرة فى الجنة خير من الدنيا وما فيها , لأنها دار البقاء فى بهجة وفرح وأنس , والدنيا وما فيها لم يكن فيها إلا الموت  لكلفها تعسة إذا خالف الإنسان فيها أمر ربه ووصايا نبيه .

قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍتَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍرِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاًوَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ  مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَp25i

بين الله تعالى فى صدر الآية دلائل التوحيد حتى صارت محسوسة جليلة لكل ذى عقل يعقل  عن الله تعالى -  فلم يبق على من بلغته دعوة الإسلام وبلغته الدلائل التى أقامها سبحانه على تفريده  بالألوهية إلا التسليم المطلق لله ولرسوله eولدينه . أما من لم يرزقوا العقل الذى يعقل عن الله تعالى . بل وقفوا عند الحس الذى لا تنكشف له إلا المادة ولوازمها , فلم تنفذ نفوسهم الظلمانية من أقطار سماء   المادة وأرضها , فتسيح فى ملكوت الله الأعلى , مشاهدة صفاء الآيات الدالة على عجائب القدرة وغرائب   الحكمة , بل وإبداع الحكيم الخلاق العظيم فيما أبدعه سبحانه وتعالى فى هذا القضاء . لا أقول قضاء  من الآيات الكونية , ولكنى أقول عن القضاء بمعنى الوسعة  , لأنه ما من ذرة من ذرا ت الوجود سواء   أكانت فى الأرض أو في الأرجاء والأجواء أو فى الأملاك والأفلاك , أو فيما أبدعه القدير القادر الصانع   فى العرش وما حوى , إلا وهى تنطوى على آيات لو كوشف بها إنسان بمعناه لفر إلى الله لما يشهده من  العجائب المودعة فى كل الأنواع من جماد ونبات وحيوان وأناسى .

وحسبتك أيها المشاهد دلائل التوحيد أن تنظر بعين مجردة من الحظ والهوى , إلى أنواع الجمادات وما فيها من الأنواع المتفاوته , لوناً وخصوصية ومزية . وقد ترى بعض المعادن يفوق غيره منفعة . فإذا    .

 

قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ.. ( 25) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اهتدى بك الفكر إلى المملكة النباتية , ورأيت ما يظهر لك من ألوان تتفاوت تفاوتاً عجيباً , وأشكال                 الطعوم , والروائح , لعلمت أن مودع تلك الحقائق هو الذى يقول للشيء كن فيكون .ثم إذا ارتقت إلى            المملكة الحيوانية لرأيت ما أبدعه الحكيم الصانع فى أفرادها من سكان البحار والقرى والقفار والمدن ,          ولرأيت كل قدر أنملة على عجائب الخواص , ولو نظرت إلى ما فيه من أنواع المخلوقات الحية التى  لا يمكن أن يعقلها العقل إلا بعد أن يراها بالمجهر , فلا تكاد ترى القطرة من الماء إلا وفيها جيوش من  الحيوانات على أشكال شتى وصفات شتى . وقد رأيت بعينى رأسى فى قطرة من الماء حيوانات كثيرة ,  كما رأيت جيوشاً من الحيوانات البرية والبحرية يطارد بعضها بعضاً كالجيوش . ولو أنك نظرت إلى الصحارى القاحلة وما فيها من الوحوش الكاسرة والحيوانات , بل ولو نظرت إلى النار وما فيها من  حيوان يقال له السمندل , وأنه يعيش فى النار يأكل فيها , ومن خواص أنه إذا دهن به جسم الإنسان  ودخل النار لا تؤثر فيه , ولو رأيت حيواناً فى جوف قطعة حجر لها مادة نشوية ورطوبة يتغذى بها  لتأكدت أن الذى أبدعها هو القادر الحكيم المنفرد بالعظمة والكبرياء .

هذا ما يمكن أم أورده عليك مما هو على سطح الأرض من البحار والهواء , ولو علمت يا أخى أن   فى هذا الجو من الحيوانات الصغيرة ما لا تكاد ترى بعينك المجردة , وأن أصغر حيوان منها منحه الله خواص يمكنه بها أن يقتل الجمل بوخز سنة وقد يقتل الإنسان بوخزه , لا تعجب فقد قال رسول الله  e  : " الطٌاعُونُ وَخْزُ إِخْوَانِكُمُ اُلْجِنّ "  ومعنى الجن : المتستر الذى لا يرى العين بالعين المجردة . ولو ارتقيت معى أخى إلى الأفلاك وإلى عمار السموات الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون  لحصل لعقلك روعة ربما أثرت عليه فسلبته , كما يظهر له من العجائب فى انتساقها ودورانها وفوائدها  الجمة . قال eلجبريل : "  هَلْ َوجَبَتِ اْلعَصْرُ فَقَالَ : لَا – نَعَمْ . فَسَأَلَهُ eعَن قَوْلِه :  لاَ – وَنَعَمْ , فَقَالَ ياَ رَسُولَ الله : إِنَّ الشَّمْسَ دَارَتْ كَذَا وَكَذَا أَلْفَ َمَّرةٍ بَيْنَ لاَ – وَنَعَمْ " . فأعجب يا أخي معي من هذه العجائب التى أقامها الله تعالى مع ان كثيراً من الناس ينكر ويجحد ويكذب   ربه ويفترى على التاريخ المتواتر كما يفعل الضٌلال الذين تلقوا ما ليس بعلم بأوربا , وزعموا لجهلهم بالعلم           أنه علم . وليتهم ستروا جهلهم , ولكنهم يقولون نتكلم بلسان العلم وكذبوا , فإن العلم تصور النفوس.         رسوم المعلوم الذى لا يصل إليه الحس , أما ما يصل إليه الحس من تلك المادة وما ينوعه العقل منها ,        فيجعله آلة للصناعة فهذا ليس بعلم  .

وقد برع فى هذا المصريون القدماء , فقد اخترعوا للمادة أشكالا وصوراً ورسوماً عجيبة , فرفعوا.     .

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأثقال إلى قدر لا يمكن لأهل هذا العصر أن يرفعوه إليه كالأهرام . وأتقنوا علوم الطب وحفظ الأجسام    من البلى إلى أكثر من خمسة آلاف سنة , كأجسام الفراعنة القدماء , وبرعوا فى فنون الزراعة . كذلك الآشوريون والبابليون والفينيقيون برعوا فى علم الأفلاك والنبات والتجارات , ومع بلوغهم الدرجة القصوى  فى أيامهم كانوا يخشعون بقلوبهم أمام الدينيين منهم ولا يفخرون بما يفنى . فإن الجمال الذى أودعه الله   فى الأنواع كلها من الأشكال والألوان والروائح والفوائد والنفع يعجز أكبر كاتب أن يصف حقيقتها . انظر أيها العاقل إلى الألوان فى الزهور وأشكالها , وألوان الطيور وما أبدعه البديع لها من جمال الشكل  واللون والمنظر , مما تعجز عنه العقول الضئيلة فى المادة , ترى أن العجز عن إدراك هذه الأشياء يدل على عمى بصائرهم عن الإيمان , لأنهم ينظرون إلى الصناعات المحدثة ويعجبون بها . ولست أعجب من شىء   غلا ما اعترى الأمم الشرقية من الجهل البالغ نهايته , لأنهم يصدقون الإفرنج فى دعواهم الاختراع والحقيقة أن هذه الفنون اتخذها الإفرنج عن الشرقيين الإسلاميين وغيرهم , وأتقنوا عملها أو زادوا عليها   فنوناً , وليس هذا العلم علماً إلا عند من يجهل نفسه . وأهل العلم عندهم من اخترعوا غواصات ودبابات  وطيارات لا ينتفع بها الإنسان إلا فيما يضر ولا ينفع . العلم هو ما هذب نفسك وجملك بحسن الخلق , وبالتواضع لبنى الإنسان وبالرحمة بالخلق . فهل ما اخترعته أوربا أوصلهم إلى شىء من هذا الجمال ؟ لا .  بل أخرجهم من الإنسانية إلى الوحشية , فجعلهم ينظرون إلى نظرائهم من الأمم كأنهم أحط من الحيوانات , بل كأنهم وحوش كاسرة . وهذا ما تدعو إليه الحاجة عند شرح الآية الدالة على وحدانية الله تعالى  .

وبعد أن بين الله تعالى دلائل التوحيد بين دلائل النبوة بالحجج التى تقطع نياط المنكرين ,   ولا يبقى لمنكر يوم القيامة إلا أنه يرى الخلود فى النار أقل ما يستحقه , لأنه رضى بالحياة الدنيا وأطمأن   بها , وظن لجهله أن المعبود هو المادة والجاه والمنزلة والمال . قال تعالى : ]وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَىوَأَضَلُّ سَبِيلاً[. ثم بين سبحانه : وهى سنته العلية فى كتبه التى أنزلها , أن يذكر  بعد إقامة الحجة على التوحيد , وعيد المنكرين وجزاء المحبين . فذكر ما أعده للكافرين الذين ستر   عنهم حقائق الغيب المصون , فلم يصدقوا بها , ولم يسلموا لمن جاءهم من عند الله , ليبين لهم ما يجب  أن يصدقوا به ويعملوا به . ثم أورد ذلك سبحانه وتعالى بذكر من أسلموا وصدقوا بوضوح تلك الحقيقة  بما أعده لهم يوم القيامة ]وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ[أما البشرى : فهى الخير بما يسر السامع بخبر لم يكن سمعه  من قبل . والذى يبشر رسول الله eوورثته من بعده والذين آمنوا يعنى صدقوا الله ورسوله e.    .

 

قال تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ.... (25) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ[  يشير إلى المؤمنين لأن شعب الإيمان بضع وسبعون شعبة , كل واحدة منها عمل     صالح . وهذه الآية دلت دلالة صريحة على أن الإيمان الذى هو التصديق بالقلب لا يكفى للنجاة ، بل  لا بد من العمل الصالح . وإن كثيراً من المحدثين يقولون الإيمان تصديق وعمل ، والإسلام تصديق  وعمل ، فالإيمان والإسلام سواء . وكثير من علماء القلوب يقولون : إن العقيدة تكفى فى نجاة الإنسان يوم القيامة ، ولكن جهل بعض أدعياء العلم فرموهم بما برآء منه . ومعنى قولهم رضى الله عنهم أن   العقيدة التى بلغت رتبة العين تؤثر على المعتقد تأثيراً قوياً حتى لا يخالف الشريعة فى نفس ولا أكثر ،  لأن المعتقد حقاً منزل عقيدته من اليقين منزلة من يعلم أن فى هذه الغابة سبعاً كاسراً ، أو أن فى هذا المكان كنزاً . فالأول لا يتجاوز مكان الثانى ، والثانى يحرص على نيل ما فى هذا الكنز. كذلك أهل القلوب بلغ بهم اليقين الحق مبلغاً كأنهم يرون الله تعالى . وأقل مراتب اليقين أن يرى الإنسان   النار والجنة ، وما يقرب إليها وما يبعد عنها قال تعالى: ]َكلاٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اْليقَيِنِ لَتَرَوُنٌ اُلْجحِيمَ[.

وهنا ننبه فكرك أيها السامع إلى أن الله تعالى يقول : ]وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ[وهو رب العالمين ,.  ولكن نرى كثيراً ممن جهلوا الأدب مع الله تعالى ثم مع خلقه , يقولون إن فلاناً كافر , لأنه ترك.كذا وكذا من السنة أو ترك كذا من الرغائب , فينفرون الخلق ويفتحون باب الفتن على مصراعيه ,.    ويحكمون على الله الذى يقول ]إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ[, كأنهم يقيمون الحجة على أنفسهم أنهم علموا  الغيب المصون , واطلعوا على القدَر المكنون ,ويقول رسول الله e  : ( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينهما وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينهما وبينه غلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة   فيدخلها ) , أو يقولون أننا لا نتشبه بسلفنا الصالح . إذا كان الله تعالى يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالجنات . فكيف يكون حال من شاب إيمانهم شوب أباطيل الإفرنج ودعاتهم الذين كذبوا على الشرق   فمنهم من قال إنه اكتشف كوكباً يكتسح الأرض فى كذا . ومنهم من قال إنه اكتشف آلة يمكنه أن يتكلم بها مع سكان المريخ. ومنهم من يقول إنه اكتشف ما يطول به العمر . ومنهم من يقول إنه   يجعل فى الجو سحباً تمطر مطراً غزيراً . وكل هذا يقوله الضالون .

ومن الغريب أن أكثر الذين تربوا فى بلادهم من الشرقيين يصدقونهم , ولو أن شرقياً اكتشف. حقيقة من الحقائق التى لا مراء فيها لاستهانوا به ! وماذا تقول فى قوم لا يطلبون الحقائق وليسوا من              .

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أهلها ، وإنما يتبعون من غير تعقل كل قوى قهر غيره واحتل أرضه ،  وهذا نهاية الكمال عندهم  ]أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ[. لما كانت البشرى من الله تعالى تقتضى أن المبشر به مناسب للمعطى الوهاب  سبحانه ، والله يعلم أن القلوب تحب الطمأنينة بهذه البشرى افتتح الكلام بقوله : (أَنَّ) التى تؤكد. الخبر وتجعله يقيناً كما قال الخليل عليه السلام : ]وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي[بعد أن بشره الله تعالى بأنه  خليله . فتصديق البشرى شىء وطمأنينة القلب شىء آخر فأتى الله بأن التوكيدية ليقوى اليقين فى القلوب بهذه البشرى ، ويكون السامع واثقاً تمام الثقة بأن الله تعالى أعدله ما بشر به وهو سبحانه الصادق فى العلم بما يسر عباده . و (جَنَّاتٍ) جمع جنة ، إشارة إلى أن لكل مؤمن جنة خاصة.ربما كانت أوسع من الأرض جميعاً ، كما قال سبحانه : ] وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُوَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[. وتلك الجنة آهلة بما بينه سبحانه فى القرآن المجيد : بمقصورات وخيام ، وأنهار من ماء ولبن وخمر وعسل ، ومن حور وولدان ، وزوجات مطهرات ، ونعيم  مقيم . والجنة هى بستان التفت أشجارها حتى سترت من بداخلها عن خارجها ، وكملت كمالا ابتهج به  الرائى وتمتع به المحتاج . قال تعالى : ]تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ[أي من تحت أشجارها ونباتها - ]كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِيرُزِقْنَا مِن قَبْلُ[.

يعنى كلما تفضل الله عليهم من تلك الجنة برزق وهذا الرزق من ثمارها ، تذكروا ما كان يتفضل الله به من الثمار ، فحصل لهم الأنس والبهجة برؤية ما كانوا يعهدونه فى الدنيا ، فلما ذاقوه وشموه ولمسوه  ظهر لهم ما أعده الله فيه من الرائحة الطيبة والطعم الشهى ، فتحققوا أنه غير ما كان فى الدنيا ، فازدادوا  مسرة وحبوراً وشكراً لله . وليس المراد أن الثمار هى التى قدمت لهم فى الدنيا ، ولكن الكلام على حذف مضاف ، يعنى هذا النوع الذى رزقنا به من قبل أو شبهه أو على حذف حرف الجر ، أى هذا من  الذى رزقنا به من قبل . ولنا أن نؤول هذه الآية : بمعنى أن الذى يقدم لأهل الجنة من الثمار يقدم لهم  مرة ثانية فيظنون من نوع واحد ، وإذا به يختلف فى الطعم والشم واللمس ، فيعجبون ، لأن الشكل  واللون لا يختلفان عما قدم لهم أولا ، ويأخذ العجب منهم كل مأخذ .فتتجلى لهم عجائب قدرة الله.     وأسرار تصريفها فى الحقائق ، ويقول لهم الملك : إن الشكل واللون واحد ولكنهما يتفاوتان فى الطعم   والريح من لذة وطيب ، ويكون هذا مزيد شهود لهم فى معانى قدرة الله وحكمته . وهذا معنى قوله تعالى : ]وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ[فما من شىء فى شىء الجنة إلا وهو يتغير من حسن إلى أحسن ، ومن جمال إلى أجمل ،  وسبحان من أكرم أحبابه ، بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولك أن تقول              .

 

 

قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ... ( 25 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ[أي بشرنا به ، بمعنى وعدنا بالبناء للمجهول . أى أن الله تعالى وعدنا. بهذا رزقاً لنا ، فنحن رزقناه فى الدنيا بخير رسول الله eوهذا أقرب إلى الفهم وإن لم يقل به أحد   من السابقين كما يقول أهل الجنة : ]أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا[: ]وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ[  خلق الله الإنسان مفطوراً على الأنس ، وخصوصاً مما لا بد له منه . ولما أشهر ما يأنس به  الإنسان وينال به بهجته ومسرته الزوجة الصالحة الجميلة ، بشرنا الله تعالى بأن لنا أزواجاً فى الجنة . وهنا  يلحظ القارىء أن أزواج الجنة مطهرة مما يعترى أزواج الدنيا من الحيض والمرض والبول والغائط ، مما   ينغص الحياة ولا ينال الطهر فى تلك الدار الدنيا ، لأنها دار البلاء وشر البلاء فى هذه الدار الدنيا سببه النساء لفقد الأخلاق الجميلة منهن قبل دخولهن الجنة التى ، بها يكمل جمال الزوج . قال رسول الله e: ( النساء عوج لا يعدلهن إلا الطلاق ) . قوله تعالى : ]وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[كمال البشرى أن هذه الكلمة تطمئن بها قلوب أهل الجنة . وأى إنسان فى أكمل النعيم وأتم الصفاء يخطر على قلبه الموت ويأنس  ولو كان ملكا نافذ الكلمة مطلق التصرف , فإن ذكر الموت ينغص كل نعيم , وكفى بالدنيا تعسة أن  فى آخرها الموت . هنا يناسب أن نتمثل ما فى هذه الآية . فلما سمع المؤمنون قوله تعالى : ]وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ[  تشوقوا إلى تلك البشرى من الله تعالى وتحققوا أنها كمال النعمة , فقال سبحانه : ]أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ [أى بساتين , وهم فى تلك الدار الدنيا فى عناء من تجمل الشدائد فى سقى البساتين.   وخصوصاً فى زمن تحكم فيه من لا رحمة فى قلوبهم,فأزال الله من قلوبنا ما خطر بها بقوله:]تَجْرِيمِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ[ولكن تذكرنا أن تلك الأشجار تثمر ثمراً من محفوظ النوع والطعم والربح , وذلك يجعل مستعمله ربما يمل منه , فأغاثنا الله وأزال ما أخطر بقلوبنا فقال تعالى : ]كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِيرُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً[وإذا به كالذى رزقوا من قبل لوناً وشكلا  لا رائحة وطعماً , فتمت المسرة والابتهاج , وتمت محبتهم فى المتفضل عليهم لمزيد إحسانه , فتتجدد لهم المسرة والحبور فى كل نفس بما لم يكن يخطر على بالهم , ولا سبق لهم أنهم تمتعوا به من قبل – قال  تعالى : ]وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ[اطمأنت قلوب القوم بما أوتوه من هذا النعيم بوعد الله الصادق فى الدنيا , ولكن رغبوا أن يكون لهم فى الجنة أنيس يشاكلهم مما كانوا يأنسون به فى الدنيا , فعلم الله ما فى نفوسهم فقال :  ]وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ [ولفظ مطهرة يشمل الكمال الذى لا يعتوره نقص من حيض ونفاس وبول وغائط ونوم وملل وفتور ومرض ينغص الحياة . فلما أن بشرنا الله بهذا الذى هو كمال أنسنا تبادر على الفكر مصيبة الموت فيها, فأزال الله عنا كرب هذا الخاطر , فقال سبحانه : ]وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [

 ]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهو معنى قوله e: ( تمام النعمة الجنة ) , فكانت الحياة فى الجنة حياة الأنس لا تشوبها وحشة ,..  وفرحاً لا يشوبه حزن , ولذة لا يشوبها ألم , وخيراً لا يشوبه شر , وبقاء لا يشوبه موت ولا فناء , كما  قال تعالى : ]ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ[وقوله تعالى : ]وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىسُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ  لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ  [.

أيها المؤمن : إن الله الذى صورك فى رحم أمك وأخرجك طفلا , فوجدت مالا بد لك منه وأكمل من والده تحنو عليك , وغذاء يناسب طفوليتك , وألقى عليك محبة منه , فأدخل بوجودك السرور على والديك وإخوانك فلا ينظر إليك أحد إلا وعطف عليك  وقبلك وضمك إلى صدره , ووجدت أرضاً  تقلك , وسماء تظلك , وكواكب تضىء لك , وأنهاراً تجرى حولك , ونباتات متنوعة لقوتك . ولباسك , ووجدت نسيماً عليلا لمسرتك , فتنفس فيه لحياتك , ووجدت من الخيرات التى لا تحصى ولا تعد , وكل  ذلك غنى عنك وأنت الفقير إليه سبحانه , فهل بلغ من جهلك بربك أن تنسى ما أنعم به عليك مما لو كلفت بأقل القليل منه لعجزت أنت والناس جميعاً . هذا فعل القوى الغنى الكبير المتعال . فهل  تذكرت أيها المؤمن فذكرت . أو استحضرت فحضرت , أم نسيت نعماه , فلم ينسك , وخالفت أمره  فلم يسرع بالعقوبة , وبارزته بالمعصية فغفر لك وعفا عنك , وهذا شأن الرب الكبير المتعال , فهلا فكرت فى الحال والمآل , فخجلت من إحسانه إليك وإساءتك إلى نفسك , فإنه سبحانه ما أغدقه عليك من النعم , بعد أن أوجدك من العدم وأعد لك سبحانه ملكا كبيراً ونعيما مقيما, وبشرك إلا لتشكره. وتذكره فلا تنساه سبحانه ولا تعصيه , وأن تعبدوه وتوحده فلا تخالفه ولا تجحده .

أيها المؤمن : إن ربك يحبك ويحب لك دار الكرامة , فسارع إلى العمل بأوامره وترك نواهيه , فإنك ضعيف لا تقوى على عقوبته , واسأله أن يقيمك حيث يحب ويرضى , ولا تسارع إلى ما يكرهه  فتعصيه للطمع في الدنيا أو للخوف من العبيد أمثالك , فإن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن  ينفعوك بما لم يقدره الله لك ما فعلوا , لأنه هو الضار النافع , ولكنه وضع الأشياء لتدرك العقول بها العلم بالله الذى وضعها  . أعاذنا الله وإياك يا أخي من أن تحجبنا الأسباب عنه سبحانه , أو أن يدعونا الحظ والهوى أن  نطمع فيما يفنى ونترك ما يبقى .

قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَافَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ   فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنرَّبِّهِمْ p26i

قبل أن نشرح هذه الآية الكريمة تقدم مقدمة تبين سر نزولها . ذكر الله القرآن المجيد فى الآية.     .

      

قوله تعالى:إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَافَوْقَهَا... ( 26 ) البقرة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السابقة وتحدى به فحول البلاغة فعجزوا عن أن يأتوا بأقصر سورة منه , فثبت أن القرآن دعوى وحجة .                فرسول الله eيقول للعالم أجمع هذا كلام الله ومع كونه كلام الله فهو معجزتى التى تقيم الحجة على                 صدقى ولم يأت رسول من أولى العزم إلا ومعجزته غير دعواه , ولذلك فكل رسول منهم تناسب معجزته           بموته إلا خاتم الرسل فمعجزته العلية باقية ما بقى العالم , ذلك لأن المعجزة التى تحدى الله بها العالم أجمع       هى القرآن , والقرآن المجيد غض طرى تنكشف أسراره الخفية كلما تعاقب الليل والنهار , فإنه ما من  عصر يتجدد معه أسرار كونية , أو صناعية أو أحداث إلا وفى القرآن  تنبؤ بها , لذلك فإنك ترى  كل الرسل السابقين قد بدّل أممهم وضلوا عن مناهج رسلهم حتى جاء هذا العصر بما جعل كل أمة من   أمم أهل الكتاب يتبرأون من دينهم السماوى , إلا أمة القرآن , فإنهم كلما كرت الدهور ومرت العصور ,   يجدون فى القرآن كنوزاً يفتحها لهم ما يتجدد من المخترعات , وما ينكشف من أسرار الكون , وما يقع فيه بعض المسلمين مما يراه الجمهور استهانة بالدين, كتغيير الأزياء ورد الأوضاع التى وضعها أهل الجهالة  للملوك , ومن الرجوع إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله eإنما هو من وسعة القرآن ومما فيه من  التيسير , لأن القرآن نعمة الله ورحمته للعالم ولإباحة ما لابد منه للمصالح العامة .

وجوهر الإسلام : العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق , وللمسلمين الوسعة فيما يتعلق بمصالحهم.الخاصة والعامة ما اتقوا  الله تعالى فى أركان الإسلام,التى هى العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة . ولما أن  ذكر الله القرآن مبيناً ماله من الفخامة والمكانة التى لا يداينه فيها كتاب سماوى , أنكر اليهود والمنافقون   وكفار قريش ما هو من كمال الكتاب , فكان إنكارهم حجة قاصمة لظهورهم , على أنهم أضل من  الأنعام : أنكروا ضرب الله الأمثال بالصيب وبإيقاد النار . أنكروا ذكر الله العنكبوت والذبابة. والنحل , وظنوا لعداوتهم أنهم نالوا من القرآن نيلا فأذلهم الله وأخزاهم بقوله تعالى : ]إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَافَوْقَهَا[.

افتتح سبحانه الآية بقوله :  ]إِنَّ[التى تفيد التوكيد , تنبيهاً للعقول أن الآيات التى تأتى بعد أن  تتضمن أسراراً عالية , وتكشف الحجاب عن غيوب تقصم ظهور الألداء , وتطمئن قلوب الأولياء  , والاستحياء : هو انفعال نفسانى يحصل به اضطراب القلب من وقوع ما لا يرضاه من نفسه , أو من   طلب إحداث ما يكره أن يراه الناس عليه , هذه بداية الاستحياء . أما نهايته : فهى ترك وقوع هذا   العمل . والمعنى الأول لا يليق بجلال الله تعالى وعظمته , فإنه تعالى تنزه عن أن يتأثر بعمل أو يمنعه الحياء عن عمل , فإن الحياء عبارة عن ضعف قوة الحى عند تأثره . والواجب علينا أن نسلم لله فيما يقول      .

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وننزهه عما لا يليق بجلاله , ف:انه سبحانه يقول : إن كمالى الذاتى من شأنه إنى  لا أفعل إلا ما هو    كمال أو جمال أو جلال . وللعقل هنا جولة . ونهاية حكم العقل أن المراد بالحياء هنا غايته ونهايته لا بدايته ونهاية الحياء أن الله تعالى لا يقول ولا يعمل إلا ما هو كمال لا يستحى منه . والواجب علينا فى كل  ما يشابه هذه الآية أن نرده إلى حكم هذا العقل الكامل إذا لم تنكشف لنا الحقائق النورانية التى يلهم الله بها عبادة الصالحين لطمأنينة قلوبهم ]أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَافَوْقَهَا[وضرب المثل اعتماده وصوغه , فيضرب لصوغه ويقيمه حجة . و]مَثَلاً[ومعلوم و]مَّا[نكرة مبهمة جعلت لفظ ]مَثَلاً[متوغلة فى الإبهام . والمعنى : لا يستحى أن يضرب أى مثل بأى حقيقة كانت ]بَعُوضَةً [أصغر  الحيوانات حكماً وأقواها تأثيراً , أو فى ذكرها إشارة إلى بعض البعوض لا يرى إلا بالمجهر لصغر جسمها , ومع ذلك فإن لها عينين وأذنين وأرجلا وأيدياً وأعضاء باطنه , كالمعدة والأمعاء والكليتين والقلب والطحال والكبد والمرارة والعظام والشرايين وغير ذلك , مما هو لأكبر حيوان . فسبحان من  لا يعلم قدره غيره.وهناك سر أغمض من هذا : هو أن تلك البعوضة الحقيرة لها خرطوم كخرطوم الفيل ينفذ  فى جلد الفيلة والكركدن التى تمنع الحديد أن ينفذ فيها إذا طعنت به وبعض البعوض يقتل الفيلة بخرطومه  الذى لا يراه الإنسان إلا بالمجهر . قال صلى الله عليه وسلم : ( الطاعون وخز إخوانكم الجن ) فسمى هذا البعوض الجن , لأن العين المجردة لا تراه . والجن : هو ما اختفى عن النظر . وهناك سر آخر وهو أن كل البعوض يمتص دم الحيوانات أو ينزل على القاذورات والعفونات , فيمتص حتى يمتلىء  , وينقلب  ميتاً , كأهل الطمع فى الدنيا . وفوق ذلك سر وهو أن البعوض ينزل على العذرة فيحملها , وينزل على وجوه المتكبرين ليريهم كذبهم وحقارتهم , وكأن الله تعالى يقول أن البعوض مع خسته وحقارته يعلو وجوه أهل الكبر ولا يعتبرون . والبعوضة مأخوذة من البعض وهو الشىء الصغير ]فَمَافَوْقَهَا[فيه  اكتفاء بذكر ما فوقها عن ذكر ما دونها وهو ملحوظ فى المعنى ولك أن تقول ]فمَافَوْقَهَا[من القلة أو  من الضخامة , ثم بين الله تعالى حال أهل تصديق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وضلال أهل العناد والكفر فقال سبحانه : ]فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ [ومعنى ]أَمَّا[الشرط   والتفضيل . والمعنى مهما يكن من أمثال يضربها الله تعالى لشىء حقير أو عظيم , فإن المؤمنين لما أطلعهم  الله عليه من أسرار القرآن وبما كاشفهم به من بدائع إبداع صنعه فى الكائنات , فهم يعلمون علم اليقين أن تلك الحقائق المذكورة فى القرآن وأن الأمثلة المضروبة فيه هى الحق الثابت فى عينه ]وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا  [أي كذبوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ]فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثلا[. يعنى               .

 

 

 

قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَافَوْقَهَا... ( 26 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنهم يعجبون فى أنفسهم الخبيئة التى لا تعقل عن الله الأمثال المبينة للحقائق ، التى عجز العقل عن إدراك      غوامض أسرارها ، ولا يمكن أن تشرق أنواره العقلية إلا لنفوس صيغت من أصفى الجواهر الروحانية ،   لأن الأسرار التى هى فوق العقول لا يمكن أن يتذوق حلاوتها إلا من اصطفاهم الله وصبغتهم الله بصبغة القبول ، ولونهم بلون عالم الأرواح العالية . قال تعالى : ]صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً[   فهم يتعجبون كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى أن هذا القرآن كلام الله تعالى ، وكلام الله   تعالى : لا يكون فيه ذكر العنكبوت والنحل والنمل والذباب والصيب والبرق والرعد جهلاً منهم ناشئاً عن حرمانهم من القوة التى تقبل الفيض المقدس الذى جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم . يقولون قبحهم الله تعالى : ]مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً[يعنى أي الحكمة يريد الله من ضرب هذا المثل فرد الله مشنعاً عليهم وقصم ظهورهم بالحق ، مبيناً حقيقة التوحيد بقوله تعالى : ]يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً  وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّالْفَاسِقِينَ[.

وهنا تأول بعض من لم تنكشف لهم مشاهد التوحيد العلية أن قوله : (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ  كَثِيراً) من مقول الكفار خوفاً من نسبة الإضلال إلى الله تعالى . وهنا يلزم أن أصنع نبراساً تنكشف  به كل الحقائق التى وردت فى القرآن وتنزعج منه العقول الكليلة .

اعلم أن العلماء قسمان : قسم وقع به العلم على عين اليقين ، حتى باشر الحق سويداء قلوبهم ، وهم الذين عملوا بما عملوا فعلمهم الله ما لم يكونوا يعلمون ، بل هم الذين وهب لهم العقل الذى يعقل عن الله  سر العلم المقدس على لسان العارف الربانى فسمعوا ، فاقشعرت جلودهم بما سمعوا مما أنزل الله تعالى ثم  لانت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله كما قال سبحانه : ]  اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُجُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ[  .

ما هؤلاء العلماء الذين يتأولون كلام الله تعالى تأويلا يناسب عقولهم ، فوضعوا أنفسهم موضع                      الخائف على الله تعالى من أن يلحقه نقص إذا سلموا له كلامه تسليما ؟ أما أهل المعرفة الذين كاشفهم الله   تعالى بباطن القرآن فهم ورثة الصحابة والتابعين ، وهم الذين منحهم الله الخشية منه بما علمهم . قال تعالى : ]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء[وهؤلاء هم الذين يسلمون بظاهر القرآن ويسلمون لله تعالى فى كلامه   تسليما لا يشوبه انزعاج من أى عبارة كانت . قال أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه فى قوله تعالى : ]يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ[إنه سبحانه وتعالى له يد لا كالأيدى . فنزه أيها الطالب للعلم ، وهو مذهب السلف  الصالح . وعلى ذلك فالواجب علينا أن نعلم حق العلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق بعلم وتدبير              .

 

 ]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقدرة وحكمة ، وكتب لكل مخلوق من أى نوع من الأنواع كل الشئون التى تعتوره . قال تعالى   ]مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍلِّلْعَبِيدِ[.

خلق الله نفوساً من أسفل سافلين وغيرها من سافلين ، وخلق نفوساً من عالين وعليين وأعلى                          عليين ، فترى النفوس السافلة قبل بعثة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم تسارع إلى إهراق الدماء  وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم وتميل إلى التفرقة والعناد والشقاق ، ولكن لا تنسب إلى هداية ولا إلى  إضلال ، حتى ‘ذا بعث الله رسله نزعت بهم نفوسهم إلى معاندة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهم   شر فى الحقيقة ونفس الأمر . فمعنى ]يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [أن القرآن الكريم كالبرزخ   الذى ميز الله به بين مراتب النفوس ، فمن قلبه وثابر على العمل به دل على أن نفسه ملكوتية تقبل عن الله تعالىما نزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، أما من أبى أن يقبل وأعرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاند وحارب ، فقد أقام الحجة على نفسه أنها نفس إبليسية من سجين البعدوالقطيعة . فيضل به كثيراًعلى قول العلماء يرد به عن الجنة أو عن الدين أو عن الإيمان كثيراً ، لأنهم لم يقبلوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاءنا به من عند الله تعالى . وإن كان الإضلال نسب عمله إلى أنواع كثيرة : فنسب إلى إبليس ، ونسب إلى بعض الأناسى ، ونسب إلى فرعون ، وإلى موسى السامرى . وقد وردت الآيات فى القرآن لكل تلك النسب نترك ذكرها هنا للعلم بها . والإضلال فى تلك الأخبار يراد به   الحجب عن قبول الهدى من النبى صلى الله عليه وسلم والواجب على من أسلم وجهه لله وأناب إليه سبحانه أن يؤمن بكل ما جاء به القرآن , ويعمل بما فهمه , ويكل ما يفهم إلى الله تعالى , متوجهاً  بقلبه وقالبه إليه سبحانه , قال الله تعالى آمراً سيدنا ومولانا محمداً صلى الله عليه وسلم : ]وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا[وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بغيره   . وإنا نسأل الله تعالى السلامة من الفتن . فإن كثيراً ممن يدعون العلم تبلغ بهم الجهالة أن يحكموا على كلام الله تعالى بما لا يليق أن يحكم به المسلم وهذا من  سوء الأدب مع اله تعالى , لأنه هو الحكم جل جلاله , وله الحكم تنزه وتعالى قال سبحانه : ]إِنِ  الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ[وقد شنع الله على من لا يحكمون بما أنزل الله بقوله : ]فأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[  و]فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[و ]فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[نعوذ بالله ممن خالف حكم الله تعالى وليتهم إذا   خالفوا حكم الله تابوا ورجعوا إليه وأنابوا . لا ولكنهم تحققوا أنهم حكموا وأصابوا وتقربوا إلى الله تعالى    بما لم يتقرب به أحد . ولتهم فقهوا خطيئتهم الكبرى , وعلموا أن الله سبحانه وتعالى يحكم حكما حقاً           .

 

قوله تعالى : الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَاأَمَرَ اللَّهُ... (27) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

   بقوله : ]وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ[والفاسق هو الخارج من الهدى إلا الضلال . وفى اللغة : فقست الدجاجة بيضها , أى أخرجت فراخها , فقسمت الحية : خرجت من ثوبها , فالخروج من الهدى فسق . وكأنه يقول سبحانه:]وَمَا يُضِلُّ بِهِ  [يعنى بالقرآن ]إِلاَّ الْفَاسِقِينَ[الذين دعاهم الله تعالى إلى السعادتين : سعادتى الدنيا والآخرة على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فأبوا أن يصدقوه وليتهم تركوه وشأنه صلى اللهعليه وسلم , ولكنهم صدوا عن سبيل الله واضطهدوا كل مسلم , وأخرجوه من بلد أبيه وأمه مهاجراً  إلى دار الغربة , ولكن الله تعالى آواه وأيده ونصره , وخذلهم وأضل أعمالهم . وشدد سبحانه فى  التشنيع عليهم وتقبيح أعمالهم وآرائهم

فقال تعالى : الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَاأَمَرَ اللَّهُ بِهِ    أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُالْخَاسِرُونَp27i

معلوم أن النقض لا يكون إلا فى الأشياء المحسوسة المادية, فقال نقض البناء والغزل, ولكنه استعمل فى العهد على طريقه التجوز, ومعنى نقض العهد مخالفة ما أخذوه على أنفسهم أن يقوموا به, وعاهده أي عاقده  على أن يؤدى كذا أو يقوم له بعمل كذا , وهنا تحلوا الإشارة فخذ بها إن شئت.

ما هو العهد المنسوب إلى الله تعالى ؟ وهل هو عهد على حقيقته ومعناه ! أم لا ؟ أى أنه عهد بما أجلاه الله لنا من دلائل القدرة وعجائب الحكمة وساطع البرهان , وما آتانا به رسول الله تعالى عليه  وسلم مما تضمنه القرآن المجيد وبينه لنا صلى الله عليه وسلم, فإن كان المراد بالعهد الحجة الواضحة للعقول  الدالة على تفريده بالألوهية وتحقيقنا بالعبودية . كان عهداً للعقول السليمة من دنس الحظ ونجاسة الهوى .   وكفى به عهداً لأهل البصائر فخذ بالإشارة لتعقل عن الله ما أشهده أولياء الصادقين .

إن الله تعالى قبل أن يخلق الأفلاك أراد وكان أول إرادته أن يجعل خليفة له فى الأرض التى هى  محل التكليف والتعريف وإظهار عجائب قدرته وغرائب حكمته بل محل الطاعة والمعصية بل محل الرسل والأولياء والشياطين المردة والكفرة والعصاة , بل مهبط وحيه ومحل تنزلاته بجماله وجلاله وبهائه وضيائه   ونوره . وعلمه جل جلاله محيط بالحقائق قبل إيجادها لأنه يعلم بعلم أزلى قديم أنه قائم بذاته . والحقائق   كلها فى حضرة هذا العلم العلى سواء قبل إيجادها وبعد إيجادها وبعد فنائها إلى الدار الآخرة ,    لا تختلف فى علمه العلى حقيقة ما من أقل ذرة من ذرات الجمادات لأكبر جرم من أجرام الأفلاك   السائرات والثابتات . وقد نفذت حضرة القدرة ما سبق فى الإرادة مما أحاط به علمه أن يوجد الذرية  الآدمية ثم يتجلى جل جلاله من غير حجاب ولا سبب كونى بل بنور وجهه العلى , فيشهد كل تلك  الذرية هذه الأنوار , فيخاطبهم مخاطبة من يأخذ لنفسه العهد علينا فيقول سبحانه ]أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ[            .

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    والمشهد جلُى والقول بين والحقائق خاشعة فاقتضت تلك الحقائق كلها أن تقول (بلى ) أى أنت ربنا   ونحن عبيدك .

ولما سبق في حضرة العلم الإلهى من أن الإنسان يكون مكوناً من حقيقة جسمانية هى الهيكل الإنسانى , ومن لطيفة روحانية هى الروح وكلاهما متضادان , فالهيكل من السفل وينحط إليه خلقاً وعادة وميولا , والروح من العلو وتصعد إليه .

ولما كان الإنسان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم يميل بكليته إلى ما يلائم الجسم , وقدر   سبحانهوتعالى أن يقيم الحجة لنفسه علينا فقال الله تعالى : ]  أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَأَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنبَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ[  .

وتلك الآية الشريفة تقيم الحجة على أن كل إنسان موهوب له قوة عقلية يمكنه أن يصل بها إلى  الحق , فإذا أهمل تلك القوة وقلد والديه أو أخْذانه لم تكن له حجة على الله تعالى , لأن الله عاهده   معاهدة معاملة بينه وبين عبيده , وأشهدهم حماله وأسمعهم نص عهده بكلامه المقدس الذى منحهم قوة منه يعقلون بها كلامه .

هذا عهد الله جل جلاله , وهناك عهد آخر هو الله أيضاً بنص قوله تعالى : ]إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَإِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَأَيْدِيهِمْ[وهو عهد رسول الله eلسلفنا الصالح الذين بقبولهم له   وجب علينا أن نقبله بصفتنا مسلمين .

وهناك عهد ثالث هو أيضاً لله سبحانه وتعالى  وهو ما أجلاه للعقول الكاملة من بدائع إيداع صنعه ومن لطائف لطفه , فإن أدنى عقل لو تمثل ما سخره الله له  فى السموات والأرض من أنواع النباتات ومن  نسيم عليل يمر عليه ليحيه . ومن ماء نمير تفيض به سحب سخرها ربك جل جلاله , ومن أنهار عذبة   كأنها الروح لجسم الأرض ما مرت على أرض ميتة إلا أحيتها , ولا قفرة إلا عمرتها . ثم ما فوق ذلك   من أجواء وأرجاء وأفلاك , كل ذلك خلقه ربك للإنسان . وما خفى علينا مما لا يدركه الحس ولا العقل    إلا بالرياضة الشرعية من أسرار الحكمة فى الإيجاد والإمداد, ومن آثار القدرة  ومن الآيات العلية الجلية  للعارفين الخفية عن الغافلين , بل ومن تجليات أسمائه وشرق شموس صفاته . كل ذلك عهد عند أهل  العقل الذى يعقل عن الله تعالى , ناطق بلسان حال , وإن لم ينطق بلسان قال – قال تعالى : ]إِنَّ فِي   خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِلآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ[.

هذه العهود التى ذكرناها هى التى يذكرنا بها ربنا جل جلاله , ولكن قتل الإنسان ما أكفره .

قوله تعالى: الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَاأَمَرَ اللَّهُ... ( 27 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ينقض عهد الله من بعد ميثاقه ولولا أننا نحب الاختصار لكشفنا أسرار هذا العهد ولكنا نكل الأمر إلى قوله e: ( من عمل بما عمل ورثة الله علم ما لم يعلم ) . وما أحلى علم يلهمه الله أولياء وبكاشفهم به    من غير تعليم فيمنحهم المشاهد القدسية والمواجهات الربانية والسياحات الروحانية التى تنفذ من أقطار السماوات والأرض باليقين الحق ( وبعيشك أيها القارىء هل من ساح فى الطين والمبانى كمن ساحت روحه الربانية فى الملكوت فشاهدت المعانى ؟ لا يستويان .

قوله تعالى : ]مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ [يعنى من بعد توكيده وإقرارهم بالقبول والعزم على أن لا ينسوا هذا  العهد ]وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَل[صاغ الله نفوس من سبقت لهم منه الحسنى من نور                                                                                             جماله فسارعت بتوفيقه وعنايته سبحانه إلى محابه ومراضيه , بعد أن بين لنا رسول الله eما يحبه جل  جلاله ويرضاه من القول والعمل والحال ومن تصريف النوايا . وخلق نفوس من سبقت لهم السوءى  من ظلمة البعد وأرسل لهم الرسل صلوات وسلامه عليهم لهم مناهج الاستقامة وسبل القرب من   الله تعالى فسارع أهل النفوس النورانية إلى قبول ما جاءت به الرسل وارتد عن القبول أهل البعد والقطيعة  وهم الذين أخبر الله عنهم مشنعاً عليهم ومقبحاً أعمالهم بقوله : ]وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ  [  والله تعالى أمر ببر الوالدين وصلة الرحم وبإكرام الضيف والجار وبنصرة المظلوم . أمر بالتعاون على البر  والتقوى أمر بصلة الأتقياء والعلماء العاملين . بل أمر بكل خير ونهى عن كل شر ولكنهم يستبدلون  الخير بالشر وينأون عن الخير إلى الشر فى حكم القطع كالذى يقطع حبلا أو يقطع ما يقطع مما هو مادة . والقطع فى الحقيقة قطع الشىء عما هو متصل به وبعده عنه وكذلك فعل المنكرات وترك عمل المأمورات كأنه قطيعة , لأنه فصل العامل عن نيل رضوان الله وأبعده فى الحقيقة عن القرب من الله تعالى . وكل  ما أمر به رسول الله e  فهو من أمر الله وقال تعالى : ]وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىإِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىعَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى[.

ومعلوم أن المخالفة دليل على الاستهانة بالآمر وكفى المخالف شراً بربه , وسيأتى عليه   يوم  يرى أن عذاب جهنم أقل فى نظره مما يناله من الهم والحزن بسبب مخالفته ومن ندمه على ما فرط  فى جنب الله . وكيف يرى المسلم أنه يرضى حظه وشهوته , ويغضب ربه سبحانه وتعالى , وهو يعتقد أن  ما يناله من حظه وشهوته يوبقه فى عذاب الله تعالى .

قوله : ]وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ[  الإفساد فى الأرض خاص بالمعاملات والأخلاق . وعجيب أن  الإنسان يمن عليه ربه بالمال والعافية أو بنفوذ الكلمة ويأخذ نعمة الله تعالى فيظلهم بها عباده ويؤذى بها          .

 

                      ]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلقه , ويجهل هذا المغرور أن الذى وهب العافية والمال ونفوذ الكلمة رءوف رحيم غيور لخلقه فينسى  أمر الله بل وينسى الدار الآخرة ويعتقد الخلود فى الأرض ولديها يستدرجه الله تعالى . نعود بالله من   استدراجه سبحانه . ويظن هذا المفتون أن القوة والملك والسلطة تدوم فلا يلبث إلا وقد رحم الله عباده  فيغيثهم بإحسانه وعطفه وينتقم من الظالمين بما يسلط عليهم سبحانه من خسف أو غرق أو بركان ينفجر  أو يسلط قوماً من الظلمة الطغاة كما سلط سبحانه على قيصر الروس وجنوده وعلى اليونان وسيسلط قريباً على المفسدين فى الأرض من دول الإفرنج ما يسلب منهم الملك ويزيل منهم القوة فيصبحون أذل خلقه    فإنه سبحانه يقول : ]حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَاأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ  أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًافَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ[  .

وشر العقوبة ما ينتقم الله به ممن يفسدون فى الأرض بعد إصلاحها . وقد أفسد المستعمرون فى  الأرض مغتربين بما لديهم من كثرة الجنود وقوة  الآلات الجهنمية التى ملكوا بها البر والبحر والجو على  الأمم الآمنة فى أوطانهم . فأفسدوا فى الأرض بتدمير المدن العامرة . وإبادة الأنفس الآمنة . بالخديعة  التى عجز عنها إبليس فتراهم يزعمون أنهم مصلحون وأنهم يحررونَ الرقيق بالحيوانات ويمحون  الظلم ويرقون الأمم بالعدالة والحرية والمساواة فإذا اتحدت أمة بهم وقبلت منهم سلبوا منه مرافق الحياة  وأذلوا عظماءهم ورفعوا أدنياءها وحاربوا دينها واستعانوا ببعضها عليها كما فعل المستعمرون فى بلاد الشرق  ]وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا[.

فإنه سبحانه وتعالى يقول بعد هذا التشنيع ]أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[يعنى أنه سبحانه وتعالى يخبرنا   أن من نقضوا عهد الله من بعد ميثاقه وأفسدوا فى الأرض سيعودون بالخسران فى الدنيا بسلب الملك منهم وإرجاعهم إلى ما كانوا فيه من الذلة والقلة وتمكين الأمم المستعبدة منهم . وفى يوم القيامة يدخلهم  جهنم فيخلدون فى العذاب لا يموتون فيه ولا يحبون . ونفس واحد فى جهنم أعاذنا الله منهم كزمن طويل فى نار الدنيا لما جمعته من شديد العذاب وهل بعد قوله تعالى : ]وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ[عذر للذين يشنعون على أمراء المسلمين وينضمون إلى أحضان أعداء الله .

ما عذر من يشنع على الترك ويسكت عن استبدال المتسلطين بل عن قناطير الدماء التى تهرق من                                      الأمم الإسلامية الضعيفة بأيدى المستعمرين الظلمة إذا هم أمنوا جانب الله وجانب إخوتهم المؤمنين وخافوا           جانب الأعداء فى مصر  وفلسطين وسوريا والريف والهند وجاوى وغيرها .

هؤلاء يصلون من أمر الله بقطعهم ويقطعون من أمر الله بصلتهم . وليت هؤلاء ممن تربوا فى أوربا              .

 

قوله تعالى : الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَاأَمَرَ اللَّهُ... ( 27 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فأنكروا الحق وأثبتوا الباطل ولكنهم ممن أخذ الله عليهم الميثاق بقوله سبحانه : ]وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ  الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُلِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِثَمَناً  قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ[  وبقوله تعالى : ]إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُوَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ[الآية . والله تعالى يقول  لموسى وهارون عليهما السلام ]  اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىفَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[  وهذا موسى كليم الله وفرعون المدعى أنه إله من دون الله فما بال رجل من الأمة ليس نبياً ولا ولياً ولكنه  يدعى أنه عالم فيعلن ويسب ويؤذى مسلماً نصره الله على أعدائه وجدد به شرائع دينه وهو بين شر أعداء   الله . ويرى بعينه ويسمع بأذنه ما يوجب سخط الله ومقته ومع ذلك يمر كأن فى  أذنيه وقراً . وفى كل يوم          يشنع على من أمرنا الله بأن نصلهم ويسكت أو يوالى من أمرنا الله بقطيعتهم أعاذنا الله وإخواننا المؤمنين    من الفتن المضلة ما ظهر منها وما بطن .

وإنا وإن كنا نرى لبعض أمراء الأمم الإسلامية وملوكها وهيئة حكومتها العذر فيما يقومون به من                         الهوادة فى معاملة المتسلطين بالنسبة لضعف القوة التى يدفعون بها ظلمهم وجورهم فإنا لا نزال نطمع أن                       يكون عملهم هذا تقية من شرورهم ودفعا ً لكيدهم ومحافظة على الأمم من ظلمهم , لأنهم اعتقدوا قوتهم وبقاء سلطتهم . نسأل الله تعالى أن يكرم الأمة الإسلامية برجال يحبهم ويحبونه من الذين أثنى عليهم    بقوله ]أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِيسَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ[   والله تعالى يقول وهو أصدق القائلين : ]إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ[ولا حجة  لعامل بعد قوله ]وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[  اللهم أعنا على إعداد العدة ومكن لنا فى الأرض بالحق ومكن لنا ديننا الذى ارتضيت لنا كما وعدتنا وأغثنا   من تسليط من سلبت من قلوبهم الرأفة والرحمة وخوف يوم الحساب .

وتلك الآية الشريفة بشرى لنا جماعة المسلمين تجعل قلوبنا تطمئن بنيل الخير من الله عاجلا وآجلا ,  وتوقظ القلوب الغافلة عن يوم القيامة فتجعل العاق والديه يبرهما ويتوب إلى الله وتجعل القاطع لرحمة  يتدارك الأمر فيصل رحمة . وتجعل الظالم أو الغاش أو الكاذب أو المعتدى على غيره يرجع إلى ما يحبه الله ويرضاه ويتوب إليه سبحانه( 1)       

(1)   ملحوظة : قد شرحت هذه الآية التى سبق الكلام عليها بمجلة المدينة المنورة سنة 1346 هجرية لمقتضى الحال .

 

      ]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّيُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّإِلَيْهِ تُرْجَعُونَp28i

يبين سبحانه وتعالى فى الآية السابقة دلائل التوحيد لكل إنسان مهما كان عقله , بالبراهين المحسوسة التى يطمئن بها الضمير المجرد من الهوى المتبع والشح المطاع والإعجاب بالرأى بما أقامه سبحانه من الحجج الدامغة التى حصرها فى برهان الإيجاد والإمداد كما قدمنا , ثم بين دلائل النبوة ناصعة جلية لكل نفس  سليمة من مرض العناد وظلمة الكفر بذكر الميعاد وما يفوز به المصدق من النجاة من هول يوم القيامة ونيل النعيم فى دار الرضوان . وبعد أن قامت الحجة واتضحت المحجة أنكر سبحانه على أهل النفوس الخبيثة عدم التصديق وأنكر مسارعتهم إلى الكفر والقطيعة عن الله تعالى , فقال جل شأنه : ]كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ [.

ينكر سبحانه وقوع الكفر الحاصل منهم بعد كل تلك الدلائل التى لو اتضحت للبهائم السائمة وكان فيها قوة الفهم والتفاهم والنطق لما وسعها إلا الإيمان بالله ورسوله والرهبة مما حذر منه والرغبة فيما رغب  فيه.وكيف لا والبهائم السائمة تنفر كل النفور مما تعلم أنه يضرها, وتسرع إلى ما تعلم أنه ينفعها بقدر رتبتها فى الحياة , وتميل بعاطفة إلى من يقدم لها ما ينفعها وتنفر ممن يضرها , فمثل الكلب والشاة وغيرها من  الحيوانات الداجنة تألف المحسن إليها .

وهذا الإنسان الظلوم الجهول يرى بعينيه ويلمس بيده ويذوق بلسانه بأنفه ويسمع بأذنه , نعماً  تفاض عليه من الله تعالى من غير واسطة ولا سبب قائم , كالأرض المدحوة والنسيم العليل البليل الذى يصرفه الله فى كالنفس لحياته والأمطار الهاطلة لخيره والأنهار الجارية والكواكب المشرقة ليلا ونهاراً    والجبال الراسية والأيدى العاملة , وما لا يحصيه العادون ولا يحصره الحاسبون من النعم . وهذا الإنسان   ينسى ربه وينكر فضله ويعبد غيره تعالى ينكر الأمر الواقع من أهل البعد ثم يتلطف سبحانه فيذكر  الإنسان بما يدك الجبال الشامخات من قوة الحجة سبحانه ]وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ [بمعنى  موتاً , فإن كل حقيقة لا تحلها الحياة يقال لها لغة موات كما يقال أرض موات . ومعنى ]وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً  [  أى كنتم نطفاً فى ظهور آبائكم وكنتم تراباً قبل خلقكم بالنسبة لخلق آدم عليه السلام ]فَأَحْيَاكُمْ [أى  جعلكم أحياء متمتعين بالسمع والبصر والذوق واللمس والحركة والقوة والإرادة وأردف هذه الآية بأخرى ترجف لها القلوب وتقشعر منها الجلود وهى قوله تعالى ]ثُمَّيُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [والأمانة  الثانية هى  موته عزرائيل عليه السلام , والإحياء الثانى فى القبر للسؤال والحياة يوم القيامة , ولك أن تقول ]ثُمَّ         .

 

 

قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّيُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ... ( 28 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يُحْيِيكُمْ [فى القبور للسؤال .

أما حياة يوم القيامة فمعلومة من قوله ]ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[أى إلى يوم القيامة يوم الثواب والعقاب .  فالقرآن المجيد خاطب العقول بالحجة الدامغة وهذا الاستفهام ليس استقامة على بابه وإنما هو إنكار   لوقوع الكفر من قوم غمرهم الله بنعمة وآلائه وثبت لديهم يقينا ً حقاً سبحانه هو الذى منح تلك  المواهب من غير علة ولا سبب ظاهر , ومقتضى تلك الحقائق الإيمان به والمسارعة إلى إطاعة أمره  وقد يأتى الاستفهام لإنكار الوقوع كما فى قوله تعالى : ]كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ  رَسُولِهِ[أى كيف يمكن أن يكون لهم عهد عند الله , ولكن هذه الآية تفيد إنكار وقوع الكفر  منهم , وشتان بين إنكار وقوع عهد من الله للمشركين وإنكار الكفر الذى وقع منهم .

]وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ [يذكرهم سبحانه بمننه عليهم لتنجذب قلوبهم إلى الله معتقدة أنه هو   المنعم  المتفضل ]ثُمَّيُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [تخوف لمن عقلوا عن الله حججه ودلائله فهذه الآية جمع الله    فيها ما لو لم يكن فى القرآن إلا هى لكانت كافية لكل ذى عقل يعقل عن الله تعالى ]ثُمَّ  إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[.

الرجوع هو العودة إلى ما صدر منه الراجع , ولما كان الراجع إلى ما كان فيه أولا من الأمكنة لابد  ان يفارق كل الآثار التى أبعدته عن مكانه الأول ومشهده الأول حتى يتحقق الرجوع إلى ما كان عليه , ولما كان الإنسان فى بدئه روحاً مجرده من ملابسة الأجسام فى مقام التجريد متحققاً بمعنى  لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم فلا يبلغ هذا المقام إلا أحد اثنين : من مات وفارق الحياة الدنيا  فانجلت له الحقائق على ما هى عليه فى نفس الأمر من أن الله تعالى هو النافع الضار المعطى المانع القابض الباسط حتى يتحقق بأن لله تسعة وتسعين اسماً ليس له فيها شريك ولا مثيل . ورجل آخر جاهد نفسه فى ذات الله حتى كمل يقيناً كمالا أشهده الله به باطن التوحيد ففقه أسرار مقامات التوحيد الاثنى عشر, وهذا الذى بين الله مقامه فى القرآن المجيد . قال سبحانه : ]أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ  نُورًا يَمْشِي بِهِ فِيالنَّاسِ[وهو الذى رجع إلى الله فى حياته الدنيا لما وفقه الله له من الجهاد قال تعالى : ]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[.

ونهاية الجهاد الأكبر جهاد النفس فى ذات الله , وفى مقام يفر إلى الله بالله تعالى قال جل جلاله : ]فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ[فمعنى قوله تعالى : ]ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [الذى فهم منه المجسمة أن له سبحانه مقاماً            .       

      ]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معلوماً تنزه وتعالى عما يقولون عُلُوٌا كبيراً,وما فهموه دل على أنهم يقيسون بالمشهود الغيب المصون, المعنى أنه تعالى يقول]ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ[من وقوفكم عند الأسباب  ومن نزوع نفوسكم إلى شهوتها                             وحظوظها وأطماعها ومن ظلمة الأوهام ومفاسد الخيال ومن ضلال الآراء إلى ما كنتم عليه فى حال التجريد من ملابسه الحضيض الأسفل لانكشاف الحقائق على ما هى عليه فى نفس الأمر فيتحقق كل إنسان بحقيقته التى هى العدم قبل أن يوجده تعالى وبالضعف قبل أن يمده الله تعالى بالقوة والاضطرار إلى الله الذى أقام الأسباب وأمد العالم بواسع الإحسان , وليس المراد الرجوع إلى مكان أو إلى الله الذى هو  فى جهة دون جهة لأنه سبحانه وتعالى ليس له مكان يقصد فيه بل هو قبل المكان وقبل الزمان كما قالe( كان الله ولا شىء قبله ) وقال الله تعالى : ]اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنبَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً[.

وبداية الإنسان من الضعف  وهو فى الحقيقة فى ضعف واضطرار إن نظر بعين البصيرة وما يراه من القوة والغنى ومن العلو فى الأرض بالباطل , فهو غرور كما قال على كرم الله وجهه : الدنيا غرارة  ضرارة مرارة .

وهنا يجب أن نبين لإخواننا المسلمين أن ما عليه دول الاستعباد وأمم الاستبدال بل ما عليه مقلدوهم                                          الذين يدعون الإسلام بالباطل  ممن يعتمدون على أقوال الممرورين من صناع أوربا وأمريكا الذين تلقوا فنونهم وعلومهم فى مدارسهم بأوربا دال على أنهم أدنى من البهائم لأنهم يسمعون كلام الله تعالى وكلام رسوله عليهم السلام وكلام أئمة الهدى فينأون بجانبهم عنه , وإذا سمعوا كلام رجل من المتسلطين بقوة الحديد والنار والكيد والخديعة طاروا به وحبذوه ودعوا إليه العالم زعماً منهم أنه الحق  وانه فوق كل كلام مقدس , ولا ترى مسلماً آمن قلبه يصدق كلام دعاة النصرانية الذين أخبر الله عنهم  أنهم لا يسمعون وال يعقلون فى قوله تعالى : ]أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَإِنْ هُمْ  إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا[وحرمهم الله تعالى من الإصغاء إلى كلام الحق . ومن أن يبصروا  آيات الله فى مكوناته بقوله : ]وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا[إلا من أهل الإفك والزور والأباطيل ولهم قلوب لا يفقهون بها إلا الطمع والغش فإذا قامت القيامة رجعوا إلى   ما حكم الله به عليهم فانكشفت الحقائق التى بها كذبوا وعنها نأوا ولها حاربوا وعاندوا . وبها جحدوا  وكفروا . فيقولون : ]رَبِّ ارْجِعُونِ[وهنالك يوم الحسرة والندامة يوم يعض الظالم على يديه . الظالم  الذى ظلم نفسه فأبعدها وأضرها نسأل الله السلامة .

 

قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّيُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ... ( 28 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فكأن الرجوع إليه سبحانه هو رجوع إلى ما كان عليه الإنسان قبل أن يخلق الأشباح إذالأرواح كانت موجودة سابحة فى ملكوت الله ولكن الأجسام حجتها عن شهود ما كانت متمتعة به  فى حال تجريدها عن الأجسام وملابستها .

وهنا اسمع يأذن قلبك الخطاب جسما وروحاً , ولما كان الإنسان قبل الجسم روحاً لا يدعى                              ولا يحتاج إلى دليل ولا ينذره الله . وكل تلك الأحكام والمخاوف والتشنيع والتهديد والبشائر إنما هى   خاصة للإنسان الذى هو روح وجسم فكأنه يقول سبحانه ]وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً[قبل أن تنفخ فيكم  الروح فأحياكم بنفخة الروح فيكم وتلك الحياة صادقة أن تكون حياة البشرية مؤيدة بالحياة الروحانية إذا كان الإنسان من أهل الإيمان الكامل فتكون الحياة تصحح اتصافه بالسمع والبصر والكلام  وبالحركة والإرادة وإذا حرم الإنسان التوفيق والهداية فتكون الحياة تصحح له الحس والحركة والإرادة  ولكنه يحرم سماع تسبيح الكائنات ونظر آيات الله فيها ويحرم التوفيق لاتباع رسول الله صلى الله عليه   وسلم . وإذا فقد الإنسان الحس والحركة  والإرادة يقال له مات كما يقال لمن فقد السمع والبصر والحس والحركة والإرادة الإيمانية ميت كما قال تعالى : ]فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء [        فحكم على أهل البعد عن الله بالموت وبالصمم . والحياة الروحانية الخاصة هى التى كانت الأرواح فيها فى            صورة ذرية آدم عليه السلام متمتعة بها فى عهد يوم ]أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ[فلما أن أحيانا الله الحياة الإنسانية حجبت الروح عن مطالعة هذا الغيب المصون بكثافة الجسم .

فمن جاهد نفسه ألاح الله له هذا النور وأحياه الروحانية التى يمشى بها فى الناس كما قال سبحانه : ]أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِيالنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ  لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا[.

وقبل أن نبين تفصيل الحياة الثانية نبين لك بعض إشارات القرآن المجيد : ]كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِبعد تلك الحجج والدلائل الواضحة  ]وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً[قبل أن تشهدوا جمال ربكم ظاهراً جلياً يوم قوله تعالى:  ]وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْوَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ  قَالُواْ بَلَى[. وفى هذا اليوم أسمعنا خطابه المقدس بعد أن أشهدنا جماله العلى فقال سبحانه :  ]أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَأَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنبَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ[فهذا اليوم يوم الحياة التى يمن الله بها علينا ويذكرنا بها . قال سبحانه :                  .

 

 

      ]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ[. فمن سبقت لهم الحسنى ذكّرهم فذكروا فخضروا فأقبلوا عليه فقبلهم            وبوجهه الجميل واجههم ومنه سمعوا الخطاب المقدس بآذان أرواحهم , وهذه هى الحياة الأولى .

أما حياة الكون إذا لم يتفضل الله على الإنسان بعيون الإيمان وآذان الإيمان , حتى يتحقق بهذا  المشهد العلى فليست حياته حياة روحانية . وإنما هى حياة بهائم أو شياطين , وليست هى الحياة التى يمن    الله بها على الإنسان ]ثُمَّ يُمِيتُكُمْ[بحرمانكم من القابل لهذا الفيض المقدس , وهذه الموتههي التي شنع    الله بها على من قال فيهم ]فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى[: ]ثُمَّ يُحْيِيكُمْ[  أى يحى من سبقت لهم الحسنى   فى هذا الكون , فيتنعمون بما يشتاق إليه أهل الجنة فى الجنة , أو يتمتعون بشهود وجه الله تعالى قال  سبحانه : ]فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ[وبالأنس بالتلقى من حضرة الإلهام وبما يناله المؤمن الكامل من البهجة بمعية الله فى الدنيا بدليل قوله تعالى : ]إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ[.

وأما أهل الكفر بالله والمنافقون وعصاة الأمة فيحييهم يوم القيامة لتنكشف لهم الحقائق التى كذبوا بها أو نسوها . وعندما يقول كل واحد ممن كذب ]يَا لَيَنىِ كُنتُ تُْراباً[.

وفوق هذا إشارة أخرى فى  ]يُحْيِيكُمْ[أى حياة الأنس به على بساط منادمته سبحانه , إذا منّ  عليهم بالحياة الروحانية فى حظيرة القرب بدليل قوله تعالى : ]وُجوه يَوْمِئٍذ ناَِضرة إلى َربٌها نَاظَِرَة[

قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَىالسَّمَاء فَسَوَّاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  p29i

معلوم أن الله تعالى قادر غنى حكيم ،فهو غنى عن كل شىء بذاته العلية , وغنى أيضاً بذاته عن                                                        أسمائه وصفاته.وأسماؤه العلية ليست مخلوقة ولا محدثة بل لم يزل قائماً موجوداً بها جميعا , فإيجاد ما أوجد من عالم الملكوت , وهو الغنى عنه دال على أن إيجاده لحكمة اقتضت أن تبرز القدرة تلك  الأنواع المتباينة والأجناس والأشكال المختلفة لنفع الإنسان فى دينه ودنياه .

ثم فصل الله فيما أباحه منها تفصيلا شافياً فى القرآن المجيد ، فبين لنا سبحانه ما أحله لنا من الأرض  مما فيها والوجوه التى نناله بها ، وأطلق لنا الحكم فى استعمال كل شىء خلقه لنا أثبتته التجارب ، فانتفاعنا    بما فىالأرض فى دنيانا هوالانتفاع بنباتاتها وحيواناتها ومائها وهوائها ومعادنها ، فى طعامنا ولباسنا وفراشنا

ومساكننا ، وفى إعداد العدة كما أمرنا جل جلاله فى قوله : ]وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ[.

وإن في قوله ]مَّا اسْتَطَعْتُم[سراً عجيباً ، جعل سلفنا الصالح يكتشف بالعلوم الصناعية والرياضية .              

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَىالسَّمَاء... ( 29 ) البقرة          ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والطبيعية مابه نفع الأبدان ودفع الأعداء وراحة المجتمع فسلفنا الصالح هم الذين اخترعوا المسكتة( البندقية)       والبارود والأساطيل الحربية التى حاربوا بها أوربا شرقاً وغرباً وجنوباً وفتحوا بها أكثر جزائر                  الأوقيانوسية ، وأول أسطول حربى أسسه السلف هو الأسطول الذى غزا القسطنطينية فى خلافة معاوية   ابن أبى سفيان ، ثم الأسطول الذى فتح الأندلس وصقلية ،وكان المسلمون إذ ذاك لا يتقيدون بأمر  الخليفة فى استعداداتهم ، بل كان كل مسلم يرى نفسه أنه كالخليفة لقيامه بالعمل بالقرآن ، فقد فتح روما بعض أبناء المسلمين الذى كانوا فى صقلية ، وكان الخلفاء فى هذا الزمان صناعاً بارعين ، وكان منهم  القائد العظيم والسياسى الخبير والاجتماعى الحكم يسهرون الليل هم وولاتهم فى رعاية راحة الأمة , ويقومون النهار فى تنفيذ حدود الله تعالى , والضرب على أيدى الزنادقة والفسقة والظلمة , وبذلك أخضعنا التيجان وقهرنا الظلمة الطغاة–هذا ما به جعل سبحانه وتعالى ما فى الأرض لنا للنفع فى الدنيا.أما جعلها للنفع  فى الدين فيما أمر به سبحانه من النظر لاعتبار ومن الفكر فى بدائع إبداع صنع الصانع البديع وللسياحة فى الأرض  للتبصرة والنظر والاستدلال بعجائب قدرة الحكيم على كماله الذاتى وجمال وجلال وبهاء  وضياء ونور وحضرته العلية .

والآية الشريفة ذكرها الله تعالى فى سياق المنة على الإنسان ليقوى يقينه ويدوم شكره لله , ويفرده                             سبحانه وتعالى بالمحبة الخالصة . ولكن أهل النفوس الخبيثة أبى عليهم كفر نفوسهم إلا أن يسمعوا كلام الله تعالى بآذان الشهوة والحظ والرأى الباطل المضل , ففهموا أن الله أباح لهم ما فى الأرض جميعاً ,  وهم الإباحيون قبحهم الله . وقد دعا هؤلاء الإباحيين إلى ما ارتكبوه خبث جواهر نفوسهم لأنها من  جنس نفوس الشياطين وأنواعهم فى الأناسى كثيرة جداً : فمنهم المللاحدة وأهل الجحود , ومنهم القائمون  بأن أصل الإنسان قرد أو نسناس , ومنهم الدهرية الذين شنع الله عليهم بقوله : ]وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَايُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ[  . وكل من قلد أبويه فى الإسلام من غير بصيرة ولا علم بالدين الإسلامى , وحصل بعض الفنون أو الصناعات , أو طالع كتب الزنادقة , مالت نفسه إلى ما يلائمها  من الكفر والجحود , والهداية من الله تعالى حفظنا الله من الفتن .

]ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّشَيْءٍ عَلِي[. معلوم أن السماء جهة العلو , والأرض جهة السفل فذكر ثم فى الآية لم يكن للتعقيب والتراخى بمعنى التأخير فى الزمان , ولكن  ثم هنا تفيد رفعة السماء عن الأرض فى معان مخصوصة : منها أن الأرض كل شىء فيها ناقص فيحتاج   إلى نمو وكمال , والسماء سواها الله كاملة تامة منتظمة منتسقة ليس فيها من فطور ولا تفاوت ولا احتياج       .

                                                                                                                                                                                                                                                                        ( 11 أسرار – جـ 1 )

 

      ]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى شىء آخر بعد تسويتها , بخلاف الأرض التى جعلها الله مظهراً لشئونه فى كل نفس ومحلا للتغيير  والتبديل والمحو والإثبات . ورفعة السماء على الأرض لا تمتع من أن يوجد على سطح الأرض من هو  أفضل من عمار ملكوت الله ، كرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم وأنبيائه ، وكالصديقين والشهداء ،  وكورثة الرسل وأبدال الصديقين ، فإنهم أفضل من ملائكة السموات السبع .. أما حجة من جعل  الملائكة أفضل من الرسل محتجاً بقوله تعالى :  ]لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُالْمُقَرَّبُونَ[. فإن البيان فيها هو أن المسيح الذى ولد من أم بقدرة الله تعالى الذى خلق آدم عليه السلام ، لا يستنكف أن يكون عبداً لله ، بل ولا الملائكة المقربون الذى خلقهم الله بقدرته، من غير أم ولا أب يستنكفون أن يكونوا عبيداً لله . وتلك المزية لا تقتضى الأفضلية وكيف لا والمؤمنون فى الجنة تخدمهم الملائكة ، فالمحتج بتلك الآية لم يفهم سياقها . ]اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء[الاستواء لغة             الاستقامة والاعتدال واستوى إلى كذا ، أى أقبل عليه بعزيمة وإرادة ونية لإبراز ما قدر – واستوى  إلى السماء أى أراد جل جلاله أن تبرز قدرته ما قدره سبحانه بمشيئته من إيجاد سبع سموات . فقوله :  ]اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء[أي قصد بإرادته وقدرته أن يوجد فى العلو سبع سموات ، لأنه لم يكن ثم سماء  مخلوقة محيزة يقصدها .

وعلى هذا فالضمير فى ( فسواهن ) مبهم ليس له مرجع . وفسره قوله تعالى ]سَبْعَ سَمَاوَاتٍ[،   وقد فسر بعض العلماء ]ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء[بأن السماء كانت موجودة ، ولكن الله قصد باستوائه إلى تسويتها سبع سموات ]وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[– إن الله سبحانه أخفى فى تلك الآيات التي يفصل بها بين جمل الكتاب أسراراً علية ، يصطنع بها لنفسه أفراد الصديقين وأبدال الرسل . ولكل آية من هذه الآيات نور يهدى الله به من يشاء ممن سبقت لهم الحسنى ، وحجة دامغة يقصم بها ظهور أهل البعد. وإليك شميماً من هذا العبير .

بعد أن ذكر الله تعالى ما تفضل به على الإنسان من لطائف المنن وجلائل النعم فى الأرض وفى                    السماء ، وما أبدعته القدرة الإلهية من بدائع الصنعة ، ودقائق الانتساق وغريب الانتظام ، حتى عجزت               العقول عن درك سر الروابط ، التى جعلت تلك الأفلاك العظام منتثرة فى هذا الجو الفسيح ، وجعلت الأرض مرتكزة على الماء فوق الهواء ، وجعل مالا يحصى عداً من أنواع مختلفة لنفع الإنسان . وهو   سبحانه بكل شىء من تلك الأشياء جميعها عليم بجربَْىَّ الأشياء وكليها ، بل بأجزاء كل كائن وكله بعلم قديم أزلى سابق لإيجاد الأشياء . وإنما أوجدت الأشياء جميعها طبقاً للعلم ، والله جل جلاله لا يوجد                .

 

قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة ... ( 30 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شيئاً إلا إذا سبق فى علمه . فما لا يعلمه الله لا وجود له كما قال سبحانه : ]أَتُنَبَّؤنَ اللهَ بِماَ لاَ يَعْلَمُ فِى السَْموَاتِ وَلاَفَىِ الأَرْضِ[وهو عزوجل يعلم الأشياءدقيقها و عظيمها،وهو الذي خلقهابعد علمه بها علمه بهافقولهتعالى : ]وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[قصم ظهور الفلاسفة القائلين بأن الله لا يعلم جزئيات الأشياء ، فإن تلك  الجزئيات لا تعلم إلا بعد إحداثها وهذا هو الجهل المركب ، لأن الذى لا يعلم الجزئيات إلا بعد إيجادها هو المخلوق المقهور.إذهولايعلم أعمال نفسه الخصوصية قبل وقوعها لجهله بمقدارها كَّما وكيفاََ ٍوتفصيلا وإصلاحَاًوفساداً،ولكن القوى الخلاق القاهر العليم الأشياء بعلمه القديم الأزلى القائم بذاته الذى أحاط بكل  شىء قبل إيجاده وأحاط بجزئياته وكلياته وزمانه ومكانه . والمقتضيات المحيطة به وأبرزه سبحانه وتعالى .  ومن حكم على الله العلى الكبير بما يحكم به على العبد المقهور الذليل جهل وجهل أنه جاهل .

ومثل هؤلاء من أضلهم الإفرنج بزخارفهم وأهلكهم المبشرون بسخائفهم ، فتراهم يسلمون بالباطل                   وينكرون الحق . قال الله تعالى ]فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ[والآية الشريفة حجة على المعتزلة الذين            يقولون : إن العبد يخلق أفعاله . والعبد يجهل ما يكون له غداً أو عليه ، يدبر أمراً يعلمه ويزم على            عمله،فيكون مالا يعلم رغم أنفه،والأعمال التىيحدثها العالم بذاته أن يكون لابد أن يكون عالماً بها قبل إيجادها       ولابد أن يكون متصفاً بقدرة عليه تبرز الحقائق التى تعلق علمه بها أو تمحو ما تعلق علمه بمحوها ، أما   مايجريهتعالى من الممكنات على جوارح العبد فقد تأتى قهراً عنه وطوراً برضاه ، فهذا ليس مما سبق  علم العبد به حتى يحكم العقل أنه خالق لأعماله . وما نراه بأعيننا أو ندركه بحسنا من وقوع تلك الأعمال على يدنا فهذا مما يسمى سبباً .والله تعالى جعل السبب ليتعرف به إلى عبيده ويتعرف به عبيده إليه وهذه الآية الشريفة ميزان مراقبة أهل البدايات . فإن أهل الوصول ارتفعوا عن المراقبة إلى المشاهدة ، لأن  السالك إذا تحقق أن الله بكل شىء عليم كره أن يعلمه الله على حالة لاترضيه سبحانه كما قالe:( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ومن نسب نفسه إلى طريق الله وحرم المراقبة فاضرب  به وجه الحائط ، فإن السالك إذا جهل أو نسى أن الله بكل شىء عليم ، هلك بأكمل أعماله الصالحة .

قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةًقَالُواْ أَتَجْعَلُ  فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُنُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَp30i

أيها القارىء للقرآن المجيد . . اصغ بأذن الإيمان والتسليم ، إلى ما بينه الله تعالى لنا كتابه العزيز ،  من المنن العظمى التى تفضل الله بها علينا مباشرة ، أو على أصولنا من آدم عليه السلام ، وتذكر فإن  الذكرى تنفع المؤمنين .

 

      ]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول سبحانه  مخاطباً حبيبه ومصطفاه eالذى قام خاتماً للرسل وفاتحاً لابتداء رسالتهم , وواثق   له الرسل بداً بقوله : ]وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍوَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ  رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِوَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِيقَالُواْ   أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ[0بل وقد بين الله فضله على جميع الرسل الكرام , صلوات الله وسلامة عليه وعليهم فى هذه الآية ]وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ[بكاف الخطاب الذى فيه نهاية الإعظام لرسول الله e. والمعنى : اُذكر يا محمد أنت وأمتك ما رفع الله به الإنسان الأول : ]وَإِذْ                         قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةًقَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء                              وَنَحْنُنُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[.

قد بين من خدموا القرآن المجيد قبل ما يتعلق بتلك الآية الشريفة , من جهة اللغة والقواعد  النحوية , بياناً لا نحتاج بعده إلى ضياع الوقت فى إعادته هنا , ولكنا نخاطب أهل العقول التى تعقل عن الله تعالى فنقول : 

المراد من الخليفة هنا , والله أعلم , هو الإنسان الذى جمله الله تعالى بالعلم والحكمة , والعدالة والرحمة , فقد صاغ الله نفسه من أصفى الجواهر النورانية , وجعله وسطاً  , وأيده بروح وقوة منه سبحانه ليدفع ظلم  الظالمين , وكيد الكائدين , ويكبح جماح النفس الشهوانية والغضبية , ويحفظ الثغور من شرور الأعداء  ويقيم الحدود لتعيش الأمة فى هناءة وصفاء , ويقطع شأفة ما يضر بالقوى النفسانية إذا أبيح فى المجتمع كالخمور والمخدرات والمنومات وما يضر بالأجسام ويفنى الأموال   كلعب الميسر , وفتح أبواب المناظرات والجدل والتفاخر , ويمحو الاختلافات الناتجة فى الأمة بسبب الزنادقة والغلاة فى الدين , وأهل الآراء الباطلة والمذاهب المضلة  ,ليكون المجتمع الإسلامى كالجسد الواحد , إذا اشتكى منه عضو تداعى له بقية  الجسد بالسهر والحمى .

وهذا الخليفة يجب أن يكون مجملا بالخصال التى توجب على الأمة انتخابه , فإن فقد الرجل المجمل  بكل تلك الخصال التى سأوردها عليك , يجب أن ترجع الأمة إلى الشورى , فيقوم خير رجالها بتشكيل                       مجتمع من الأفراد كل واحد منهم جمله الله بخصلة , فيكون مجموع الخصال التى تجمل بها أهل الحل والعقد          هى الصفات التى إذا جمعت فى شخص كان هو الخليفة .

وقد خالف الصديق رضى الله عنه إجماع الصحابة فى أمور كثيرة , كما خالف على عليه السلام حكم           .

 

          قوله تعالى : وَإِذْقَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً... ( 30 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ     أمير المؤمنين عمر , فنفذ عمر حكم على . ونحن الآن أحوج ما نكون إلى مجلس الشورى الذى يسمونه  غلظاً واقتداء بالأجانب ( البرلمان ) .

ونرجو الله تعالى أن يظهر رجلا بالصفات الآتية ليكون خليفة لنا , يلم شعث أربعمائة مليون من  المسلمين , وما ذلك على الله بعزيز :

وهذه هى الخصال التى يجب أن يتجمل بها من تنتخبه الأمة الإسلامية خليفة , قد اختصرناها من  مجموعة الخصال التى ذكرها علماء السلف فى وصف خليفة الأمة : وهى ست خصال أولها أن يكون حكيماً . والثانية أن يكون عالماً للشرائع والسنن والسير التى دبرها السلف للمجتمع الإسلامى , محتذياً فى أفعاله كلها حذو السلف الصالح . والثالث أن يكون له جولة استنباط فيما لا يحفظ عن السلف شريعة فيه , ويكون فيما يستنبط ناهجاً منهج الأئمة السالفين . والرابعة أن يكون له جودة روية وقوة استنباط للحكم الوجودى فى الأحداث الزمنية التى لم تقع فى عصر السلف , أن يتحرى فى ذلك ما فيه  صلاح الأمة . والخامسة أن يكون له مقدرة على الإرشاد بالقول المؤثر الجلى على منهج السلف , وأن   ما استنبط بعدهم على منهجهم . والسادسة أن يكون له جلد وثبات بدنى , ليباشر بنفسه أعمال الحرب , وذلك بأن يكون ملماً بالفنون الحربية بكامل أنواعها .

والملائكة أنواع كثيرة : وأعلى هذه الأنواع أجسام نورانية , والملك لغة : بمعنى رسالة , ومادته اللغوية : إما ألك أولادك , أى أرسل رسالة , ويقال لأك الولد لوالده مألكة : يلتمس فيها دعاءه , ويعنى  أرسل له رسالة . والله جل جلاله جعل الإنسان جوهرة عقد المخلوقات , لأنه جلت ذاته خلفه بيديه فى  أحسن تقويم مبناه ومعناه . أما مبناه فمن كل معادن الأرض ثم خلطه بالنار والهواء , فرسم الإنسان الذى هو الهيكل خلقة الله تعالى من أركان الوجود , وهى : التراب والماء والنار والهواء , فسبحان القادر الحكيم . وقد بينت فى كتاب ( الطهور المدار ) بياناً لأهل البصيرة كشف به بعض الأسرار التى أودعها الله فى آدم عليه السلام , وفى مسمى ملك : جمع الله فى الإنسان كل حقائق الوجود مما خلقه في  الأرض والسماء وما فيها . فالإنسان شيطان وأضل ووحش وأضر وملك وأفضل فسبحان من أظهر  عجائب قدرته وغرائب حكمته فى مبدَع بدأ خلقه من سلالة من طين , ثم جعل نسله من ماء مهين .

قلت إنه شيطان وأضل : لأنه حارب ربه , كما فعل فرعون ونمرود وأتباعهما إلى يوم القيامة . وقلت   وحش أضر : لأنه عق والده ووالدته , وهما اللذان أشهداه بعينى رأسه كمال إحسانهما إليه . وقلت ملك وأفضل : لأن الله تعالى أحبه وقربه , وأسمعه كلامه وأشهده علىّ جماله . وقد عجز الشيطان مع أنه عنصر

 

      ]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشر والعناد عن أن يفعل ما يفعله الإنسان بشبيه , وكيف لا وهو يجاهر بما يخنس الشيطان عندما يقوم  بأقل منه , فيجلس على كرسى كرامة المسلمين ويرفع صوته المنكر بما دونه تذوب قلوب الأتقياء خشية  من الله تعالى . ولم ذلك ؟ وكيف ذلك ؟ لأن الأمة المصرية محتلة بجيوش الاستعباد , مقهورة ببطش أهل الاستبداد من ساسة الإنجليز الذين أفسدوا فى الأرض بما أتوه كما قال تعالى مخبراً عن موسى عليه السلام : ]رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِالدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىأَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ[. ونحن الآن أصبحنا وبين ظهرانينا فرعون من غيرنا وهم  الإنجليز الذين هم شر من فرعون موسى , لأنه كان يحارب الغرباء فى مصر – على رأيه الفاسد -  إصلاحاً للبلاد وراحة للعباد . أما الإنجليز فإنهم لا يرضيهم إلا أن تكون مصر العزيزة استراليا ثانية , فهم يحاربوننا فى ديننا بالمبشرين المفسدين وبضائعهم الذين لولا الاحتلال لمزقتهم الأيدى , والله وعدنا  قهر الظلمة ونصرتنا , فالإنسان الذى هو جوهرة عقد الكائنات وعجيبة العجائب . قال العربى :

والذي حارت البرية فيه    *    حيوان مستحدث من جماد

وللعقول أن تحتار فى الإنسان ! فبيننا تراه وروحه الطاهرة سائحة فى ملكوت الله الأعلى , مشرفة                    على قدس العزة والجبروت , وإذا بك تراه فى أسفل سافلين , أضل من الأنعام وشراً من الشياطين ,  وفوق  الأرواح العالية , بل فوق العالين قال تعالى : ]وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ[هذا هو الإنسان  الذى خلقه الله ليعمر به ملكه وملكوته , وجعل له ملك الأرض مقراً للإقامة ومستقراً له بعد موته ثم ينشئه النشأة الثانية , فيمنحه الملك الكبير , لذلك ابتلاه الله تعالى بأن سخر له ما فى السموات  وما فى الأرض جميعاً منه , وصرفه تصريف الربوبية فى الملك . فكل ما فى الملك والملكوت مسخر له بإذنه تعالى . فإن ذكر الله وأطاعه من غير أن يعصيه وشكره فلم يكفره ووحده فلم يجحده تفضل عليه بالملك الكبير قال تعالى : ]وَإذَا رأيْتَ ثَمٌ رَأَيْتَ نَعيمًا ومُلَكا كَبيرًِا  [  وهذا الملك الكبير هو   للإنسان الذى اتبع رسول الله eحق الأتباعس .

لتلك المعانى المتقدمة احتاجت الأرض لأن يكون فيها خليفة , لأن السماء وما فيها لا تحتاج إلى                                         خليفة , والخليفة فى الأرض هو سيد من فى الأرض ومن فى السماء . لأن ملائكة السماء أجسام   نورانية لا تقع منهم الخطايا , فهم لا يحتاجون إلى خليفة , ولما كان خليفة ربنا فى الأرض سيد العالمين , وكان الملائكة قبل ذلك حاربوا الجن الذين كانوا عمار الأرض لإفسادهم فيها . وقد علموا                .

 

 

          قوله تعالى : وَإِذْقَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً... ( 30 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

 من لفظة خليفة أنه لابد أن يكون وازعاً بين هذا النوع المختلف المتباين الكثير الخطايا والمعاصى ,                       أرادوا أن تنكشف لهم الحكمة فى جعل الخليفة فى الأرض بين بنى جنسه من أبنائه , فسألوا ربهم                            جل جلاله مستفهمين استفهام من يريد كشف الحقيقة ومزيد العلم فقالوا : ]قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ    فِيهَا[كما أفسد الجن الذين حاربناهم وسفكوا الدماء البريئة كما نراه , وقد حصل بين هابيل وقابيل وبين الجبابرة الطغاة من الملوك الظلمة , وكما حصل الآن من دول الاستعباد شر جبابرة الخلق الذين آتاهم   الله معرفة فى اختراع الآلات الجهنمية , كدول أوربا وأمريكا , أراح الله منهم البلاد والعباد , وما قال الملائكة ما قالوا له إلا لكشف الحكمة وعلم مراد الله تعالى  من هذا , فأجابهم سبحانه إجابة من علم نواياهم  واطلع على خفاياهم أنهم يسألون ربهم بقدر ما علموا , وهو سبحانه أعلم بهم , فقال جلت قدرته : ]إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[. وكان هذا الجواب بعْد قوْلِهم : ]وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ[  والتسبيح والتقديس هو صلاة الملائكة , ونسبح بحمدك نبعدك عن النقائض , فإن معنى سبح بعد , يقال سبح فى الماء أو فى الهواء : بعد . وقولهم : ]بِحَمْدِكَ [أى نسبحك حال كوننا متلبسين بحمدك , فهم  يقولون نحن ننزهك عن النقائض , ونعتقد أنك المتصف بالصفات الموجبة للحمد فنسبحك حامدين لك على ما أوليت من وافر آلائك وعميم نعمائك , فأنت المحمود لا سواك . وقد أوجب الله تعالى على عباده   حمده , فعجز الخلق أجمعون عن أن يحمدوه حمداً يليق به , فحمد نفسه بصيغة رضيها من خلقه , فقال : الحمد لله رب العالمين , فقام كل عبد من عبيد الله بما أوجبه عليه سبحانه من حمده بمجرد قوله : ]الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[.

ثم أعلم سبحانه وتعالى الملائكة بإشارة خفية ]إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[من كمال ذاتى وجمال وجلال أسمائى  وصفاتى ,وما تعلق به علمى من مقتضيات تلك الحضرات العلية من الأزل ما خصصته إرادتى من حضرة                 علمى فأبرزته قدرتى . أقول هذا لأن الله أخبرنا عن الملائكة بقوله : ]لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ                             وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[. وفى غضون تلك الآية الشريفة أسرار عالية نومى إليها بعد تتميم تفسيرها ,  وإشارات سامية : منها تعليم المسلمين الشورى , لأن رب العزة يشاور الملائكة فى جعل الخليفة وهو الغنى  سبحانه عن كل شىء , ويعلمنا الآداب أيضاً مع طلبة العلم إذا استفهموا بطريق التعليم لا الجدل فتتلطف  بهم ونجيبهم بالحقائق , فإن العلى العظيم أجاب عبيده الملائكة بألطف إجابة , ثم تفضل جل جلاله  فكشف للملائكة عن غيب علمه مزيدا ً لعلمهم

فقال سبحانه : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِفَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَp31i

العلم فى الحقيقة هو تصور النفس                         .

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رسوم المعلوم , وهذا التصور قد يكون بسماع من المعلم أو بمعاينة الحقائق التى لم يكن يعلمها من قبل  أو بالإلهام من الله تعالى , وهنا افهم بالذوق .

خلق الله آدم عليه السلام وأبناءه من حقائق مختلفة لكل حقيقة منها مادة تغذوها ، ولوازم تنتفع   بها فى ضرورياتها ، وتتنعم بها فى كمالياتها . وخلق لبنى آدم كل ما لا بد لهم منه فى حالتى الضرورى  والكمالى . فلا مانع من أن الله تعالى وضع فى كل حقيقة كون الإنسان منها علماً ضرورياً  بكل الأشياء  اللازمة لتلك الحقيقة ، فما من كائن فى الوجود إلا والإنسان محتاج إلية ، لا فرق بين الجمادات والمعادن  والنباتات والحيوانات ، وما فى الأجواء من الهواء ، وما فى الأرجاء من المكونات ، بل وما فى السموات  من أفلاك وأملاك ، بل وما فوق ذلك من جمال الملكوت ، وما فى الجنان من النعيم المقيم والملك الكبير كل تلك الحقائق مبدعة للإنسان يتمتع بها فى الدنيا ، فإذا حصلها من الوجوه الشرعية وشكر عليها يتنعم   بما هو منها يوم القيامة . فقوله تعالى : ]وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا[من هذا الطريق لأن الملائكة  فطرهم على التسبيح والتقديس والعبادة وهى مادة غذائهم وحقيقة أعمالهم أغناهم الله عن المادة ولوازمها ،  فلم يكن من مقوماتهم ما يحتاج إلى علم ما أبدعه الله فى الكون ، لأنهم علموا بطريق الإلهام بقدر الحقائق التى خلقهم الله منها ، ولكنهم فى حاجة إلى مزيد العلم لتنكشف لهم حكمة الحكيم وغرائبقدرته وعجائب صنعته ، لأن العلم شىء غير العمل به . فكم من عالم بعلم لا يحتاج إلى العمل به طول  حياته ، كعلم الفلك وعلم تخطيط الأرض وعلم وظائف الأعضاء وأكثر أنواع علوم الرياضة : وأتى بلفظ  (كُلَّهَا ) بياناً لشمول الأسماء التى تعلمها آدم عليه السلام من ربه لكل ما لا غنى لآدم عنه فى ضرورياته  وكمالياته ، وأراد الله سبحانه بتلك الحادثة تفصيل ما أجمله قوله سبحانه : ]إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[.

ومن هنا نعلم حق العلم أن العلم بالتعلم ، وأنه لا يحصل العلم إلا بالتعليم بدليل قوله تعالى : ]وَاللّهُ    أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا[ولذلك خلق الله الملائكة لا تعلم شيئاً ، والله  سبحانه هو الذى يعلم بذاته الأشياء قبل وجودها . لأن علم الله تعالى سبب فى وجود الأشياء ، فما من شىء يعلمه الله إلا أحدثه وأوجده ، وعلم الحوادث لا يحصل إلا بوجود الأشياء ، لأن وجود الأشياء   سبب لوجود العلم بها . فالخلق لا يعلمون شيئاً إلا إذا تعلموه أو شهدوه موجوداً ، وشتان بين علم الخلاق العليم ، وعلم العبد المقهور الذليل . فالله سبحانه يعلم الأشياء كليها وجزئيها قبل وجودها على ما تكون عليه فى إيجادها وبقائها ، وما تؤول إليه بعد فنائها . كل ذلك يعلمه الله بعلم هو صفته الذاتية له ،  لا ينك عنه سبحانه . فآدم عليه السلام لم يكن يعلم شيئاً ، ولكن الله شاء أن يقهر الملائكة                          .

قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ..... ( 31 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بإظهار عجزهم عن علم ما علمه سبحانه لآدم , لتنبلج لهم حكمة الله فى إيجاد آدم , وليعلموا حق العلم أن     وجود آدم خير للعالم أجمع من الملائكة والجن والحيوانات والجمادات , فبآدم شهد الملائكة من جمال الله وجلاله وكماله وبهائه وضيائه ونوره ما لم يكونوا يعلمونه فضلا عن أن يشهدوه . فسبحان من كشف كنوز الغيب المصون بما أظهره فى طينة من معانى صفاته العلية , وأسرار أسمائه جلت ذاته , يلوح لك  هذا السر فى قوله تعالى : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن   كُنتُمْ صَادِقِينَ[.

 

ففى قوله : عَرَضَهُمْ[إشارة عالية حيث أنى بالهاء والميم المنبئة بأن المعروض من العقلاء وفى قوله :     ]أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء [   بالإشارة إليها دليل على أن المعروض على الملائكة أسماء ظهرت   معانيها جلية فى آدم وهى معانى الصفات التى لم يتجمل بها نوع من المخلوقات إلى آدم . ولك أن تقول : إنها الحقائق التى بينها هيكل آدم , بما فيه من المقتضيات التى يقتضى وجودها , وقد فسر العلماء هذه الأسماء بأنها أسماء كل ما خلقه الله لآدم من كل الأنواع , واختلف العلماء فى اللغة هل هى توقيفية  أم لا ؟ ولكل فريق منهم أدلة ونصوص مبسوطة فى كل كتب أصول الفقه , لا حاجة إلى ذكرها هنا .

 

اسجد أيها العقل غير باحث فإن الذى خلق الأرجاء والأجواء وسمك السماء وبسط الأرض , هو الذى علم بقدرته ما لم يكن يعلم لتقوم الحجة على الملائكة أنهم يجهلون حكمة الله تعالى فى إيجاد آدم  وسر التفضل عليه بأنه خليفة عنه سبحانه فى أرضه , فكان سؤال الملائكة لحكمة كشف تلك  الأسرار التى يزداد بها المؤمن إيماناً ويزداد المنافق بها بعداً عن الله تعالى , لأنه يزن الغيب المصون  بالمشهود الملموس تحت جوارحه : والمسلم ما بلغ درجة الإسلام إلا بعد أن سلم لله واستسلم , وهذا معنى  مسلم , لأن مسلماً بمعنى مسلٌم بتشديد اللام , وفى بعض القرارات ورد لفظ مسلم بتخفيف اللام وبتشديدها , قال الله تعالى مخبراً عن إبراهيم عليه السلام : ]رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ[بتشديد اللام فى الكلمتين ومن ادعى الإيمان من غير أن يسلم لله تسليماً ينبىء عن علمه بكمال  قدرة الله تعالى , وبعجائب تصريفها فى الكائنات كذب فى دعواه , لأن الإيمان تسليم القلب والإسلام  تسليم الجوارح المجترحة , وذلك لا يخالف قول أهل الحديث الذين يقولون : الإيمان والإسلام واحد , لأن حكمهم هذا إنما هو على المؤمن الكامل الذى لم تشب عقيدته شائبة شرك , أما أهل النفاق أو                      .

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشك فإيمانهم ناقص ]أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء[.

أظهر الله حقائق التى أشرنا إليها قبلا حتى رآها الملائكة , فقال بعد أن تحققوا منها ]أَنبِئُونِي[  أى أخبرونى  ]بِأَسْمَاء هَؤُلاء[الحقائق المعروضة عليكم الحجة لكم على أنكم أولى بالخلافة من  آدم وبنية , لأن بنى آدم يفسدون فى الأرض ويسفكون الدماء , ووجه أولويتكم بالخلافة عنهم أنكم  تسبحون بحمدى وتقدسون لى ]إِنكُنتُمْ صَادِقِينَ[فى دعواكم , وإذا كنتم تجهلون ما هو تحت  نظركم ولا تعلمون حتى ولا بأسمائهم كيف تحكمون على ما غاب عنكم من أسرار حكمتى وغيب تقديرى فلم يسع الملائكة بعد إقامة الحجة عليهم إلا الإنابة إلى الله بالتوبة , وسرعة الإنابة بعد الخطيئة هى   العناية الكبرى التى يوفق الله لها من سبقت لهم الحسنى كما فعل آدم عليه السلام عند ما أسرع إلى الإنابة فقال فيما أخبر الله تعالى : ]رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَالَنَكُونَنَّ مِنَ           الْخَاسِرِينَ[وكما أسرع نوح عليه السلام إلى الإنابة بقوله : ]إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ  لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْلِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ[وكما قال يونس بت متى عليه السلام : ]سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ[.

فجميع أهل الإيمان الكامل إذا قارفوا ذنباً من الذنوب أسرعوا إلى التوبة والإنابة بتوفيق الله                                  تعالى فيقبل الله توبتهم , لأنه سبحانه غافر الذنب وقابل التوب , ولأنهم أشهدهم سبحانه من سواطع العزة ولوامع العظمة وشدة العقاب ما أخشع قلوبهم وأخنع أبدانهم وأخضع لسلطان الشريعة قلوبهم    المطهرة , من ظلمة الشرك وشوب الشك والريب , وهم مع ما جملهم الله به من طاعة أمره واجتناب نهيه  يقولون : ]رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا[بدليل قوله تعالى : ]وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا[وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله : ]رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّم   [  الآية والواو فى قوله : ]وَالَّذِينَ[ليست واو العطف وإنما هى واو المدح كما تقول : عمر بن الخطاب هو  الذى فتح الفتوحات والذى أقام الحدود . ودليل إنابة الملائكة

قوله تعالى : قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُp32i

تبرأوا من نسبة العلم لأنفسهم وأثبتوه لهم بتعليم الله إياهم , إذا علم الله علم ذاتى أزلى , فهو سبحانه  يعلم بذاته لا بتعليم من سواه لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى أو يعلهم ]إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ  الْحَكِيمُ[أى أنت العليم بذاتك المعلم لغيرك ما شئت أن تحيطه به علماً . الحكيم الذى تقدر الأقدار            .   

 

 

 

 

قوله تعالى : قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.... ( 32 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بحكمتك . فأنت منزه فى أقدارك وأحكامك وأعمالك كلها عن كل نقص . والحكمة هى وضع الشىء  فى محله .

قوله تعالى : ]قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ[لتقيم الحجة عليهم فى دعواهم التى ظنوا فيها أنى   لم أخلق خلقاً أعلم منهم . ]فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ[قامت الحجة ، ووجب أن يتأدبوا بما يبينه الله   سبحانه لهم بقوله تعالى : ]أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُمَا تُبْدُونَ وَمَا   كُنتُمْ تَكْتُمُونَ[هنا يجب أن يتأدب أهل العقول السخيفة أدباً يليق بمرتبتهم المادية , فإن بعض من  حرموا عيون الإيمان يزعمون أنهم يعلمون شيئاً فيقول منهم أتكلم بلسان العلم , ثم بيدى من  السخافات ما يحكم على نفسه أنه من الأنعام , ولكن صدق الله العظيم إذ يقول سبحانه :  ]وَنَفْس ٍوَمَا سَوٌاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجْورَهَا وَتَقْوَاهاَ * قَدَ أَفْلحَ مَن زَكٌاهَا * َوقَد خَاَب مَن َدسٌاهَا [.         

على نفس فلبيك زنديق خبيث نفسه ففجرت فجوراً يحارب ربه , وينصر أهل الباطل من   المبشرين الذين لم يتفضل الله عليهم بالقابل لهذا النور والهدى , وليته إذا ضل أخفت صوته حتى   لا يفتضح فى الدنيا ويعذب فى الآخرة , ولكنه خيل له أنه بين الخفافيش أمثاله , وظن أن الشمس   ليست موجودة والشمس طالعة مشرقة , ولكن النفوس الخبيثة ليست قابلة لرؤية الأشعة , وقد كثر أمثال هؤلاء ]وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[وانتظار الفرج عبادة والحق لا يعدم نصيراً . وإذا كانت الأرواح النورانية المجردة عن المادة ولوازمها ثبت جهلهم بعلم أسماء ما يرونه , واعترفوا بالجهالة فكيف  لا يعترف بها زنديق محجوب عن معرفة نفسه , يسوقه هواه وحظه إلى نيل الشهرة والمال من أيدى         المتسلطين على الشرق وأهله , ألا قبح الله الطمع فى غير مطمع هاوية الهلاك .

قوله تعالى : قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِوَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ  وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَp33i

حجة قائمة على أن علمه أحاط بالكليات والجزئيات رغم أنفه الفلاسفة , لأن العلم الإلهى سبب  لإيجاد الكائنات , فالأشياء توجد , وسبب إيجادها علم الله بها , فما علم سبحانه بشىء إلا أوجده , ولكن علم الحوادث لا يحصل إلا بعد وجودها , فنحن لا نعلم بالأشياء إلا بعد وجودها , لأن علمنا  حادث وعلم الله قبل الأشياء , وبه وجدت الأشياء . فإرادة الله تخصص ما علم الله إيجاده وقدرة الله تبرز  ما خصصته الإرادة من حضرة العلم , ومن قاس العلم الحادث بالعلم القديم نحكم عليه بالجهل المركب          .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومثل هذا لا نعتنى به مهما أبدى من السخافات . يكشف الله لنا فى تلك الآيات ما تفضل به علينا  من النعم التى توجب علينا الشكر والحمد فى عبادته سبحانه .

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَأَبَى وَاسْتَكْبَرَوَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَp34i

سبحانك الهم وبحمدك لا نحصى ثناءعليك أنت كما أثنيت على نفسك . عجزت العقول الكاملة  على أن تحصى عطاياك , أو تقدر نعمة من النعم التى تفضلت بها علينا , لأن إحسانك على أبينا آدم  هو إحسان علينا جميعاً . تذكرنا سبحانك جلائل النعم التى خصصت بها أبانا آدم دون غيره من الأنواع   العالية , فذكرنا بأنك رفعت قدرة بإقامته خليفة عنك , ثم تفضلت بالمزيد فعلمته مالا تعلمه ملائكتك , ثم ميزته بأن جعلته يعلمهم ما لم يكونوا يعلمون , ثم أوليت مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مما ذكرت سبحانك فى الآية وهى قولك : ]وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ [الخ , فافتتحت الآية بقولك ]قُلْنَا[الدالة على التعظيم للمسجود له , ثم أمرت سبحانك بأمر صريح فجعلت  السجود لآدم إكراما له ورفعه لقدرة بين الملائكة , ثم أكرمت من أطاع الأمر , وأهنت من خالف الأمر . فكان إكرامه فوق كل الإكرام حيث لأجله ترفع ولأجله تخفض . وفى قولك سبحانك .              ]اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ[من الرفعة لقدره ما دل على أنك جملته بجمال محبوب لحضرتك,وأهلته للقيام بمحابك  سبحانك ومراضيك , ولم تقل اسجدوا إلى آدم كما أمرتنا أن نسجد إلى الكعبة والسجود لحضرتك  العلية , فنعلم أنه كعبه لنا بل قلت : ]اسْجُدُواْ لآدَمَ [. أى قدموا له تحية التعظيم والتجلة وقوموا أمامه قيام الإكرام والاحترام , إذ سجود العبودية خاص بذاتك , وأنت سبحانك تعظم من تشاء وتعظيمك   هو التعظيم حقاً , وأنت القاهر فوق عبادك بل وأنت المبلى تبتلى من تشاء , لتقيم الحجة لمن أطاعك  وتقيمها على من عصاك . نسألك يا ربنا الحفظ والوقاية من فتن الابتلاء وبلايا الفتن , صرحت بالأمر  فى السجود تصريحاً لا يحتمل التأويل , وجعلت التأويل فى مقام التصريح لعنة منك وسخطاً على من أول . أعذنا بوجهك من التأويل فى مقام التصريح , وأعنا على الطاعة لأمرك وبغض ما تهانا عنه ]فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَأَبَى وَاسْتَكْبَرَوَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين[.. السجود معلوم , لا يكون                             إلا لله تقدست ذاته وتعالت أسماؤه فى مقام العبادة , ولكنه لآدم تعظيما واحتراماً , وأمر الله الملائكة                  بالسجود من البلاء , العظيم , لأن الملائكة كما نعلم جميعاً هم أجسام نورانية خلقهم الله من  نور سيدنا             ومولانا محمد e, الذى خلقه الله من نور العزة , وآدم وذريته جمع الله فيهم كل الحقائق , فأرواحهم                .

 

 

 

 

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ.... ( 34 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من نور سيدنا ومولانا محمد eالذى خلقه الله من الرحمة , وعقولهم من نور الحكمة المقتبس من مشكاة أنواره e, ونفوسهم من نار القوة والجلال , وأشباحهم من أنواع جواهر الأرض التى لاكها سبحانه بالماء وجففها بالهواة .

فالإنسان جامع لكل الحقائق العلوية والسفلية وفى نظر العقل تفضل الأجسام ُ النورانية الأجسام                       المزدوجة المكونة من جواهر وعناصر عالية وسافلة , فقهرُ الملائكة والجن على السجود لآدم بلاء حسن  من الله تعالى , لينفذ صورة الإرادة ويظهر حقيقة القبضتين , ولتشرق أنوار وأسرار الحكمة فى                               بدائع إبداع ولطائف حكمة وغيب حكمته , يذوق هذا الراح الطهور من فقه الخطاب من الله تعالى   وألقى السمع وهو شهيد .

سجد الملائكة لتتجلى حقيقة الإرادة , وأبى إبليس ليشهد أهل الكشف حقيقة العدل فيما أراد  وأبدع , إلا فمن إبليس ؟ ومن آدم ؟ ومن الملائكة ؟ سبحان من حير العقول فيما أبرز من الحكم وأسكر الأرواح بما ألاح من الغيب المكنون , وبما أدار من الرحيق . وهنا نلمع إلى ساطعة من أنوار الغيب المصون .

نزعت نفوس الملائكة إلى الملائكة على المعارضة فيما هو دون السجود,فخاطبوا ربهم بما وجدوه فى أنفسهم    خطاب عبد لرب أدباً وتعظيماً فاقلوا :]أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُبِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [فأقام الحجة عليهم قولا وابتلاهم أعظم البلاء فعلا , كأن الحقائق تقول : هذا                                                                     الذى راجعتم ربكم بشأنه , وأبيتم أن يكون خليفة فى الأرض , قد أمركم بصريح العبارة بالسجود له ,              والسجود فوق التفضيل عليه بالخلافة,فما وسعهم إلا السمع والطاعة.لأن الخبر لا يمنع من عرض ما يجدونه  فى أنفسهم , ولكن الأمر من القوى القادر رب العزة والعظمة , هو الحد الفاصل بين الرضا والمقت   والقبول والرد . فمن خالف الأمر ناسياً أو جاهلا , فعليه أن يتوب مسارعاً , ومن خالفه متأولا أو لأن  نفسه عنادية , فقد بين القرآن الحكم فيه . ولا فرق فى الأمر بين أن يكون بالحضور والمواجهة بلسان العلى الأعلى, أو فى الغيبة والبعد بلسان الرسول المبعوث من قبل الله تعالى , فإن النفوس التى خلقت  من سجين لو خاطبها الرب جل جلاله كفاحاً لأبت القبول.فمخالفة الرسول مخالفة الرسول مخالفة للحق سبحانه, حجة ذلك إبليس أعاذنا الله منه . فليحذر المغرور بعافية أو بما تلقاه من أباطيل الأعداء الذين أخبر الله  عنهم بقوله : ]أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَإِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا[  قد هلك فى هذا الموضع فئتان فى هذا الوضع فئتان تأولوا : وهم ضلاّل المتصوفة الشاطحون فى وادى               .

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التيه , الذين محوا الشرائع والأحكام والسنن والآداب , وظنوا أنهم يحسنون صنعاً , فإن الصوفية رضى   الله عنهم سمعوا القرآن بآذان أرواحهم , ففقهوا سر الخطاب وعملوا بالإخلاص , ونأوا عما نهاهم عنه , فعلهم ما لم يكونوا يعملون . قال سبحانه : ]وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ[وقال تعالى : ]إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً[ورمى هؤلاء المتصوفة بقوله تعالى :  ]يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ  الْآخِرَةِ هُمْغَافِلُونَ[والفئة الثانية : هم أهل النفوس الخبيثة العنادية , الذين يتعلمون العلم لغير الله تعالى , بلى يتعلمون العلم للجمع والادخار , ولرفعة الجاه فى الدنيا والتقرب من الملوك والأمراء , وتأييدأباطيل الأعداء , وإخفاء علماء السلف الذين نور الله بهم الأمة , وإظهار علماء الأعداء . فتراهم ينشرونذكر أعداء الله فى كتاباتهم وهم شر من إبليس على الأمة . والواجب علينا جماعة المسلمين أن نحذرهمهم  ومن أعانهم من أهل النفوس الإبليسية يقول الله تعالى : ]إِلاَّ إِبْلِيسَ[.

قد عرفنا الملائكة فيما سبق لنا من التفسير , أما إبليس فمأخوذ من أبلس : أى اخلد إلى العناد  والمخالفة وكفر النعمة , كما أن الشيطان مأخوذ من : شطن أو شاط . وشطن بمعنى بعد , وشاط بمعنى                  الاحتراق . وأهل التحقيق يجعلون الاستثناء متصلا بمعنى أن أبليس من قبيلة الجن المخلوقة من النار وهم                نوع من الملائكة وكان اسمه قبل الأبلسة والشيطنة ( عزرائيل) وبهذا عاقبة الله تعالى بالطرد واللعن  والحرمان . على مخالفته الأمر الموجه للملائكة ولو كان الاستثناء منفصلا بمعنى أنه ليس من الملائكة   لخرج من التكليف والمطالبة بأمر السجود , لأن الله تعالى يقول :]وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ[  ولو كان من غير الملائكة لما حكم الله عليه بحكم المخالف .  ]أَبَى وَاسْتَكْبَرَ[  معنى أبى : امتنع , ومعنى استكبر : أعتمد على القياس الباطل الذى اغتر به , وهو أنه من نار وأن آدم من طين , وما كان  لعدو الله أن يخالف أمر ربنا جل جلاله لولا ما قدر الله عليه أزلا من سابقة السوءى . نسأل الله تعالى   سابقة  الحسنى وخاتمتها .

]وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين[الكافر فى اللغة : هو الذى يستر الحقائق أو تستر عنه , لحرمانه من   النور الذى يهبه الله تعالى لمن اجتباهم من عباده , فقوله : ]مِنَ الْكَافِرِين[أى من الذين كفروا نعمة الله  وغمطوا الخلق . ولسائل أن يسأل من هم الكافرون الذين بلغوا من الكفر مبلغاً صار إبليس منهم ؟ وهو الكافر الذى أضل أكثر الخلق .

والجواب والله أعلم : أن الأرض كانت عامرة بأنواع كثيرة , مثل أنواع الإنسان وغيره , وهى التى  قال فيها الملائكة :]أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء [. لأنهم علموا أن الأرض كان                        .

 

 

 

 

قوله تعالى : وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً.... ( 35 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيها أمم تفعل ما أخبره به وأكثر . هناك من لا يقل كفرهم وعنادهم عن أبليس مثل من أكره الناس على اتخاذه إلهاً من دون اله كفرعون وغيره , فإنهم أفسدوا فى الأرض , وأضلوا الخلق وآذوا الرسل . كذلك فإن المنافقين شر من أبليس , لأن إبليس له لون واحد والمنافق له ألوان كثيرة , والله تعالى  يقول : ]إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ[  أعاذنا الله وإخواننا من الفتن المضلة .

قوله تعالى : وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداًحَيْثُ شِئْتُمَاوَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَالْظَّالِمِينَp35i

يقول جلت قدرته : : نى أنعمت على أبيكم نعماً على أبيكم بلغ بها مجداً وشرفاً وسعادة فى الدارين  ,                       فصلتها لكم فى الآية السالفة . وفى هذه الآية يعلمنا سبحانه وتعالى أنه أنعم على أبينا آدم نعمة جسمانية ,                    بما حباه به من تمتع حسه بجمال الجنة , بالتفضل على جسمه بشهى طعام الجنة , وبالإحسان إلى عقله بتعقل آيات الجنة , وبالمنة على روحه بتلقى الحكمة منه سبحانه وتعالى فى الجنة وهذا والله أعلم معنى قوله تعالى: ]آسْكُنْ أنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ[. يقول جل اسمه ]آسْكُنْ[ولم يقل استقر فى الجنة  ولا ملكتكها، بل قال اسكن من السكون، وهو اللبث والاستقرار فيها زمناً معيناً. فإن فى كل لفظ من ألفاظ القرآن إشارات عجيبة يفهمها أهل الذوق تلد على مراد  الله تعالى أزلا . و( الجنة ) كل مكان  تجمل بالأشجار اليانعة حتى ستر الخارج منه عن الداخل فيه وستر الداخل عن الخارج , وهذا معنى الجنة لغة . فالجنة : بفتح الجيم البستان , والجنة بضم الجيم : الوقاية , أو ما يستر الإنسان به نفسه من غيره  والجنة بكسر الجيم : هو كل ما يَرى ولا يُرى , كما قال جل وعلا : ]إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْحَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ[وكلها بمعنى الستر والاختفاء . قوله : ]آسْكُنْ أنتَ وَزَوْجُكَ[يعين أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة . خلقها سبحانه من ضلع من أضلاعه , فكانت فرعاً منه , وكان أصلها . هذا  هو السر الذى لأجله خلقت من ضلعه ليحصل منه الكون إليها والحب منها له , فإن كل فرع يحب  أصله وكل أصل يحب فرعه , كما يحب الولد والده والوالد ولده فى أصل الفطرة , إلا من خبثت نفوسهم ,  فكانت نفوساً أبليسية فعقوا آباءهم .

من هذا نعلم أن الذين صاغ الله نفوسهم من أصفى الجواهر يحبون الله حباً جماً , لأنه سبحانه هو الذى خلقهم وأوجدهم وأمدهم بكل ما لابد لهم منه وأكمل . وهنا يجب أن نشير إلى شىء من حقيقة  نفس الإنسان , ومنه يذوق أهل الصفا طهوراً من حكمة إيجاده وكيف ينال السعادة

خلق الله آدم من طين العزة المخلوق من نور محمد e, واعلمه أن نفسه الأمارة بالسوء أعدى              .

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عدو له ، وأنه خلقه عليه كاشف بها الراسخين فى العلم . ومن سر تلك الحكمة أن فضله الله على  ملائكته إذا هو فقه سر خلق تلك النفس بعد أن أسجدهم له . وحكمة خلق النفس الأمارة بالسوء أن  يكون الإنسان فى لهيب نار المجاهدة ، لهذا العدو اللدود ، ليفوز بمحاب الله ومراضيه ، وأن الله تعالى   خلقها مفطورة على خواطر وهمم تضاد ما فطرت عليه النفس الملكية الفاضلة ، ولتلك النفس الأمارة بالسوء  جنود وأعوان ، ومن أعظم جنودها الحس فالجسم وغيرها وللنفس الفاضلة الملكية عناية بسابقة الحسنى. أمر الله العبد بقهر تلك النفس الأمارة قهراً يجعله يستخدمها فيما به نيل القرب من الله تعالى فينميها   ولا يهملها ليغضب بها لله على أعدائه ، وينتقم بها لله من أعدائه ويدفع بها الأشرار ، كما يقهر الوحوش الكاسرة فيسخرها الإنسان لأغراضه . قال الإمام التسترى : إن الله تعالى أمر النفس الأمارة  بالسوء أن تلتجىء إليه وتفتقر , بمعنى أنه إن أبدى عليها طاعة قالت أعنى , وإن حركت إلى معصية   قالت اعصمنى , وإن حركت إلى نعمة قالت أوزعنى , وإن قال لها اصبرى على البلاء قالت صبّرنى . وطلب من العبد أنه لا يساكن قبله أدنى وسوسة لها دون الرجوع عنها إلى ربه وجعل طبعا فى الأمر  ساكناً وفى النهى متحركاً وأمره بأن يسكن عن المتحرك ويتحرك عن الساكن بلا حول ولا قوة إلا بالله  أى لا حول له عن معصيته ولا قوة له على طاعته إلا بمعونته , ثم أمر بدخول الجنة والأكل  منها رغدا حيث شاء ونص عليه النهى عن الأكل من الشجرة , فلما دخل الجنة ورأى ما رأى قالت  له النفس الأمارة : لو خلدنا , وإنما لنا أجل مضروب إلى غاية معلومة , فأتاه إبليس من قبل مساكنه قبله بوسوسة نفسه فى ذلك , فقال هى أدلك على شجرة الخلد التى تتمناها فى هذه الدار وهى سبب البقاء والخلود وقال : ]مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ                         الْخَالِدِينَ[  فكانت دلالته هذه غروراً وألحق الله به عز وجل وسوسة العدو لسابق علمه فيه , وبلوغ  تقديره وحكمه العادل عليه – انتهى .

قوله تعالى : ]وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا[  .

أباح له سبحانه بقوله : ]آسْكُنْ [  التمتع فى الجنة بالجلوس والقيام والتنقل فيها , وأباح له سبحانه  ما فيها من الأغذية والأشربة والفاكهة . وقوله ]وَكُلاَ [ليس المراد منه الأمر بل المراد منه الإباحة بدليل قوله ]حَيْثُ شِئْتُمَا[والرغد : هو العيش الواسع الهنىء ولكنه سبحانه حظر عليهما شجرة عينها لهما تعييناً لا يحتاج للشك .

( إشارة ) : ما الحكمة فى إسكانهما الجنة ؟ وفى معصيتهما وإهباطهما إلى الأرض ؟ وما السّر فى إزلال الشيطان إياهما عن الجنة ؟

 

 

 

 

قوله تعالى : وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً  .... ( 35 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسكنهما الله الجنة وهو يعلم أنها ليست دار بقاء لهما الآن , ليشهدهما سبحانه وتعالى ما فيها من النعيم                  والبهجة والهناءة ودوام العافية والصفاء , فإذا أهبطهما إلى الأرض تذكرها , فحنا إليها وشوقا ذريتهما                   إليها . وقدر سبحانه المعصية عليهما ليعلما أنهما اهبطا من دار النعيم والمسرة والبهجة بمعصية واحدة ,           فيخافون أن يحرموا من الرجوع إليها إذا هم وقعوا فى معاص أخرى فى الدنيا . وكيف يطمع رجل أن يدخل الجنة التى أخرج الله منها آدم بمعصية واحدة بعد أن عصى الله تعالى فى الأرض ؟ وحكمة وسوسة أبليس لآدم أن إبليس ما وسوس لآدم إلا بعد أن تحركت النفس الأمارة بالسوء فى وقت كان  يجب عليهما أن تسكن . أمرها الله تعالى بالسكون إليه عند إسباغه سبحانه النعم المتوالية فى الجنة فتحركت. حفظنا اله من شرورها متمنية فى الجنة فاتصل بها مجانسها إبليس وقوى عندها هذا الأمل , فاشتد  طلبها له , فأقسم لآدم وزوجته إن أكلا من هذه الشجرة ينالا البقاء , فكانت الحكمة أن يظهر آدم وزوجته عداوة تلك النفس التى يتصل بها أبليس فيزلهما عما هما فيه , سماء أكانا فى الجنة أم فى غيرها , والعصمة بالله والعناية منه ونيل الخير فى الدنيا والآخرة به سبحانه .

قوله تعالى : ]وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ[.

علمنا أن الله تعالى تفضل فأباح لآدم سكنى الجنة ليتنعم  فيها , بجمال مناظرها ولذيذ نعيمها وطيب                    نسيمها , ويتروح فيها براح المؤانسة بعلى الملكوت , وريحان البهجة بشهود معانى بصفات الظاهر جل جلاله , من حيث لا سبب يحجب المشاهد ولا خوف من فقد مطلوبه , ولا حزن على فوات محبوبه  ولكن الله جل جلاله أمن آدم بُسكنى الجنة متمتعاً بكل ما ابتدعه يد القدرة فيها , لحكمة خفيت عن  العقول السليمة , بل وعن أرواح الملائكة . وسنشرح طرفاً من  تلك الحكمة بعد . ولما كان الأمر بالسكنى لا يقتضى البقاء الأبدى فيها , بل يفيد أن إسكانه فيها تكرمه له ليحيط علماً بجمالها وما فيها من النعيم المقيم لأهلها , فيشتاق إليها إذا فارقها . قدر الله فى أزله أن يكون الأمر والنهى سببين للسعادة والشقاء , وحجتين على سابقة الحسنى أو سابقة السوءى , فإن الله يشرح صدر من سبقت له الحسنى لاجتناب المنهيات والمسارعة إلى المأمورات , ويجعل من سبقت له الحسنى عاجزاً عن إتيان ما نهى الله عنه لفقد الداعى ولفقد من يعينه أو ما يعينه على المعصية . أما من سبقت له السوءى , فإن الله تعالى يستدرجه وييسر له ما به يقع فما نهى عنه , ويترك ما أمر الله به .

وكذلك كان الأمر فى آدم , فإن الله تعالى قدر عليه المعصية ويسر له ما يعنيه عليها من النفس                           الأمارة بالسوء التى تحركت فى طلب الخلود ومن أبليس وسوس إليه بالوقوع فى المعصية وجعل لتلك             .

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المعصية حكمه عليه , أعظمها عاقبة أن الله تعالى أعلم عبادهُ أنه غفور رحيم , يقبل التوبة ممن خالف أمره                      ونهيه وتاب إليه سبحانه – قال تعالى : ]وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ[وليس المارد بالقرب هنا القرب  المكانى , بدليل قوله تعالى :]وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا[بل المراد النهى عن الانتفاع بها بحسب  ما تقضيه مادتها . والنهى شامل أنهما لا يقربانها معاً ولا يقربها كل واحد منهما منفرداً , لأن الله تعالى عين الشجرة بالإشارة إليها , خلافاً لما ظنه بعض المفسرين بأن المراد نوع الشجرة لا الشجرة بعينها دفعاً لنسبة المعصية إلى آدم , وهذا التـأويل لا ينبغى بعد قوله تعالى : ]وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى[  وإنما يؤول  غير الصريح من الأخبار التي تتحمل معاني كثيرة وليس أكثر صراحة من قوله تعالى : ]وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى[ومن تأويل الصريح الذى ليس فيه تلبيس تشبه بإبليس لتـأويله حين امتنع عن السجود , أعوذ بوجه الله الكريم من مخالفة أمره ونهيه , ومن تأويل صريح القرآن ]فَتَكُونَا مِنَالْظَّالِمِينَ[الظلم لغة : هو وضع الشىء فى غير موضعه المناسب له . أما شرعاً : فأكبر الظلم الشرك , ثم اتباع أهل البدع المخالفين للسنة , ثم فثم إلى أن يكون اخف الظلم ترك ما هو أولى من النوافل .

 

قوله تعالى : ]فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِp36i

 

أسند الله تعالى الفعل إلى الشيطان فقال  سبحانه : ]فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا[  مجاراة للعقول التى  تشهد الأسباب قائمة بقيوم , ولكنها لا تشهد الأسباب فاعلة مختارة وإلا كان شركا . وما خاطب الله العقول فى آيات كثيرة يسند فيها الفعل إلى سببه إلا لحكمة غريبة على أهل الحجاب , منها : أن الأدب  مع الله تعالى يقتضى أن لا ينسب إليه مباشرة ما يراه الإنسان قبيحاً فى نظره كما قال الخليل عليه السلام :  ]وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ[بعد قوله : ]يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ[وكما قال الخضر عليه السلام : ]فَأَرَدتُّ  أَنْ أَعِيبَهَا[مع قوله بعد ]فَأَرَادَ رَبُّكَ[- هذه الحكمة يراعيها أهل الأدب الكامل مع الله تعالى . ومنها أن يجاهد المسلم نفسه الأمارة بالسوء من أن تتحرك فى وقت أمره الله تعالى أن تسكن فيه , فيدخل عليها العدو فى حركتها كما دخل على آدم عند ما تمنى الخلود فى الجنة بحركة نفسه الأمارة بالسوء , فإسناد الإزلال إلى الشيطان باعث على دوام يقظة المسلم من نوم الغفلة عن هذا العدو منها قهر أهل الأهواء الذين كثيراً ما يسيئون الأدب فينسون سيء أعمالهم إلى الله تعالى ويتركون التوبة والندم , وكثير منهم من يحتج بالقدر , وهم مجوس هذه الأمة , ولا ينكر القدر إلا كافر , ولا يحتج به بعد الأمر والنهى إلا ضال مضل .

نعم إن الله سبحانه قدر ولكنه أخفى عنك القدر , وإنما فعل العبد ما نهى الله عنه مخالفاً لأوامر                           .

 

قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ.... ( 36 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الله تعالى , جاهلا أنه قدر أو يقدر . وقد يكون للعبد العذر إذا أطلعه الله على أمره المكون , فسارع                                          إليه منفذاً مراد الله تعالى الذى اعلمه به علماً يقينياً على لسان رسول من أولى العزم , أو نبى موحى إليه ,                                  لا بمجرد ظن أو تأويل بدعوى إلهام أو برؤيا منامية أو وجدان عن حال عليه , فإن كل ذلك لا يبيح مخالفة أمر الله تعالى ولا إتيان نواهيه سبحانه  ]فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا  [أى أوقعها فى الزلة بسبب  وسوسته إليهما , فكان سبباً فى إزلالهما عن الجنة , أى تحولهما عنها وإخراجهما منها . يقال زل عن  كذا : أى تحول . والمراد والله أعلم أن الشيطان وسوس لهما فتسبب فى إيقاعهما فى الأكل من الشجرة الذى نهاهما ربهما عنه , فكان عمله أعاذنا الله منه سبباً فى إخراجهما من الجنة بالزلة التى أزلهما بها .

( إشارة ) : سبق لنا أن النفس الأمارة بالسوء من النار فهى مجانسة لإبليس , وهى محل نظر إبليس وسمعة , وأن الروح التى هى اللطيفة الربانية الجوهرة النورانية تجانس ملكوت الله الأعلى وهى محل نظر  الله تعالى , وهى المأمورة بالحركة – أما النفس الأمارة بالسوء فإنها مأمورة بالكون , فإذا تحركت أقل  حركة بلمة أو بهمة أو بخاطر اتصل بها الوسواس الخناس الذى يوسوس فى صدور الناس , فأوقعها فى مخالفة ربها فإن لم يعصمها سبحانه وتعالى أو يتوب عليها هلكت.وأما الروح فحركتها المسارعة إلى مغفرة  من ربها والاعتصام بحبل الله , والتعاون على البر والتقوى , والتفكير فى آلاء الله وآياته الجلية والتشبيه بالملائكة المقربين , وشتان بين حركة الروح وحركة الروح وحركة النفس الأمارة بالسوء . والتوبة  يجب أن تكون عملا بالعقل والجسم والحس بمساعدة الروح الملكية بعناية الله وبتوفيقه – أما عمل الحس فى التوبة فالتباعد عما يسبب حركة النفس الأمارة بالسوء من المناظر والملموسات والمذوقات. وأما عمل الجسم فى التوبة فإذا بة ما نبت من شحم ولحم بسبب الوقوع فيما حرم الله تعالى , بطول الجوع  والعطش والسهر , وأما عمل العقل فتصوير عقوبة الله تعالى والحرمان من النعيم المقيم , بسبب ما أرتكبه من المعصية تصويراً يوجب الحسرة والندم والخوف الشديد , فيما إذا كانت المعصية لا حد لها فى                             القرآن – أما إذا كان لها حد فالواجب على العاصى أن يسارع إلى أن يقيم الحد على نفسه على يد المنفذ           لأحكام الشريعة – أما إذا تساهل الولاة فى إقامة الحدود ,فعلى التائب من يقيم الحدود  لتطهير من نجاسة المعاصى بإقامة الحد عليه – وهذا إن مات مات تائباً حقاً , لأن الله تعالى يأمرنا بقوله :  ]وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[وقد بشرنا الله تعالى فى القرآن أن يقبل التوبةعمن تاب فيما يمكن لا فيما لا يمكن – قال تعالى ]إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُاللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [كما بينت... ]وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ                         .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ[. قدر الله سبحانه وتعالى أن يعمر الأرض بآدم وذريته , وقدر سبحانه أيضاً  أن يجعل أبليس سبباً لخير بنى آدم ولشرهم , وبين سبحانه تلك الحقائق بياناً لا يحتاج إلى دليل لوضوحه  جلياً , وقد أعلمنا جل جلاله أن الشيطان لنا عدو , وأن فى هيكلنا الإنسانى محل وسوسته من حيث لا نعلم وحذرنا من الوقوع فى المسارعة لتنفيذ وسوسته ٍ, وأمرنا بالمجاهدة الفادحة فى دفع وسوسته وما يردعلينا من لممه ودسائسه , ووعدنا سبحانه وتعالى برفعة الدرجات عنده ونيل النعيم المقيم فى دار الخلد مع الأبرار , أو نيل الحب والقرب منه مع الأخبار ٍ , أو نيل مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على  قلب  بشر , مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. كل ذلك وعدنا الله به سبحانه بسبب مجاهدتنا هذا العدو تعظيماً لأمر الله تعالى وإجلالاً لنهيه وهو الفاعل المختار الهادى  المضل – قال سبحانه : ]يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِيمَن يَشَاء[.ولكنه ستر القدر عنا وأخفى غيبه لمصون عن العقول والعيون . فسبحان من لا يعلم قدره غيره ولا يبلغ الواصفون صفته , كما لا يعلم قدَرَه إلا من شاء أن يحيطه بشىء منه .

أظهر الله تعالى ما قدره أزلا فى الصور التى أراد أن تكون بالأسباب التى أقامها الحى القيوم , فأهبط                    آدم وحواء متلبسين بالمعصية ليدخلا حضرة القبول من اله بما يجب أن يدخل به على تلك الحضرة كل           عبد مسلم وهو الذل بسبب المعصية وإنكار القلب لخوف العقوبة , بالتبتل والتضرع والتملق بين يدى الغفور التواب . وتلك هى الجواذب التى تجذب العبد بعناية الله تعالى إلى حضرة قبوله وغفرانه وإحسانه , وكل عبد طلب الدخول على الله بعمله الصالح أو بعمله الواسع أو بنسبه الشريف أو باستحقاقه لما آتاه الله من نعمه وعافية  وجاه . أو بآبائه وأجداده أو بحوله وقوته كذبته الحقائق وردته خاسئاً وحسراً ونادته تلك الحضرة العلية . لا يدخل عليها إلا منكسر القلب خائف وَجِل متبرٌىء من حوله وقوته ذليل الجانب يئس من نفسه , ومن كل نظير له لا يعتمد له لا على الله , ولا يتوكل إلا عليه سبحانه ولا يعبد أحداً سواه , ومن ظن أن نسبه حجة على الله تعالى طرد وهلك ولو كان ابن نوح عليه السلام , أو اعتقد أنه بلغ الولاية الكبرى فامن مكر الله تعالى ونأى بجانبه إلى جانب ما اعتمد عليه قهره الله حتى تنكشف له الحقائق التى هى حقيقة نفسه فيندم ولا تحين مندم. والسالكون الذين سبقت لهم الحسنى هم كما قال تعالى : ]وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا[فأخبر الله عنهم أنهم يبيتون لربهم سجداً وقياماً , وبعد ذلك يقولون : ]رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا[.

أما من اعتمد على علمه وعمله فهذا أبليس لسنا فى معرض الكلام عنه فى هذا الموضوع , لأنه                   .

 

 

قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ.... ( 36 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد الله سبعين ألف سنة كما ورد . ومنح الولاية الكبرى والقرب والمشاهدة كما أخبر الله عنه وكان طاووس        الملائكة وخازن السماء الأولى , فلعنه الله بسبب اعتماده على جوهر نفسه الذى هو من النار وعلى عمله                  الكثير . منحنا الله مشاهد التوحيد العلية , ورزقنا الأدب معه سبحانه بقدرنا . والأدب الكامل معه سبحانه حسن اتباع رسول الله e] اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ[  : هنا أكشف لك الستار عن حقيقة تزن بها كثيراً من الآيات الشريفة المقدسة .

إن الله سبحانه يخاطبنا فى آدم وحواء ويأمرنا فيها كما يخاطب أمم الأنبياء السابقين فينا – فقوله                           تعالى : ] اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ[يريد سبحانه أمرنا فى أبينا آدم وأمنا حواء , فكأنه يقول :  اهبطا أنتما وذريتكما كما يقول سبحانه وتعالى ]يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ[  لمن كانوا فى زمن رسول الله e  من أهل خيبر وقينقاع ولمن بعدهم إلى يوم القيامة , فيقول سبحانه وتعالى : ]يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم  مِّنْ عَدُوِّكُمْ[ويقول تعالى : ]وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى[وكان ذلك فى زمان سيدنا موسى  عليه السلام . ولما كانت نجاة الآباء بها وجود الأبناء فى تلك الدار الدنيا , كانت نجاة لهم أيضاً . وهذا ما يدل على سياق القرآن . فقوله : ]اهْبِطُواْ [  على هذا النمط يدل على ان المراد آدم وذريته , ولا مانع من أن يكون الأمر أيضاً لإبليس والحية التى أدخلته فى الجنة كما ورد فى بعض الأخبار . وإن كان الله تعالى لم يشأ أن يعين الحالة التى دخل بها أبليس الجنة والكيفية التى وسوس بها لآدم وزوجته فيها حتى  أزلهما عن الجنة وهذا علم لا ينفع , والعلم بالكيفية والحال والشأن بها لا يضر .

كما ان ما ورد من الأخبار فى تعيين الشجرة التى أكل منها آدم بعد أن أبهم الله الأمر علينا ولم يبين لنا فيها بياناً , بل ولم يرد فى صحيح الأخبار عن رسول الله eما يعينها حقيقة , فيكون البحث عنها لتعينها بطريق العقل والنقل مما ينفع علمه ولا يضر جهله . لان الله تعالى لو قدر أن فى العلم بها رضاً له عن خلقه لبينها وعينها . والواجب على طالب كشف الحقائق أن يتلقاها عن محدّث أو منه , أو يسلك طريق الرياضة الفادحة لتزكو نفسه , فإذا زكت نفسه جانست العالم الأعلى , فكاشفها بتلك الحقائق   مكاشفة يطمئن بها القلب بعد الإيمان الكامل . وهذا هو طريق السلوك إلى الله تعالى : ]بَعْضُكُمْلِبَعْضٍ عَدُوّ[. العداوة متحققة فيما إذا كان الأمر لآدم وحواء وإبليس والحية ولا تحتاج إلى بيان , فإن عداوتنا لإبليس والحية بديهية , وأما على التأويل الثانى وهو أن الله تعالى يخاطب الذرية فى آدم عليه السلام فإن الأمر محتاج إلى فكر ثم يظهر جلياً , فإنا نرى بنى الإنسان فى هرج ومرج وطمع وحرص  ,   حتى لقد نرى الرجل وزوجته فى خصومات ومشاحنات والرجل وأبناؤه كذلك إلا من منحهم الله جمال          .

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأخلاق ووفقهم لمحابه ومراضيه سبحانه,فإذا اتسع نظرك رأيت المجتمعات العامة والخاصة مفعمة بالحروب      والخصومات والمنازعات للأسباب التى ذكرتها وهى الطمع والحرص والحسد , إذا لو سألت أى مجتمع .                لم تقاتل الآخر ؟ أعليه دين لك أو سلب منك حقاً ؟ أو قتل لك عزيزاً ؟ وأقمت عليه الحجة أن  القتل ظلم عظيم وبلاء كبير لندم وبكى حسرة على سوء عمله . ولكن قدر الله أن يكون بعضنا عدواً  لبعض إلا من عصى الله تعالى من أهل التقوى والصلاح , الذين يعفون عمن ظلمهم ويحسنون إلى من   أساء إليهم , ويصلون من قطعهم , ويؤثرون الغير على أنفسهم , ويحبون فى الله ويبغضون فى الله وهم  أولياء الله الذين آمنوا بالله ورسوله وباليوم الآخر .. ]وَلَكُمْ فِي الأَرْضِمُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ[المستقر محل الإقرار وهو مدة الحياة الكونية والمدة المحدودة للبرزخ  , فإنه المستقر الأخير . وفى قوله : ]مَتَاعٌ إِلَى حِينٍ[  دليل على أن الرجل إذا مات ودفن متع بما تركه وراءه من علم ينتفع به أو  كتب  علمية ألفّها أو أولاد صالحين يدعون له بخير أو صدقة جارية , فإن كل ذلك يكتب فى صحيفته ويعجل    الله له فى قبره من خيراتها وهو المتعة التى أخبرنا الله بها فى قوله : ]وَلَكُمْ فِي الأَرْضِمُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ   إِلَى حِينٍ[ومتاع البيت ما ينتفع به ثم يبلى , وأما الجنة فنعيم لا يبلى .

 

قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَالتَّوَّابُ الرَّحِيمُp37i

 

إن الله تعالى إذا أراد لعبد خيراً شرح صدره وأهّله لنيل هذا الخير . وعلى هذا فيكون ]فَتَلَقَّى آدَمُ [أى شرح الله صدره ومنحه الاستعداد لتلقى كلمات الله بفرح وهمة علية , فلما ألقى الله الكلمات على آدم تلقاها بقبول وأنس , وعلى رواية إسناد التلقى إلى الكلمات يكون تلقت الكلمات آدم , فجائز ن يكون آدم تلقى الكلمات من ربه , وجائز أن يكون آدم تلقته الكلمات من ربه , وعلى كلا لمعنيين فالتوبة لابد وأن تكون من الله على العبد أولا حتى يشرح الله صدر العبد فيتوب إلى الله . والتوبة فى اللغة : والرجوع . فتوبة الله على العبد رجوعه عليه سبحانه بعواطفه وإحسانه وغفرانه ,   وتوبة العبد إلى الله تعالى رجوعه إلى ربه سبحانه بالندم عل ما فرط فى جانبه والعزم على أن لا يعود إلى  معاصيه ,ورد المظالم إلى أهلها وعلامة قبول التوبة أن يحرم العبد وجود اللذة بالمعصية والفرح بعملها ,         وأن يمنح وجود حلاوة الطاعة والفرح بها . والتوبة النصوح : ندم بالقلب واستغفار باللسان وترك بالجوارح , أى ترك المعاصى وإضمار أن لا يعود إليها  0

وأوجب فريضة على المسلم بعد تحصيل العلم النافع هو تحصيل علوم التوبة , لأن التوبة واجبة على  الكل لا يكبر عليها رسول من أولى العزم فضلا عن عامة المسلمين . ومن أهمل التوبة ارتكب شر                .

 

 

قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَالتَّوَّابُ الرَّحِيمُ... ( 37 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكبائر . وكما أن التوبة فريضة على كل مسلم فإن الولاية جائزة لكل مسلم ولو كان من العصاة لأن الولاية فرع من الإيمان , فإذا وهب الله الأصل لعبده بفضله وهو الإيمان ففرعه الولاية يتفضل الله به على كل مسلم إذا شاء سبحانه . ومن ارتكب بجوارحه معاصى الله تعالى وظن أن الله تعالى لا يغفر له كان  ظنه أكبر من كبائر عند الله , فإن الله تعالى خص بمحبته التوابين والمتطهرين , ولم يخبرنا جل جلاله أنه خصها بالطاهرين والعباد والزهاد , وهذا دليل على ان الله تعالى يحب العبد العاصى إذا أقبل على الله نكسر القلب خائفاً وجلا , لأنه عرف قدر نفسه أمام ربه , وتحقق أن اله على عظيم منزه يقبل على من أقبل عليه طامعاً فى غفرانه ورحمته بل ويقبل عليه سبحانه بالحب والإحسان والكرم . ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون , بل لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الخاسرون , وهذه بشرى من الله تعالى لأهل الغفلة والمعاصى مثلى . والواجب علينا مرتكبى معاصى الله أن نسارع إلى التوبة بحقيقتها  ونفرح بفضل الله وبرحمته علينا .. ]فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ[دليل على أن كل  مسلم قد ينجذب إلى التوبة والاستقامة بكلمات يتلقاها بقلبه من ربه من طريق الإلهام أو يسمعها من مرشد كامل نطق بها لسانه من قلبه أو يسمعها من متكلم لا يقصده . فإنا نرى أكثر المقبلين على الله   التوابين إليه سبحانه تلقوا كلمات بإلهام أو برؤيا صالحة أو من رجل تقى عالم أو قراءة آيات من القرآن كما قال تعالى : ]وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًاوَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ  وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[.

فجعل السمع والبصر والفؤاد  وسائل لتحصيل العلم , والله تعالى  يتفضل علينا حتى نتلقى منه سبحانه                      كلمات التوبة كما تلقى آدم من ربه , فإن فى هذه الآية إشارة إلى أن التوبة من الله للعبد أولا , ومن العبد                بفضل الله وإحسانه ثانياً : يقول الله تعالى : ]فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَالتَّوَّابُ الرَّحِيمُ[.

اسمع بأذن قلبك إلى تلك الآية , واسبح بروحك فى رياض القرآن اليانعة , لتقتبس بها أنوار التوحيد- فتلقى آدم من ربه كلمات , تلك الكلمات هى كلمات التوبة عليه من الله تلقاها آدم بحول الله وقوته  من ربه , فالذى ألقى الكلمات ليتلقاها آدم هو الله تعالى والذى وفق آدم لتلقيها هو الله سبحانه والذى  تاب عليه بعد تلقيها هو الله تعالى ثم ختم الآية بقوله : ]إِنَّهُ هُوَالتَّوَّابُ الرَّحِيمُ[الذى يتوب على العبد ويقبل من العبد التوبة ]الرَّحِيمُ[الواسع الرحمة الذى لولا رحمته لما تاب على أحد , فكأنه تاب على العاصى , لأنه تواب لا بد وأن يخلق المعصية وفاعلها ليتجلى باسمه التواب كما أنه هو الرزاق سبحانه  يخلق الرزق والمرزوق ليظهر باسمه الرزاق , وكل هذا الإحسان والفضل برحمته لا لعلة ولا بإكراه جل    .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ربنا وتعالى . ألا بهذا فليفرح المسلمون فنعم الرب ربنا لنا  ,وبئس العبد أنا لنفسى . أسأله سبحانه أن   يعيننا على شكر ما لا يحصى من النعم إنه مجيب الدعاء .

قوله تعالى : ]قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً  [. توكيد للجملة التى قبلها . وإن قال بعض  المفسرين الجملة الأولى أمر بالهبوط إلى سماء الدنيا . والجملة الثانية أمر بالهبوط من سماء الدنيا  إلى الأرض ويرد هذا التفسير قوله فى الآية الأولى : ]وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ ُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ   إِلَى حِينٍ[فإن هذه الآية تدل بصريح البيان أن الهبوط  إلى الأرض ]فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم  مِّنِّي   هُدًى[هنا يسجد العقل لكشف أسرار التوحيد العالية – يقول تعالى ]فَإِمَّا[أتى بإن  الشرطية المدغمة فى ما ليقيم الحجة علينا أنه لا يجب عليه سبحانه شىء , لأنا جميعاً بالنسبة إليه  عبيد مربوبون وعباد مقهورون , فهو سبحانه الهادى الذى يتجلى باسمه الهادى فيؤتى من سبقت  له  الحسنى قسطه من الهدى , ثم بعد أن كشف الستار عن حقيقة التوحيد فى الهدى أثبت لنا عملا لإثبات الأسباب التى أقامها سبحانه بينه وبين خلقه , لا شك فى أن من أتبع هدى الله الذى آتاه يعتقد حق ليقين

أن اتباعه للهدى هو بتوفيق الله تعالى فى عنايته وسابق إرادته الحسنى له , إذا لا حول للعبد عن  معصية الله وقوة له على طاعة الله إلا بالله,ومن آتاه الله الهدى , كيف يعتقد أنه بحوله وقوته اتبع  هدى الله تعالى هذا ما لا يتصوره إلا من لم يتبع هدى الله تعالى ممن لم يحتسب جرعة من صافى شراب التوحيد بصحبة العلماء الربانيين . قال e: ( إن الشيطان ليجرى فى ابن آدم مجرى الدم ) ومن علم أن الشرك ظاهر وخفى سارع إلى تحصيل العلم بالله خوفا من الوقوع فى الشرك الخفى أو الأخفى  وقد كثر الدعاة إلى الأعمال وقبله الجاهلون فتراهم  يصلون كثيراً ويذكرون كثيراً من غير أن يتعلموا شيئاً من علوم التوحيد العالية التى لا ممن أثنى الله عليهم بقوله تعالى : ]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ  الْعُلَمَاء  [أما دعاة الجهالة وعلماء الدنيا خدمة الملوك والأمراء الذين مقصدهم الوظائف والرياسات  فليسوا  من هداة الأمة ولا ممن يزيلون عن القلوب الغمة . والهدى الذى يؤتيه الله تعالى هو بعثة الرسل وإنزال الكتب والنور الذى يجعله فى قلوب أهل الإيمان والبيان الذى بينه ورثة الرسل عليهم الصلاة والسلام  والعقل القابل للفقه عن الله تعالى . ومن الهدى صحبة الأخبار وإلهام الله العبد فى صحوة ومنامة . وهوأنواع كثيرة . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

قوله تعالى : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَp38i

معلوم أن الله تعالى إذا منح العبد هدًى أعانه على أتباعه فقوله ]مِنْ  [اسم شرط وقوله ]اُتَبِعَ [             .

 

 

 

قوله تعالى : قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً... ( 38) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فعل الشرط ]فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون [جملة جواب الشرط والجملة من فعل الشرط وجوابه                 جواب لإن المدمغة فى ما . وقد نفى الله الخوف والحزن عمن اتبع هداه والخوف هو الهم على فقد مطلوب        والحزن هو الهم على محبوب كما قدمنا ومعنى ]لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[أن الله تعالى                           منحهم الفرح والأنس بجميع معانيهما , وكل مطلوباتهم ميسرة لديهم ومحبوبهم مؤانسهم بحسب راتبهم فى الجنان .

قوله تعالى : ]وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَأَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا  خَالِدُونَp39i

هذه الآية الشريفة مقابل ]فَمَن تَبِعَ هُدَايَ[فإن الأمر باطل أو حق , وكأن المعنى والله  أعلم : ومن كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار – وفى قوله : ]أَصْحَابُ النَّارِ  [يعنى الذين تصحبهم  النار أبد الآبدين , وأنهم أصحابها لا يفارقونها , وفى ذلك من شديد التخويف ما فيه . وهنا ألمع لأهل الصفا – نعمة الله عليك أيها السالك بإقامتك فى طاعته ومسارعتك إلى تحصيل العلم النافع , ومحافظتك لى الأدب مع الشريعة المطهرة هى أعظم النعم من الله عليك توجب عليك دوام الشكر والذكر لحضرته  العلية . فاحذر أيها السالك أن تشهد أنك عابد وأن عابد وأن غيرك عاص , أو أنك خير من مرتكبى الكبائر  بعملك فيدخل عليك الشرك من حيث لا تعلم , وتكون قد مننت على الله بعملك , فإن نعمة الهداية والتوفيق خير من العافية والمال والأولاد – أسأل الله لى ولك يا أخى أن يؤدبنا بأدب رسول الله e  وخير المحبوبين الله تعالى من جاهد نفسه فى ذات الله واعتقد أنه مسيء وظالم لنفسه فأدام التوبة والاستغفار  عقب كل عمل صالح وهى سنة رسول الله e, فإنه كان إذا سلم من الصلاة استغفر الله تعالى وهى  إشارة إلى أهل القلوب الذين تذوقوا حلاوة الإيمان .

قال تعالى : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْوَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِبِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِp40i

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى دلائل التوحيد بياناً أسجد العقل والحس بين دلائل النبوة , ثم  شرح  ما أعده من الخير لمن صدق الأنبياء فى الدنيا والآخرة , وما توعد به من كذبهم صلوات الله  وسلامه عليهم من العقوبات , التى منها الحرمان من نيل الخير الذى هو التصديق بالأنبياء وحسن أتباعهم   ورفعة درجات المؤمنين فى الدنيا بالمعرفة والعلم واليقين والشهود , والمسارعة إلى القيام بما عليهم من الحقوق لمن أوجدهم وأمدهم وهداهم واجتباهم , ولما لهم فى الآخرة من المغفرة والرضوان الأكبر ومواجهة                         .                                                                                                                                                                                               ( 14 أسرار – جـ 1 )

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوجه العلى العظيم,وهم على منابر من نور قدام عرش الرحمن أخذ يبين سبحانه وتعالى نشأة الإنسان  الأولى , وما أكرمه الله به من خلقه بيديه , ومن النفخة فيه من روحه . ومن إكرامه بإسجاد الملائكة له  وسكنى الجنة , وشرح لنا حادثة إبليس أعاذنا الله منه وحده لآدم عليه السلام .

ثم كشف لنا عن حقيقة من آياته العظمى وهو أن الله تعالى فتن آدم بإبليس فوقع فى معصية ربه ,  ثم أظهر لنا واسع مغفرته وعميم رحمته بعد أن أدب آدم بإهباطه إلى الأرض فغفر له واجتباه , ليبين لنا حقيقتين الحقيقة الأولى : أنه سبحانه وتعالى يكرم العبد إكراماً يفوق إكرام الله لملائكته , ثم إذا أخطأ خطيئة واحدة أدبه بسلب الإكرام كله , ثم إذا استغفر وتاب غفر له واجتباه وهذه الحقيقة هى حصن الأمن الذى يجعل المؤمن بين خوف لا يقنطه من رحمة الله , وبين رجاء لا يجعله يأمن مكر الله – قال سبحانه ]وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا[. وقال تعالى : ]وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا[وقالجل جلاله : ]َ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِإِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ[وقال عز وجل : ]فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ للّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ[هنا فليفرح العصاة وليخف التقاة : ]يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ[هنا يطيب العقل بريحان البيان وروح التبيان – نادى الله بنى إسرائيل والنداء  بالياء يقتضى قرباً ما بخلاف النداء بَأيَا وبهيَاَ . وأما ما يقتضى القرب المطلق فالمناجاة – و ]إِسْراَ[  عبد . ]ِويلَ[الله وكذلك كل اسم ركب تَركيبا مزجياٌ فهو بمعنى عبد أو خادم أو حبيب أو مراد , كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل  وعزرائيل . والمراد بإسرائيل هنا هو يعقوب عليه السلام .

وقوله تعالى : ]يَا بَنِي[بمعنى يا فروع أو يا من تنسبون إلى يعقوب عليه السلام بالنبوة والمنادى هنا هم معاصرو رسول الله eولم يكونوا فى عصر موسى عليه السلام , ولا شهدوا تلك النعم بأعينهم .                                                              ولكن الله سبحانه أخبرانا أنه أنعم عليهم لأن النعمة على أسلافهم بها نالوا هذا المجد بعد أن اشتركوا فى  النعمة ولم يشتركوا فى البلية التى كانت من فرعون . فهم فى الحقيقة المنعم عليهم . لأن الذى ورث الغنى  نال الخير بلا جهد ولا كد ]اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَالَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ[يذكرهم سبحانه بالنعمة التى خصهم بها زمان موسى عليه السلام لأن نعمة الله على الآباء نعمة على الأبناء , لأن المراد النعمة التى كانت قبل هذا الوقت وهى التى يصح أن يتذكروها لأنهم لا علم لهم بالغيب بالنسبة لما يأتى بعد . وتلك الكلمة فيها إشارة إلى أنهم ممن قدر عليهم الحرمان من اتباع رسول الله e. لأن الله سبحانه وتعالى يتفضل فيهب النعم الروحانية من الحب واليقين الحق والأخلاق والصدق والتوبة والإنابة ثم يتفضل فينسبها إلى من جملة بها من العبيد ويشكره عليها , ويثنى عليه ويبشره بالملك الكبير . وإذا قدر الغضب على أحد             .

 

 

 

قوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْوَأَوْفُواْ بِعَهْدِي.. ( 40) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تفضل عليه بالنعم الكونية وببعثة الرسل , وبإقامة ورثتهم , ثم ختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة                              وذكره بتلك النعم العظمى كما قال الله تعالى : ]يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَالَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ[                       وإنى أعتقد أن أكثر الناس يجهلون أربع حقائق : الخير . واللذة . والسعادة . والنعمة .ولو أنهم علموا  تلك الحقائق لظفروا بها , ولكان الإنسان فى هذه الحياة الدنيا كأنه فى الجنة العالية .

والنعمة التى يذكرها الله تعالى بنى إسرائيل هى بعينها التى يقول الله تعالى عنها : (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) ، والنعمة هى ما يعمله المنعم بها ليكون نفعاً لغيره إحساناً منه .وهنا أشرح لك حقيقة يسعد بها من فقهها ، وهى أن الفاعل المختار المنفرد بالإِيجاد والإمداد هو الله تعالى ، لأن كل منفعة سبقت جودك يتوقف عليها وجودك فى تلك الحياة الدنيا ، كالأرض والهواء والماء والنباتات والحيوانات والمعادن ، وكالسموات وما فيهن من الأفلاك السائرات والثابتات ومن عمارها من الملائكة وأرواح  عاليات .كلها نعم سبقت وجودك فضلا من الله تعالى عليك ، ولولاها لما وجدت ، وهى النعم التى  أوجدها الله تعالى وأهلها لإيجادك فيها ، ولا فضل لأحد عليك فيها إلا الله تعالى .

أما النعم التى وجدت مقارنة لوجودك أو تمتعت بها مدى حياتك الكونية من الضروريات                           والكماليات : كالوالدين اللذين لا تجهل ما قاما به لك فى طفوليتك وبعدها ، وكالصناع الذين أعدوا لك ما يلزمك من الملابس والفرش والمبانى ،وكالتجار الذين جلبوا لك مالا بد لك منه وكالزراع .كل  تلك النعم التى أحاطك الله بها حيث كنت لا حول لك ولا قوة تحقيقاً ، وإن وصلت إليك على أيد عاملة هى الأسباب فإن الذى وضع الرحمة فى قلب والدتك والحنو فى قلب والدك وأعانها على رعايتك  هو الله تعالى والذى أعطى القوة للصناع والتجار والزراع حتى نال والدك ما به حفظ الله وجودك هو الله تعالى – إذن فكل نعمة كانت قبل وجودك أو قارنت وجودك  أو بقيت لك مدة حياتك هى من الله تعالى مباشرة أو بالأواسط التى وضعها الله تعالى . وتمتاز تلك الآية الشريفة التى هى                     ]وَاذْكُرُواْ نِعْمَةاللّهِ عَلَيْكُمْ[بخير للأرواح والأشباح , لأن الله تعالى يذكرهم ببعثة موسى عليه السلام وبما أنزله من الآيات وبما أكرمهم به من المعجزات , كنجاتهم من فرعون وإهلاكه بالغرق , كتظليلهم بالغمام وكرزقهم بالمن والسلوى , وكنبع الماء من الحجر إكراماً لهم .. كل تلك النعم التى تدعو من تذكرها أن يسارع إلى الإسلام والإيمان بما جاء به رسول الله e.

أما قوله تعالى : ]أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ[فهى منه أخرى , لأن الله سبحانه يبين أن تلك النعمة الخاصة بهم دون من سواهم من معاصريهم فى زمن كليم الله عليه السلام . وهنا إشارة : وهى أن الله             .

 

 

 

 ]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

  تعالى حكم بهذه الآية أن ما جاءنا به رسول الله eهو الكمال الذى لم يأت به أحد من الرسل عليهم                 الصلاة والسلام , لأنه يدعو بنى إسرائيل إلى اتباع القرآن والعمل به . وكأنه يقول : لو أن موسى عليه السلام أدرك رسول الله eلاتبعه لأنا نعتقد أن النصارى واليهود اللذين كانوا على ما كان عليه عيسى    وموسى عليهما السلام إذا لم يتبعوا رسول الله eحكم عليهم بالكفر لأنهم بمخالفتهم له عليه الصلاة    والسلام لم يقبلوا من الله تعالى ما أنزله من الهدى , ولأن الله تعالى بشر به فى دعوة إبراهيم عليه السلام , وفى توراة موسى وفى إنجيل عيسى عليهما السلام حتى تمنى الكليم عليه السلام أن يكون من أمة محمد  eوتمنى المسيح عليه السلام أن يحمل حذاءه فى ( إنجيل بر نابا) وبذلك تكون آية  ]أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ[  صريحة فى البشائر به eمن النعم التى توجب عليهم مسارعتهم إلى الإسلام .

وإنا جماعة المسلمين والحمد لله أسعدنا الله تعالى بما كان يتمناه أو لو العزم من الرسل . قال تعالى : ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيوَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [والإكمال والإتمام من الله تعالى حجة لنا , وأن الرسل السابقين عليهم السلام جاءوا للناس بقدر ما تقبل عقولهم ,  ولذلك فمعجزاتهم كانت خوارق للعادات الكونية . ومعجزتة  eالقرآن . وكل رسول من الرسل السابقين ادعى دعوى وجاء بحجة عليها خارجة عن الدعوى.فموسى عليه  السلام : جاء يدعو إلى التوحيد , وتخليص بنى إسرائيل من استعباد فرعون لهم , وحجته العصا واليد , وجاء عيسى عليه السلام يدعو إلى  تلك الحقيقة , وحجته إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص , وكشف ما فى الضمائر . وجاء رسول e: دعواه أنه رسول الله يدعوا إلى التوحيد , وحجته كما قال تعالى : ]يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ َالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ[فجمع الله تعالى  لرسوله صلى الله عليه وسلم الدعوى والحجة فى شىء واحد وهو القرآن المجيد : فالقرآن دعوى وحجة. وكفى بذلك شرفاً أن كل معجزات الرسل كانت غير الدعوى , فبقيت الدعوى وزالت المعجزة . ولذلك ضعف أو انمحى إيمان أممهم عليهم الصلاة والسلام إلا ما جاءنا به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , فإن حجته لا تزال غضة طرية , تحلو كلما كررت ]وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[العهد فى اللغة معلوم وقد بيناه . وهنا المراد من العهد ما بينه الله تعالى للأرواح فى يوم ]أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ[  حيث أشهدنا جماله العلى الذى قدر أن يتجلى به لإيجاد الكون فى إمداده ثم عاهدنا بقوله : ]أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ[ثم وصيته إيانا وأمره لنا بما يحبه سبحانه مما هو خير لنا فى          ديننا ودنيانا وآخرتنا وعنده سبحانه ثم نهيه إيانا عما يكرهه لنا ومنا مما هو كفر به سبحانه وبأنبيائه ,  وما هو مخالفة .

 

 

قوله تعالى : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْوَأَوْفُواْ بِعَهْدِي.. ( 40) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

له فى ديننا وآخرتنا وعنده جل جلاله . وتختص تلك الآية بأمور تقتضيها الحالة فيها .. وتأويلها : ]وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ[الذى عاهدتكم عليه إذا أنتم صدقتم هذا الرسول الأمى ,بأن أضع عنكم ما كان عليكم من الإصر والأغلال التى كانت فى أعناقكم بسبب مخالفتكم لرسلى , وأخذكم بالرأى  والهوى , فإذا وفيتم بعهدى الذى هو الإيمان بمحمد eأخفف عنكم ما كلفتم به بسبب عصيانكم ,  وأتفضل عليكم بالجنة كما وعدتكم .]وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[أى خصونى بالرهبة منى دون غيرى , لأنى أنا     النافع الضار لا شريك لى . والرهبة لغة ( الخشية والتقوى ) والمعنى ارهبوا بطشى بكم إذا أنتم تعديتم  حدودى وكذبتم رسولى , الذى عاهدتكم به على الإيمان إذا ظهر وبشر به رسلى فى كتبهم السابقة ,  وقد ورد فى الفصل التاسع فى السفر الأول من التوراة عن هاجر أم إسماعيل حين لقبها الملك فكلمها . ومن كلامه : أن الله سيكثر زرعك وذريتك وستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه إسماعيل , من أجل أن الله          سمع تبتلك وخشوعك , ويكون عين الناس ويده فوق الجميع , ويد الجميع مبسوطة إليه بالخشوع , وهو  يشكر على رغم  جميع إخوته .

وهذه البشرى هى فى الحقيقة عهد من الله تعالى ولم تتحقق تلك البشرى إلا فى رسول الله e, لأنه عين الناس ويده فوق الجميع , وذلك لأن الله بعثه للناس كافة بشيراً ونذيراً وجعله خاتم الرسل فلا نبى بعده – والرهبة عمل من أعمال القلوب , لأن القلب إذا أشرق فيه نور اليقين الحق نظر بعين اليقين ٍ,  فشهد الغيب المصون الذى هو حقائق ما آمن به من الآيات والتجليات وسر الإيجاد والإمداد , وما فوق   ذلك من سر القدر , وما فوق ذلك من مشاهد التوحيد التى لا تبينها العبارة ولا يومى إليها بإشارة ,  حيث حضرات الأسماء تخطف الأبصار والبصائر , وحيث جمال وجلال وعلىّ المسمى جل جلاله بحضرة  العماء ومقام صعق الأرواح فى حضرة ]لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ[هنا كمال الرهبة   وحقيقةالرغبة وكمالهافى أرواح أولىالعزم من الرسل قال تعالى:]وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ[والرهبة قد تكون من وقوع ما توعد به أومن حرمان ما وعد به ، أومن الحياة منه سبحانه وتعالى -  وهو مقام كمل الرسل ولورثتهم شميم منه ، وفوق ذلك مقام التفريد والاصطفاء وهو خاص برسول الله  صلى الله عليه وسلم .

هذه الآية وإن كان سياقها خاصاً ببنى إسرائيل ، إلا أن أهل العلم بالله الذين أثنى الله عليهم بقوله   ]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء[، تتجلى لهم الحقائق صادقة فى هذا المقام ، فيسمعون مثل هذه  الآيات سماع شهود حتى يكونوا كأنهم يخاطبون بها ، فتذيب الخشية كل حقيقة تقتضى الهوى ، أو تحرك         .

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

  النفس الأمارة إلى ما يحجب الإنسان عن المتكلم جل جلاله . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، لا ينال  بِتمََنِِِّ ولا بِتعََنِِّ .

قوله تعالى:  وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَكَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِp41i

الآية معطوفة على قوله تعالى لبنى إسرائيل : ]اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُم ، ]وَآمِنُواْ[  الواو فى قوله ]وَآمِنُواْ[كناية عن بنى إسرائيل ، والذى أنزله سبحانه وتعالى هو القرآن المجيد بدليل قوله سبحانه ]مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ[أي مصدقاً للتوراة والإنجيل ، ومتى آمنوا بما أنزله عليهم آمنوا   برسوله وحبيبه محمد e، إذ مقتضى الإيمان بما أنزله الله عليه ليبلغهم ، إذ لا يتحقق الإِيمان إلا بالرسول   صلى الله عليه وسلم وبالكتاب فقد صدق القرآن المجيد ما جاء فى الكتب السماوية من الحقائق التى هى  توحيد الله وأمره ونهيه وآداب الرسل المقررة فى سيرهم وسيرتهم ، فإن أسفار التوراة مفعمة بتراجم الرسل عليهم الصلاة والسلام وأحوال الملوك معهم ، وما أصابهم من البلايا فى سبيل الدعوة إلى الحق ، وما أصاب أعداءهم من النقم . كل ذلك صدق القرآن إلا ما غيره أهل الضلال والأهواء من الكهنة والأخبار والرهبان.  ]وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ[معلوم أنه لا يحكم بالكفر على أحد إلا فى حالين – الحالة الأولى : أن يدعى إلى الإيمان بالحجة البالغة فينكر ولا يقبل ، وفى هذه الحالة يكون المنكر كافراً لا محالة ويحكم  عليه بالخلود فى النار أبداً . أما حاله قبل الدعوة ولو كان مجوسياً أو جاحداً أو لاحداً ، فلا يحكم عليه  بالعذاب يوم القيامة لقوله تعالى: ]وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[– الحالة الثانية : أن يكون مؤمناً برسول سابق وأرسل الله بعده رسولا ليبين للناس شرائعه فتمسك بالشريعة التى كان عليها ولم  يقبل من الرسول فإنه يحكم عليه بالكفر خصوصاً إذا كان الرسول الجديد مبيناً اسمه فى كتاب الرسول السابق ، فإن المنكر يكون كذب رسوله السابق وكتاب الله المنزل عليه – وهذا هو موضوع الآية ،  لأن اليهود يزعمون أنهم مؤمنون بموسى عليه السلام ، والتوراة مذكور فيها اسم رسول الله eونسبه  ومحل مولده ودار هجرته وأنه خاتم الرسل ، وأن موسى وعيسى لو أدركاه عليها السلام لما وسعهما  إلا انباعه ، ولأن معاصريه من اليهود كانوا يستفتحون على كفار قريش به eفيقولون قَرُبَ  زمان ظهور النى الأمى وسنقاتلكم معه ، فلما ظهر رسول اللهeقطع قلوبهم الحسد والطمع والحرص ،  أعاذنا الله من أخلاق إبليس ..

والمعنى والله أعلم : ولا تكونوا يابنى إسرائيل أول فريق كافر بالقرآن ، فإنكم بسبب كفركم يكفر                 .

 

قوله تعالى: وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَكَافِرٍ بِهِ... ( 41 ) البقرة         ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  من بعدكم من بنى إسرائيل فتحملون إثمكم وإثم من بعدكم بسبب أولويتكم فى الكفر . ولا يمنع من هذه الأولوية أولوية  كفر من كفر بمكة من العرب . إذ كفر بنى إسرائيل أشد من كفر العرب بمكة  الذين لم تنزل عليهم كتب ، ولم تبلغهم دعوة من زمان إسماعيل عليه السلام .. ]وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِيثَمَناً قَلِيلاً[: معلوم أن الحق أخفى عن العيون والعقول أسراره العلية ليظهر سر قدره علينا من إكرامه  بسابقة الحسنى ، وإهانة من قدر إهانته ، فكان ما ستره من الغيب المصون عن العقول والعيون بلاء  من الله تعالى ابتلى به خلفه ، ليصدق الرسل بمجرد الخبر عن الغيب من صاغ الله روحه من نور جمال , مثل أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم , وليكذب الرسل من خلقت نفسه من سجين , كمن  حاربوا رسول الله eمن كفار قريش , حتى لو أن أهل النفوس الأمارة بالسوء صدقوا الرسل  بألسنتهم لقهرهم خبث نفوسهم على النفاق أو على الصد عن سبيل الله , كما فعل اليهود مع رسول الله  eخصوصاً كهنتهم , مثل كعب بن الأشرف وحيى بن الخطاب وأمثالها , الذين كانوا يأخذون الرشاء من أغنياء اليهود ثمناً للإضلال بإنكار ما ورد فى التوراة من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكانوا  يعطون الأحبار أموالا يستعينون بها على إضلالهم , والمشترى أعطى ماله واشترى به سلعة , والبائع أعطى  سلعة واشترى بها مالا فالمشترى هو البائع . والبائع هو المشترى بحسب اللغة . وكل ما ناله المضل وإن  كثر فهو قليل جداً فى جانب ما أضاعه من رضوان الله تعالى ومن الفوز بالنعيم المقيم فى الآخرة . ]وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ[: معلوم أن الرهبة هى الخوف من ملابسة ما يوجب العذاب . وأما النجوى فطلب النجاة بعد الوقوع فيما يوجب الانتقام فكأنه هنا  ]وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ[, أى تداركوا أنفسكم فقد وقعتم فى هوة الانتقام وحضيض اللعنة والخزى بإضلالكم خَلْقى , فارجعوا إلى تصديق رسولى واعترفوا بتكذيب أنفسكم قبل أن يحل العذاب . هذا وإن كانت الآية هنا خاصة فى اللفظ إلا أنها عامة فى المعنى , فإن كل عالم من العلماء يبيع الآخرة بالدنيا بمعنى أنه يرضى الأغنياء.وأصحاب السلطة بما يغضب الله تعالى , فإنه داخل فى ذه الآية مع اليهود وربما كان الانتقام منه أشد وأنكى فليعتبر أهل الأطماع قبل نزول النقمة , فإنه تعالى يقول : ]وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ[أما المدارة لنجاة النفس من فادح                       الخطب أو النجاة بعض المسلمين فإنها سنة .

قوله تعالى : وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْتَعْلَمُونَp42i

إن الناس بحسب التقسيم العقلى أربعة أنواع : مؤمن بقلبه ولسانه , وهو الولى الكامل , ومؤمن  بقلبه كافر بلسانه , وهو المسلم البصير المدارى فى وقت الفزع الأكبر . قال تعالى : ]إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ          .

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَان[وكافر بقلبه مؤمن بلسانه وهو المنافق أعاذنا الله منه . قال تعالى :]يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ[. وكافر بقلبه ولسانه , وهو العدو المجاهر , وإن  كان ضرره على   المسلمين أقل من ضرر المنافق,لأن العدو المجاهر يحتاط المسلمين منه . فقوله : ]وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ[مخاطبة للكفار بقلبه ولسانه . وقوله تعالى : ]وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [الآية . مخاطبة  لأهل النفاق , والناس فى مقام الدعوة قسمان : قسم قابل للبرهان على علم بشىء من الدعوة , فالمنافق  يخلط له الحق بالباطل حتى يشوش عليه ويموه الحجة , والبرهان ويجعله متردداً فى الأمر . والقسم الثانى : يجهل حجج الدعوة وبراهينها ويقبلها إذا بينت له . والمنافقون يكتمون عنه تلك الحجج والبراهين , ويظهرون له الباطل بحجج باطلة عناداً للحق وطمعاً فى نيل ما يفنى من متاع الدنيا , ومن سيادة أو رياسة أو شهرة أو المال , واللبس هو الخلط  والمزج , وهو هنا الإغواء والإضلال بأساليب تقتضيها دعوتهم إلى  الباطل , وحسب اقتداء كل فريق ممن يدعونهم إلى الكفر بالله ورسوله . وهؤلاء المضلون من الكهنة     والأحبار يعملون ما أنزله تعالى فى التوراة والإنجيل على موسى وعيسى عليهما السلام من أمر سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم , ولكنهم سبق عليهم القدر , فشوشوا تلك الآيات وحرفوها وأولوها إلى ما تهواه  نفوسهم الإبليسية , وكما أول إبليس عند السجود لآدم بقوله : ]أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ  مِن طِينٍ[فكان إبليس إمامهم فى هذا .

فكيف لا وهم يعلمون الحق ويدعون الناس إلى الباطل . وكان من علم الحق وأغواه إبليس أو الطمع فى    غير مطمع فأوله إلى نيل مشتهياته,وكان من هؤلاء فيما توعدهم الله به , فليتق الله من حصلوا علم الأحكام , ونصبوا أنفسهم للحكم والقضاء وتعليم المسلمين أمور دينهم , فباعوا الدين بقليل من المال يفنى , وأعانوا  أهل الأهواء ولم يضحوا بما نزل فى سبيل نصح العظماء والأغنياء وأهل السلطة .

تقرر معنى قوله تعالى : ]ولاَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْتَعْلَمُون[كما بينا قبل من أن كتمان الحق                                   يكون على الجاهلين بالآيات التى أنزلها الله فى التوراة , منبئة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأنه خاتم         الرسل . ومن كتم حقاً معلوماً ليصد عباد الله عنه كان أشد عذاباً يوم القيامة . وإذا نظرت بعين  الفكرة إلى رجال وقفوا فى وجوه أهل الباطل غير هيٌا بين ولا وَجِلِين لما يتهددونهم به , لعلمت حق العلم مقدار الإيمان فى قلوبهم , كما فعل سحرة فرعون , وكما فعل كثير من المسلمين فى كل قرن . وهذا   سر ستر الغيب المصون عن العيون لينال المسلم أجراً عظيماً بقوة إيمانه بالغيب , وبصبره على الشدائد الفادحة فى سبيل إعلاء الحق الباطل وهؤلاء هم أبدال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم اللذين جملهم                     .

 

 

قوله تعالى : وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ... ( 43 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الله بجمال الصديقين من خيرة خلفه .

قوله تعالى : وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَp43i

 

بين الله تعالى لبنى إسرائيل ما يجب عليهم من الإيمان وما يحرم من لبس الحق بالباطل وما يوقعهم   فى مقيت الله وغضبه عليهم من كتمان الحق بأساليب الخديعة ثم أمرهم سبحانه بإقامة الصلاة وإيتاء   الزكاة والركوع مع جماعة المسلمين .وهذا الأمر خاص بينى إسرائيل . وهذه الآية الشريفة إجمال سبقه التفصيل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل أصحابه الكرام رضوان الله عليهم . وقد سبق بيان إقام الصلاة وإيتاء الزكاة فى تفسير أول سورة البقرة . وهنا يظهر أن صلاة الجماعة قد تبلغ العبد مقام  الفردية لمن لا يمنعه عنها مانع شرعى لقوله سبحانه ]وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ[.

 

قوله تعالى  أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَالْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَp44i                          

 

شنع الله على بنى إسرائيل فى هذه الآية الشريفة ، لأن الهمزة هنا للتقرير والآية للتقريع والتشنيع                وأمراهم كله عجب. فإن يهود تهامة وجنوب الحجاز كانوا كلما رأواشدة من العرب قالوا لهم سيبعث رسول     منكم يأتيكم بالحق وننصره عليكم،وكانوا إذا جاءهم العرب يسألونهم عن أمره صلى الله عليهم وسلم قالوا لهم إنه رسول أخر الزمان ، وسينصره الله على الدين كله كما هو مبين بالتوراة . فلما انتشر أمر رسول الله   eحسدوه. وخافوا على ما كان يجبى إليهم من هدايا اليهود وصدقاتهم ، فلم يسارعوا إلى الإيمان  فشنع الله عليهم بقوله : ]أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ[باتباع رسولي . ]وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ[التى هى أولى   بأن تأمروها بالإيمان بى وبرسولى الذى بينت صفاته فى كتبى السابقة لديكم ، والنسيان قد يكون عن سهو وعمل بغير حق وقد يكون بطريق المجاز عن عناد وحسد يؤديان إلى غمط الحق والكفر به    سبحانه . وهذا شأن من ختم الله على قلوبهم من اليهود وممن سبق لهم العلم مما بينه الله تعالى فى كتبه  المقدسة . ]أَفَلاَ تَعْقِلُونَ[الآية للتعجب من اليهود الذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن  أعمالهم تجعل أهل العقل ينكرون عليهم ويحكمون بحرمانهم من العقول ، وذلك لأن الإنسان العاقل  يحرص على الخير لنفسه أولا وبالذات ، فإذا زاد عنها منح الأقرب فالأقرب ، فإذا أعطى ما لديه من                    الخير لغيرة وحرم نفسه حكم عليه بالسفه ومنع من التصرف ، ولا خير أفضل أو كمل من الأمر بالمعروف     والنهى عن المنكر . ومن أمر غيره ونهاه ولم يأمر نفسه أقام الحجة على أنه انحط عن الرتبة الحيوانية إلى        أسفل منه ولهذا يقول سبحانه : ]أَفَلاَ تَعْقِلُونَ[.

                                                                                     ( 15 أسرار – جـ 1 )    

 

]أسرار القرآن[

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والظاهر أن أهل الجاهلية الذين تقصر بهم هممهم عن نيل الخيرات الكونية بطرقها الشرعية المعقولة ، يجلبونها إليهم بالخديعة والختل ، ويسلبون عقول البسطاء من كل فريق ، طمعاً فى نيل حطام الدنيا ، ويظاهرون بأنهم يعلمون الغيب والشهادة ، فيجذبون القلوب إليهم بما يلائم كل قوم ، لأنهم   فرحوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، ولم يبلغ بهم صفاء جواهر نفوسهم إلى علم اليقين ، ولا همهم إلى جلب ما يلائمهم من وجوهه المشروعة ، وهم كثير فى كل زمان . منهم فى عصر رسول الله صلى  الله عليه وسلم أكثر أحبار اليهود . وهذه الآية أذابت قلوب أهل التقوى حتى جعلتهم يحتاطون فى  تصريف نواياهم عند الدعوة أو الإرشاد . وكل قائم هذا المقام يجب عليه أن يتحفظ من نسيان يوم الحساب ، وأن يتجرد من الحظ والهوى ومن كل ما يلائم نفسه الأمارة بالسوء ، من حب الشهوة واللذة             البدنية ، وتنفيذ الكلمة والتسيطر على العامة لنيل مشتهياته . وتلك الآية وإن كانت خاصة   ببنى إسرائيل إلا أنها تعلمنا أن التشبه بهؤلاء  يوجب الحكم على المتشبه بهم : والعجب يكون أشد إذا كان هذا الأمر يحصل من أهل العلم بالكتاب ، لأنه يكون عناداً وكفراً بالله . قال تعالى : ]وَأَنتُمْ  تَتْلُونَ الْكِتَابَ[.

قوله تعالى : ]وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَة[الصبر : منع النفس محابها وكفها عن هواها ، ويجمل عند أهل الشهود من العارفين وعند أهل العلم لكرامة أنفسهم وتطهرها من العيون والنقائص ، ولذلك فإن الله تعالى مع الصابرين ، لأنه جملهم بمعنى اسم من أسمائه . والصلاة معلومة شرعاً ولغة ، وتقدم الكلام عليها والأمر لبنى إسرائيل . وإن ظن بعض العلماء أن المخاطب بهذه الآية هم أهل الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يكلف بالاستعانة بالصبر والصلاة إلا أهل الإيمان ، ولكن الله تعالى كأنه يقول لبنى إسرائيل بعد أن ذكرهم بالنعم التى أنعمها عليهم ، وطالبهم بالإيمان والقيام بفروعه لا يحزنكم ما يضيع منكم من سيادة وأموال تجبى إليكم وشهرة ، إذا أنتم آمنتم بما تجدونه فى كتبكم ،  واستعينوا على أنفسكم الأمارة بالسوء النازعة إلى الطمع فى الحياة الدنيا وزينتها بالصوم والصلاة ، اللذين تطمئن بهما القلوب ، فنشرق على الغيب المصون . وكون الآية خاصة ببنى إسرائيل لا يمنع من أنها تكون ترويحاً لروح المؤمن إذا نازعته نفسه الأمارة بالسوء ، ومالت إلى مخالفة الشريعة والشهوة  أو الطمع – والاستعانة معلومة .

وهنا يظهر أن المعين فى الحقيقة هو الله تعالى ، والوسيلة العظمى فى نيل مرضاته هو الصوم والصلاة ،   وذلك لا ينافى التوحيد . لأن الله وضع الأسباب وجعلها أواسط بين خلقه ليشهدهم عجائب قدرته وبدائع               .

 

 

 

 

قوله تعالى : وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ... ( 45 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكمته . وكل عبد مؤمن يعتقد أن الأوسط أقامها الله أسباباً عاملة مختارة . وإذا فلا يكون مخالفاً للشريعة          من يقول : أستعين بالعالم ، أو بالحاكم ،أوبالمال ، أو بالعمل الصالح ، والأدعية الصالحة ، إذا كان معتقداً أن الأسباب أقامها الله ، وأن الفاعل المختار هو سبحانه ، لأن الله تعالى جمع الخلق والرزق والإحياء   والإماتة فى عقد واحد وهو الخلاق الرزاق المحيى المميت. فلو قال العالم بالتوحيد خلقتنى أمى بمعنى ولدتنى  أورزقني أبى بمعنى أطعمنى وكسانى . أو أحيانى فلان بمعنى أجرى الله الخبر على يده . أو أمات فلان فلانا بمعنى أنه ضربه بالسيف . كل ذلك لا يخالف التوحيد فى شىء ، لأن نسبة الأعمال إلى الأسباب والأواسط القائمة مع اعتقاد أن الفاعل هو الله واسع فى الشريعة .

ٍقال تعالى : وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌإِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَp45i

تقدم شرح قوله تعالى : ]وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ[ولكنا هنا نروح الأرواح بشميم سر هذه  الآية الشريفة بعد بيان الآية ]بِالصَّبْرِ[، الصبر هنا هو الجهاد الأكبر فى ذات الله كما قال e: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس ) فالصبر يجمل والصلاة توصل . وما ألذ قوله تعالى : ]إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[الصلاة : هى الصلة بين العبد وربه ، هى من المعرفة التى هى نور النفس المشرق فى تجويف القلب الذى يجعل العبد مسارعاً إلى محاب الله ومراضيه ، كما أن ترك الصلاة ناتج من الجهل ، لأن نار النفس الأمارة بالسوء تملأ تجويف القلب ظلمة ودخاناً فتجعل العبد مسارعاً إلى مساخط الله تعالى وما يوجب مقته سبحانه . ولا ترى مصلياً خاشعاً فى صلاته إلا بعد أن  تقوى رابطة الصلة بينه وبين ربه تقوية تجعله إذا قال ( الله أكبر ) انمحى ما بين السماء والأرض حتى لا تقع عين روحه على شىء إلا ويرى وجه الله تعالى كما قال سبحانه ]فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ[.  (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) معناها والله أعلم بمراده . وإنها لشاقة ثقيلة على غير الخاشع ولم يقل   إلا على المؤمنين لأن كثيراً من المؤمنين يصلون صلاة لا ترفع ، لأن لهم قلوباً لم تخشع ، والخشوع مقام  من مقامات أهل اليقين فوق الإيمان . وخشوع الرمل هبوطه وتماسكه ، وكذلك خشوع القلب هبوطه وانكساره أمام عظمة وكبرياء الحق جلاله .

وفى هذه الآية الشريفة غوامض أسرار لا يتذوقها إلا أهل المعرفة بالله ، لأن قوله تعالى : ]وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ[تبين أن غير الخاشع يجاهد فى الصلوات جهاداً يرفع الدرجات كما قال تعالى : ]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[وكما ورد فى الأثر : ( الأجر على قدر المشقة)ولكن من فهم ذلك فهم خطأ ، فإن المشقة قد تكون على الأبدان أو على الأرواح ، فالمشقة على الأبدان                   .

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 شأن المنافقين الذين قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ، والثقل على الأرواح يكون بمجاهدة الروح فى أن تتقى الله حق تقاته ، وذلك متعسر فيحص لها من الخشية والرهبة والخشوع مالا تقوى الأرواح والأشباح  على حمله ، وليس هذا مراداً هنا. والمراد هنا ثقل المسارعة إلى تأدية الصلاة بشروطها وسننها ومراقبتها فى أوقاتها . ولا يكون كذلك إلا من مسلم جاهل بنفسه وبربه ومن منافق مراء ثم بين سبحانه وتعالى صفات الخاشعين بقول:

ٍقال تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْإِلَيْهِ رَاجِعُونَp46i

 

والظن هنا بمعنى العلم ، لأنه ذكر فى مقام المدح والثناء ، فناسب أن يكون بمعنى يعلمون علماً  مؤيداًُ باليقين أنهم ملاقو ربهم ، أى أنهم مواجهونه بحسب مقاماتهم : فمنهم من يرى جماله العلى فى فردوسه الأعلى . ومنهم من يرى نوره الجلى البهى فى مقعد صدق . ومنهم من يرى ضياءه الأكبر فى جوار النبيين والصديقين . ومنهم من ينظر إلى ربه فى حظائر قدسه . أما المختلفون فى تأويل هذه الآية   فقد نظروا إليها بعيون الخائف على الله تعالى من الجسمية والجهة . وكان الأولى بهم أن يخافوا من الله  تعالى بعد كمال تنزيهه عما لا يليق بكماله العلى،ثم يسلمون تسليما بما أنزله سبحانه مفوضين الأمر إليه فى  حقيقة كلامه تعالى . وما على المسلم إلا أن يعتقد أن الله جعل له عيناً فى رأسه تبصر المحسوسات ، وعيناً    فى عقله خواص المادة،وعيناً فى روحه تبصر ما فوق المادة ،وأن يعتقد أنه قادر يتفضل علينا يوم القيامة فيهب لنا نوراً نبصر به جمال وجهه تقدست ذاته وتنزهت صفاته ، فنرى ولا ندرك الكنه ،  والرؤية شىء والإدراك شىء آخر ، لأنا نرى أشياء كثيرة يستحيل علينا إدراكها من كل أنحائها ، بل ونعتقد فى وجود حقائق كثير يتعسر علينا إدراكها أو رؤيتها : كالشيطان والجن والكهرباء والنفس أشباها . ولو فقهوا قوله تعالى : ]  وَأَنَّهُمْإِلَيْهِ رَاجِعُونَ[لفهموا أن لقاء الله غير الرجوع إليه سبحانه , وإن الرجوع كمال التحقيق بتفريده بالألوهية سبحانه , بعد أن كانوا فى الدنيا يعتمدون على أنفسهم  وأموالهم  وأولادهم وأملاكهم , ويتوكلون على أهل الجاه والسلطة والقوة من العبيد جهلا منهم بأنفسهم وبربهم .

قوله تعالى : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْوَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَp47i

يذكر أهل عصر رسول الله eما تفضل به على أسلافهم من النعم التى ذكرها فى الآيات السابقة , ومن أنه سبحانه فضلهم على أهل عصرهم فى زمان رسلهم عليهم الصلاة والسلام , وفيما  بينه فى كتبهم السابقة من ذكر رسول الله eوبيان مولده وهجرته , وما يلاقيه من العرب فى زمانه         .         

قوله تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْإِلَيْهِ رَاجِعُونَ... ( 46 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليتذكروا ويعتنقوا الإسلام , ويكونوا أول أنصار رسول الله eلسابق علمهم بالخير الصادق .

 

قوله تعالى : وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُمِنْهَا  شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَp48i

 

التقوى محصورة فى أربعة أنواع : وهى تقوى اليوم . قال تعالى : ]وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِإِلَىالله[وتقوى الرب . قال تعالى : ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ[. تقوى النار لقوله سبحانه : ]فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ[وتقوى الله . قال تعالى : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ  اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ[  ولكل نوع منها مقام من مقامات اليقين قد فصلنا فى كتاب ( أصول الوصول ) عند  شرح مقامات اليقين – والتقوى هى الخوف الشديد الذى يجعل الإنسان  يتحفظ من الوقوع فى المهالك المستقبلة المتحققة . واليوم لا يتقى وإنما يتقى ما يكون فيه من الشئون الهائلة التى لا قبل للإنسان بها .

وقد ذكر بعض تلك الشئون التى تقشعر منها جلود أهل الإيمان فقال سبحانه : ]يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً[أى لا يقبل الله تعالى من العبد بدلا , بل ولا ترى إنساناً يرحم ولداً ولا والداً والدةً لشدة   هول ذلك اليوم . وإنا لنرى الأم والأب عند الفزع يفران تاركين أولادهما فى الفرق أو الحرق فكيف  يكون الحال عند فزع هذا اليوم . لا شك أن الإنسان تنقطع عنه جميع العلائق لشدة فزعه . ]وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ[الشفيع معلوم لغة , وعدم قبول الشفاعة فى هذه الآية مراد به بنى إسرائيل الذين كفروا  بما جاء به رسول الله, وإن كان عدم القبول خاصاً ببنى إسرائيل , إلا أنه عام فى كل من مات  على غير الإيمان – قال تعالى : ] فَمَا تنفعهم شفاعة الشافعين  [أى الكفار .

أما شفاعة سيدنا محمد eفى أمته فالإيمان بها واجب . كيف لا وقد قال تعالى : ]وَلَسَوْفَ  يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [والإيمان بقبول الشفاعة للمذنبين من المسلمين لا يختلف فيه إلا ضعفاء الإيمان , ممن يحكمون بحظهم وهواهم على الغيب المصون , ويتصورون أن فضل الله تعالى كفضل خلقه , وأن العصاة أضروا ربهم تنزه وتعالى عن أن تضره المعاصي وإن كثرت , أو تنفعه الطاعات وإن جلت .

وهو سبحانه الضار النافع . قال تعالى : ]وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[ودليلنا على أن الآية خاصة ببنى إسرائيل قوله تعالى :]إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[. وقد وردت السنة المطهرة بإثبات الشفاعة حتى من لإخوان . قال e( أكثروا من الإخوان فإن لكل أخ شفاعة يوم القيامة ) . ومن فقه معنى  قوله تعالى : ]عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا[آمن بالشفاعة , لأن المقام المحمود ليس مراداً به مكان يقيم به eإنما هو شأن من الشئون الإلهية , يصيره الله تعالى كمالا لرسول الله e,                   .

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ                         

  ويشهده الخلائق منه , فتلهج ألسنتهم بحمده eلما يتفضل به على الخلائق من الرحمة والمغفرة بشفاعته          صلوات الله وسلامه عليه : )وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) أي لا يقبل منها فدية ولو بملء الأرض ذهباً                                                               وهذه نهاية التوبيخ للكفار والمنافقين , لأن العقل لا يتصور أن إنساناً يوم الحساب يملك شيئاً , لأن العلم كله يكونون حفاة عراة غرلا , بل ويكون الرسل فى هذا اليوم فى نهاية الفرع الأكبر , لأنهم يسألون يوم القيامة أمام الله تعالى عن سيرتهم فى الدعوة إلى الله تعالى , ويكونون من شهداء على الأمم ,هم  أعلم الناس بالله تعالى وبعظمته وكبريائه , قال سبحانه وتعالى : ]لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ[وإذا  كانوا لا يملكون شيئاً فسياق الآية وإنذار لهم لتقوم عليهم الحجة البالغة , يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ومن سبقت لهم الحسنى سارعوا إلى التوبة طامعين فى قبول الله  إياهم والله يقبل التوبة عن عباده . قوله ]وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ[النصر هو جلب الخيرات ودفع المضرات والمعنى أن من مات لا يؤمن بالله ولا برسول الله eلا يجد له يوم القيامة من يجلب له خير الثواب             ويدفع عنه شر العقاب إن لم يوفقه الله تعالى فى الدنيا للإيمان وللتوبة والإقبال على الله بإخلاص.

قوله تعالى : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ  وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّنرَّبِّكُمْ عَظِيمٌp49i

ذكر الله بنى إسرائيل بسوابغ نعماه وعميم عطاياه للأرواح والأشباح بعبارة أجمل فيها سوابغ النعم , ثم فصل جل جلاله بعض عظائم هذا الإحسان الشامل وعطف هذا التفصيل على ما قبله كأنه تعالى يقول : واذكروا ]وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم[ من عدوكم وهنا نحسن الإشارة .

اعلم أن الله تعالى يمنح الفضل بالمزيد ويفضل بعد هذا الفضل بما هو أعظم من التفضيل , وذلك  بأن ينسب إلى العبد العمل كأنه يحول العبد وقوته , ثم يتنزل جل جلاله ويمنح الفضل الأكبر والخير لأجمل للعبد ويبين أنه جزاء للعبد ويمنحه مزيد الإحسان جزاءً له على هذا العمل , وليس للعبد فى الحقيقة  عمل وإنما هو المتفضل العظيم . قال تعالى: ]لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ[وقال تعالى : ]بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[. فى طى تلك الإشارات العلية كمال حبور العارفين بالله حيث انكشفت لهم الجب عن إحسان تعجز لأرواح أن تدرك غيب الحكمة فيه , ولكنه سبحانه ذو الفضل العظيم , وما منّ ربك على قوم بعطاء أسبغه أو بنعمة أفضلها إلا وقد سبق فى قدره إقامة الحجة عليهم , حفظنا الله وإخواننا المؤمنين من سوء الأدب مع الله تعالى .

يذكر سبحانه بنى إسرائيل بما انعم عليهم , وإن كانت المنن على سلفهم الأول , ليقيم عليهم                  .

 

 

 

 

قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ... ( 49 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحجة أن الفضل عللى السلف هو الفضل على الخلف , لأنه لو لم يتفضل بتلك النعم لأبادهم  فرعون وقومه , ولما بقى لهم أثر يذكر . فكان الفضل على سلف بنى إسرائيل من معاصرى موسى عليه السلام فضلا على خلفهم من معاصرى رسول الله e, وليقيم البرهان على صدق حبيبه ومصطفاه  صلى الله عليه وسلم , لأنه كان أمٌياً بين أميين , لا علم لهم بأنبياء القرون المتقدمة . وقد بين لهم ما هو علم يقين لديهم مما لا يعلمه عربى فى أرض الحجاز جميعه , وليعلمهم سبحانه أن اتباع الرسول eنجاة  لهم فى الدنيا والآخرة كما كان نجاة لسلفهم , وأنهم إن لم يؤمنوا يهلكهم الله تعالى بجند من جنوده  وما يعلم جنود ربك إلا هو  .

وفوق تلك الإشارة أن نجاتهم من فرعون وقومه مع فاقتهم وقلتهم برهان على تفريد الله تعالى  بالقوة وعلى أنه هو القاهر فوق عباده لتلحظ عقولهم قدرته وباهر معجزات رسوله عليه الصلاة  والسلام غيباً ينقش به على جواهر نفوسهم علم ضرورى بوحدانية الله تعالى , ونزاهته عن المثيل والنظير  وتقديسه عن الآلات والأدوات أو الحلول والجسمية , ولكن الله تعالى خص نبيه محمداً  eبهذا  الفضل من العلم به , فكان حصناً من حصون الأمن لجميع المسلمين من الجهل بالكمال الإلهى , فلم تر مسلماً باشر نور القرآن سويداء قلبه ويرى العرش  وما حوى مُحدَثاً مخلوقاً مقهوراً مربوباً لا يمثل  ربه بخلقه ولا يمثله بعباده , بخلاف ما جاء به الرسل قبله عليهم الصلاة والسلام , فإن معجزاتهم كانت عملية محسوسة كإحياء الموتى وفلق البحر والنجاة على سفين والحفظ من النار , فإن تلك المعجزات

 ما لبثت ان زالت عن الحس وعن القلب فصارت أحاديث تجعل من يسمعها يعتقد بوبية من قام بها , كما فعل النصارى أتباع عيسى عليه السلام , وكما فعل اليهود أتباع العزيز , وكما فعل اليهود أتباع موسى عليه السلام فى عصره . فاللهم اجز سيدنا ومولانا محمداً صلى الله عليه وسلم عنا خير الجزاء , فإنك أرسلته بالعلم الذى رفع قلوبنا عن الشرك وبالعمل الذى نفعنا به عندك , وأعنا اللهم على شكرك على نعمة الإسلام وعلمنا مل لم نكن تعلم إنك أنت العليم الخبير .

 قول الله تعالى : ]مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ[ولم يكن لآل فرعون ذنب فى العلم , لأنهم أقدموا عليه بأمر فرعون وتسليطه , ولكنه سبحانه نسبه إلى آل فرعون الذين باشروا قتل الأنفس البريئة , ليدل عل أن المباشر يؤاخذ على عمله , ولو كان مكلفاً به من غيره , وكيف لا وفرعون لو لم يطعه هؤلاء الخبثاء النفوس , لما دعاه الغرور إلى ارتكاب تلك الجرائم الشنيعة , وكم أهلك الجهلاء ملوكاً وزعماء ,  لانقيادهم لتنفيذ أوامرهم التى لا يقبلها إنسان بمعناه , بل وكم أهلك زعماء الأمم أمماً بسبب جهالتهم  ولاعتقادهم فى الزعيم أنه معصوم أو أنه إله , فيسارعون إلى تنفيذ هواه وحظه , لا لخير ينالونه ولا لتوقع  .

 

 

]أسرار القرآن[

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شريد رأونه , والمُثُل  ماثلة أمام أعيننا فى زماننا هذا , فإنا نرى بعض الزعماء تدعوهم  محبة أشخاصهم إلى خدمة غير المسلمين محاربة لله ورسوله ولإخوتهم المسلمين , فيفتحون أبواب الشر على  الأمة , ليتمكن العدو منها بعد ضعفها , كما وقع السودان مصر وأفغانستان وفلسطين وسوريا والهند  وغيرها . ولو أن كل مسلم جعل الشريعة سلطاناً عليه , فيكره عصاة المسلمين , كما أمر القرآن , فضلا عن كراهية غير المسلمين مطلقاً لكان خيرا, وما ابتلاء الأمة الإسلامية إلا للتساهل بأحكام الدين .

وعلى هذا فكل من أمر غيره بعمل الشر ارتكب أكبر الجرائم , لأنه لم يطع ربه فى خلقه   وأطاع أمر الظلمة الطغاة . والإكراه على العمل حدود مخصوصة , بينتها الشريعة ومثلها كثيرة – مثال  ذلك أن يكره المسلم على إعطاء ماله أو يقتل أو تكره المرأة على الزنا أو تقتل بالفعل  أو يكره المسلم  على النطق بالكفر أو يقتل أو على الخروج من بلده أو يقتل , مثل هذه الشئون بينتها الشريعة بأن  المسلم له الخيار , والأولى حفظ حياته , فلو دافع عن ماله حتى قتل مات شهيداً , ولو قتلت المرأة دون  عرضها ماتت شهيدة , ولو نطق المسلم بكلمة الكفر مع عقد قلبه على التوحيد كانت له مندوحة , وإن  قتل دون دينه , كان شهيداً , ولكن إذا أمر ذو سلطه طاغية مسلماً بقتل مسلم بدون حق , فسارع إلى قتله خوفاً على فقد مرتب يأخذه أو جاه يناله من غير بصيرة فى الأمر , حكم عليه بما حكم به القرآن                                    من الخلود فى جهنم , والغضب عليه من الله تعالى , وكذلك من نصر غير المسلم على المسلم لحظ عاجل ,    فالحكم فيه شرعاً مروقهمن الإسلام , وتحريم حلائله بدليل قوله تعالى : ]لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ   أَوْلِيَاءتُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقَِّ[وقوله تعالى : ]لَا تَجِدُ قَوْمًا  يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْحَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْإِخْوَانَهُمْ  أَوْ عَشِيرَتَهُمْ[.

وأصل آل أهل قلبت الهاء همزة , ولا يقال آل فلان إلا إذا كان عظيما , كآل قريش ,                                                                                                                 وآهل هاشم , وفرعون اسم لكل من ملك مصر , كما يقال فى ملك الروم قيصر وملك الفرس كسرى  قوله تعالى : ]يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ[أى يوردونكم ويولونكم . سوء العذاب أى أشده وأبشعه ,  وبينه بقوله تعالى : ]يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ  وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ[والمعنى أنهم كانوا يذبحون من يولد من   الذكور ويبقون من يولد من الإناث , وإن كان بعض المفسرين فهم من قوله : ]وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ[أنهم كانوا يقتلون البنات عند ولادتهن , ويتركون النساء الكبيرات , فإن سياق الآية لا يدل على ذلك . لأن الصبيات الصغيرة فى الإجمال يسمين نساء تغليباً . وسبب ذبح الأولاد أن فرعون جلس مع              .

 

 

 

قوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ... ( 50 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كبار قومه , فتذكروا قول الخليل عليه السلام , إن الله يجعل من ذريته ملوكاً فخاف فرعون على  ملكه منهم , ولعله أن الكبار من رجال بنى إسرائيل فى ذل ومهانة , خشى أن يولد منهم من  يسلب منه ملكه , فأمر بذبح كل من ولد من الذكور بغير رحمة ولا حنان. ويترك ذبح الإناث  . وبتذكير معاصرى رسول الله eمن اليهود بالفظائع التى ابتلاها الله بها , حتى رحمهم وأنجاهم    بإتباعهم موسى عليه السلام يقظة لقلوبهم , ليسارعوا إلى الإسلام , فإن الذكرى تنفع المؤمنين ولكنهم   أبوا إلا الكفر فانتقم الله منهم فأجلى قريظة وقينقاع , وأهلك يهود خيبر بسبب تكذيبهم للقرآن المجيد .  وقد أسند ذبح الأبناء واستحياء النساء إلى آل فرعون , وإن كان الأمر منه لسلطانه عليهم , ولكن             الشريعة تدين المباشر , ولو كان مقهوراً من ذى سلطان . ]وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّنرَّبِّكُمْ عَظِيمٌ[, يعنى  فى إنجاء الله إياكم من فرعون وإغراقه فى بحر القلزم (البحر الأحمر) انتقاماً منه لظلمه إياكم نقمة من ربكم  عظيمة , فإن البلاء من الله نعمة من الله عظيمة , إن شكر الله عليها المَنعمُ عليه , وإن أطغته وأغوته   وأخرجته عن الأدب من الله تعالى بمخالفة أمره وعمل ما نهاه عنه , انقلب البلاء , فكان نقمة , وفى  اللغة بلاء , أى أنعم عليه وابتلاه , أى انتقم منه . قال تعالى : ]وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً[.

( إشارة ) إن الله تعالى خلق الخلق والخير ابتداء ولا شر , ولكن الإنسان يقلب نعمة الله كفراً .                           ينعم سبحانه على الإنسان بالعافية , فبدلا من أن يستعملها فى طاعة الله تعالى , وإغاثة الملهوف , ونصرة                              المظلوم , ويستعملها فى معصية اله تعالى , فيتغلب على الأبرياء ويقتل الضعفاء , ويسلب الأموال ويبيح                      الأعراض , بما آتاه الله من القوة . ويعطى المال سبحانه , ليطعم الجائع ويكسو العارى ويعين على                                   نوائب الحق ويكرم الضيف ويعطى السائل يأخذه فيؤذى به أهله وجيرانه ويستعين به على                                       ضررهم,ويتألف به الأشقياء واللصوص ويزنى به , ويشرب الخمر ويشبه قارون فى زهوهوكبريائه ويورثه  ما كان لآبائه من المجد الدينى , فيستغل بشرف آبائه ومجدهم عرض الدنيا الفانى , ويستعبد الخلق فى  الدنيا , ويوردهم النار يوم القيامة . قال e( ملعون ملعون من طلب الدنيا بعمل الآخرة ) . وقد   يرث عن آبائه ملكاً ا وسلطانا ً , فيعثو فى الأرض ويهرق الدماء ظلماً , ويستعبد العباد بالقوة  القاهرة . فإذا خلا بالنساء , كان عبداً لشهوته ]رَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا[عليهم إثمهم وإثم  من ظلموهم معهم . وهذا من معنى قوله تعالى : ]وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً[.

 

قوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَوَأَنتُمْ تَنظُرُونَp50i

 

تفصيل هذا الإجمال أن موسى عليه السلام لما خرج بقومه من أرض الفراعنة وبلغ فرعون خروجه ,               .

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال لا تخرجوا وراءه حتى يصيح الديك , فقدر الله أن لا يصيح ديك فى تلك الليلة , حتى طلعت  الشمس , فقال لهم فرعون : اذبحوا شاة , وقال لا أصل إلى كبدها , حتى تجمعوا إلى ستمائة ألف فارس فما ذبحت وسويت , إلى كان لديه منهم سبعمائة ألفاً على خيل دهم والباقى على غير الدهم , وقيل كان جيشه ألف ألف ومائتى ألف , وخرجوا مسرعين وراء موسى عليه السلام وقومه , فأدركوهم على شاطىء البحر , ففزع بنو إسرائيل وشكوا إلى موسى فقال :]كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ[وناداه   يوشع : أين ربك يا موسى , والعدو وراءنا والبحر أمامنا , فقال أمامك يا يوشع , فقال صدقت , وخاض بفرس البحر , حتى قارب الغرق , فرجع وقال لموسى : أين أمر ربك ؟ فأوحى الله إلى موسى  أن أضرب بعصَاك البحر , ففعل فانفصل الماء وهب الصبا فجفف الأرض وضرب لهم طريقاً فى البحر يبساً وانفلق البحر إلى اثنى عشر طريقاً , لكل سبط منهم طرق , وكان الماء قائماً بينهم كالجبل , فحزن كل فريق منهم لأنه ظن أن قومه غرقوا إلا هو , ففرق الله بين الماء القائم كالنوافذ , فرأى بعضهم  بعضاً ففرحوا . فلما رأى فرعون وقومه نزلوا البحر خاب البحر , فأتى جبريل على فرس أنثى   ووقف أمام حصان فرعون , فلما رأى الحصان فرس جبريل مال إليه , فولج جبريل البحر على الأرض اليبس  , فنزل حصان فرعون خلف الفرس , ونزل قومه وراءه , وميكائيل ينادى ليلحق آخركم أولكم  حتى نزل القوم فى البحر جميعاً , فأنطبق الماء عليهم فاستأصلهم . فلما رأى فرعون الماء عمٌه ]قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَوَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ[فناداه جبريل , وهو يتقدمه وقال  ]آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ[وفى رواية وملأ فاه طيناً , فلما ابتلعه الماء رفع الله  جسده على الأرض , فبادر من لحقوه بعد غرقه من أقباط مصر , فانتشاوه وصنعوا له تابوتاً من  توابيت الملوك , ودفنوه قبالة البركة , ولما حل بهم من الفزع , وهذا معنى قوله تعالى : ]فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً[وهو موجود بمتحف مصر ( أنتك خان ) .

يمن الله تعالى على بنى إسرائيل فى هذه الآية بنعمتين عظيمتين , النعمة الأولى : إنجاؤهم من   البحر ومن عدوهم فرعون وقومه . والنعمة الثانية : إهلاك أعدائهم فى البحر , حتى لا يخافوا أن يدركوهم  بالسفين , وهى نعمة على معاصرى رسول الله e, لأنهم بقيتهم ، ولولا إنجاء الله سلفهم من البحر ،  ومن فرعون لما وجد على الأرض يهودى ، وإلا فمعاصرو رسول الله eمن اليهود لم يشهدوا شيئاً من ذلك . أما تأويل قوله تعالى : ]وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ[فلا يلزم من هذا أنهم نظروا بأعينهم إلى إهلاك  فرعون ، ولكن اليقين الحق منزل المنظور إليه بحدقة العين .

 

 

 

قوله تعالى : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ...( 51 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ]إشارة [إن الله إذا أحب بعض عبيده تفضل عليهم بمزيد إحسان من علم ويقين وكشف وتنزل سبحانه وتعالى فجملهم بالشرق إليه والرغبة فيه والإقبال عليه وتفويض الأمور كلها ، ثم تجلى فواجههم   بوجهه الجميل مواجهة  يؤنسهم بها على بساط مؤانسته ويكرمهم على موائد كرامته ثم يوالى هذا الإحسان لأنه أنزلهم منزلة خاصةأحبابه فيعطيهم خيرما أعطاه لعباده المخلصين من غيرأن يمن عليهم كماقال تعالى: ]لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ[قال سبحانه: ]وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ[ولا علة ولا باعث لإحسانه  عليهم. وإذا قدر سلب النعمة ممن أنعم عليهم حرمهم التوفيق للشكر ومنّ عليهم بما أعطاهم من النعم  ولا يمن الله على قوم إلا منعهم من الفضل العظيم وحجبهم عن شهود وجهه الجميل كما مَنّ على  بنى إسرائيل فى تلك الآيات أعاذنى الله وإخوانى المسلمين من السلب بعد العطاء، ومن كفران النعم  وحرمان الرضا.

فهو تعالى : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنبَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَp51i

(وَاعَدْناَ ) وفى رواية ( وَعَدْنَا) وهما روايتان ورادتان إلا أن من يقرأ واعدنا يرجحها , لأن الوعد من احد الطرفين يقتضى الوعد من الآخر , وذلك لأن الله تعالى وعد موسى أن يتم أربعين ليلة عاكفاً عليه سبحانه ليتفضل عليه بما كان سأله من كتاب ينزله يكون فيه هدى ونور لبنى إسرائيل , وموسى عليه السلام وعد ربه الوفاء بما كلفه به , فكان الوعد بينهما ومتى كان الوعد بين اثنين اقتضى أن يكون اللفظ  المخبر به (وَاعَدْناَ ) ليفيد أن الوعد بينهما ومن رجح ( وَعَدْنَا) فهم أن الخلق لا يعدون الله وعداً , لأنه هو العلى العظيم . والذى يعد الله تعالى . والذى تفيده الآية الوعد أربعين ليلة , وما ورد من أنه وعده ثلاثين ليلة وأتمها سبحانه بعشر لا يمنع من أن مراد الله كان أربعين . أما قوله تعالى:]مُوسَى[    فمعناه فى اللغة المصرية القديمة ماء وشجر باسم الموضع الذى التقط منه لأن أمه وضعته فى صندوق وألفته فى اليٌم فأخذه اليم حتى دخل به حدائق بيت فرعون فأسرع الخادمات وانتشلنه , فلما رأته امرأة فرعون وكانوا يذبحون الأطفال قالت : ]قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُوَلَدًا[                        وحنت عليه . قوله تعالى : ]أَرْبَعِينَ لَيْلَةً[يعنى بذلك جل ثناؤه أربعين ليلة فأسرع موسى                       بالخروج إلى ربه فى أول ليلة من شهر ذى القعدة فلما أتم الثلاثين ليلة خرج قبل غروب الشمس ووقف          للمناجاة , فعتب عليه ربه , كما سيأتى بعد , وأمره بتمام الأربعين .

]ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ[يخبرنا ربنا جل جلاله أن بنى إسرائيل اتخذوا العجل بعد خروج موسى عليه السلام لمناجاة ربه . وتفضل هذا المجمل أن موسى السامرى كان من قوم          .

 

 

        ]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعبدون العجل والعقيدة إذا تمكنت كانت كالنقش على الحجر , كما نرى فى عصرنا هذا كثيراً من  الناس يعتقدون فى المشعبذين الذين يخالفون ظاهر الشرع وباطنه مخالفة محسوسة , ومع ذلك يتعصبون  له فيبذلون أموالهم وأعراضهم فى سبيله من تأثير العقيدة مع وضوح الحق جلياًً .

ولا تعجب فإن موسى السامرى رأى بعينى رأسه ما منٌ الله به على بنى إسرائيل تأييداً لسيدنا موسى  عليه السلام من المعجزات الباهرات , أقربها مثولا أمام أبصارهم فلق البحر . ومع ذلك لم تغير عقيدتهم  فى عبادة العجل . فلما خرج موسى إلى ربه وفاء للموعد , كان بنو إسرائيل قد سلبوا حلى نساء الأقباط , لأنهم كانوا خدماً قى بيوتهن . فلما علم هارون عليه السلام بالحلى فى غياب موسى عليه السلام قال هذا  لا يحل لكم , فأحرقوه بالنار , فسمعوا وأطاعوا ووضعوا الحلى فى النار , فجاء موسى السامرى وفى يده  شىء من أثر الرسول – يعنى جبريل عليه السلام – واستأذن هارون عليه السلام فى أن يضعه فى النار ,  فظن أن الذى فى يده حلياً فأمره بوضعه , وكان الذى فى يده كما قال بعض الرواة تراب من تحت حافر  فرس جبريل عليه السلام , الذى كان يركبه ليغرى فرعون بالنزول فى البحر هو وقومه ليدرك بنى إسرائيل  فى البحر . وكان موسى السامرى آخر من نزل من بنى إسرائيل فى البحر , فعرفه لأنه كان يربيه فى  الغابة التى وضعته أمه فيها بعد ولادته خوفاً عليه من القتل , فكان جبريل عليه السلام يأتى إليه فيضع  أصابعه فى فمه يغذوه , وهذا التأويل ممكن . وجائز أن تكون القبضة التى قبضها من أثر الرسول شيئاً  من علوم النفس التى لها التأثير على الكائنات وللنفوس تأثير بحسب استعدادها .

ولا تعجب فإن الكهنة والمشعبذين والحساد الذين يؤثرون بالنظر فيما نظروا إليه وأشباههم ومن أهل                   التمتمة والعقد وأهل النفث لهم تأثير بما أودعه الله تعالى فى نفوسهم تنفيذاً لما قدره الله تعالى أن يكون ,     فاستعمل ما علمه فى جعل الحلى عجلا .. يؤيد ذلك قوله تعالى مخبراً عن موسى السامرى : ]وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي[. وتأثيرات النفوس فى عالم المادة عجيبة جداً , وأعجب منها تأثيرات الأرواح . فإن  أرواح المرتاضين فى حصون الشريعة لها إطلاق التصريف فى العالم السفلى والعلوى . وقد ورد فى القرآن   ما يؤيد هذا وهو : شق القمر , وفلق البحر , ونزول الملائكة لنصرة رسول الله e, وأمر النفوس  وتأثيراتها فوق دائرة اختصاص العقل , وعجائب القدرة أسجدت العقول بعد الحيرة . ونحن لا ننكر الكرامة  بل نثبتها ولكنا لا نعتبرها كرامة إلا إذا صدرت من تقى عارف بالله تعالى أطاع الله سبحانه واستجاب  له جلت ذاته وتقدست , فاستجاب الله له كما قال تعالى : ]وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  وَيَزِيدُهُم مِّنفَضْلِهِ[, أى يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات , فالذين منصوب على نزع الخافض .       

 

 

 

قوله تعالى : ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون  ...( 52) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما خوارق العادات التى تحصل بتأثير على أيدى المشعبذين والكهنة , أو بسبب الخلط   والمزج والتركيب لبعض العقاقير بعد علم خواصها , فاستدراج من الله تعالى . لأن الله لا يعطى ما عنده  إلا لمن أطاعه , وهنا شرط آخر وهو أن التقى العارف بالله إذا أظهره الله بالكرامة التى تحصل على يديه لا يزداد بها إلا أدباً للشريعة المطهرة , وخضوعاً لله على ترب العبودية . أما من يجعل خوارق العادات  سبباً فى استعباد الخلق أو للطمع فى أموالهم فذلك شيطان يتجمل للخلق جهلا بالحق .

ومعنى ]ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ[]ثُمَّ [هنا أفادت بُعد القلوب عن مطالعة الغيوب ولم تفد بُعد الزمان . وثم كما تفيد بُعد الزمان وبُعد المكان قد تفيد بُعد القلوب فى مثل هذا الموضع . وبُعد القلوب أشد  نكاية فى القطيعة من بُعد الزمان والمكان . فإن أطول مسافة فى المكان وأكثر بُعد فى الزمان مع  قرب القلوب لا يوجب حجب الغيوب عنها . وكم من قريب فى الزمان والمكان بل ملتصق بالقريب من الله وهو كافر ضال مثل امرأة نوح وامرأة لوط .. وإنما على قرب القلوب المعول . وقد بينت  لك سبب اتخاذهم العجل - ]مِن بَعْدِهِ[أى من بعد خروجه مهاجراً إلى الله تعالى وفاء لموعده  ]وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ[أى ظالمون لأنفسكم بعبادة العجل , بعد قيام الحجة ووضوح المحجة . والظلم هو  الشرك بالله تعالى . ولا يخطر ببال أحد أنهم ظلموا ربهم بعبادة العجل , لأن الله تعالى على عظيم عن أن  يَظلم أو يٌظلم وقع منهم على أنفسهم .

 

قوله تعالى : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَp52i

 

]ثُمَّ [هنا تفيد أن الزمن القصير الذى عبدوا فيه العجل أبعدهم بعداً معنوياً عن الله تعالى شاسعاً , حتى                كأنهم وقعوا فى هاوية الهلكة . ومن هذا البعد السحيق انتشلتهم العناية مع أن المسافة الزمنية لم تتجاوز                       بضعاً وثلاثين يوماً تقريباً . وهنا إجمال سيأتى تفصيله بعد فى الآيات الآتية عند تفسير قوله تعالى : ]وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ ِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ                                                                       أَنفُسَكُمْ[, والعفو هو التفضل على المذنبين بترك العقوبة مع بقاء الخطايا لله تعالى , فإن الحقائق لا تتغير . فلا تكون المعصية طاعة وإنما يعفو الله عن العبد بترك مؤاخذته بالذنب . وقد يتفضل سبحانه  فينسى العبد ذنوبه وينسى الحفظة وينسى الجوارح والمعالم التى وقعت فيها الذنوب حتى يقف العبد أمام  ربه وليس عليه شاهد بذنب . وقوله تعالى : ]مِّن بَعْدِ ذَلِكَ[أى بعد رجوعهم فى الكفر بالله تعالى : ]لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[أى لتشكروا لأن الترجى والتمنى مستحيلان على الله تعالى , فإن الترجى والتمنى عمل من يجهل الغيب المستقبل , والله تنزه وتعالى بكل شىء عليم . والشكر فى الحقيقة عمل فشكر              .

 

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 القلب عقده على التوحيد , وتقلبه بالفكر فى آلاء الله تعالى , وتصريف النوايا فى محاب الله ومراضيه ,                وشكر الجوارح قيامها بالعمل فى طاعة الله تعالى . قال تعالى : ]اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[أى القائم بقلبه وحواره موجهاً وجهه إلى الله تعالى بكله .

قوله تعالى : وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَp53i

 

يذكر الله تعالى بنى إسرائيل بالنعم العظمى التى تفضل بها عليهم , والآية معطوفة على ما قبلها .والمعنى يقول الله تعالى : اذكروا يا بنى إسرائيل إذا آتينا موسى الكتاب والفرقان , وفى قوله تعالى : ]آتَيْنَا[إشارة إلى أن ما آتاه الله موسى عليه السلام عام له ولقومه , بخلاف قوله تعالى :]أعَطينَا[, فإن الذى يعطيه لعبده خاص به كما قال الله تعالى : ]إِنَّا أَعْطَيْناَكَ الْكوَثْرَ[أي خصصناك بهذا الإعطاء . وهنا يقول :]آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ[أي منحنا موسى وقومه الكتاب يعنى  التوراة التى جمعت سير الملوك والأنبياء للعبرة وأسرار التوحيد والأخلاق والأحكام الشرعية فى العبادة  المناسبة لعصرهم،والحلال والحرام فى المعاملات وغيرها.أما قوله تعالى:]وَالْفُرْقَانَ[بالفصل بواو العطف  المقتضية للغيرية , فقال بعضهم إن الفرقان هو الكتاب والواو ليست للعطف بل هى للمدح , كما تقول رسول الله eخاتم الرسل وإمامهم وأولهم خلقاً وآخرهم بعثاً . قالوا هنا للمدح . ولكنا إذا فسرنا                القرآن بالقرآن انكشف لنا المعنى جلية . قال تعالى : ] يَوْمَ الْفُرْقَانَ[, أى يوم أن فرق الله تعالى فيه  بين الحق والباطل بنصرة أهل بدر . فكذلك الله تعالى يقول : ]آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ[أى التوراة   ]الْفُرْقَانَ[أى النصر على فرعون يوم فلق البحر , لأن الله تعالى فرق بنصرة كليمه بين الحق والباطل ,  أما قوله تعالى : ]لَعلٌكُمْ[فلعل هنا معنى كلى أو لام التعليل , إذ تنزه ربنا أن ربنا تأتى فى كلامه تعالى   بمعنى الترجى , لأن المترجى يجهل الغيب المستقبل , كما بينت لك والهداية بيان الحقائق للمسالك , حتى ينتهج الصراط المستقيم . والهداية أربعة أنواع : هداية البيان وهى هداية الرسل وورثتهم من العلماء  لمعاصرتهم . قال تعالى : ]وَإِنَّكَ لَتَهدْىإِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[فأخبرنا سبحانه أن رسول eيهدى . ولكن هداية البيان لقوله تعالى : ]إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ[فأثبت له الهداية أولا ونفى عنه الهداية ثانياً , لأن هداية الرسل عليهم الصلاة والسلام لأممهم وهداية ورثتهم العلماء لجماعتهم لبيان              سبل الله تعالى ونفى الهداية عنهم المراد بها هداية الإحسان لأنها خاصة بالله تعالى بدليل قوله تعالى                       ]وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء[فالواجب على الرسل وعلى العلماء وورثتهم بيان سبل الله تعالى , والله  جل جلاله يهدى من يشاء إحساناً منه . قال تعالى : ]مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي[فظهر أن النوع الثانى        . 

 

قوله تعالى : وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ...( 53) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 هو هداية الله تعالى عباده إلى صراطه المستقيم . أما النوع الثالث من الهداية , فهو الهداية العامة التى             تفضل الله بها على كل الأنواع التى خلقها الله تعالى من حيوان ونبات وإنس وجن , لقوله تعالى :  ]وَاُلٌذِى قَدٌرَ فَهَدَى  [أى هدى كل نوع إلى ما هو ضرورى له , فهدى الحيوانات المولودة فوراً إلى  الرضاع من ثدى الأم وهى الطيور إلى التقاط غذائها من على وجه الأرض , وهذه هداية إلهامية هداها الله تعالى بعلم ضرورى من بدء نشء خلق الكون قال تعالى : ]وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  [والنوع الرابع من الهداية هداية الدخول فى المكان , قال تعالى مخبراً عن أهل لجنة : ]وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَلَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ[.

 

قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْبِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْإِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَالتَّوَّابُ الرَّحِيمُp54i

هذه الآية معطوفة على الآيات السابقة قبلها فهى تذكير لبنى إسرائيل معاصرى رسول الله e   بما من الله على سلفهم وقد تقدم أنها منة عليهم فقوله ]وَإِذْ قَالَ مُوسَى[أى اذكروا إذا قال موسى والله  تعالى يخبر بقول موسى وهو جل جلاله يتكلم عبيده وخبره عن عبيد بكلامهم لا يجعله جل  جلاله عبداً مثلهم , كما أن أحبائه يتكلمون عنه سبحانه بألسنتهم وكلامهم عنه سبحانه لا يجعلهم آلهة , وإنما الحبيب يتكلم عن الحبيب وموسى تقدم معنى اسمه أنه ماء وشجر ]لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْأَنفُسَكُمْ[قوم الرجل بالنسبة للرسل أتباعه وأنصاره , وبالنسبة للملوك أعوانهم , وبالنسبة لغيرهم أسرته  وأدانيه . قوله ]إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ  [أى باتخاذكم العجل إلهاً من دون الله , وقد تقدم الكلام عن السبب الذى به اتخذوا العجل , وفى قوله : ]ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم[إشارة إلى أن الله تعالى الحكم العدل   فلا يظلم . القوى القهار فلا يظلم . وإنما الظلم منهم انصبّ على أنفسهم , والظلم فى الشريعة الشرك ,                                                       قال تعالى : ]إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[. ]فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ[التوبة هى الرجوع إلى الحق بشروطها . وشروطها هى التحقق باستقباح العمل الذى ارتكبه فاعل الذنب والحزن على ارتكابه , والندم الشديد على استبداله الطاعة بالمعصية والعزم الأكيد , على أن لا يعود إلى تلك المعاصى , ثم رد  المظالم إلى أهلها مع الاستطاعة ما لم يكن عمل لا يطيق رده , فإن له جوابر فى الشريعة , كالزنا وقتل النفس والشرك بالله وكسر السن وقلع العين وقطع اليد وقطع الرجل وقطع المذاكير , فإن الشريعة أثبتت لها جوابر فصلت فى محلها .

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ]إشارة [: أخاطب الأرواح – من علامات قبول التوبة أن يتحقق النائب بالرضا عن قدر الله                       تعالى , ولو كانت المعصية اكبر كبيرة . وأن يكون غضبه وسخطه على نفسه التى ارتكبت الخطيئة , وهنا أجيب من ذاقوا حلاوة التوحيد إذا جاش بخلدهم , وكيف يمقت الإنسان نفسه على عمل الخطيئة , والفاعل المختار هو الله , فأجيبه أن الفاعل المختار المقدر هو الله تعالى , ولكن مقت النفس على تقدير  الله إياها أن تكون مظهراً لمعاصيه , وأن يجعل المعاصى سبباً قائماً لمساخط الله ومغاضبه . وهنا يثلج  الصدر ويطمئن القلب وتقوم الحجة على قبول الله تعالى توبة التائب. أما من تاب وندم وغضب وسخط ولم يرض عن الله فيما قدر الله فغضبه على الله أكبر من خطيئته . ويجب عليه أن يتوب من توبته , فإن توبته مشوبة بشرك خفى عليه . ]إِلَى بَارِئِكُمْ[إشارة إلى جذب العواطف , فإن البارىء  هو الذى خلق الإنسان على أحسن صورة , كما قال موسى لهارون : ]يَا ابْنَ أُمَّ[ولم يقل يا أخى  ولا يا رسول الله , لأن الأخوة والرسالة لا تقتضى الرحمة ولا عطف القلوب , فكذلك قوله ]إِلَى بَارِئِكُمْ[أى توبوا إلى من جملكم بالنعم العزيزة العظيمة . ]فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ[والفاء هنا للترتيب مع التعقيب  أى إذا حصلت منكم التوبة القلبية وتيقنتم قبول الله لها فاقتلوا أنفسكم تكملة لشروط التوبة . ]ذَلِكُمْ   خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَالتَّوَّابُ الرَّحِيمُ[الإشارة من الله تعالى المفيدة للبعد ,   لم تكن لبعد الزمان ولا المكان , ولكن البعد هنا شدة وقع الأمر على أنفسهم , وتوقع الضرر على بدانهم ]خَيْرٌ لَّكُمْ[بالنسبة لما ينالونه من مغفرة الله لهم , ومن تبديل الله سيآتهم حسنات , وربما كان هناك تنزل بالحنان الإلهى , فيكون الرضوان عنهم من هذا الخير . ]عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ[يعنى أن الخير يكون لهم عند بارئهم سبحانه الذى أوجدهم , وأمدهم وقوله تعالى ]بَارِئِكُمْ[إشارة   إلى التنزيل بالاسم الجمالى , الذى به إيجاد العالم وتسخيره للإنسان , لتحصل عاطفة القلوب والطمع فى نيل هذا الخير ]فَتَابَ عَلَيْكُمْ[معناه أنهم قتلوا أنفسهم , كما أمرهم ربهم , فتاب عليهم , أى قبلهم  ربهم , ومعنى قتلهم أنفسهم أن الذين عكفوا على العجل جلسوا مستعدين لقتلهم , ووقف الذين  حافظوا على الإيمان مع هارون عليه السلام وبأيديهم الخناجر وعلتهم ظلمة , حتى صاروا لا يرى بعضهم  بعضاً , فقتلوا أنفسهم بالفعل , حتى تداركهم الله بالعفو , فأمر برفع القتل منهم سبعون ألفاً  ]إِنَّهُ هُوَالتَّوَّابُ الرَّحِيمُ[أكد الخير بإن , لأن العقل لا يدرك حقيقة معنى التواب ولا الرحيم , لأن لفظة تواب مبالغة فى قبول التوبة , ولكنها ليست مبالغة فى أسماء الله تعالى , فالتواب اسم من أسماء  الله تعالى , ويطلق هذا اللفظ ويراد منه كثير التوبة من الذنوب إلى الله تعالى , فإن العلماء الراسخين             .

 

 

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَىاللَّهَ جَهْرَةً...( 55) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

 يرون أنفاسهم في غير شهود وحضور ومراقبة ذنباً , ويرون أنهم إذا لم يعاملوا الله فى كل أعمالهم                     ومعاملاتهم أخطأوا , فهم دائماً فى توبة الله تعالى لنظرهم كثرة خطاياهم , لدوام مواجهتهم عظمة                                                                        الله وكبرياء , ولاعتقادهم العجز عن التقوى رعاية لقوله تعالى : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ[والعقل محجوب عن الإشراف على سر القدر , فلا يتصور بل يتمثل وسعة الرحمة الإلهية  التى وسعت كل شىء  ,فأتى بحرف التوكيد لينقل العقل هذا الخبر مسلماً , وقد تقدم بيان التوبة   ]الرّحِيمُ[اسم من أسماء الله تعالى معناه الذى يمنح المؤمنين يوم القيامة الخير الذى يليق بكمال عطفه  وحنانه سبحانه .

وهنا تحسن الإشارة إلى قوله تعالى : ]ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم[ إذ يقتضى أن كل مخالف للشريعة فى                                                             قول أو عمل أو حال ظلم نفسه , والواجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى بقدر ظلمه لنفسه . وأسرع   الناس إلى التوبة أهل المعرفة بالله تعالى الربانيون الراسخون فى العلم , لأن الهفوة عندهم كأكبر كبيرة   عند الجاهلين بالله , لأنهم يعلمون حق العلم من يواجهونه بهفواتهم , كما يعتقد أهل الجهالة لاحتجابهم  عن شهود ربهم أن الكبائر ليست شيئاً مذكوراً . ولذلك يقال أن الصغيرة عند المواجهين كبيرة , بل  ربما كان أرجى عمل يقرب إلى الله هو عندهم من الكبائر لخوفهم أن يشوب العمل شرك خفى أو  أخفى , وكم يتوب العارفون من التوبة بعد استيفاء شروطها الشرعية , وخوفاً من تسرب الشرك إلى القلوب من حيث لا يعلم قال e  ( يا أبا بكر إن الشرك ليجرى فى ابن آدم مجرى الدم) فما تقول فى رجل يرى دناءته وحقارته بعين اليقين . ويرى الفاعل المختار هو الله . ويرى أن الله الكبير المتعال  تنزل لنا بسوابغ نعمائه وجميل آلائه , فضلا منه وإحساناً . ويرى أن الطاعة والقربات نعمى عظمى تعين على الشكر , ويرى أن الشكر من أعظم النعم عليه , فنشكر الله على الشكر , فلم يبقى إلا العجز عن  الشكر , وهو الشكر , وهم العبيد الذين  عند ربهم , كما قال صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى : ( أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى ) .

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَىاللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ  وَأَنتُمْ تَنظُرُونَp55i

قبل أن أبين هذه الحقيقة أشرح ما لابد من شرحه : تعلم أن الرؤية شىء والإدراك شىء آخر ,وما سأل أصحاب موسى الرؤية إلا وهم يعلمون أنها ممكنة , ولكنهم أساءوا الأدب لطلبهم أعظم نعمة  يتفضل الله بها على أفراد أولى العزم من الرسل فى الدنيا وعلى مقام الإحسان فى الآخرة من غير            .

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

 سؤال . ومن الأدب أن يقف العبد أمام ربه موقف الخائف من عدله وجلاله لا موقف الطالب بحق له                   قال سبحانه وتعالى : ]إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء[لا من يطلب , وكم واجه ربنا جل  جلاله رجالا من أحقر عبيده بوجهه الجميل كما واجه العبد ( برخ)  الذى أمر كليمه أن يطلبه ليسأل إنزال المطر لبنى إسرائيل بعد أن خرجوا إلى الصحراء ليستغيثوا بالله سبحانه , فلما وصل إليه موسى رفع رأسه من التراب وقال – أَنَفدت خزائنك أنزل المطر لعبيدك – فنزل المطر كأفواه القرب , والعبد الصالح الذى لقبه موسى ( الخضر ) وأويس القرنى التابعى الذى أمر رسول الله eخيرة الصحابة أن يقرئوه  السلام إذا رأوه , والذين قال الله لداود عليه السلام : ( اطلبنى عند المنكسرة قلوبهم من أجلى )  , وقال لحبيبه ومصطفاه : ]وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّيُرِيدُونَ وَجْهَهُ[أما الإدراك الذى هو كشف الحقيقة على ما هو عليه فمستحيل فى الدنيا والآخرة , لأن قدرة الله لا تتعلق    إلا بالممكن , وليس ثم للقدرة أن تجاوز هذا , فالقدرة لا توجد مخلوقاً يدرك الخالق لعظمته –وكبريائه وعلو  مكانته جل جلاله .

إذا تقرر هذا أثبت لك أن رؤية ربنا ممكنة فى الدنيا بالبصائر لمن سبقت لهم الحسنى من الله تعالى , وفى الآخرة بالأبصار بما يجمل الله به عباده المؤمنين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث القدسى   "كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به " الحديث . ومن سمع الله وأبصر بالله لا تعلم نفس  ما اخفى له من قرة أعين , ومسألة عقوبة الله تعالى لأصحاب الكليم عليه السلام عندما طلبوا منه رؤية  الله جهرة لسوء أدبهم فى طلب ما ليس لهم , ولما اعتراهم من الفتنة فى شكهم بخبر الكليم عليه السلام  والشك فى هذا المقام يكاد يكون كفراً , وهذا ليس دليلاً على رؤية الله  تعالى كما ذهب إليه  المعتزلة وبعض المخالفين , وليس طلبهم الرؤية دليل على طلبهم التجسيمى , تنزه ربنا وتعالى كما ظنه  النصارى عيسى بن مريم عليه السلام,وبعض الجهلاء ممن لا بصيرة لهم فى الدين الإسلامى.فإن الله تعالى إذا شاء أن يظهر خوارق العادات على أيدى من ليسوا بمؤمنين لا يسأل عما يفعل , كما أظهر تلك الخوارق على أيدى أهل الجحود والكفر بالله تعالى ( بنى الأصفر بأوربا وأمريكا) فإن اختراع الطيارات  والغواصات والبواخر لنقل الأشباح والأسلاك البرقية والبرقيات اللاسلكية لنقل الأصوات والكلمات ,  وإن كان نتيجة إتقان الصناعات مما كنزه الله لبنى الإنسان فى الأجواء والأرجاء يظهره سبحانه على يد البار والفاجر والمسلم والكافر , فكذلك قد يظهر خوارق العادات على يد شياطين الإنس الذين  يخالفون الشرع الشريف الذى جاء به نبيينا عليه الصلاة والسلام والأنبياء من قبله .

 

 

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَىاللَّهَ جَهْرَةً...( 55) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ونحن لا ننكر كرامة الأولياء , فإن الله تعالى كما أقام الحجة للرسل عليهم الصلاة السلام بالمعجزة                       الباهرة كالقرآن الشريف , فإنه أعجز البشر , وكشقٌ القمر , وكنبع الماء من بين أصابعه eوكإحياء                  الموتى , كما ورد فى معجزاته eوكفلق البحر لموسى عليه السلام , وكجعل النار برداً وسلاماً للخليل                      عليه السلام , وكإغاثة الرسل من الأعداء بخسف الأرض أو بالإغراق , وكل ذلك دليل على تأييد الله             لأحبابه وإظهارهم على أعدائه . وكذلك تأييد الله لأوليائه العاملين بكتابه العزيز وبسنة نبيه e, فإن كل معجزة للأنبياء كرامة للأولياء . والفرق بين المعجزة والكرامة أن المعجزة تأتى بأمر الرسول  عليه الصلاة والسلام ,وأن الكرامة تأتى مبادهة بدون طلب للولى إظهاراً للحق ونصرة للشرع , فإن  الرسل عليهم الصلاة والسلام يتحدّون أهل الكفر بالله فيكذبونهم ويقيمون الحجة على صدقهم بطلب الآية التى فى قوة قوله تعالى : صدق عبدى فاتبعوه . فيؤمن من شرح الله صدورهم للإسلام وينكر أهل الكفر بالله ]وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً[  أى لا نصدقك فيما جئتنا به حتى نرى اله جهرة , فأنزلوا أنفسهم منزلة الجاحد يصدق موسى عليه السلام إن لم يروا                 الله جهرة , وكفى بذلك ظلماً لأنفسهم واستحقاقاً لسرعة نقمة الله منهم , وهذا وجه سوء الأدب مع الله                                      تعالى الذى به أخذتهم الصاعقة , وكل ما أمان أو أدى إلى الموت يسمى صاعقة لا فرق فى ذلك بين                      خسف الأرض وزلزلتها , وإنزال نار من السماء أو من الأرض , أو دخول الهم على القلب أو الصرع              على الأرض المؤدى إلى الموت , كل ذلك يكنى عنه الصاعقة . وقد تكون الصاعقة تجعل الإنسان كالميت وهو ليس بميت .

وقد اختلف الأحبار فى سبب ذلك كما ورد أن سيدنا موسى أخذ من بنى إسرائيل سبعين رجلا  من خيرتهم ليناجى ربه ليقبل منه العفو عن بنى إسرائيل فى عبادة العجل , فلما دنا موسى لمناجاة ربه  وغشيته سحابة النور ورجع إلى الذين اختارهم وأخبرهم بكلام الله , قالوا لا نصدقك حتى نسمع كلام  ربنا بأنفسنا , فسأل موسى ربه أن يسمعهم كلامه سبحانه , مبتلا إلى الله خاشعاً , فقيل الله منه وجمعهم  على موسى , وكان إذا تكلم موسى مع ربه غشيته سحابة النور , فلما أشرقت أنوار السحابة خر السبعون سجداً فلم يروا أنواراً ولكنهم سمعوا كلام ربنا لموسى عليه السلام يأمره وينهاه . فلما غابت سحابة الأنوار قالوا يا موسى أرنا الله جهرة عناداً من أنفسهم , وليست بأول مخالفة خالفها اليهود لرسل الله  صلوات الله وسلامه عليهم . وكم لهم من عناد ومخالفة توجب مسخهم كما ذكر الله تعالى وهو يذكرهم   تلك النعم وما وقع منهم من العناد ومحاربة الرسل , ليعلم معاصرو رسول الله eأن الله انتقم  منهم          .

 

 

 

 

        ]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

وأذلهم وأخزاهم لمخالفة رسله صلوات الله وسلامه عليهم لتنفعهم الذكرى , فيؤمنوا برسول الله e                        ولكن القضاء سجل عليهم :]وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[يذكرهم الله قولهم لموسى ]أمرنَا اللَّهَ جَهْرَةً[أى عيانا , كما ذكرهم بإسباغ النعم عليهم , وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل  لهم إلهاً غير الله , ومرة يقولون لا نصدقك حتى نرى الله جهرة , وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال : ]فاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ[ومرة يقال لهم : ]وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [فيقولون حنطة فى شعيرة ويدخلون من قبل أستاههم , وغير ذلك مما لا يحصى من أفعالهم التى آذوا بها نبيهم عليه السلام .

ولو تتبعنا سير اليهود وسيرتهم من حادثة يوسف عليه السلام , وما عمله الأسباط مع يعقوب عليه السلام إلى زمننا هذا , لعجزنا عن شكر الله بما تفضل به علينا برسالة سيدنا ومولانا محمد e, ولا أبعد بك  فإنا نرى تلك الفئة التى لعنت فى التوراة والإنجيل والقرآن لا تزال ينبوع تلك الخبائث والشرور والفتن فهم كما قال العربى " فى كل واد أثر من ثعلبة " يسلط الله عليهم بختنصر قديماً ودول أوربا فى هذا الزمان , وقد أراد الله أن يجدد لهم البلاء فانقلبوا شياطين لإهراق الدماء والإفساد فى فلسطين ,فإنهم  انتهزوا فرصة خوف إنجلترا من الترك , وبذلوا أمولا طائلة للإنجليز مساعدة لهم على حرب الترك , وطلبوا منهم أن يبيحوا لهم الهجرة إلى فلسطين , وأن تكون فلسطين وطناً قومياً لليهود , وقد رأى الإنجليز أن ذلك فى فلسطين قوة تدفع عنهم ثورة العرب وغيرهم , فمكنوا لهم فيها بقوة الحديد والنار : وقد استفتانى علماء فلسطين فى حكم من يبيع لليهود عقاراً أو أطياناً , فأفتيت بكفر من يعينهم   بدليل الآية التى نزلت فى اليهود وهى قوله تعالى : ]لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ  مَنْحَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْإِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ[, وسبب نزول   الآية هم اليهود , وإن كان خصوص السبب لا يقتضى خصوص الحكم والواجب على كل مسلم آمن بالله وبكتابه وبرسوله صلى اله عليه وسلم , أن يعادى من جاد الله ورسوله , فإن تساهل مسلمي فلسطين مع اليهود أثار عليهم غضب الله فانتقم منهم بالعدو ( اليهود والإنجليز ) حفظ الله إخواننا المسلمين من والاة غير المؤمنين .

قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَp56i

ثم هنا لا تفيد البعد الزمانى ولكنها تفيد البعد المعنوى , وكلاهما  سواء . وقد عاقبهم الله تعالى على  سؤالهم نبيهم عليه السلام , هذا السؤال الدال على تكذيبهم كليمه عليه السلام , فانتقم منهم بسرعة               .

 

قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ...( 56) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأبعدهم عن حظيرة الإيمان , فاقتضى المقام لفظة ثم . لأنه جل جلاله أنجاهم من الحضيض المعنوى إلى              حظيرة قبول التوبة . قوله : ]بَعَثْنَاكُم[يقتضى أن الله تعالى أكرمهم  بإحسان لا تحصيه العبارة :  منه أنه قال : ]بَعَثْنَاكُم[والبعث لا يكون إلا للرسل عليهم السلام ثم أسنده إلى ]نَا[المفيدة  للتعظيم , وخاطبهم بالكاف مخاطبة القريب للقريب , وفى هذا من التعظيم لنعته سبحانه عليهم شأن يدل على قبول وإقبال منه جل جلاله , وقوله : ]مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ[لا يدل صريحاً على موته عزرائيل ,   ولكنه يدل على فقد الإنسان الحياة الإيمانية التى يشعر بها بمراقبة الله وخشيته كما قال تعالى : ]أَوَ مَن  كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِيالنَّاسِ  [. ولم يقل يمشى به فى القبور , وجائز أن  يكون أحياهم بعد موتة عزرائيل , وعندى أن أحياهم بعد موتة عزرائيل خير لهم .

إشارة : إن المؤمن قى مقام القرب يجب أن يكون أخوف من غيره فى مقام البعد , لأن سوء الأدب فى المواجهة قطعية كبرى , أما سوء الأدب فى الغفلة عن الله والجهل به فكبيرة لها حدود فى الشريعة . أنظر إلى إبليس حين أساء الأدب فى المواجهة حيث امتنع عن السجود لآدم متأولا إذا قال خلقتنى  وطرده ومقته , لأنه أساء الأدب فى المواجهة , نعوذ بالله من سوء الأدب مع الله تعالى , ومع رسول الله  صلى الله عليه وسلم , ورزقنا سبحانه الأدب مع العلماء فضلا عمن فوقهم .

والواجب على السالكين أو الواصلين أو المتمكنين , أن ينظروا إلى ما فوقهم فى الدين , وإلى من                                                 دونهم فى الدنيا حتى يدوم إقبالهم على الله . وإن من الواجب على كامل الإيمان أن ينظر دائماً إلى أفراد                         الصحابة , وما كانوا فيه قبل فتح مكة من شظف العيش , ومن الرضا عن الله , وما آتاهم الله بعد الفتح                    من التمكين فى الأرض , ومن المحافظة على ما كانوا عليه قبل الجهاد الأكبر , فيمقت نفسه ويرى                 عظيم القربات بليات , خوفاً من أن يدخل العدو عليه فيغفره ]لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[أى لتشكروا .  فإن لفظة لعل وعسى فى القرآن بمعنى ( كى) أولامها فإن الذى يترجى ويتوقع الأمر يجهل العاقبة والله  بكل شىء عليم . والشكر كما تقدم هو العمل , ومعناه أن تستعمل كل جارحة من جوارحك , بل وكل  ما آتاك الله من نعمة ونعيم , وما سخره لك من ملكه وملكوته فى محابه ومراضيه , قال سبحانه :  ]اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[.

 

قوله تعالى : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىكُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ                                     مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْأَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَp57i

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 التظليل : هو ما يكون وقاية من ضار . وقد آخذ الله بنى إسرائيل بالتيه أربعين سنة , لحكمة  تذكر عند شرح آيتها , لأنهم قالوا لكليمه عليه الصلاة والسلام : ]فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ[, فالله تعالى يمن عليهم بتظليل الغمام الواقى لهم من تأثير حرارة الشمس فى أعوام التيه , ويذكرهم أنه سبحانه ذو الفضل العظيم ,لأنهم خالفوا نبيهم فعاقبهم ورحمهم فى آن واحد , ومكان واحد والغمام : رقيق السحاب , وقال بعض العارفين من العلماء : الغمام إكرام من الله تعالى كان يتفضل  به على رجل من بنى إسرائيل مكث يعبد الله ثلاثين سنة لا يعصى الله تعالى ، فإذا أضله الغمام اطمأن قلبه بالقبول من الله وعظم فى أعين الخلق . وهذا الغمام يظل الله به رسله عند مناجاتهم له سبحانه ، وهوالغمام الذى يأتى الله فوقه ليراه عباده . قال تعالى : ]هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ          الْغَمَامِوَالْمَلآئِكَةُ[. وفى الغمام أسرار غامضة لا يباح تسطيرها على الأوراق ، وإنما تسمع من أفواه             العارفين لقلوب خواصهم من الواصلين . أما المن : فغذاء شهى حلو أبيض ، يعلو أوراق الأشجار . وأما         السلوى:فالطير المعروف بمصر المسى ( بالسمان ) ، وهو أشهى الطيور وأنفعها غذاء . وقد ورد أنهم   كانوا يتناولونه مشوياً فيأكلون بلا عناء ولا تعب ، وفى ذلك دليل على عناية الله بهم مع ما وقع منهم     من الخطايا التى لولا فضله عليهم لخسف بهم الأرض من سوء أعمالهم ، ولكن الله ذو الفضل العظيم .  ]كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ[هنا مضاف محذوف تقديره – كلوا عوضاً عما كنتم تأكلون من قبل من طيبات ما رزقناكم . وفى قوله : ]طَيِّبَاتِ[معان كثيرة : منها أنه سبحانه وتعالى عوضهم بما  كانوا يأكلون من حلال وحرام ومر وعفص وملح وقديد بهذين  النوعين الطيبين : الثانى : أن هذا الطعام حلال لا شبهة فيه ، فهو طيب من جهة حله . المعنى الثالث : أنه لا ينتج سقماً ولا ضعفاً ولا سوء هضم.المعنى الرابع:المساواة بين صغيرهم وكبيرهم حتى تصفو صدورهم من السخائم والحسد.]وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[، نفى الله تعالى ظلمهم إياه وذلك معلوم بالضرورة لأهل الإيمان ، لأنه  سبحانه هو العلى العظيم عن أن يظلم خلقه أو يظلمه خلقه ، ولكنه سبحانه أراد أن يبين حقيقة من     الحقائق، هى أنه جل جلاله لم يقدر العقوبة على مرتكبى الآثام لأنه تأثر من مخالفتهم ، فأراد  أن يشفى غليله منهم لا ولكنه سبحانه وتعالى علىّ عظيم ، قدر الأقدار قبل الأكوان ويسر كلا لما خلقه له  وما من مخلوق يوم القيامة إلا وبيده طائره ، فإذا قرأه قامت الحجة له أو عليه ، لأن المحسن أحسن إلى  نفسه والمسيء أساء إليها .

وفى قوله تعالى : ]وَمَا ظَلَمُونَا[  إشارة إلى نفى حقيقة الظلم عنه سبحانه نفياً باتاً يستحيل وقوعه .

 

 

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ... ( 58 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفيه إشارة أيضاً إلى أنه تنزه وتعالى يحب الخير لخلقه جميعاً ويأمرهم به ويقدر تقدست ذاته ماشاء ,ولم        يرد فى قدره شراً لأنه إرادة الشر لا تكون إلا من عاجز عن تنفيذ قدره أو ممن يكون له شريك يخشى           منه أن يقهره على مراده . وهذان المعنيان مستحيلان على الله تعالى فإن الخلق من حملة العرش إلى          تخوم الأرضين مخلوقون مربوبون بل عباد عابدون لا حول لهم ولا قوة إلا بالله ، ولكنها أقدار تنفذ              بحكمة خفيفة وأوامر ونواه وهى البلاد الأكبر لتكون لله الحجة البالغة علينا ، والأمر والنواهى تدل على          تعظيم العبد ربه واستحضار كبريائه ومجده ، أو على التهاون به سبحانه جل جلاله ، وفى الأوامر والنواهى    حسن معاملة العبيد لله تعالى أو ظلمهم لأنفسهم بالمخالفة . والسلامة فى التسليم وفى المسارعة إلى العمل بما      أمر به واجتناب ما نهى  عنه . والظلم استعمال الحقائق فى غير ما خلقت له والتصرف فى ملك الغير وليس        من الظلم أن توجد فى حقيقة واحدة أنواع من المزروعات أو المصنوعات أو المبانى مادامت تلك الحقيقة         صالحة لذلك . كما يفعل مالك الأرض فى تقسيمها وإعدادها لأنواع كثيرة مختلفة فهذا ليس بظلم . ونفى            الله ظلم بنى إسرائيل عنه لا يقتضى أن غيرهم ظلمه لأنه نفاه لعظمته وعلوه وكبريائه سبحانه عن أن يصل     إليه ظلم من عبيد مقهورين وعباد مربو بين وفى نفيه ظلمهم عنه بلفظ الماضى دليل على استحالة هذا العمل       من كل العالم . وفى إثباته الظلم منهم عليهم بلفظ المضارع دليل على أن الإنسان لجهله يعمل ما يهلكه            إلا من حفظ الله تعالى . ودليل ذلك ما وقع متهم بعد موسى فى زمان داود وسليمان وعيسى بن مريم عليهم .     السلام مما بينه الله فى القرآن المجيد . ولم يقف الأمر بهم إلى هذا الحد بل تعداه إلى أن فعلوا فى النبى           عليه الصلاة السلام شراً مما فعلوا فى زمان موسى وعيسى وهاهم إلى زماننا هذا لايزدادون إلا ضلالاوغياّ       فانظر إلى فلسطين تر مايحزن قلوب أهل التقوى مما يعملونه فى مسلمى فلسطين والنصارى معهم .

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْرَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً                   وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْخَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَp58i

يذكر الله تعالى معاصرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود أمراه أسلافهم بدخول القرية ،                  لينالوا بها الرخاء والراحة فى المأكل والمشرب والمسكين بدليل قوله تعالى : ]فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ   رَغَداً[والقرية يتعين أنها (( أريحيا  ))وإن نقل بعض المفسرين أنها بيت المقدس ، لأن سيدنا موسى              عليه السلام مات قبل دخول بيت المقدس ، والذى دخل مع بنى إسرائيل بيت المقدس هو ( أشعيا )                عليه السلام ، فلم يبق إلا أن القرية هى أريحيا . وهى وإن كانت أقل من بيت المقدس ديناً ودنيا                إلا أنها ذات زراعات وتجارات ومساكن ، وأمرهم الله تعالى بأن يقولوا حطة وأن يدخلوا سجداً إشارة           .

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى الإنابة إلى الله تعالى ، والاعتراف بوقوع الخطايا أمامه سبحانه بالقول والعمل والحال ، فبالقول كلمة        حطة ، وبالعمل السجود . وبالحال خشوع القلب وانكساره أمام عظمة وعطف وحنان وغفران الكبير             المتعال ، ومع هذا الفضل العظيم ظلموا أنفسهم بتغير ما أمراهم الله به ، وجلسوا على أستاههم وزحفوا         عليها ، قالوا بدل حطة حبة حنطة فى شعيرة ، ليقيموا الحجة على أنفسهم أن نفوسهم عنادية ، وما عاندوا       إلا حظهم ، فإن الله وعدهم المغفرة ، واستبدال سيئاتهم بحسنات ، ولكنهم أبوا أن يقبلوا إحسان الله               مع توالى إساءتهم إلى أنفسهم ، ووعدهم سبحانه المزيد بقوله تعالى : ]وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ[، والمحسن :        هو من اجتهد أن يؤدى أوامر الله ، مراقباً جلالته وعظمته ، مراقبة من كأنه يراه عياناً . وليس                  من أطاع فأخطأ فى عمله ، كمن خالف معانداً ، فإن من أطاع الله مجتهداً أو أخطأ فى العمل ، لوقوعه            على غير وجهه ، فإنه يكون من الذين قال الله تعالى فيهم : ]خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ     أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ[، وعسى هنا بمعنى اللام ، أى ليتوب عليهم ، وهذا الخبر بالنسبة لمعاصرى رسول الله        صلى الله عليه وسلم يقظة لقلوبهم أو حجة عليهم ، لأنه أكبر عبرة ، ولكنه سبحانه يضل من يشاء               ويهدى من يشاء ولا معقب لحكمه . نسأل الله تعالى أن يجعل سيئاتنا سيئات من أحب ، ونعوذ بوجهه             الكريم أن يجعل حسناتنا حسنات من أبغض ، ويرزقنا حسن الاتباع ، إنه مجيب الدعاء . وهنا يجب             علينا أن نسمع كلام ربنا بآذان قلوبنا فإن الكلام وإن كان خاصاً ببنى إسرائيل ، إلا أنه بحسب                      المعنى الإشارى يبين لنا محاب الله ومساخطه ، نسأله الإقامة فيما يحب ، ونعوذ به من الإقامة فيما يكره         بعد بيان كل ذلك .

قوله تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَاعَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ                   السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَp59i

]فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ[لفظة بدل استعملت بمعنى غير . المعنى : فغير الذين ظلموا القول الذى                      أمروا به بقول آخر ، والقول الذى أمروا به هو ( حطة ) بقولهم ( حنطة ) أو حبة حنطة أو حبة شعيرة.        وكل ما ورد من التغير جائز لاختلاف عبارات المغيرين فى القول الذى أمروا به فكان تغييرهم ظلماً           عظمياً لأنفسهم ، ولذلك قدر الله تعالى أن ينزل عليهم فى وقته رجزاً من السماء . والرجز من السماء إما         أن يكون من نوع الطير الأبابيل ، الذى يسميه بعضهم ( الميكروبات ) فأوقعهم فى الطاعون ، أو أنه            دخان أظلم الأفق فأماتهم الله به ، أو أنه ثلج تساقط عليهم ، فأهلك منهم سبعين ألفاً ، وكله جائز ، وهو           من السماء ، أى المكان السامى ، أى العالى ، أو أنه قاهر لهم ، فهو نزل عليهم قهراً ، فيكون من                  .

 

قوله تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ... ( 59 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السماء ، يعنى من القدر العالى ]بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ[الفسق فى اللغة خروج الحية من ثوبها يقال فسقت       الحية ، أى خلعت ثوبها ، وكل مخالف لأمر الله أو نهيه ، يكون خرج من حصن الأمن , فيكون فاسقاً                 شرعاً . والمعنى بفسقهم . فلفظة (مَا) فى قوله (بِمَا) مصدرية ما بعدها بمصدر . الفاسق أقل من            الظلم فان الظلم شرك,والفسق كبيرة,وهنا أنبه السالكين أن مخالفة السنة واستبدالها بغيرها من الحظ والهوى   والأوضاع التى وضعها الجاهلون , تقضى إنزال الرجز . ولكن اله إكراماً لحبيبه محمد eمنح أمته                  الأمن من الرجز العام , وجعله خاصاً بالذين يظلمون أنفسهم أفراداً أو جماعات . وما سمعنا أن هذا الرجز                 نزل على عامة المسلمين فى بلادهم , ولكنه ينزل على الظالمين فحسب , فقد يكون الجدب فى أرض ,                   والرخاء فى أخرى. أو الطاعون فى أرض , والعافية فى أخرى . أو الحرب فى أرض , والسلام فى أخرى,  فتحصل المبادلة والخروج إلى البلاد السليمة . ودليل ذلك ما نراه الآن فى بعض البلاد الإسلامية من                      نزول الرجز عليهم باحتلال العدو وتسليطه , أو بخروج الأمة بعضها على بعض , أو يحب المسلمين غيرهم               حبا يؤثرونهم به على إخوتهم المسلمين . قال تعالى : ]إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ[  والواجب على المسلمين أن يدفعوا عنهم شر الرجز النازل من السماء , بالرجوع إلى ما كان عليه               السلف الصالح .

قوله تعالى : وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَفَانفَجَرَتْ مِنْهُ                           اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍمَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي                         الأَرْضِ مُفْسِدِينَp60i

يذكرهم الله نعمته الثانية عشرة , التى هى من أعظم المنن عليهم , لا فرق بين أصحاب موسى عليه                    السلام فى زمانه ,وبين معاصرى رسول الله e, ممن أنكروا الحق الملموس , بحجة كتابهم                والمعجزات الباهرات , فهو سبحانه وتعالى يقول : واذكروا حالة سلفكم عند اضطرارهم إلى الماء ,                        حينما قالوا لموسى عليه السلام اشتدت حاجتنا إلى الماء ,فسأل الله تعالى أن يغيثهم بالماء , فرزقهم الله                بالماء من حيث لا يحتسبون , والماء فى هذا الوقت نعمة الدنيا والدين , أما للدنيا فلأن الإنسان لا يصبر                              على فقد الماء فى حياة نفسه , وحياة الأنواع التى بها حياته من نبات وحيوانات , وأما كونها نعمة فى                                     الدين , فإن انفجار الحجر بالماء بضربة بالعصا معجزة كبرى , تجعل العقول تسجد لآيتها , ولأن الماء          أمامهم كعنصر واحد , ويمد الأنواع النباتية بما أهلت له من مر وعفص وحلو وحامض ومز , وبالفكر                             فى تلك الحقائق يقوى اليقين بوحدانية الله وقدرته وحكمته , وأن تلك النعم التى ذكرت قبل , إنما                .

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نالوها باجتماعهم بكليم الله عليه السلام , فإنهم لما خالفوه : ]فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا          قَاعِدُونَ[تاهوا أربعين سنة فى الأرض مع شدة حر الشمس , فشكوا إليه فسأل الله فظلل عليهم         الغمام , واشتدت حاجتهم إلى الغذاء , فاشتكوا لموسى عليه السلام , فسأل الله فأنزل عليهم المن والسلوى                    مع خطاياهم الكثيرة , ولذلك فإن بعض العارفين قرر أن كل معجزة للأنبياء كرامة للأولياء . ولو أن        الماء والمن والسلوى والغمام كان معجزة لموسى فحسب لمنعها الله عنهم عند غيبته عنهم أربعينيوماً ,                  لمناجاة ربه , ولكن الله أكرم بنى إسرائيل فى غيبة نبيهم عليه السلام عنهم بما أكرمهم به                       فى حضوره .

وهنا أبين سراً غامضاً , وهو أنا نرى كثيراً من الحجارة يتفجر منها الماء بحسب الاتصالات الجمادية                     من حيث اتصال مسام الأرض . فقد يكون الماء فوق جبل من الجبال فى مستودع , فيتصل إلى مكان حجرى منخفض , فيخرج الماء من الحجر بحسب تلك الاتصالات فانفجار الماء من الحجر بضرب           الكليم , وإن كان الحجر كما ورد عن بعض المفسرين كان محمولا معه , فإن تك المعجزة ليست بأعجب         من نبع الماء من بين أصابع النبى , فإن نبع الماء مما ليس من عاداته أن يتفجر منه الماء أعظم فى المعجزة               وأجل فإنه لم يعلم بأن الماء ينبع من بين الأصابع إلا من بين أصابع رسول الله e, وذلك فوق                العادة وهى معجزة عظمى وشتان بين المحبوب والمحب , فإن الله محبوبه محمداً رسول الله صلى الله    عليه وسلم بقدر محبوبيته سبحانه له . هذا والحجر كان مكعباً له ستة وجوه . وجه فوق الأرض ووجه                      مسامت للسماء وأربعة فى الجوانب الأربع , ففجر الله من كل وجه من الوجوه الأربعة ثلاثة أنهار فيكون                مجموع ما فجره سبحانه وتعالى اثنتى عشرة وهى معجزة دالة على قدرة الله وحكمته , لأن بنى إسرائيل               اثنا عشر سبطاً فجعل الله لكل سبط عيناً - ]فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا                     عَشْرَةَعَيْناً[فضرب فانفجرت . وقول بعض المفسرين إن الماء كان قبل ضرب موسى الحجر       بعصاه فإنه بمجرد قول الله ]اضْرِب[انفجر الحجر عيوناً فهو مسلم بالنسبة للقدرة , ولكن كمال المعجزة                       لموسى عليه السلام أن يضرب الحجر حتى تقوم الحجة أنه رسول الله .

وقد اختلف المفسرون فى حقيقة الحجر لم يرد به صريح القرآن , فقال بعضهم إنه كان عند            شعيب عليه السلام وكان من الجنة فأعطاه لموسى عليه السلام مع العصا . وقال بعضهم إنه حجر وضع      موسى عليه السلام ثوبه عليه عند نزوله البحر للغسيل فمر بالثياب بعيداً عن موسى . وموسى يقول ثوبى        حجر حتى خرج من البحر وأدرك الحجر , فقال له جبريل احمل هذا الحجر معك , فإن لك فيه معجزة .

 

 

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ..... ( 61 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهنا نعلم أن الكامل فى نبوته من أولى العزم أو ورثتهم جمع الله فيه الحقائق جميعها فيفهم عنها وتفهم            عنه بكل أنواع الدلالات , لأن قول موسى عليه السلام ( ثوبى حجر ) ينبغى أن يكون عن علم بأن                                الحجر يسمع كلامه وإلا كان عبثاً . وحكمة مرور الحجر بثياب موسى عليه السلام أن بنى إسرائيل                              كانوا يتهمون موسى عليه السلام بأن له أدرة فأراد الله أن يكذبهم فأمر الحجر أن يبعد عن شاطىء                 البحر حتى أسرع وراءه موسى عليه السلام عرياناً ورآه بنو إسرائيل فجعللهم بالخزى , وقال بعضهم إنه                  حجر من الجنة نزل به آدم عليه السلام فتوراثه الأنبياء , وكان له أربعة وجوه كل وجه كثدى المرأة            وكان عدد الأنهار التى جرت من أوجه الحجر دالة على رحمة الله وكمال عدله وفضله , لأن كل نهر كان   لسبط من بنى  إسرائيل فلم يحصل عند الاحتياج إلى الماء ضيق على أحد ولا منازعته فى تناوله , كما قال تعالى : ]وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمبَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ[.. ]قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ[علم كل سبط من الأسباط محل وروده على الماء علم اليقين بشهود بوسعة جعلت       القوم فى راحة وهناءة . أمره سبحانه لهم بقوله : ]كُلُواْ وَاشْرَبُواْ[للاباحة, أى مباح لكم أن تأكلوا              مما أنزلنا عليكم من المن والسلوى وما أجرينا لكم من الماء حيث شئتم , ومتى شئتم .

ولما كان المن والسلوى والماء تفضل الله بها عليهم من غير كسب ولا فكر ولا عمل منهم أنزلهم            منزلة أهل الجنة الذين لا يرون لأحد ولا لأنفسهم فضلا إلا لذلك قال سبحانه : ]كُلُواْ وَاشْرَبُواْ              مِن رِّزْقِ اللَّهِ[أى من الرزق الذى تفضل به عليكم من غير سبب قائم بل من حيث لا تحتسبون .                      قلوه تعالى : ]وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ[نهاهم سبحانه وتعالى عن كبيرتين عظيمتين عن الإفساد        فى الأرض وعن الدوام والاستمرار عليه , فإن العثىّ هو الفساد الوحشى الدائم . ويدل على ذلك قوله        تعالى : ]مُفْسِدِينَ[يعنى كونهم مفسدين , أى حال مؤكدة .

 

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍp61i

 

يذكر ربنا جل جلاله بنى إسرائيل نعمه المفاضة عليهم مع توالى خطاياهم , ليكشف الحجاب عن                             أهل محبته , فيظهر لهم كمال فضله على جميع خلقه , لا فرق بين المطيع والعصى بالنسبة لنعيم الأشباح             وملاذها . فإنا نرى الكفار متمتعين بشهوات تلك الدنيا وملاذها أكثر من الأنبياء والأولياء , ونراه              سبحانه وتعالى يتفضل بخيرات حبه وقربه وشهوده وإحسانه بالعلم الإلهى على من اختارهم واصطفاهم من       خيرة خلقه . يقول بنو إسرائيل لكليم الله سبحانه وتعالى : ]لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِد[كما قالوا :        ]   لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً[. ولن للنفى مع التأييد ظاهراً , فنفى عنهم الصبر , والصبر هو     

.

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحمل النفس فى سبيل رضاء الله تعالى , وهذا القول معصية كبرى لأنهم لم يتحملوا الصبر فكيف                يتحملون الذل , فإن الرضا هو فرح النفس بِمُرّ القضاء . وإذا فقد الإنسان الصبر والرضا نافس فى الربوبية,    لأنه يرى لنفسه حقاً على ربه وحرمانه منه ظلم من ربه , وحسبهم بذلك تعرضاً لمقت الله تعالى : وكان   الطعام الواحد الذى ذكروه هو المن والسلوى وجعله واحداً مع أنه اثنان , إما لأنه طعام اعتادوه وصار       واحداً , أو لأن الطعام كان السلوى والمن شرابهم أو فاكهة يتفكهون بها , ويظهر أن القوم كانوا أهل     فلاحة اعتادوا طعام الخضر . فقولهم هذا يريدون به الخروج من أرض التيه فى الجملة إلى مصر من          الأمصار . وقولهم يا موسى ادع لنا ربك , لا يجعل تلك المعصية عفواً كما بين ذلك بعض المفسرين  ,     فإن الواجب على أصحاب الرسل عليهم الصلاة والسلام أن لا يسألوهم عن شىء إلا إذا أحدثوا منه        لهم ذكراً .

ولقد بين الله الأدب فى صحبة المرشد فى حادثة موسى والخضر عليهما السلام , فإن موسى عليه       السلام سأل الخضر عندما ظهرت له مجاوزته الحدود الشرعية , فذكّره قوله : ]إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا[  , فإذا كان هذا الكليم مع الولى , فكيف يكون أدب المسلم مع النبى عليه الصلاة والسلام      واعتذار بعض المفسرين عنهم لا يبرر قولهم فيهم إلا فى إقامة أقاموا أنفسهم فيها , أما وقد أقامهم الله       فالواجب الصبر وحرمانه معصية , ولكن الله جل جلاله قدر فى أزله أن يعطى الدنيا لمن يحب ولمن       يكره ولا يعطى الإيمان إلا لمن يجب , وإجابة الله دعاء كليمه عليه السلام بقوله : ]اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ       لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ[ليست دليلا على رضائه عنهم , ولكنها حجة على أن يجيب الداعى مطلقاً فضلاً منه          وكرماً , ولو كان عاصياً ما دام الدعاء غير معصية فى نفسه .

قوله تعالى : ]فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَاوَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا            وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِيهُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّاسَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ                  عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍمِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِوَيَقْتُلُونَ                 النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْيَعْتَدُونَ[.

الفاء هنا فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا قبلت كلامنا ]فَادْعُ[,               والمعنى : فاسأل ربك يُظهر لنا بعض الذى تنبت الأرض , وبينوا هذا البعض بقولهم ]مِن بَقْلِهَا[          والبقل : كل نبات يؤكل بطبخ وبدون طبخ , كالفول والجلبان والهندبا والخس والفجل والجرجير       وغيرها.والقثاء معلومة وهى الخيار,والفوم كلمة دالة على أنواع كثيرة : هى الحنطة والثوم والذرة والشعير

 

 

 

 

 

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ..... ( 61 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والعدس ويكثر فى بلاد مصر وهو أجود والبصل لا يخفى على أحد , وتخصيصهم تلك الأنواع لأنها         مكونة من العناصر المفيدة لأبدان أهل الفلاحة ولكل نوع منها فصل خاص من فصول السنة , لأن         الله قدر إيجادها بحسب الضرورة إليها فى أيام القمر والقيظ , وقوله تعالى : ]أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِيهُوَ أَدْنَى[    من تلك الأنواع ]بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ[من المن والسلوى .

والمعنى أن البقل والقثاء والفول والعدس والبصل أنواع دنيئة , لأنها تكثر الدم الحار فتهيج الشهوة     والبغى والعدوان , وتوقع فى معاصى الله تعالى وسوء الأخلاق . أما المن والسلوى , فإنهما يولدان دماً                 صافياً يؤدى إلى الحلم والأناة والخشية من الله , ولذلك كان خيراً فضلا عن حلاوة طعمها وسهولة      قضمهما وهضمهما,وحصول المساواة بين الأفراد,فينتج الحب والرد والود وينفى الحسد والطمع والحرص,     فيكون خيراً للصحة خيراً للدين والدنيا ,وأما الأنواع التى استبدلتموها بهما , فحقارتها لأنها مضرة   بالأجسام ومفسدة للأخلاق منساة للآداب الشرعية , وكذلك يقول الله تعالى , أو يقول موسى  :              ]أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِيهُوَ أَدْنَى[من الدتاءة أو من الأدون بالذى هو خير . ولفظة استبدل أو بدل                 تقتضى أن المفعول الأول هو المرغوب فيه والمفعول الثانى هو المرغوب عنه , فإذا قلت استبدلت الذكر    باللهو يكون المعنى رغبت فى الذكر وتركت اللهو : قوله تعالى : ]اهْبِطُواْ مِصْراً[الذى أفهمه أن الهبوط          ليس مكانياً , ولكنه هبوط قدر ورتبة , كما قال لآدم وحواء : ]اهْبِطُا مِنْهَا [أى انزلا عن قدركما ,          وإن كان الهبوط المكانى تحقق وفى قوله تعالى :]اهْبِطُواْ مِصْراً[إشارة إلى سبحانه وتعالى سلب      منهم الصبر الذى يقوى النفس على تحمل أعباء القيام بأوامر الله تعالى , فقوله تعالى : ]اهْبِطُواْ مِصْراً[       دليل على أنهم استحقوا من الله أن تضرب عليهم الذلة والمسكنة , لأن الأرض التى كانوا فيها متعهم الله     فيها بما هو فوق ملك الأرض لكل واحد منهم , فليس عليهم آمر إلا الله تعالى ثم كليمهوليس ثم          منافس ولا منازع لحصول المساواة المطلقة بينهم , وفقد المعاوضة التى تقتضى المفاوضة للمعارضة ,                  حيث لم يكن ما يوجب التنازع ولا الحسد , لأن طعامهم المن والسلوى وشرابهم الماء الذى تفجر من            الحجر , وهى عيشة كعيشة أهل الجنة , ولكن أبت النفوس اللقسة إلا الخروج من الحق إلى الباطل .            وفى قوله : ]مِصْراً[دليل على أن الأمصار وإن كانت جامعة للخيرات وحصن الأمن لأهلها , إلا أنها              تضرب على كل فرد من أهلها الذلة والمسكنة : أما الذلة فلأن الأمصار لا بد أن تكون مسكونة من                          هيئتين حاكمة ومحكومة , والحاكم مهما بلغ من المقامات العالية لا يكون معصوماً فيحكم بالعدل والقسط ,            بل تتفاضل الناس أملمه , فكيف به إذا كان كافراً أو فاسقاً ما لم يكن الحاكم رسولا أو صديقاً يجتهد              .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن يحافظ على آثار الرسل عليهم السلام . قوله تعالى : ]فَإِنَّ لَكُم مَّاسَأَلْتُمْ[فى تلك الجملة إشارة إلى    التهديد , لأنه سبحانه جعل لهم ما سألوه فقط , والقوم ما سألوا إلا البقل والفوم والقثاء والعدس والبصل ,  ولو أراد سبحانه أن يوسع لهم الفضل لقال اهبطوا مصر فأعطيناكم الخير مثل . ]وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ           الذلة الْمَسْكَنَةُ[.

أما ]الذلة[فالجزية التى قضيت بها الشريعة الإسلامية , وأما المسكنة فالفقر لمخالفة الإسلام ,                 والمسكين هو الذى قصم فقارة ظهره الاحتياج فأسكنه إلى الأرض فصار مسكيناً , وهذا جزاء من يخالف     الرسل عليهم الصلاة والسلام , وهذا خطاب لمعاصرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً , لأنهم علموا        ان سلفهم خالف سيدنا موسى فانتقم الله منهم وأنذرهم مخالفة رسول الله فيصيبهم هذا الشر وصدق الله          العظيم , فإن اليهود منذ الكليم عليه السلام وهم يحاربون الرسل ويخالفون أوامر الله تعالى ولو تصفحنا        بطون التاريخ لعلمنا من سيرهم أنهم جنود إبليس  ونحن الآن نراهم فى كل واد يتركون الفساد والضلال       ولا يتركون مسلماً ولا نصرانياً إلا سعوا فى أذنيه , لأن الله ضرب عليهم الذلة والمسكنة حتى يمحقهم           محق قوم عاد وثمود . قوله تعالى : ]وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ[فلفظة ]َبَآؤُوْاْ[: أى رجعوا مجللين    بالذلة والمسكنة من حيث أجسامهم , وبالمقت والغضب من حيث نفوسهم . فإن نفوسهم لا تتحرك          ولا تهتم إلا بالخطايا , لأن غضب الله تعالى يقدره على كل من حارب الرسل , لأن من خالف الأمر                             بجوارحه وتلومه نفسه لا يغضب . ولكن يؤاخذه سبحانه وتعالى .

وهنا سؤال : هل هذا الحكم يسرى على معاصرى رسول الله eمن اليهود أم لا ؟ والحقيقة                                  أنه يحيط بهم لأنهم حاربوا رسول الله eكما بينت لكم . قوله تعالى : ]ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ              يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَالأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ[. هنا كأن سائلا سأل فقال : لم تلك العقوبات         الصارمة ؟ فقال الله تعالى : ]ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ[الخ .

وهنا سأل سائل . فقال : إن الله حكم على اليهود بالمسكنة , وإنا نراهم أغنياء العالم ؟ والجواب : أن   المعطى هو المانع , فأعطاهم المال الكثير وسلبهم غنى القلب , فتراهم فى هم وغم وعناء وشقاء فى سبيل  جمع المال , وهذه هى المسكنة الحقيقة . قوله تعالى : ]يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ[أى يكذبون الأنبياء                    لأن الأنبياء جاءوا بآيات الله تعالى , كما كذب معاصرو رسول الله eبآيات الله وتكذيبهم كفر .            ]وَيَقْتُلُونَالنبِيَينبِغَيْرِ حَقٍّ[ القتل معلوم , وهو إزهاق النفس .. وكم قتل اليهود أنبياء : كزكريا            ويحيى عليهما السلام وغيرهم ]بِغَيْرِ حَقٍّ[مؤخر عن تقديم لحكمة  ,فكأنه تعالى يقول :                       .       

 

 

 

 

قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ..... ( 61 ) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]وَيَقْتُلُونَالنبِيَينبِغَيْرِ حَقٍّ[فبغير الحق متعلق بيقتلون و لأن القتل قد يكون بالحق و بغير الحق .              وذلك لأن قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق , لأن وضع تلك الكلمة مؤخرة عن تقديم تدل على                أن فى الأنبياء من يقتل بالحق , وذلك مستحيل شرعاً , ولا يتحقق القتل إلا فى مرتد أو قاتل                   أو مفسد فى الأرض . قوله تعالى : ]ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ[. يبين لنا سبحانه أن العقاب                       الذى أوقعه بهم لما ارتكبوه من الخطايا غير ما ذكره سبحانه . وعلى هذا يكون العاصى ثلاثة أنواع :                   معاصى الجبروت , والمعاصى الإبليسية , والمعاصى الحيوانية . وشرها وأكبرها الجبروتية التى هى                    الكبرياء والعظمة جحوداً ومنازعة الربوبية فى حلالها وجمالها , وتلك الذنوب أعاذنا الله منها وهى    الموبقات الماحقات التى تسخط الله على العبد وتغضبه , وتجعل صاحبها مغموساً فى لعنة الله .

أما الذنوب الإبليسية وهى قريبة من الذنوب الجبروتية هى إنكار الحق وعداوة أهله والحسد ,                          والسعى بالإفساد بين أهل الصفا , وإغراء الناس على الفحشاء والمنكر , وإيقاع الحروب بين الأمم .             ولا يخلو إنسان لم يتجرد من بشريته مهما كان فقيراً أو غنياً إلا وفيه شعبة من تلك الكبائر الجبروتية        والإبليسية , فترى العامل الفقير إذا خرج من عمله أو توجه إلى بيته تأوه وقال العمل عناء , ماذا أفعل ؟                           أنا كدت أكفر ؟ وترى العالم الفقيه التقى الورع إذا جلس يقرر درساً وكان دقيقاً فى معناه ومبناه , قال                  لولاى ما فهمتم . ومن الذى يمكنه أن يفك تلك المعضلة غيرى ؟ وأنا الذى كشفت غوامضها . وترى      الولى صاحب الكرامات والبينات يقول لجماعته : حالى أعلى مقامكم , همتى منحتكم العلوم ، أنا يمكننى  بهمتى أفعل وأفعل وأفعل , ثم يذكر ميزته ويهمز ويلمز . وترى من جمله الله بما ليس أهلا له من الملك          والمال وتنفيذ الكلمة , ويجهل أنه جرى فى مجرى البول مرتين وينازع ربه تعالى , ويغضب على من              لم يتملق بين يديه , ويخاطبه بخطاب الألوهية قائلا : يإجلالة الملك , والملك عبد مسكين , يأكل                               ويشرب ويتغوط وينام . وإذا خلا يفعل مالا يفعله العاقل من المنكرات , ولجهلة يعتقد أنه ملك حقاً .                                                 فالإنسان بهذه الصفة يجهل نفسه ويجهل ربه وينازعه فى صفاته العلمية مع أن شرياناً صغيراً لو تحرك        حركة صغيرة لألزمه الفراش يستغيث ويجأر ويستنجد بالأطباء وينسى دعواه الباطلة , فإذا شفاه الله                وعافاه يرجع إلى الكبرياء والعظمة ..

أما الذنوب الحيوانية : فهى أقل أنواع المعاصى , لأنها تكاد أن تكون فطرة فى الإنسان , لأنه                                       حيوان يمتاز عن البهائم بالنفس الناطقة , وهو بحيوانيته مضطر إلى منازعة الحياة لتكمل لديه ضرورياته        وتلك الضروريات تقتضى تعاون كل أفراد الإنسان بعضهم لبعض , إلا تلك الضروريات كلها يجمل                .

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن يكون الإنسان العامل محصناً بالشريعة المطهرة , فإن الله أباح الكسب الحلال من وجهه ,             ولو أنك تكتسب فى اليوم ألف دينار . وأباح لنا جميع الطيبات من مأكل شهى , ولباس بهى .          وفراش وطى , ومنكح وفى – قال تعالى : ]قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ           مِنَ الرِّزْقِ[وإنما حرمت الشريعة من كل الطيبات أن تتصرف فى حقوق الغير , وأن تتعدى حدود          الله فيما نهاك عنه . وقد فتح الله تعالى باب التوبة على مصراعيه لمن ارتكب معصية من معاصى البشرية       وأقبل على الله تائباً نادماً . ولكن المعاصى الجبروتية والإبليسية فإن الله تعالى يقول فى الجزاء عليها :     ]إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنيَشَاء[وهذا معنى قوله تعالى : ]ذَلِكَ             بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ..[

 

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْآمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ                                               الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَp62i

 

]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ .. ألخ [الآية . بعد أن ذكر سبحانه وتعالى أخبار أعداء                            أنفسهم , وما أعده لهم من سوء العاقبة , تنزل جل جلاله بما هو أهل له من الحنان والعطف والرحمة       والإحسان ففتح أبواب الخير لعباده , ليجعلهم على الحق بفضل منه  ,فقال مؤكداً الخبر بإن ]إِنَّ          الَّذِينَ آمَنُواْ[مبتدئاً بأهل الإيمان ليشرح صدور من سبقت لهم منه الحسنى بخبره هذا عن تلك الأنواع             كلها . ومعنى ]آمَنُواْ[هنا : أى صدقوا الله ورسوله مع الدوام والاستمرار على التمسك بعقيدة الإسلام                              والعمل بشرائعه . وإن فسر بعضهم قوله تعالى ]آمَنُواْ[أى بالأنبياء عليهم الصلاة السلام قبل بعثة         رسول الله e, ولكن سياق القرآن يقضى بكشف الستار عن عميم الرحمة والترغيب فى الإسلام ,                                   أما من آمنوا بالسابقين من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إيماناً لم يَشُبه زيغ ولا ضلال مما وقع فيه             اليهود والنصارى , فذلك معلوم من الدين بالضرورة أن لهم الأجر والثواب , أما أهل الفترة من أهل                    الجاهلية وغيرهم , فإنهم ناجون إلى بعثة رسول الله e, أما بعد بعثته عليه الصلاة والسلام وعلمهم                       به , فإنهم يكونون كفاراً مخلدين فى النار إن النار إن لم يسلموا .

]وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ [أما الذين هادوا , فان كانت الكلمة عربية , فهاد                                                 يهود : يعنى تاب يتوب , بدليل قوله تعالى :]إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ[وإن كانت غير عربية , فمعناها           تهودوا , يعنى دخلوا فى اليهودية , والحكم إنما هو لمن أدركوا عصر رسول الله eبدليل قوله تعالى :    ]مَنْآمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِالآخِرِ [والنصارى جمع نصرانى , والأنثى منه نصرانية , أو نسبة إلى المدينة      .

 

 

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ..... ( 62 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(نَاصِرَة ) التى أنزل بها المسيح , فكانوا يسمونه ناصريا , وهم الذين ظنوا أنهم آمنوا بالمسيح , ولكنهم           اختلفوا فيه : فمنهم من قال هو ابن الله , ومنهم من قال هو الله . ومنهم من قال حل فيه الله . ومنهم من                       رأى قداسة مريم وهم أهل التثليث . ]وَالصَّابِئِينَ [: الصابىء لغة : هو الذى يميل عن دينه , سواء                   أكان من باطل إلى باطل , أو من حق إلى باطل , أو يبتدع فى الدين بدعة تخالف الإجماع , وهم أهل           الآراء الفاسدة والمذاهب الباطلة فى كل ملة , جمعهم الله مع ما هم عليه من الكفر بالله ليقيم الحجة سبحانه                                عليهم أن من آمن منهم بالله,أى صدق رسله عليهم السلام فيما جاءوا به من عند الله تعالى:]وَعَمِلَ صَالِحاً[أى أنه حفظ أنفاسه وجوارحه من مخالفة السنة , وقام بما أوجبته الشريعة عليه من أركان الإسلام وسننه                   التي جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " الإيمان بضع وسبعون شعبة ) فإيمان المؤمنين ثباتهم  على التصديق بما جاء به رسول الله صلى الله وسلم , وقيامهم بالعمل بما أمر به مع الاستطاعة ,                                                  وتركهم ما نهى عنه عليه الصلاة والسلام مطلقاً . فإن المسلم يجب عليه أن يفعل ما أمر به مع الاستطاعة ويجب عليه أن يترك ما نهى عنه مطلقاً إذ لا عذر لمسلم يدعوه إلى الوقوع فى معصية الله تعالى , لأن الله     تعالى ما نهانا عن شىء فيه نفع لنا أبداً بل نهانا عن كل ضار بالدين والجسم والأهل والمجتمع الإسلامى .              وقد أغنانا الله بما وسع لنا فيه من ضرورياتنا وكمالياتنا .

والشريعة هى الطريق الواسع الذى لا يضيق على سالك فيه . وإيمان غير المؤمنين هو اعتناق الإسلام                     بقلب وقالب ]فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ[الجملة بعد الفاء جواب الشرط , والشرط وفعله وجوابه خبر ,        لأن السابقة والأجر معلوم أنه الجزاء الحسن على العمل الحسن , كما أن العقوبة هى الجزاء العدل على                      العمل السيىء . وفى العقوبة غاية العدل من الله تعالى . وفى الأجر نهاية الرحمة والفضل .

وهنا إشارة عجيبة : لأن الأجر لا يكون إلا لعامل بحوله وقوته , مكافأة له على ما ضحى به من العمل .  والحق جل جلاله هو الفاعل المختار المنزه عن الشريك والمعين . ومن فهم قوله تعالى : ]وَقَدْ خَلَقْتُكَ     مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا[يذق حلاوة ما أقول : إن الله تعالى تفضل علينا بالإيجاد , وأحسن إلينا            بالإمداد قال سبحانه وتعالى : ]وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون[, وتنزه جل جلاله عن أن ينتفع بمخلوق         خلقه , أو يحتاج إلى عمل عامل من خلقه , فكيف يقول : ]لَّهُمْ أَجْرُهُمْ[  إلا أنى على قدر فهمى فى     هذه الآية الشريفة أقول : إن الله تفضل بالإيجاد والإمداد فوقنا لمحابه ومراضية , وهدانا صراطه          المستقيم , وأكرمنا بأن جعلنا خير أمة أخرجت للناس , ثم تفضل فضلا أعظم فأكرمنا بنسبة عمل                   الطاعات لنا , وبأن تلك الطاعات له منا بنا . ثم جعل سبحانه ما أعده لنا من الملك الكبير جزاء أعمالنا           .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التي وفقنا لها ليكون إكرامه أجمل وإحسانه أشمل , ولنتذوق حلاوة وسعة رحمته وجمال إحسانه وخير              حنانه , فنتخلق بخلق من أخلاقه فى معاملة إخواننا المسلمين الذين جذبتهم العناية إلى القيام لرب العالمين .      وهذا مشهد من مشاهد التوحيد العلية . كشف الله لنا تلك المقامات كلها , وحفظنا من العمى فى تلك          الدار الدنيا , حتى نشهد كل المشاهد ونحفظ من قوله تعالى : ]وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي            الآخِرَةِ أَعْمَى[.

وهنا جذبت جواذب الألطاف الإلهية , من قدر الله لهم فى الأزل أن يلحقوا السابقين الأولين             بفضل الله وبرحمته . قال تعالى : ]قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌمِّمَّا يَجْمَعُونَ[.            عطف سبحانه وتعالى الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله جل جلاله , وفى ذلك من عجائب الحكمة            الإلهية ما لو انكشف لذوى الألباب لكان المجتمع الإنسانى العام كالجسد الواحد كل فرد منه ككل                   عضو فى الجسد يعمل لخيره , لأن الإيمان باليوم الآخر مع المراقبة يشهد الإنسان شهوداً تصويرياً بهجة                   النعيم المقيم فى سبيل عمل قليل يستطاع , فينجذب الإنسان بعوامل الرغبة الشديدة والشوق المزعج إلى         الفوز بهذا الملك الكبير , وفى دار البقاء جوار الأنبياء والصديقين والشهداء ,  ويجعله يحارب هواه وحظه               وشهوته , محاربة من يشعر بآلام النار عند هجوم سلطان الحظ والهوى والشهوة . ومتى راقب المسلم                     تلك الحقائق التى توعد بها القرآن أهل الكفر بالله , رسم على جوهر نفسه رسوم تلك الحقائق من           الآلام والعذاب والبلاء الشديد الذى يقع فيه المخالف للشريعة , فى صغير الأمر وكبيرة , فيفر من الوقوع      فى المعاصى كما يفر من الوقوع فى هوة نار ملتهبة , وما أرتكب العصاة الكبائر ووقعوا  فى الكبائر والآثام           إلا لنسيانهم ذلك اليوم . قال تعالى : ]الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا[وقال تعالى                       ]بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[. ولما كانت تلك الملاحظات تكبح جماح النفوس عن غيها وتقيم الحجة                         على إيمان المرء بالغيب الذى سمع به من الصادق ولم يره صار برعايتها ناهجاً الصراط المستقيم مصححاً         حالة عملا , ولذلك فإن الله تعالى عطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بذاته العلية , ورحمة منه بخلقه       وإحساناً إليهم .

وقد تقدم شرح حقيقة الإيمان فيما سبق من الآيات بقوله تعالى : ]عِندَ رَبِّهِمْ[تدل أهل               المعرفة بالله أن هذا الأحر فوق الجنة مكانة , لأن الأجر عند ربنا جل جلاله واسع جداً : فقد تكون        الجنة , وقد يكون مقعد صدق , وقد يكون الرضوان الأكبر , وقد تكون مواجهة وجه الله تعالى ,             والأنس على بساط مؤانسته . وقد وقد وقد .. كما قال تعالى : ]فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن                 .

 

 

 

 

 

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ..... ( 62 ) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قُرَّةِ أَعْيُنٍ[وبرهان صحة الرعاية والتمثيل قوله تعالى : ]كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ#  لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ#ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ[. ]وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[ .

معلوم أن الإنسان بما ركب فيه من عناصر تقتضى تغيراته , حتى إذا تم اعتبار المثنوية تحقق بأنه         لا يصفو نفساً من الأنفاس إلا وهو تحت تأثير تلك التغيرات : فتراه موفقاً للخير مقبلاً على الله بكليته ,   وأخرى ملتفتاً عن الحق سلس القياد للشهوة حريصاً على الدنيا والسعى لها , ومرة تراه زاهداً ورعاً                 خاشع القلب خانع الجوارح لله تعالى , وأخرى تراه فى حيرة ودهشة مما يرد عليه من غرائب الآيات                    وأسرارها , وآنا يكون كافراً جاحداً منكراً . وكل تلك التأثيرات والانفعالات النفسية خصوصاً إذا        كبرت سنة وضعفت قوته وتحقق الورود على البرزخ , ويخاف الرجل من سوء ذنوبه ومن الحساب يوم      لقاء ربه , ويحزن على أولاده وأهله بعد مفارقته إياهم , فلمزيد الفضل من الله تعالى طمأن قلوب من              آمنوا به وبآياته , وعملوا الأعمال الصالحة التى بينتها لك فى أول الآية فى قوله تعالى : ]وَلاَ خَوْفٌ       عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[, أى أنه تعالى بدل سيئاتهم حسنات , فأمنوا على أنفسهم من الحساب يوم                    لقائه , واظهر لهم سبحانه إمٌا بإلهام أو وارد أو بشرى من ولى عراف , بأن الله يكون ولياً ووكيلا على         أولاده . تلك الآية بعد خبر الله تعالى بقوله : ]فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ[تدل على ان هذه البشرى                      من الله تعالى لمن أقامهم الله مقام المخاطبين بكلامه , لأن الله لو منحهم هذا الأجر الذى هو عنده لما خطر                   على قلوبهم دواعى خوف أو مقتضيات حزن .

وقد يكون خوف كمل أولياء الله تعالى أشد من خوف العصاة , لأن أولياء الله تعالى يخافون أن                 يوفقهم موقف عدل , أو يحجبهم عن شهود جماله العلى , أو يبعدهم عن الأنس على بساط مؤانسته قدام          وجهه . أما العصاة فخوفهم من النار التى تفرق الأجسام. أما النار التى توقد فى القلوب فمنها خوف العارفين                      والمقربين وهى المشار إليها بقوله تعالى : ]نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ[. ]وَلاَ هُمْ               يَحْزَنُونَ[أى لا يحصل لهم حزن والحزن قبض القلب من توقع ضرر أو غلبة عدو أو دين , أو من               خوف ضياع خير أو مفارقته , والإنسان بعد أن ألف الحياة الدنيا , وأعتقد أنه سبب لنفع أهل أو أولاد      أو أقارب , إذا ظن أو تحقق مفارقته لهم فيكون مع كرب الموت كرب تلك الحالة , فيخفف الله                   عنه شدة الحزن بالبشائر عند الموت بأن الله تعالى يكون وليه ووصية على من يفارقهم , وفى حالة الصحة        يرد على قلبه الثقة بالله تعالى وانتظار النعيم المقيم يوم القيامة فيزول حزنه . وقد وعد الله تعالى أهل الإيمان                   به بخفى ألطافه فى كل دور من أدوار حياتهم مهما اعتورتهم الأهوال والشدائد حتى لا يخلوا فيها إنسان           .

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مهما كانت حالته من القوة والشدة والغنى , لقوله تعالى : ]وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ[فسبحان من له       الخلق والأمر , وهو بكل شىء عليم .

 

قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَاآتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ                             وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَp63i

 

الميثاق : هو اليمين أو العهد الذى يقطعه على نفسه الإنسان ليقوم لغيره بما كلفه به أو طلبه منه ,                     وهذا الميثاق هو رفع الطور فوق رؤوسهم لما أتاهم موسى كليم الله بالألواح فيها حكم الله , وطلب منهم                       أخذها فأبوا عليه , وقالوا حتى نرى الله جهراً ويكلمنا كما كلمك , فأخذتهم الصاعقة , فكان ما بينته           له فى شرح الآيات السابقة . فلما أحياهم الله تعالى بتضرع كليمه قال لهم : أين كنتم ؟ قالوا : كنا موتى           وحيينا , قال : خذوا الألواح , فأبوا . فرفع الله الطور فوق رؤوسهم بقدرته الباهرة التى أبدع بها كل            شىء , وطلب منهم أخذ الألواح فتعهدوا بأخذها وخروا سجداً على جانب جباههم , والجنب الآخر              إلى الطور خوف وقوعه عليهم , فرفع الله الطور عنهم , وأمرهم الكليم عليه السلام أن يأخذوا الألواح           فأبوا ]خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ[فكان رفع الطور فوق رؤوسهم تهديداً لهم وهو الميثاق , وكأنه                  سبحانه وتعالى يقول : إن لم تأخذوا الألواح بقوة وإلا فالطور يلقى فيهلككم . والميثاق : قد يكون                           بالقول وبالحال وبالإشارة . فكان يومَ ألست بربكم بالقول والحال والمعاينة , وكان فى يوم بيعة الرضوان                بالقول والحال والعمل , وكان يوم ميثاق بنى إسرائيل بالحال والعمل فقط .]خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ[     تكليف من الله تعالى يقتضى وجوب الامتثال مع سرعة العمل وهو مما لا يطاق , لأنه لا مشقة فيه ,                   وليس بعدالأمر الصريح تأويل خصوصاً بالقياس , فإن أول من أول بالقياس إبليس أعاذنا الله منه              ]قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ[]بِقُوَّة[أى يقين ثابت لا ريب فيه ولا خديعة , لأنهم لو أخذوه بالقوة القاهرة                          لم يكونوا أخذوا , ومن فسر ذلك بالقوة القاهرة أن يطور فوق رؤوسهم نظر إلى ظاهر اللفظ لا إلى                 روح المعنى , فالقوة هنا بمعنى اليقين الذى لا شك فيه , لأن اليقين يأتى إما من صفاء جوهر النفس             لتصور المعنى و وإما من قوة الحجة والدلائل . فرفع الطور فوق رؤوسهم حجة قاطعة على أن الله تعالى                 هو الآمر بذلك , لأن موسى عليه السلام لا يستطيع أن يرفع حجراً منه . ورفع الطور هذا إشارة إلى                 ان الله تعالى كأنه يقول : صدق عبدى به من عندى . وفى قوله : ]بِقُوَّة[إشارة إلى                      العمل به مع الاستدامة وفقه معاينه، لأنهم أئمة لخلفهم من بعدهم. وتلك الآية أول آية بين الله فيها                   العمل من بنى إسرائيل , وهى تدل على أن معاصرى رسول الله eإذا خالفوه كما خالف أسلافهم            .

 

 

قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ..... ( 63) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موسى عليه السلام ينتقم الله منهم أشد مما انتقم به من أسلافهم الأول ]وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ                             تَتَّقُونَ[أمر الله بنى إسرائيل بذكر ما فى الألواح , من آيات الأحكام وأسرار شرائع الدين وأنوار             اُلحكم , أمراً يقتضى الوجوب ليتمثلوا تلك الحقائق بعد معرفة أنفسهم , فتنجذب نفوسهم وأشباحهم             بعد التمثيل الاستحضارى أو الشهود الحضورى , جذبة ترفعهم من حضيض الأسفلين إلى مقام الأرواح         العالية من عليين , فيكونون على الأرض بأجسامهم , وقلوبهم معلقة بالرفيق الأعلى .

وهنا يظهر لنا أن أمر الله بنى إسرائيل يذكر ما فى الألواح يقتضى أن يكونوا مأمورين بذكر ما فى              القرآن . ولذلك يجب أن تكون تلاوة القرآن وخدمته برعاية العمل به , فإذا تلاه التالى غير عامل به       ولا مجاهد نفسه فى جميع أقواله وأعماله وأحواله , لتكون مطابقة لما جاء فى القرآن المجيد , وإلا كان      ممن أخبرنا رسول الله eبقوله عنهم " إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من حفظ آية من القرآن                      ونسيها " ويكون معنى ونسيها , أى لم تحصل  له رعاية القرآن فى جميع شئونه , وذلك دليل على حرمانه          من ذوق الإيمان , فإن من ذاق حلاوة القرآن كان ورسوله أحب إليه مما سواهما , وكان حبه لغيره                  فى الله وبغضه فى الله , وكان يكره أن يخرج من الإيمان كما يكره أن يقذف به فى نار جهنم . ولا تكون        تلك الصفات العالية إلا لمن ذكر ما فى القرآن ذكر تمثيل فيما وعد به و ما  توعد عليه . كما قال تعالى:              ]كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ  ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ  [وهذا هو ذكر ما فى             كتب الله المنزلة , أما ذكره بالألحان والأصوات لذة بنغمات الأصوات مع الغفلة عما فيه فذلك غفلة            لا ذكر ، اللهم إلا إذا جمع الله للعبد حسن الصوت فى ترتيل القرآن ، وبين خشوع القلب أدباً على             بساط المخاطبة ، فإن من عباد الله من يسمع القرآن من الله مكافحة ، ومنهم من يسمعه من جبريل ،            ومنهم من يسمعه من رسول الله e، ومنهم من يسمعه من المرشد الكامل. ]لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[                                أىلتحصل لكم التقوى ، لأن لعل هنا بمعنى اللام ، وقد تقدم ما فى ذلك . والتقوى فى هذا المقام               خشوع القلب لتأثيره بتمثيل الأحكام أمراً ونهياً واستحضار ما وعد الله به وما توعد عليه استحضاراً               يجعل القلوب تخشع والقلوب تقشعر فيسارع العبد إلى العمل بمحاب الله ومراضيه سبحانه ، وبذلك                   يجمله الله تعالى بجمال الأتقياء من خيرة عباده .

قوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَp64i

ثم هنا للبعد ما بين الإقبال على الله تعالى والحجاب عنه بالغفلة فى الدنيا ونسيان الآخرة وإن كانت              تدل على بعد الزمان , وتوّلى رجع وانقلب . وتولى على كذا من الولاية . وهنا ( توليتم ) أى خالفتم أمر     .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ربكم . وفى قوله ]مِّن بَعْدِ ذَلِكَ[أكبر العجب لأنه سبحانه وتعالى أفاض عليهم من النعم التى         يعجز العقل عن حصرها من غير حول منهم ولا قوة فأنجاهم من فرعون وأنزل عليهم المن والسلوى وسقاهم ماء عذباً نميراً ينبع من حجر صلد يحمل على الأعناق فى كل مرحلة . وغير ذلك من الإحسان الذى            يجعل المحسن عليه يلمس آثار الألوهية بيده فلا يغيب عنها لشدة ظهورها وقوة الحجة والدلائل القائمة               لها ومع كل هذا يلتقون بوجوه كالحة وقلوب قاسية بالقطيعة جانحة غير مبالين  بما توعدهم الله به إن هم   خالفوا .. وفى هذه الآية بيان جلىّ  لمعاصرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن الخطاب خاص بهم                دون غيرهم من معاصرى الكليم عليه السلام وإن كان معاصرو الكليم هو الذين ارتكبوا تلك               الكبائر فقد ذكرها الله تذكيراً لمعاصرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتدبروا سر الخطاب وليعتقدوا     أنهم يصيبهم ما أصاب سلفهم إن هم خالفوا رسول الله e.

قوله تعالى : فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَp64i

هذه الآية وإن كانت خاصة بالمخاطبين إلا أنها عامة , لأن الله تعالى ذو الفضل العظيم , ولولا                           فضل الله ورحمته على العالم أجمع , لخسف بهم الأرض , أو أنزل عليهم من السماء كسفاً . والمخاطبون  هنا هم معاصرو رسول الله e, لأن الله تفضل عليهم ببعثة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه , ورحمهم              بالقرآن المجيد , الذى هو خاتم الكتب , والمهيمن على جميع الكتب , الذى يقول الله فيه ]الْيَوْمَ           أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيوَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا[وقد ذكر الله لمن                            خاطبهم أن أسلافهم  وقعوا فى الكبائر , التى منها مخالفة الله تعالى , ومخالفة رسول الله e  القائم بين              ظهرانيهم بما تقدم فذكرهم بهذا الشأن , ليعتبروه عبرة تجعلهم يحذرون مخالفة رسول الله eويسارعون      إلى طاعته , وحسن اتباعه , حتى يفوزوا بهذا الفضل , الذى أمدهم الله به , وبالرحمة التى أحسن الله بها                 إليهم , وهى القرآن . وإنى أنبه قلوب إخوتى المسلمين أن كل آية نزلت فى الأمم قبلنا , تجب رعايتها                            علينا , فإن المسلمين مخاطبون بأكثر مما خوطب به أمم الأنبياء السابقين , بدليل قوله : ]الْيَوْمَ           أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [  ]لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ[الذين يخسرون فى الدنيا الحياة الروحانية                    فى طاعة الله , وفى الآخرة النعيم الأبدى فى جوار رسل الله عليهم السلام .

 

قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْكُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَp65i

 

أي لقد عرفتم . لأن العلم يقتضى عدم سبق الجهل , والمعرفة تقتضى سبق الجهل , فعلمتم هنا متضمنة            معنى عرفتم , أي أدركتم بالخبر المتواتر ما حصل لأسلافكم من النقم التى أحاطت بهم , بسبب مخالفتهم         .

 

 

 

قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ..... ( 65) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لكليمه عليه السلام ]وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ[أي خالفوا نبيهم فى تعيينه لهم                  يوم الجمعة للإقبال على الله تعالى وعبادته , فخالفوا وقالوا : إن يوم السبت استراح فيه ربنا , وترك فيه             العمل بعد خلق السموات والأرض , فهو أولى بأن يجعله للعبادة , كما قال عيسى لقومه : اجعلوا  يوم        الجمعة للعبادة , فقالوا : يا عيسى إن الأحد يعنى واحداً . والله تعالى واحد , وفيه افتتح الله العمل لخلق                       السموات والأرض , فنحن نقدسه لذلك , فأمر الله موسى وعيسى  أن يتركا القوم وما أرادوا . ثم أمروا                   بأن لا يعملوا فى السبت , فقبلوا وابتلاهم الله , بأن جعل السمك يكثر جداً بقرب ساحل البحر , وهم      يشتهونه , وفى غير السبت يبعد عنهم فوسوس إليهم الشيطان أن يتأولوا . أول من تأول رجل منهم       قبض على سمكة فى البحر , وربطها فى خيط , وربط الخيط فى وتد , وأخرجها يوم الأحد , فأكلها ,      وكان يظن أن تصيبه مصيبة على ذنبه , فلم تصبه , فتشجع وقام معه رجال , فحفروا بجوار الشاطىء حفراً              عظيمة , وجعلوا لها موصلا للبحر , فكن السمك يجرى فيها , ويقع فى الحفرة , فيخرجونه يوم الأحد                           ويستعملونه فى شهوتهم , وتأول آخرون , فأخذوا شحوم البقر والغنم المحرمة عليهم , وباعوها وأكلوا                        بأثمانها تأويلا , وهذا من الاعتداء فى السبت , الذى اقتضى قوله تعالى : ]فَقُلْنَا لَهُمْكُونُواْ قِرَدَةً           خَاسِئِينَ[وهذه  الحادثة قد بينها الله تعالى فى قوله : ]واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ[  وهى ( إيليا ) أما قوله تعالى : ]فَقُلْنَا لَهُمْ  [أي لمن ابتدأوا الاعتداء فى السبت , كلما قدمنا وقوله                ]كُونُواْ [من كلمة ( كن ) أي صيروا بكن ]قِرَدَةً[  ولقائل أن يقول : إن هذا مثل ضربه الله تعالى ,       أي أنه تعالى جعل قلوبهم قلوب قردة , وكذلك هممهم ونواياهم وقصودهم . جائز أن يكون نوع                   حقائقهم الإنسانية . وعلى هذا القول قد ثبت أنه سبحانه أبادهم جميعاً فلم يتناسل منهم نسل . وقوله                  ]خَاسِئِينَ[أي مطرودين ملعونين .

قوله تعالى : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةًلِّلْمُتَّقِينَp66i

الجعل معلوم , والنكال العقوبة الشديدة , والضمير  فى قوله ]عَلْنَاهَا[  الذى هو الهاء والألف           يعود على المسخة , التى مسخها الله إياهم , وإن جاز أن يعود الضمير على الحيتان , وإن لم يتقدم لها         ذكر إلا كناية , فجائز أن يعود على القربة , وجائز أن يعود على القردة الذين كانوا أناسى , وجائز أن            يعود على الأمة , التى اعتدت فى السبت . الذى يناسب التنزيل أن يعود على العقوبة التى هى مسخهم      ]لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا[يحذر الله سبحانه  من خلف من بعد من وقعت بهم العقوبة , أن ينكل                 الله بهم فيمسخهم , كما مسخ المعتدين فى السبت ]ولَاَ يَحِيِقُ الَمكْرُ السٌىٌء إلّا ِبأهْلِِه[. قوله                 .

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبحانه ]وَمَا خَلْفَهَا[يخوف الله من عصر الرسالة من بنى إسرائيل وغيرهم , ولم يشهد الاعتداء فى       السبت , أن ينزل بهم  هذا النكال , وهذا التحذير والتخويف والإنذار , لكل من خالف من بعدهم ,            ممن ارتكب معاصى الله تعالى , مخالفاً رسله صلوات الله وسلامه عليهم , وإن جاز غير ذلك , كأن     يعود الضمير فيما بين يديها , وما خلفها إلى المعاصى , التى عملوها قبل وبعد , حتى نكل الله  بهم . قوله               تعالى : ]وَمَوْعِظَةًلِّلْمُتَّقِينَ[يعنى عبرة وتذكرة للمتقين , وهم المسلمون , وإن جاز أن يكون لكل      تقى ممن أتبع الرسل السابقين عليهم الصلاة والسلام . والموعظة لغة : هى الذكرى والعبرة .

 

قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْبَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا                            هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَمِنَ الْجَاهِلِينَp67i

 

بين الله تعالى لمعاصرى رسول الله eبياناً , يقوم مقام المعجزة له عليه الصلاة والسلام , لأنه كان            أمياً لا يقرأ ولا يكتب , ونشأ بين أهل جاهلية عمياء , لا علم لهم بتاريخ الأمم قبله , ثم يخبرهم بما         لا يعمله إلا الراسخون فى العلم من أتباع الكليم عليه الصلاة والسلام , فيقول لهم اذكروا خطاياكم                 التى منها قول موسى الكليم عليه السلام لأسلافكم : ]إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْبَقَرَةً [من غير               تعيين ولا تخصيص , فأنكروا عليه بهراء القول , الذى لا يقال إلا لأهل الجهالة والسخافة ]  قَالُواْ          أَتَتَّخِذُنَا   هُزُواً[أى أتهزأ بنا فى قولك , وهى كلمة على جهلهم بنبيهم وبربهم وبأنفسهم , ولولا                  فضل الله عليهم لاختصاصهم بأن يكونوا أمة واحدة لكليمه , ورحمته عليهم بوجود كليمه عليه السلام بين           ظهرانيهم , لمسخهم قردة , كما فعل بمن اعتدوا فى السبت . واستهانة بالمخاطب وتكذيب له                  ]أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَمِنَ الْجَاهِلِينَ[الاستعاذة بالله الالتجاء إليه , والاستعانة به من الوقوع                          فيما يغضبه الله سبحانه ]أَنْ أَكُونَمِنَ الْجَاهِلِينَ[بعد أن أكرمنى الله تعالى بالنبوة وبالكلام وبالرسالة ,                       والجاهل هو الذى لا بصيرة له يحفظ بها لسانه , وجميع جوارحه من الوقوع فى الخطايا . فكل من                    خالف الشريعة بجارحة من جوارحه , كالعين والأذن واليدين والبطن والفرج , يكون جاهلا بالحقيقة ,     لأنه لو كان عالماً ما ارتكب ما يوقعه فى جهنم مخلداً . هل يقبل العقل أن أنساناً غير جاهل يرى          السبع فى الغابة , فيدخل عليه غير محصن بحصون الوقاية ؟ اللهم لا . وكل من سمع كلام الله أو خبر        رسول الله eأن الزنا حرام والربا والخمر والسرقة وما أشبهها حرام . هل يقع فى شىء منه ؟ اللهم       لا . فقولهم لنبيهم ]أَتَتَّخِذُنَاهُزُواً[حجة على جهالتهم . وتشديدهم على أنفسهم فى كثرة الأسئلة         لنبيهم , دليل على شكهم وريبهم .

 

 

 

قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْبَقَرَةً..... ( 67) البقرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى: قَالُواْادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُإِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّفَارِضٌ                                 وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْمَا تُؤْمَرونp68i

 

]سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِتَبْدِيلًا[ذلك أن الله ما أقام حياً يدعو إليه                   سبحانه وتعالى، وأيده بالمعجزات الباهرات، إلا ابتلاه بمن سجل عليهم القضاء بالكفر..انظر إلى            بنى إسرائيل، يسأل القاتل منهم نبيهم أن يبين لهم خفية الأمر فى المقتول، ومن الذى قتله والسائل هو          القاتل غير هياب ولا جل. وذلك دليل على نفاقهم وتكذيبهم أنبياء الله تعالى عليهم السلام، فلما                أمروا بذبح بقرة من غير تقييد، أنكروا كل الإنكار، وقالوا ما للقتيل وما للبقر، ولكنهم بعد الرد               عليهم بالشدة لم يقبلوا وقالوا لنبيهم ]ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ[وجهلوا أن أمور الرسل عليهم          الصلاة والسلام كلها اختبار من الله تعالى لتظهر قوة يقين القوم أو ضعفها، ولكن الحجة قامت على           أنهم ضعفاء الإيمان، لأن الذى قتل عمه وهو شقيق والده، لأنه كان غنياً ولا ولد يرثه، فتعجل الإيثار        بالمال وقتل عمه، فتدافع القوم فيه، فأسرع القاتل إلى كليم الله عليه السلام يسأله كما تقدم، وهل يفعل        مثل هذا مؤمن صادق.لا..

ومن إنكارهم قولهم:  ]ادْعُلَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِي[. وقد أخذ بعض المفسرين الواقفين عند                 دلالة اللفظ، أن لفظ النكرة عام يحتاج إلى بيان وتمييز وتخصيص، فجعل لأسئلته هذه وجهاً من التأويل،    ولكن أهل العلم بالله تعالى يرون أن كلام الرسل حجة لا تقابلها حجة. والواجب على من يسمع كلام        الله يبينه رسوله عليه السلام أن يتجمل بالسمع والطاعة، وأن لا يرفع صوته فوق صوت النبى بفتح أبواب  الفتن والتشديدات: قال ]إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَة[فيسارعون إلى ذبح أي بقرة، لأن                الله تعالى يخاطبهم على قدر عقولهم، وليس فى كلام الله تعالى فوق العقل إلا ما تعلق بذاته وأسمائه         وصفاته وأفعاله سبحانه، أو ما أنزله ولم يخاطب به إلا الراسخون فى العلم كالآيات المتشابهات فى القرآن.  وما على المؤمن الصادق فى إيمانه إلا أن يسلم تسليما وينفذ الأمر بحسب اللفظ الظاهر. ورسول الله e    بين ظهرانيهم، فإن كان محتاجاً إلى مزيد بيان بينه. والمعقول أن النوع من كل حيوان لا تتميز أفراده       بزيادة عضو أو بنقص جارحة بل كل أفراد النوع سواء من حيث ما كونت منه الحقيقة والله تعالى يقول:     ]إِنَّاللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً[أي أىّ بقرة كانت كما قال الله تعالى: ]  أَمْ تُرِيدُونَ أَن             تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ[.

وقد ورد فى الحديث الشريف أن رسول الله eكره من سأله مشدداً على نفسه، والقرآن نور                  .                                                                                         

 

 

 

]أسرار القرآن  [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ                                 منبلج فى صدور العالمين لا يحتاج إلى كل تلك المعارضات  فيه قال تعالى : ]الرَّحْمَنُ#عَلَّمَ الْقُرْآنَ#خَلَقَ الْإِنسَانَ#عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [وقال تعالى : ]وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ [. ومن تعلم القرآن قبل أن يتعلم    الإيمان والتقوى لا ينال من العلم إلا قوة الجدل والمناظرة التين ينالهما الكافر إذا تعلم العلم كما نرى الآن ..            أما أهل التقوى فإن الله عمر قلوبهم بالخشية منه والرغبة فيما عنده وسلموا لرسول الله eتسليماً .                           وقد نفى الله الإيمان عن قوم تعلموا القرآن قبل الإيمان , فأرادوا أن يزنوا القرآن بعقولهم وضوابطهم                         العقلية واللغوية فقال تعالى : ]فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْثُمَّ لاَ يَجِدُواْ              فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْتَسْلِيمًا[.

قوله تعالى : ]قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَذَلِكَ [

والمعنى أنه سبحانه وتعالى يقول :  إنها بقرة وسط ليست فارضاً أي هرمة ولا بكراً صغيرة لم يعلها                      فحل . و ]عَوَانٌ[أي أنها ولدت مرة فهى فى قوتها وشبابها .. وقوله تعالى : ]بَيْنَذَلِكَ[أي أنها            بين المرتين .. وقوله تعالى : ]فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ[أي نفذوا أوامر الله من غير تردد أسئلة تدل على                     الريب والشك . وهذا عتاب من الله  تعالى يشعر بان سؤالهم هذا من سوء الأدب . والواجب على كل                         من سمع كلام الله أمراً ونهياً , أن يسارع فى تنفيذه بقدر اجتهاد إن لم يعلم أسلوب التنفيذ بنقل عن            الصحابة والتابعين ...

قوله تعالى :قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُإِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ                        لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَp69i

لم يكتف بنو إسرائيل بأن حرموا التسليم لله ولكليمه عليه السلام بإجابتهم بسوء الأدب حتى                بين الله لهم بياناً فى البقرة لو أخذوا لفازوا به بعفو الله عنهم  ,ولكنهم رجعوا لعَنتهم وعمهم فقالوا مرة                ثانية ]ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا[الخ الآية . اللهم إنك من تهدى فهو المهتدى ومن لم تجعل له                   نوراً فما له من نور : يسألون عن لون البقرة وألوان البقر كله متناسب تقريباً , ولكن ضعف الإيمان                       يجعل الإنسان يشدد على نفسه من حيث لا يعلم والله صبور حليم , ولكنه يعامل عبادة على قدر تشديدهم                                            على أنفسهم فبين الله لهم لون البقرة بقوله : ]إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء [الآية . والصفرة والخضرة لونان بين                                               البياض والسواد . وقد تأول الصفرة بعض المفسرين فى هذه الآية أنها السواد , وهو تأويل ولكنه         بعيد لقوله تعالى ]فَاقِعٌلَّوْنُهَا[لأن السواد لا يقال له فاقع ولكنه يوصف بحالك , ومن هنا نقول إنه         هو اللون المعلوم بالصفرة وقوله : ]فَاقِعٌ[أي شديد الصفرة أقرب إلى البياض فى لونها ومن شدة صفرته   .

 

قوله تعالى: قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا..... ( 69) البقرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولمعانه يسر الناظرين ولذلك فإنك ترى أهل العلم يحبون استعمال الألوان الصفراء فى كل