تحذير هاااام

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ... نحيط علم السادة زوار الموقع الكرام بان هذا الموقع لا يتبع اى جهة او جماعة او طريقة بعينها ولكن نشره على شبكة الانترنت ماهى إلا محاولة منا لنشر تراث الامام المجدد السيد محمد ماضى ابو العزائم - طيب الله ثراه ... وأننا لا نتحدث بإسم أحد ولكن نعرف العامة من هو الامام رحمه الله . والموقع إهداء من الاستاذ الدكتور / احمد جمال ماضي ابو العزائم

 

 

تابعنا عالفيس بوك

الموقع من الآن تحت التطوير والمراجعة لنشر التراث بطريقة اكثر سهولة للجميع جارى العمل اخر تحديث الاحد 9 ديسمبر 2017

 

الجزء الثانى من اسرار القرآن للامام ابو العزائم

تقييم المستخدم:  / 1
سيئجيد 

اسرار القرآن

 

 

 

 

 

للإمام المجدد السيد /  محمد ماضى ابو العزايم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجزء الثانى

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(142)وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(143)

     يخبرنا ربنا عن اليهود من معاصرى رسول الله صل بل وعن المنافقين والمشركين أنهم سيقولون . وقدثبت من غير طريق أنهم قالوا . لأن اليهود قبحهم الله أشاعوا أن تولية رسول الله صل هو وأصحابه فى الصلاه إلى الكعبة   بعد بيت المقدس تردد , ولم يكن عندهم نسخ فى أحكام التوراه , فانتهزوا تلك الفرصة , ليشككوا المسلمين ,         وإن كان سبق منهم ذلك , إلا أن الله سبحانه يجمع فى خبره بين من قالوا ومن سيقولون .

      وفى عصرنا هذا نرى المترددين الشاكين من أهل النفوس اللقسة من المسلمين , ومن أعداء الله الكافرين ,       الذين يريدون أن يفتنوا أهل اإسلام لأغراضهم الاستعمارية , ظنا منهم أن المسلمين ينخدعون بزخرف أقوالهم فى   فتح أبواب الفتن , فنراهم يرسلون جبشا مزودا بالمال والقوى يسمونهم "المبشرين " وهم جنود الباطل والظلم ,     ولومكثوا قرونا طويلة , ماوجدوا أجهل مسلم يقبل منهم باطلهم الذى يموهونه بما لايقبله عقل , ولايميل إليه         حس.

     وقد مضى عليهم قرون من أيام الحروب الصليبية وهم يكيدون للإسلام , وما سمعنا أن مسلما ممن عاش فى     الصحارى والفيافى والقفار إذا سمع كلامهم ووزنه بما تلقنه فى طفوليتنه من كلمة التوحيد , إلااعتقد أنهم أضل من   الانعام , لأنه يسمع منهم أن رجلا قتله اليهود على زعمهم الكاذب هو الإله , أوابن الله , أوحل فيه الإله ,                ولو قالو إن أمة قتلت ملكها أو ابن ملكها لا يصدق , فكيف يصدق أن الله ولد ولدا و قتله أعداؤه اليهود ؟ و بعد          أن سمع من أبيه و أمه (لا إله إلا الله محمد رسول الله ) و فقه معناها التنزيهى , فكيف يفتتن مسلم بعد أن آمن          بالله و برسوله صل بقول كافر بالله يجعل له ندا أو ولدا أو يغير كلامه و أحكلمه ؟ مالا يتصوره إنسان .                           

(  سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ )

معجزة من معجزات النبوة , لأنها خبر من الله تعالى لها بضع عشرة مائة من السنين , و لا يزال أهل النفاق و أهل الكفر بالله و أهل الشرك يقولون هذا الكلام . و العلين الحكيم أعلم بعباده و بقواهم العقلية من أنفسهم بهم .               هذا سر قوله تعالى : (سَيَقُولُ)بالسين المفيدة للمستقبل القريب , و السفهاء جمع سفيه . و السفه ضد                   الحكمة . و هو وضع الشىء فى غير موضعه إفساداً للمال . و كل من وقع فى السفه فأسرف فى ماله يحجر عليه     ويقام له وصى , فكيف إذا سفه فى دينه ؟ يكون الحجر عليه أولى . و معنى الحجر عليه أن يعتبر رأيه و عقيدته     

 

 

 

أسرار القرآن

و مبدؤه كرأى البهائم السائمة لا يعتنى به  و كذالك القائلون هذا الكلام سفهت أحلامهم , فكانوا من شياطين             الإنس بالنسبة لسعيهم في صد الناس عن دين الله تعالى , و كانوا كالبهائم الوحشية الضارة التى يجب أن تستأصل    من الوجود .

( مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ )

      ( مَا)للاستفهام الإنكارى منهم , كأنهم ينكرون استقبال رسول الله صل وأصحابه الكعبة المطهرة فى          صلآتهم بعد  بيت المقدس , ولم يكن إنكارهم هذا إلاعناداًوبغضاً للحق وأ هله,لأنهم قبحهم الله يعلمون                      صفات رسول الله صل التى أنزلها الله فى التوراه على موسى وعليهم , وأنه صل من بنى عمهم أسماعيل كما صح  ذلك عن موسى عليه السلام , بل وعن الخليل عليه السلام , وعن عيسى عليه السلام . ومع ذلك فإن خبث            نفوسهم وبغضهم للحق دعاهم إلى الإنكار وإلى فتح أبواب الفتن على أهل الحق فقهرهم الله تعالى وأذلهم بقوله       سبحانه قل يامحمد ( لله المشرق والمغرب) يعنى أن الجهات الست لله تعالى , فإن المشرق من جهة قطر              الشمس من مبدأ شروقها ألى غروبها والمغرب من مبدأ غروبها إلى مبدأ شروقها , فكانت الجهات كلها لله . ومتى  كانت كل الجهات لله كان الحكم له سبحانه فى اختصاص أى جه’ منها لتكون قبلة للصلاة , لأن الخلاق               العظيم هو الملك المتصرف فيما أبدع وخلق , ليس لمخلوق مقهور أن ينكر عليه شيئا من حكمه , اللهم إلا أن        يلتمس من الله علم حكمة هذا الحكم بذل وخشوع وتواضع لمن خلقه وأبدعه , وأمره ألا ينكر عليه سبحانه            وتعالى فى شىء من أحكامه جل جلاله , ومعنى( وَلَّاهُمْ)أى لفت نظرهم عن قبلتهم الأولى حتى استدبروها ,         ووجهوا وجوههم شطر الكعبة .

(يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

       الهداية هى بيان الحقيقة جلية والإعانة على العمل بها أوإدراكها . فالهداية هنا هى كشف حقيقة القبلة ,         وتوفيق الله المسلمين للعلم بها , وإعانتهم على القيام بما أمر الله تعالى , فهو الهادى والموفق والمعين .  

       وقوله تعالى (مَنْ يَشَاءُ)يعنى الذى سبق فى عمله هدايته وإقامته فى محاربة ومراضية سبحانه . وفى الآية  دليل على أن الله تعالى يقول لنا إنى خصصتكم بالهداية إلى الحق, وأبعدت عن الطريق من لم يؤمن بحبيبى صل  فكبت الله بهذه الحجة الدامغة أهل العناد , الذين حسدوا المسلمين على ماآتاهم الله من فضله , وحرصوا على        عنادهم الذى دعاهم إليه طمعهم وحظهم وهواهم من الرياسى ومما يزول من حطام الدنيا . ( إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)    الصراط المستقيم أقرب طريق يوصل إلى الغاية , والذى من سلك عليه كان فى أمن وفى عطايا روحانية تزيده نشاطا  وهمة وإقبالا على الأعظم , أى ليست فيه عقبات ولاموانع ضارة تقتضى العناد  والبلاء . فإن مايناله                 السالك على الصراط المستقيم من مشاهدة آيات الله , ومشاهدة جمالاته العلية , ومما يكاشف به من أسرار             ملكوت السموات والارض يجعله فانيا عن كل السعادات الكونية والملاذ الشهوانية .

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا )

       والمعنى كأن الله تعالي يقول : كما هديناكم الصراط المستقيم جعلناكم أمة وسطا , والأمة هى الجماعة من الناس

قوله تعالي : وكذالك جعلناكم أمة وسطا....(143)

التى تقوم بنفسها , والوسط من كل شيء خياره ، والوسط في اللغة هم العدول . وجائز أن يكون الوسط هنا اننا       بين اليهود الذين فرطوا في دين الله فغيروا وبدلوا، وبين النصارى الذين أفرطوا في الغلو فاتخذوا لله ولدا وندا. وجائز أن نكون وسطا بين االملائكة وعالم الملك , لما كملنا الله به من معنا خلقنا بيديه ، فجعلنا الله وسطا , وجعل من       سوانا من الأناسى بعضهم كالبهائم , وبعضهم كالشياطين , وأقمنا جماعة المسلمين وسطا , ورفعنا عن الملائكة       قدرا , مع إثبات حقائقنا البشرية التى تقتضى فادح الجهاد , ووفقنا وأعاننا فجاهدنا أنفسنا الجهاد الأكبر،                وفضل الله المجاهدين على القاعدين , ففضلنا الله بسبب ذلك على الملائكة الذين فطروا على عبادة الله وطاعته من   غير جهاد

      وجائز أن يكون معنى ( وَسَطًا)أن الله أقامنا مقام أنبيائه فجعلنا بينهم وبين خلقه للدلالة على توحيده                            وبيان أسراره , بدليل قوله سبحانه  (  لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا )والشهداء عند الله هم العدول وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . فأقامتنا هذه الأية هذا المقام , دليل على أن الله أختص              الأمة المحمدية بما اختص به أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم , فطوى النبوة بين جنبى كل مسلم عالم عامل , إلا    أنه لا يوحى إليهم ولكن يلهمون , بدليل قوله تعالى :( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (1)  وقوله تعالى :  (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (2) وأمرنا سبحانه أن نسأله الهداية إلى صراطه المستقيم , صراط الذين أنعم الله عليهم . وقد أخبرنا     أننا خير أمة , وإذا كنا خير أمة أخرجت للناس فمن هم الذين أمرنا سبحانه أن نطلب منه أن يهدينا صراطهم ؟             بل ومن هم الذين أنعم الله عليهم من قبلنا ؟ هم الرسل الكرام والأنبياء عليهم الصلاة والسلام . تلك الآية الكريمة              طهور تجذب الأشباح والأرواح إلى حضرة الفتاح , فإن الله تعالى ما أخبرنا أننا خير أمة أخرجت للناس وأنه سبحانه  جعلنا أمة وسطا لنكون شهداء على الناس فى الدنيا و الآخرة قبل شهادتنا , إلا وقد سبق فى علمه القديم أنه يؤيدنا    ويعيننا , ويوفقنا لمحابه ومراضيه , إذ لا حول ولا قوة إلا بالله , والقادر إذا أخبر عن شىء من تقدير العطايا نفذه    بقدرة وحكمة

      ( كُنْتُمْ) يخاطب جميع الأمة وهو الوسع القادر المتفضل , ويدل على ذالك قوله تعالى :(  ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ )(3)وقوله( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )(4)  وقوله              تعالى ( ِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )(5) وأن بيان القرآن أثبت أنه ليس على وجه    الأرض موحد لله إلا المسلمون , والكبائر كلها لا تحكم على مرتكبيها بالكفر أبدا لأن الله سبحانه وتعالى قال : (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)(6)

(1) سورة آل عمران آية 110                                                         (4) سورة الشوري آية 22 - 23

(2) سورة النسلء آية 69                                                               (5) سورة النساء آية 48

(3) سورة فاطر آية 32                                                                  (6) سورة الفرقان آية 70

أسرار القرآن

وعلى هذا, فكل مسلم وإن كان عاصيا الله تعالى فهو محل عناية الله تعالى , لأن الله جعل قلبه خزانة لنور              توحيدة سبحانه وتعالى . وقد سأل رجل معاذ بن جبل رضى الله عنه فقال : إنى أسألك عن رجل قوى اليقين قليل       الأعمال , وعن رجل ضعيف اليقين كثير الأعمال , فقال معاذ : إن ضعف اليقين يمحق أعماله الصالحة ,              فقال وما شأن القوى اليقين قليل الأعمال الصالحات ؟ ثم قال الرجل : إذا كان ضعيف يقين الرجل الأول محق         أعماله الصالحات , فيكون يقين الثانى محق السيئات , فأخذ معاذ بيده و قال : ما رأيت أعلم منك , وأقره على          كلامه . فإذا كان قوى الإيمان وضعيف الإيمان هكذا فكيف يكون الحال بين المشرك بالله و بين الموحد بالله و لو       بكلمة التوحيد ولو لم يعمل خيراً أبداً ؟

       وقال بعضهم : المراد بالخطاب فى ( كُنْتُمْ)خاص بالصحابة رضى الله عنهم , وهذا مردود عل القائل ,           لأن الأحكام الشرعية خوطب بها الصحابة وكانوا سببها وخصوص السبب لا يقتدى خصوص الحكم , لأن الله          تعالى كلفنا بما كلفهم به وطالبنا بما طالبهم به . وقال بعضهم : الخطاب فى ( كُنْتُمْ)لأبدال الرسل فى كل                 عصر , ولورثة الأنياء فى كل زمان من العلماء العارفين العاملين .

       وإني أقرر في هذا القول قرارا و وهو أن العلماء العاملين فى كل زمان يقتدى بهم أهل عصرهم فيكونون علماء   وعاملين , والعلم من علم مسألة من العلم فى الدين فعمل بها , وكل من جلس أمام العلماء العاملين الراسخين فى          فى العلم فهو عالم وناله قسط من هذا الفضل العظيم بقدره . قال تعالى( هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ)(1)وقال تعالى :           (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )(2)ومدحا الله تعالى أهل الإيمان الذين لم يحصلوا        جميع العلوم بقوله : ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )(3)  وتلك الآية الكريمة حجة قاصمة لظهور أعداء الإسلام , وبشائر من الله تعالى لأهل الإسلام . أسأل الله تعالى أن يعيننا عل شكر نعمته علينا بالإسلام , وأن يمنحنا العلم النافع  بتلقيه عن الراسخين فى العلم .

وقولنا فى تفسير قوله تعالى :( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) أى فىالدنيا و الآخرة ( ما ورد من أن جنازة           مرت على رسول الله  صل فأثنى عليها أصحابه , فقال : وجبت ثم مرت أخرى فذكروها بسوء , فقال :                      وجبت , فقالوا : ما وجبت يا رسول الله ؟ فقال صل : أثنيتم على الأولى فقلت وجبت له الجنة , ولم تثنوا على الثانية فقلت وجبت لها النار , أنتم شهداء لله على خلقه ) فنحن الشهداء على الخلق فى الدنيا , ونحن الشهداء للرسل           يوم القيامة على أممهم إذا أنكروا بعثتهم إليهم .

      يقف نوح عليه السلام أمام الله فيسأله عن إجابة أمته له , فيقول كذبونى وآذونى فيقول الله لهم : لم                  كذبتم رسولى ؟ فيقولون : ياربنا لم لم نره يبعث إلينا , وهل له شهود على ذلك ؟ فيقول الله تعالى لنوح عليه           السلام : ألك شهود على أنك بعثت إليهم فخالفوا ؟ فيقول: نعم , أم’ محمد صل فيؤتى بنا فيسألنا ربنا                   فنقول : ياربنا بعث إليهم فكذبوه وآذوه فتقول أمة نوح انظر يا ربنا إلى هؤلاء بيننا وبينهم بضع                         آلاف سنة ويشهدون علينا , فيقول الله لنا : ما حجتكم على شهادتكم , فنقول : قولك سبحانك : (إِنَّا                          ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران آية 163                                                              (2) سورة المجادلة آبة 11

(3) سورة البقرة آية 3

قوله تعالى : وكذالك جعلناكم أمة وسطا....(143)

( أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ )(1)الآية . فيقول الله تعالى صدقتم اذهبوا بهم إلى النار ,        فنحن شهداء الله فى الدنيا والآخرة . ونقول فى تفسير قوله تعالى : ( وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) أى بعد أن أثبت الله سبحانه لنا العدالة بأن جعلنا شهداء لرسله على أقوامهم , أخبرنا جل حلاله بأنه سيؤيدنا بشهادة                الرسول صل لنا , باننا قد صدقنا فيما شهدنا به لرسله عليهم السلام .

( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ )

       بعد أن أخبرنا الله تعالى بسفاهة من أعمى بصائرهم عن علم حكمة تحويل القبلة إلىالكعبة , وأثبت             سبحانه أن المشرق والمغرب له , بالنسبة لتولية وجوهنا عندالصلاة إلى أى جهة يأمرنا بها سبحانه , بعد أن آمنا          أن الكون كله خلقه سبحانه وهو القاهر فوقه , وبعد أن بشرنا بأنه هدانا واختصنا بتولية وجوهنا شطر الكعبة , ثم        أيد تلك البشرى بأن جعلنا خير أمة أخرجت للناس , وتفضل فجعلنا من العلماء الربانيين الراسخين أبدال الرسل ,,       نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن إيمانا كاملا بالله تعالى , ثم تنزل جل جلاله بجماله ونوره لحبيبة صلى      مخاطباً , تأييدا له صلوات الله وسلامه عليه ونصرة له , فقصم ظهور المخالفين المعترضين على تحويل القبلة من      اليهود والنصارى والمنافقين وكفار قريش بالحجة الدامغة مبينا سبحانه الحكمة فى تحويل القبلة بآية تقتضى قصر            الصفة على الموصوف وهى قوله تعالى ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا) أىوما حولناك عن القبلة التى         كنت عليها وهى بيت المقدس إلالنعلمك ونريك من يتبعك من أهل اليقين , الذين صدقوك فيما جئتهم به من          عندئ, لايزلزل قلوبهم نسخ بعض الآيات ببعض , أوتحويل وجوههم عند الصلاة عن بيت المقدس ألى الكعبة ,      لقوة يقينهم بما جئتم به , ونريك أهل الإيمان الضعيف الذين اتبعوك بألسنتهم لابقلوبهم , وبعقولهم االمكتسبة لا       بقلوبهم وعقولهم التى تعقل عن الله , ممن ينقدح الشك فى قلوبهم لأقل حادث يحدث , وهم الذين قدرت فى أزلى        أنهم ليسوا مؤمنين بالحق , ولكنهم أهل شك وتردد , وبذلك الاختبار والامتحان يطمئن قلبك بمن اتبعك من            المؤمنين , وتثق بهم أن يكونوا أنصاراً لك على الاقيام بمهام الرسالة , فإن الله تعالى يقول : (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ )( 2 )وقد             ابتلى الله من آمنوا باختبارات وامتحانات شديدة  ميزت أهل الحق من أهل الباطل حتى ظهر لأهلل الايمان بالله من           آمنوا بقلوبهم وألسنتهم , ومن آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم , وفى سورة براءى آيات من الامتحانات الشديدة           ميزت المنافقين وأتباعهم , فقد رجع من الجيش الذى كان مع رسول الله صل لغزو مملكة الروم فى الشام أكثر من            نصف الجيش بسبب تلك الامتحانات مع عبد الله بن أبى بن سلول رأس المنافقين , حتى لم يبق مع رسول الله              صل فى الجيش إلاأهل اليقين الكامل , ولاتزال تلك الامتحانات والاختبارات تحصل للمؤمن إذا أقبل على الله          تعالى حتى يصل إلى الله تعالى مجاهدا فيرفعه إلى المقام الأعلى , أو ينزعج فيرتد على عقبيه , فإذا سلك السالك           على يد العالم العامل أنكشف له أسرار الحكمة , فرضى بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا , وبمحمد صل نبيا                 ورسولا . أما السالكون على يد أهل الجهالة فإنهم إذا أصابهم خير قالوا نحن أعطينا , وإن أصابهم شر قالوا إنكم       

(1) سورة نوح آية 1 – 4                                                          (2) سورة ص آية 24    

(أسرار القرآن )

أغضبتمونا . والحقيقة أن الله تعالى يهب أصحاب العلماء الربانيين خيرا ووسعة من فضله بدليل قوله تعالى (   وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)(10)  والعلماء الربانيون ‘ذا دخلوا بلدا     كمل إيمان أهله واجتمع فى المساجد وفى مجالس الذكر , لما جملهم الله به من الإيمان والتقوى والعلم والشفقة          والذوق والحب .

فقوله تعالى : ( إِلَّا لِنَعْلَمَ ) إن الله تعالى محيط بالواجب والجائز والمستحيل , وبالكليات إجمالا وتفصيلا ,              لا يعزبعن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء , ولزم أن نؤول قوله تعالى ( لنعلم) لدلالتها الإلزامية , أى            لتعلم يامحمد أنت وأصحابك من المخلصون لك من أصحابك ؟ ومن المنافقون الذين يشيعون المنكر ليصدوا عن         سبيلى لآن من المستحيل أن علم الله بالحوادث يتوقف على إبرازها ,وهذا كقوله تعالى : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)(2)تنزلا من الله تعالى وتلطفا بخلقه , حتى ينمحق العناد من النفوس من سبق لهم                 الهدى من الله تعالى , ويقوى عناد من لم تسبق لهم العناية فبنقلبون على وجوههم.

        فمن يتبع الرسول هو الذى سبقت له الحسنى من الله تعالى والتأييد , ومن ينقلب على عقببيه فهو الذى لم             تسبق له العناية من الله تعالى والتوفيق . ثم طمأن قلوبنا جل جلاله بقوله : ( فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا )الله تعالى       لايضره شىء ولو كان كل من فى السموات والأرض كافراً به جاحداً لأنه سبحانه هو الضار النافع . وفى الآية إشارة      ظاهرة لنا , أن الكفار جميعاً إن حاربونا لن يضرونا شيئا مادمنا متبعين رسول الله صل ولن يصيبنا شر منهم إلا        إذا خفناه صل أو تركنا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لمن خالف , فنكون كمن أقر المعاصى ولم يعملها                 فتصيبه ماأصاب عامليها . قال تعالى : ( وَاتَّقوُاْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةً )(4)وهذا جزاء ترك            الامر بالمعروف والنهى عن المنكر . وإذا ترك العلماء الواجب عليهم من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر,وترك        الأمراء الواجب عليهم من الضرب على أيدى الظلمة والحكم بالعدل , سلط الله عليهم من لايرحم , كما حصل         للآمم الإسلامية من تسليط العدو عليهم ومن خروج بعضهم على بعض . أسأل الله سبحانه أن يعلى كلمته ,            ويجددسنة نبيه صلى , ويجمع قلوب المسلمين على الصفاء والوفاء مجيب الدعاء .

( وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ )

         الضمير المستكين فى قوله تعالى : (كَانَتْ)جائز أن يكون راجعاً للكعبة أوللتولية , أوللصلاة, فإن          أمر الله تعالى نبيه وأمته بأن يوجهوا وجةههم فى الصلاة للكعبة أمر مقبول مطاع لأن الله تعالى له المشرقو المغرب .                  يكلف عباده المؤمنين بما شاء وبما أحب , ثم ينسخ الحكم بغيره ويأتى بحكم خير منه أو مثله , امتحاناً لقلوب                عباده هل يطيعونه أو يرتابون ؟ فأهل الإيمان يكون منهم السمع والطاعة والانقياد والتنفيذ , وأهل النفاق يكون            منهم الشك والريب والتردد, وتحويل القبلة إلى الكعبة  بعد بيت المقدس كبيرة عليهم , لأنهم أفسد الشيطان عليهم            .    

(1) سورة الأعراف آية 96                                                                   (2) سورة سبأ آية 24

(3) آل عمران آية 144                                                                       (4) سورة الأنفال آية25

 

قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا ....(143)

أمرهم فقالوا إن محمدا تحير فى دينه , وارتدوا عن الإسلام ,أعاذنا الله تعالى من سوء القضاء . وفى هذه الآية برهان   ناصع على مشهد التوحيد الصافى منالشوب , لأن قوله تعالى : ( لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ )دليل على                أن الإنسان ليس له حول وقوة لأن يهتدى أو يضل . والله تعالى ينفذ ماسبق فى عمله أزلاً . ومن هداهم الله         يشكرونه على نعمة الهداية , ومن أضلهم الله يكذبون نبيه ويرمونه بالحيرة فى دينه , ولا راد لقضاء الله تعالى             عليهم . وهذا معنى قوله نعالى : ( وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) .

      (  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ )بعد أن أمر الله تعالى رسوله صل                                                           وأصحابه بأن يوجهوا وجوههم شطر المسجد الحرام , حزن رجال من الصحابة فقالوا : ماذا إخواننا الذين            ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس ؟ وماذا نعمل فى صلاتناالتى صليناها قبل ؟ فطمأن الله قلوبهم وشرح                 صدورهم بقوله تعالى: (  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ )  والمعنى أن الله رؤف رحيم كريم , وهو الذى أمركم أن               تصلوا جهه بيت المقدس وحفظ أعمالكم , وهو الذى أمركم أن تولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام ولم ينقصكم          من أعمالكم السابقة والمستقبلة شيئاً , وإنما المراد منكم السمع والطاعة لأمر.

وفى تلك الآية مزيد علم بأن الإيمان عمل , لأنه تعالى يقول : (  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)يعنى أعمالكم,                                      وهومذهب أهل الحديث , لأن الإيمان عقيدة وأعمال وأقوال بدليل هذه الآية :( إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ                     رَحِيمٌ )وأحكام الله الناسخة لايجب على المسلم العمل بها إلا إذا بلغته بوجه صحيح , فإذا لم تبلغه ودام على               الصلاة جهة بيت المقدس فصلاته صحيحة مقبولة , حتى يبلغه بالتحويل.

       جاء ردل من الصحابة إلى إخوانه الصحابة فى مسجد قبا وهم راكعون فى صلاة العصر جهة بيت                  المقدس, فصاح الصحابى قائلا : أشهد لقد صليت العصر مع رسول الله صل موجهين وجوهنا شطر المسجد                   الحرام , فلم يرفع الإمام ولاالمأمومون رؤوسهم وداروا وهم فى الركوع حتى واجهوا الكعبة ثم رفع رأسه وأتم           الصلاة , ولو رفع رأسه بعد الشهادة من الصحابى بطلت صلاته . والرأفة هنا هى أعلى مقامات الرحمة . وقد            تقدم لك بيان الرحمن الرحيم , فمعنى الرحمن واسع الرحمة والإحسان فى الدنيا , ومعنى الرحيم المحسن ألى أهل       الآخرة .

         وفى هذه الآية الشريفة بيان يجعل الآنسان يطمع فى مغفرة الله تعالى لكل الناس , حتى من ظلم ننفسه             بالمعاصى , لأن الله تعالى يقول(  بِالنَّاسِ)  ولم يقل بالمؤمنين , ففيها تنزل من الله تعالى ولطف ظاهر تنجذب به            قلوب الناس إلى الطمع فى عفو الله ومغفرته , وفى الفوز بالنعيم " ( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍٍ سَلِيم )(1)

        ومن فقه هذه الآية يطمع فى فضل الله العظيم , وإن كان سياقها قى بيان حكم من عمل بالمنسوخ                     حتى بلغه فعمل بما أحكمه الله تعالى , إلا أن الوسعة تقتضى الطمع والرجاء من الله تعالى , بدليل تأكيد                     الخبر من الله تعالى ب ( إِنَّ )التوكيدية , وجعل الخير عاماً للناس , ومن ذاق عرف.

 (1) سورة الشعراء :88 - 89

( أسرار القرآن )

 

قوله تعالى : (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ                                                َوَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ                                                      الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ )                                            (144)

(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ                                                َوَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ)

        يخبر الله تعالى نبيه صلى بعبارة تدل على المواجه والخطاب , طمأنينة لقلبه صلى , ومسارعة فى الاستجابة   له صل , فيقول سبحانه , : ( قَدْ نَرَى ) والرؤية تكون بمعنى العلم , وبمعنى البصر , فيعلمه سبحانه وتعالى أنه               يعلم من الأزل إلى الأبد ماعليه رسوله صلى فى الحال , ويرى سبحانه وتعالى من الأزل إلى الأبد حالة ابتهاله                 صلى , وبين صبحانه حكمة تقلب وحهه صلى  فى السماء أنها لتعيين القبلة التى يحبها وهى الكعبة المكرمة , وذلك            لأنه صلى كان يرى بنور قلبه أن قبلته الدائمة هى الكعبة , وأن الله تعالى ماأمره بأن يولى وجهه شطر بيت       المقدس إلا لحكمة , فكان وهو بمكة إذا صلى صلى للكعبة مواجها بيت المقدس , فتكون الكعبة بينه وبين بيت           المقدس , حتى هاجر إلى المدينة عليه الصلاة والسلام , فكان يحب أن يجمع بين الكعبة وبيت المقدس فلم                 يتمكن لأنه بينهما , وجائز أن يكونتقلب وجهه فى السماا رغبة أن يجمع بينهما , وجائز أن يكون ذلك تضرعاً              إلى الله تعالى فى أن يجعل قبلته الكعبة , فلباه الله تعالى وأخبره بأنه بأعينه وسمعه . وقد سبق فى عمته القديم أن         يجعل قبلته الكعبة ثم أحكم حكمه سبحانة بقوله : "فلنولينك قبلة ترضها " بلام القسم , وعينها سبحانه آمراً                    حبيبه صل بقو له : ( فَوَلِّ َوَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)

       وفى قوله تعالى : ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا)برهان على محبة الله له صل وكمال عنايته به ,                               واختصاصه بمزيد فضله , وقد كان اليهود يقولون إنا بينا لمحمد قبلته وكان لابعلمها , وكان يكره ذلك ويكرهه                 أصحابه . وكان صلى يحب أن يوجه وجهه ألى بيت أبيه الخليل إبراهيم وهممه صلى مؤيدة بروح القدس , فلا              يهتم إلا بمراد الله الذى أراده أزلا , لأن الله تعالى يقول : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) ( 1 )فإذا كان نطقه بالوحى ,                فكيف تكون إرادته وهممه ؟ والقبلة التى يرضاها رسول اللخ صلى يخبر الله عنها بأنها هى التى يرضاها الله جلت         أسماؤه , لاتحاد رسول الله وسلم بالله تعالى إرادة وأمرا , لأن الله تعالى صاغه من نور العزة بدليل مارواه الإمام          التسترى بسنده قال : قال رسول الله صل : يقول الله فى الحديث القدسى " إنى خلقت محمداً لذاتى ,                      وخلقت آدم لمحمد , وخلقت كل  شىء لبنى آدم" وقد أكرمنا الله به فجعلنا خير أمة . وأقمنا مقام الأ نبياء                   بقوله تعالى ( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) و بقوله تعالى ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (2)وبأمره لنا           كما أمر الأنبياء بقوله( فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ )(3)كل تلك الآيات دليل على أن الله             أكرمنا ورفعنا على جميع الأمم السابقة , تعظيما لحبيبه محمد صل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النجم آية 3                                                              (2) سورة الحج آية 78

(3) سورة هود آية 14

 

قوله تعالى : قد نرى تقلب وجهك فى السماء.... (144)

 ( وحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )  بعد  أن خاطب حبيبه ومصطفاه تفضل جل جلاله فخاطبنا                    خطاب القريب , فأنزلنا منزلة المقربين منه سبحانه وتعالى بقوله ( وحَيْثُمَا كُنْتُمْ ) أى فى أى مكان كنتم                     إذا قمنم إلى الصلاة فولوا وجوهكم شطره, وإنما المقصود أ ن يجتهد المصلى حتى يحصل له اليقين بأنه وقف تجاه        الكعبة ويصلى , وليفقرض أن الكعبة ممتدة بحسب جهته من المـشرق ألى المـغرب أو من الجـنوب ألى الشـمال , وأن     

جبهته تواجهها بيقين , وبذلك تكون صحة صلاته , وأنما وحد الله جهة الصلاة بيانا لأننا أمة التوحيد , فوجوه           المسلمين جميعا  فى وقت الصلاة موجهة جهة واحدة وهى الكعبة , وقلوبهم موجهة جهة واحدة كعبتها ربها , أو            البيت المعمور , أو وجه الله تعالى , بحسب مقامات الرجال ... ومن تلك الإشارة يجب أن تشهد التوحيد فىكل            شىء , فنجعل رضانا فى الله ,  وأعمالنا المعاشية فى الله , بحسب النية ورعاية الأحكام الشرعية                            فيكون المسلمون جميعا كأنهم جسد واحد , لايتحرك الواحد منهم إلالنيل الرضا من الله وزعن الله , وفى كل حكم             من أحكام الشريعة كنوز , لو فتحت لجملت كل مسلم بجمال الله تعالى . منحنا الله المنافع وكشف لنا                         أسرار حكمة حكمه وأشهدنا غيبه المصون إنه مجيب الدعاء .

 ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ )

       يبين لنا الله جل جلاله أنه سبحانه وتعالى أنزل على موسى وعلى عيسى فى كتابهما صفته , ومولده , وأنه           خاتم الرسل , وأن الكعبة تكون قبلته فى صلاته عليه الصلاة والسلام , ولكن اليهود والنصارى قبحهم الله تعالى           حسدا من عند أنفسهم أنكروا ماأنزل الله تعالى فى كتبهم , خوفا من ضياع سيادتهم , وطمعاً فى دوام سلب أموال           الناس بالباطل , لأنهم لو كشفوا ماأنزل الله فى التوراه والإنجيل من الآيات المنبئة بفضله صل وآمن الناس بها              لأصبحوا كالعامة بينهم , لأن دين موسى وعيسى عليهما السلام نسخا بالقرآن المجيد , وتأكيد الله تعالى الخبر عنهم      بإن التوكيدية ولام القسم قصم لظهورهم , وحجة دامغة على كذبهم وفريتهم على الله تعالى , لأنهم يعلمون أنه            الحق من ربهم بالدلائل التى ذكرتها لك.

وشر الخلق أجمعين من علم عن الله أحكاما وغيرها وافترى على الله الكذب لينال حطام الدنيا الفانية . وقد                   قدمت لك أنهم كانوا يخبرون العرب عن ظهوره وقرب أيام بعثته صلى , ويهددونهم بأنهم سيكونون أنصاراً له بيقين     لما علموه عن الله تعالى فى كتبهم المنزلة , ولكنهم بعد بعثته عليه الصلاة والسلام أنكروا عليه صلوات الله وسلامه    

عليه ماجاء به من عند الله , مما هو ثابت فى التوراه والإنجيل عندهم ..( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ )(1)

     وما من آية نزلت فى اليهود والنصارى أو فى مشركى العرب إلاجرت بذيلها أهل النفوس النزاعة إلى الشر        والعناد , فإنا نرى المسلمين خصوصا فى هذا الزمان قد فرق بين قلوبهم الطمع , ففارقوا ماكان عليه السلف             الصالح من التراحم بينهم , ومن التآلف والتوادد ومن صرف الأنفاس فى طلب العلم والعمل به ومن طلب المغفرة    

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة الزمر آية23

 

أسرار القرآن

لنا ولمن سبقنا من سلفنا الصالح كما قال تعال فى : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ )(1)فنرى أكثر   الجهلاء يحقرون المعاصرين لهم من أهل العلم النافع, ويعظمون الموتى,ويصدون طلبة العلم عن العلماء العارفين   كما فعل اليهود والنصارى بالأنبياء المعاصرين لهم , والمعاصرة حجاب, وكشف الحجاب فى المعاصرة عناية الله  تعالىبأحبابه . وقد هدى الله من أحبه من يهود بنى إسرائيل المعاصرين لرسول الله صل فبينوا الحق الذى أنزله الله فى التوراة كما سيأتى .

( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) أى أن الله تعالى محيط بكل أعمالهم القلبية والجسمية التى يؤذوننا بها ,                    و ستكون عليهم حسرة يوم القيامة , حيث لا ينفع الندم , ومحيط أيضا بما أقامكم فيه مما يحبه ويرضاه . وتكون الآية  هما تعملون بتاء المخاطبة لنا جماعة المسلمين .

قوله تعالى : ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ                                              بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ                                     مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ )(145)

( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)

        يثبتالله تعالى على اليهود بعدهم عن الحق وحرمانهم من نيل الهداية , ومن الفوز بالخير فى الدنيا والآخرة                   بقوله مقسما بدليل لام القسم . إنك يامحمد لو أتيتهم بكل آية بيانية , أو بكل آية من المعجزات ماوفقوالاتباع                     قبلتك و لحرصهم على السيادة فى الدنيا , ولعنادهم فى الحق عند مجيئه , ولما سيق فى علم الله تعالى لهم من              الضلال والخزى فى الدنيا , ومن العذاب الأليم يوم القيامة , لذلك لايمكن أن يتبعوا قبلتك لأن الهادى هو الله وهم                 قوم بهت أهل عناد

       وفى تلك الآية تأييد لرسول الله صلى وطمأنينة قلب له , ليتحقق صلوات الله وسلامه عليه أنه ماقصر           فى دعوته , ولاعمل عملا يوجب عنادهم وبغضهم له صل ولكنه قدر الله وارادته الأزلية .

( وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ )

        يخاطب الله تعالى حبيبه صل خطاب المؤانس بسماع كلام ربه , خبرا منه سبحانه وتعالى عما سبق فى                      عامه الأزلى من عصمته صل من الوقوع فيما يخالف الحق جل جلآله , تشريفا لقدرة صل وتعظيما وإيذانا من           الله تعالى أنه صل بلغ من اليقين مبلغا بتأيبد الله تعالى له , وإظهاره صلوات الله وسلامه عليه على حقبقة اللأمر ,           حتى بلغ مبلغا كان يستحيل معه مخالفته لصغيره من الدين أو كبيرة . وبدليل قوله تعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ         الْهَوَى )(2) وقوله تعالى : ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى )(3) وغيرها من الآيات .      وفى قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ )(4)  برهان حق على مقامه صل عند الله                     تعالى , فاستحال شرعا بل وعقلا بعد تلك الحجج الناصعة أن يتبع  قبلتهم بعد أمر الله بأن يوجه وجهه شطر              ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة الحشرآية 10                                                    (2) سورة النجم آية 3

سورة النجم أية 17-18                                               (4) سورة الفتح آية 10    

 

 

قوله تعالى : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ...(145)

 

المسجد الحرام . ومن كان الله مؤيده وناصره وموفقه كيف يعمل بالهوى أو بالحظ ؟ . هذا ما لا يتصور فى مؤمن        كامل , فكيف يتصور فيمن خلقه الله من نور عزته , وجعله فردا لذاته , وأقامه مقامه فى الدنيا والآخرة بقوله           تعالى : ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) وأكرم لأجله أمته , وبايع لأجله رسله , ثم زاده سبحانه                     تأييدا بقوله : ( وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ) لأن قبله اليهود بيت المقدس , وقبلة النصارى جهة مطلع               الشمس , وكل فريق منهم حريص على ما ورثه عن آبائه الذين أضلهم الله وأخزاهم , مع أن عيسى عليه السلام كان     يوجه وجهه جهة بيت المقدس فى صلاته , ولكن النصارى أهلكهم الله عاندوا اليهود فى ذالك , لأنهم حاربوا             عيسى بن مريم عليه السلام , ورمه بأنه ابن زنا , فتركوا الحق عناداً كما كذب اليهود عيسى عليه السلام عنادا .        وإنما هى الأهواء والهوى أخو العمى كما قال على عليه السلام . ومن ظهر له الحق وعانده متبعا ما كان عليه آباؤه    نحكم عليه بأن نفسه نفس يهودية أو نصرانية , فإن كل واحد من الناس مسئول عن نفسه وله عقل يميز به , فمن      ظهر له الحق عقلا وشرعا وتركه كانت نفسه يهودية أو نصرانية وحرم حلاوة الإيمان , أو حرم المزيد من العلم بالله   إذا كان على حق ودام عليه من غير عناد ولا محاربة لله ولرسوله ولأوليائه .

(  وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ )

        أظهر الله الحقيقة التى سبقت فى علمه بقوله تعالى :( وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ) وهى وعد من الله تعالى                                    بحفظه صل , وعصمته من الوقوع فى مخالفة ربه جل جلاله , وبشرى من اله لحضرته صل بتأييد الله له .                  وفى هذه الآية الأخرى بيان لإطلاق حضرة الربوبية, وكما أدب العبودية لله تعالى , ويظهر أنه سبحانه وتعالى              يخاطبنا فى ذات حبيبه صل , فإذا نحن سمعنا قوله تعالى لمصطفاه المعصوم : (  وَلَئِنِ اتَّبَعْتَأَهْوَاءَهُمْ ) كيف                              نكون نحن ولاعصمة لنا ؟ لايكون لنا إلاالاستعاذة بالله والالتجاه إليه من الوقوع فى معصيته . وتلك الآية                 الشريفة أثبتت لنا عبودية رسول الله صل , وحفظت قلوبنا من أن نشهد فيه قداسة أو نزاهة , بل نشهد أنه عبد        الله ورسوله صل , وبذلك نجاتنا يوم القيامة .

       وبذلك جعلنا الله خير أمة لتفريدنا ذاته العلية بالألوهية , وبشهادتنا لحبيبه ومصطفاه بالعبوديى لذاته . ومن             أثبت العبودية لرسول الله صل كيف يعتقد أن عبداً من أمة محمد ينفع أو يضر بعد اعتقادنا أن رسول الله عبد                       أكرمه الله تعالى بالرسالى وأكرمنا به ؟. فالله تعالى بعد أن أثبت عصمته من الوقوع فى اتباع قبلة اليهود أو            النصارئ , بين لنا كمال إطلاقه ليدوم خوفنا منه سبحانه , ودوام مراقبتنا لجلاله العلى , ولطهارة قلوبنا من أن نرى           مخلوقا إلها أو نافعا أو ضارا .

       افتتح الله الجملة بلام القسم المؤكدة , وأتى بإن الشرطية بعد لام, القسم فكانت كلمة (اتَّبَعْتَ ) فعل                 الشرط , كان جواب القسم الذى سد مكان جواب الشرط هو قوله تعالى : ( إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) وجائز                                   أن تكون إن بمعنى لو . وهذه الآية مع مافيها من الشدة هى خير للمسلمين جميعا , لأنهم بفهمهم تلك الآية                       انكشفت لهم أنوار وعظمة الحق , وأسرار تفريده بالعبادة دون غيره , واندذبت قلوبهم إلى طاعة أمره وظهرت لهم       مكانة رسول الله صل عند الله , فيميزوا بين الحضرتين , فرأوا رسول الله صل إماما هاديا مقصودا , وشهدوا أن       الله ألهاً واحداً معبوداً .                

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الإسراء 79

أسرار القرآن

      نعظم رسول الله صل فى قلوبنا بقدر مانلناه منه صل من الفوز بالسعادتين , فإن الأنياء قبله أهلكوا                أممهم بما أظهروه من المعجزات التى جعلتهم يزعمون أنهم آلهة , كما قالت اليهود فى عزيز , وكما                     قالت النصارى فى المسيح . ونحن أمة محمد صل , مع طول الزمان وبعد المكان وكثرة المعجزات الباهرات له      صل , ومع بقاء القرآن طريا نضرا , تتجدد بركاته كلما كرر , وأنواره كلما تلى , وأسراره كلما شرح . ولا يزال ولن يزال يظهر للمسلمين من فضل الله رجال يكشفون أسراره ، ويبينون أنواره , ويجذبون القلوب إلى غيبه المكنون , وسره المصون , وما من مسلم سمع بيان القرآن إلا فر بقلبه وجسمه إلى الله تعالى, متبعا رسول الله صل, لأنه يرى             أن لا نجاة إلا باتبع رسول الله صل , وبفهم كلام الله تعالى .

وإنا لنرى أن العالم كلما اشتدت الظلمة عليهم , وساد الجهال بينهم , وخفيت معالم السنة أقام الله عبداً                     من أحبابه فأقام الحجة وبين المحجة , وجمع عباد الله على الحق , حتى تشرق أنوار الكتاب والسنة , وتضمحل        البدعة وأهلها . وهذا معنى حديث على عليه السلام فى دعائه : ( اللَّهُم لا تُخْل الأَرضَ مِنْ قَائمٍ لَكَ بٍحُجَّةٍ ,                     إِمّا ظَاهراً مشهوراً أو باطناً مستوراً لِئلاَّ تَبطُلَ حُججُ اللهِ وبيناتُه ) . وإن كان الرجال قليلا , إلا أن الله ينفع              بهم الكثير من أمة محمد صل , فقد يجمع الله الأمه برجل يظهر بعد أن تملأ الأرض جورا وظلما , حين                             ترى العلماء يتبعون الأهواء,فيخدمونالملوك والأمراء ولو كانوا كفارا, وترىأدعياء الطريق يدعون العامة بجهالتهم إلىمالا ينفعهم بعمل البدع المضلة , وإثبات النفع والضر إلى رجال موتى يلفتون أنظار الناس بهم إلى                        غيررسول الله صل , حتى ينسى الناس السنة , وينسون رسول الله صل برجال قد يكونوا ماتوا على غير الإسلام , يتبعونهم لا للحق ولكن للشهرة والطمع , فإنهم لو أحبوا الحق لاتبعوا العالم العامل بعلمه , المتمسك بالكتاب والسنة ,   وكيف يكون بعد سماع تلك الآية التى الله فيها لحبييه :( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ               إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) نترك سنة رسول الله صل , ونتع أهواء العلماء بالدنيا الجهال بالآخرة وأهواء أهل             الطريق الجهلاء بدين الله وبكتابة وسنة رسوله صل.

      وقوله تعالى:( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ                                لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )

( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) هم اليهود وقوله ( يَعْرِفُونَهُ )  أى يعرفون لحكم بالتحويل إلى الكعبة أنه حق لأن                       الله تعالى بينه فى التوراه بيانا شافيا وجائز أن نقول يعرفون الحكم فى استقبال الكعبة , ويعرفون رسول الله صل كما   يعرفون أبناءهم , وق ورد أن عمر بن الخطاب سأل عبد الله بن سلام بعد إسلامه  عن رسول الله صل فأقسم أنه       ليعرفه كما يعرف ولده أو أكثر لأنى لاأحكم بالعصمة على امرأتى ولكنى أصدق الله فيما أخبرنى به عنه صل فى        التوراه فقبله وهو من أحبار اليهود . وقد أخبر بذلك تميم الدارى أيضا , فمن اجتباهم الله من أحبار                       اليهود يعرفون رسول الله صل واستقبال الكعبة كما يعرفون أ[ناءهم وأكثر ..

      وتلك الآية لاتعارض قوله تعالى : ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ )                                                                             عام له خاص .

ولايمنع أن، يؤمن برسول الله صل بعض اليهود بدليل الآية : (َ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ  لَيَكْتُمُونَ                                الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ). أنى بالجملة مؤكدة (بإن) وأكد خبرها باللام وأتى به مضارعا ليفيد دوام الإنكار من كل            

 

قوله تعالى: الحق من ربك ...(147 )

 

يهودى معاصر لرسول الله صل ومن بعده. ولايكون الكتمان إلا بعد العلم ولكن أتى بالجملة الحالية وهى قوله                 تعالى : ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) بيانا لبيانهم وتشنيعاً عليهم وتبكيتاً لهم يعنى : ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) نعت محمد صل                  وزمانه وقومه . وأن الكعبة قبلتهم , وأن يثرب دار هجرته و وأنه من أولاد إسماعيل عليه السلام , وأنه خاتم الأنبياء  ومع هذا كله كتموا تلك الأ سرار عن عامتهم . وإلى مبين لك ذلك بتفصيل .                       

      قدم أحبار اليهود على رسول الله صل فسألوه عن الروح , وعما ينزع بالولد إلى أمه أو إلى أبيه , وعن                    أول طعام أهل الجنة , فأخبرهم صل , فاعتقدوا أنه المنعوت فى كتابهم وقاموا من بين يديه صل وقلوبهم منجذبة                إلى الإسلام , ثم توجهوا إلى كعب بن الأشراف وهو أغنى اليهود , وكان يعطيهم أوسقا من التمر صدقة , فلما               حضروا إعنده غضب عليهم وأخبرهم أنه حرمهم من عطاياه , فسألوه عن سبب ذلك فقال لهم لأنكم صدقتم هذا الساحر , فسلب الطمع إيمانهم وقالوا لا..إن نبى آخر الزمان من ولد إسحاق , وإنا لم نر فى كتبنا ذكر                    محمد ولا أن إسماعيل يلد نبيا , وأخذوا أوسق التمرومسافروا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها , وكذبوا على الله وعلى       نبيهم موسى عليه السلام . وأمثال هؤلاء الأحبارهم الذين يعنيهم الله تعالى بقوله : (َ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ  لَيَكْتُمُونَ                                الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )

                   قوله تعالى : ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ )

 

      يخاطب الله نبيه بقوله ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) يعنى هذا هو الحق من ربك فاتبعه واعمل به , ولاتكونن                  من الممترين أى المرتابين الشاكين . وفى تلك الآيات مافيها من بيان كمال العزة الألهية وكمال إطلاقة سبحانه                   وتعالى , وأن كل من فى السموات والأرض آتيه عبداله سبحانه , وبيان كمال العبودية لرسول الله صل وهذا               الخطاب مخاطب به رسول الله .والمقصود به الأمة , لأن العصمة تقتضى استحالة الشك منه والريب , وإنما               ذلك قد يكون منا نحن ¸ ن يقين رسول الله صل فوق كل يقين . وأما نحن فيقبننا بقدر مااتضح لنا من الحجج           والدلائل التى نحصلها بتلقى العلم من العلماء العاملين بكتاب الله وسنن نبيه صل

 وأما من لم يتلق هذا العلم ولو حصل أمثال الجبال من العلوم , وعبد عبادة إبليس , فإنه لايخشى الله إلا              عند نزول الأهوال المحيرة . قال تعالى :  ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(1)وفى رواية برفع                                                الاسم الشريف , وعلى الروايتين فإن الخشية لاتكون إلامن العلماء الذين أطلعهم الله على مكنون غيبه ,                 فخشعت قلوبهم أمام الحق جل جلاله , وكذلك التعظيم من الله لايكون إلاللعلماء الذين جملهم بالأدب لحضرته             العليى. فإن الخشيى من معانيها التعظيم تصحيحاً لمعنى روايى رفع الاسم الشريف , ودليل قوله تعالى:                   (  لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) فأثبت لهم العلم بالأحكام والأكوان , ونفى عنهم العلم بالله وبأيامه وبحكمة                           أحكامه الذى يوجب الخشية فى القلوب , فإذا كان العالم بالله وبأيامه وبأحكامه , ولو أحاطت به                              الفتن ماخطر على قلبه خاطر يبعده عن مراقبة الله , والخشية منه جل جلاله , لأنه ساكن النفس ومطمئن القلب                بالله سبحانه , فكيف يكون ذلك لمن بايع الله له الرسل أزلا؟ ومن أقامة الله سبحانه مقامة فى بيعة الرضوان                    للأصحابه فقال سبحانه : ( إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ )    وقال تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ                                ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورةفاطر آية 28                               (2) سورة الفتح آية 10

أسرار القرآن

 

 فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ )(1)  تلك البيانات والحجج الناصعة جعلت العلماء يؤولون تلك الآية , بأن الخطاب للأمى فى ذات                    رسول الله صل , زادنا الله تعالى علماً وأيدنا بروح منه حتى نفقه معانى كلامه ونشهد سرتنزيله .

قوله تعالى ك وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ                                             اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

التنوين فى قوله : "كل" بدل محذوف ملحوظ , والمحذوف أهل ملة . والمعنى لكل أهل ملة وجهة هو                        موليها كما دل التنوين فى قوله تعالى: ( وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ )(2)أى يوم إذا بلغت الروح الحلقوم تنظرون               الحقائق . قوله تعالى:"وِجْهَةٌ "يعنى قبلة , فلليهود بيت المقدس , وللنصارى جهة المشرق , وأنتم وجهتكم بيت       أبيكم إبراهيم وهى الكعبة المشرفة . وكانت قبل إبراهيم يحجها الملائكة والأنبياء , وقد كانت فى زمان نوح ربوة فوق 

 الماء كأنها لؤلؤة بيضاء وقد حجها آدم فمن بعده , حتى أمر الله إبراهيم يجعلها بيتاً بعد أن أخفى أثرها,                فجعل الله سبحانه بقدر البيت وأمر إبراهيم أن يبنى علىحدودها , وهى كعبة الملائكة والأنبياء والمرسلين . ولكن    الله أضل اليهود والنصارى عنها كما أضلهم عن يوم الجمعة التى جعلها الله يوم عبادة , فاتخذ اليهود يوم السبت وأتخذ النصارى  يوم الأحد , وهدانا الله إلى اليوم المحجوب لحضرته وهو يوم الجمعة ." فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ " أمر من الله     تعالى أن نجعل الكعبة قبلة لنا لنفوز بخيرات الدنيا بالهداية فى الصلاة إلى جهة الكعبة , ونفوز بخيرات الآخرة بأن    نكون مع الأنبياء والمرسلين فى مقعد صدق عند مليك مقتدر فإن من أحب أحداً حشر معه .

أتى رجل من الصحابة رسول الله صل فقال : يارسول الله إنىأحبك ولاأعمل كعملك فقال صل المرء مع                  من أحب , فقال : إنى أحبك يارسول الله , فقال : المرء مع من أحب , فأعادها فقالصل : المرء مع من                  أحب . أنت مع من أحببت ولك مااحتسبت) قال العارف : إن المحب مطيع . والمحبة تقتضى                                 السمع واتلطاعة . ومن أحب رسول الله صل سمع منه وأطاع فكان معه فى الدنيا ولآخرة . وفى قوله تعالى :                      ( فاستبقوا الخيرات ) أمر من الله تعالىلنا أن نسارع فى الأعمال الصالحات فآ تعيين الكعبة عند إقامة الصلاة                     ومن كثرة نوافلها ومن السعى للكعبة للطواف بها ...

 (  أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )

      بعد أن بين الله لنا كعبتنا التى رضيها لنا , وقصم ظهور اليهود والنصارى بالحجة , وجللهم بالخزى والبهتان     الذى هم أهله , ذكرنا سبحانه وتعالى بيوم القيامة , وبين لنا عجائب قدرته , أنه يجمعنا من أى مكان نكون فيه                 وقد شرحت فى كتاب : ( النشأة الثانية ) مابينه رسول الله صل من الأواسط التى جعلها للحياه الثانية , كما                      ورد ذلط بالرواية عن على بن أبى طالب فى حديثه الذى يقول فيه : ( إن الله ينزل مطراً من السماء كالمنى أربعين يوماً , أو شهراً أو سنة ......) لم تصح الرواية بتعيين واح منها , ثم يرسل أربعة رياح فتعتقم الآرض بعد أن            تذوب حتى تكون سائلة . ودليل ذلك قوله تعالى : ( يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا                       ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ                                    

(1) سورة النسلء آية 80                                       (2)  سورة الواقعة آية 84

 

قوله تعالى : ومن حيث خرجت فول وجهك ...(149)

 

مَهِيلًا )(1)  وارتجاف الأرض يكون بتلاطم رياحها , لأن كل ريح من جهة من جهات الأرض وتكون الجبال يومئذ                  كثيباً مهيلاً أى رملاً متهايلاً ..

       أبين لك ذلك الحديث : يريد على عليه السلام أن السماء تمطر ماء كمنى الرجال فيعلو سطح الأرض                   جميعها , فتذوب فيه حتى تكون كالعجينة السائلة وتعتقمها الرياح من جهاتها الأربع , فترجف الأرض رجفا يعنى        يتداخل بعضها فى بعض , فكل جسد من أجساد بنى آدم كان فى البر أو البحر تتقابل أجزاؤه فينجذب بعضها             إلى بعض . فقد تكون الرأس فى الشام , والجسد فى مكة , والأطراف فى البحر , وعند رجفة الآرض تداخل بعضهما فى بعض تلتقى تلك الأجزاء المتفرقة فيجمع الله بعضها على بعض بحكمته وقدرته , حتى يكون الإنسان كما                كان فى الحياة الدنيا . وقد فصلت لك أيها القارىء هذا الإجمال فى كتاب : ( النشأة الثانية ) فراجعه إنن شئت             

      فظهر أن الله يأتى بجميع بنى آدم على ماكانوا عليه فى حياتهم الدنيا حتى يعيد لهم " العزلة " أى لحمة             رأس الذكر التى تقطع عند الختان , وذلك لأن الله تعالى يحب أن ينعم الأعضاء التى جاعت بالصوم فى حبه ,         وسهرت الليل فى طاعته , ونالها الألم والتعب والقطع بجهادها فى سبيله , والأعضاء التى آثرت بنعيم الدنيا غيرها ,         ورضيت بالعناء والتعب والشقاء فيها , حتى يتجلى ملكا حكماً عدلاً متفضلاً وليؤنس الأرواح التى جاهدت مع             الأشباح فى الإقبال بها على الله تعالى , مع كثرة دواعى الشهوة والنزوع إلى الطمع والانتقام والحرص .

       وهذا نص القرآن المجيد , لأن الله تعالى أخبرنا بأن فى الجنة أنهارا متنوعة , وفيها أشهى الأطعمة , قال                    تعالى :( يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ )(3)وقال تعالى :                 (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ و أَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَوَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) (4)وهذا كله لايناسب الأرواح , لأن        الأرواح لاتأكل ولاتشرب ولاتنكح . وإذن فالروح والجسم يبعثان ويحشران ويتنعمان فى الجنة . ومن قال إن البعث         للروح فقط فقد أنكر ماأنزله الله على محمد صل ..

         ولعلم الله تعالى أن النفوس الخبيثة الإنسانية التى لم يهب الله لها نوراً تفقه به عن الله كلامه لاتؤمن ببعثه               الأشباح فأيد الله تعالى خبره بقوله :(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )يعنى أن قدرة الله تعالى استعلت على                            إيجاد مالا يمكن للعقل أن يتصوره . وماللعقول ولقدرة الحى القيوم : العقول تعقل الكون ومافيه , فلا يمكنها أن              تصل إلى الغيب المصون فتدركه . قال تعالى : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ )(5)

قوله تعالى : ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المزمل آية 14                         (2) هذا الكتاب موجود بمكتبة دار الكتاب الصوغى لمشيخة الطريقة العزمية 114شارع (3) سورة الزخرف آية 71                                   مجلس الشعب .                               

(5) سورة الرحمن آية 33                          (4) سورة الواقعة آية 17 - 23                                  

 

أسرار القرآن

 

       يتفضل الله تعالى تنزبلا من حنانه علينا فيبين لنا مناسكنا كل البيان , فيخاطب حبيبه صل لأنه المبلغ عن               الله أوامره ونواهيه , فيقول سبحانه ," وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ " أى من أى مكان خرجت إلى مكان بعيد عن                   الكعبة , وقت الصلاة فول وجهك شطر المسجد الحرام , وفى قوله : " شَطْرَ " وسعة لنا , لقيام الحرج بنا إذا                 أوجب علينا سبحانه أن نجعل الكعبة تجاه وجوهنا فى الصلاة , فقال تعالى: " فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ           الْحَرَامِ " أى جهنه , والواجب علينا الاقتداء برسول الله صل , ولكن أراد أن لايجعل عذرا لمتساهل, فقد يقول                                                المتساهل:  هذا أمر خاص برسول الله صل ونحن نترك الصلاة مادمنا بعيدين عن الكعبة حتى نرجع إليها كما يفعل       اليهود , فبين الله لنا كل البيان تفصيلا بقوله : " وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ "  .

        وقوله تعالى: " الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ " أكد هذا الأمر سبحانه وتعالى بتلك الآية المفتتحة بإن التوكيدية ,          المؤكدة بلام القسم أيضا طمأنينة لقلب رسول الله صل وتأييداً لنا , يعنى أن تحويل وجوهنا فى الصلاة إلى            الكعبة هو الحق الذى جاء لرسول الله صل من ربه . وفى هذا الخطاب من التعظيم لقدرة صل مالا تصل العقول                إلى غيبة المصون . وقوله تعالى:" وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " عناية من الله تعالى بالمسلمين الذين ظنوا أن                          صلاتهم قبل بيت المقدس لم تقبل , وأن صلاة إخوانهم الذين ماتوا قبل تحويل القبلة لم تقبل , فشرح الله صدورهم          بقوله : " وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " يعنى أن الله تعالى أحاط علمه بأعمالكم االتى أمركم بها من تولية وجوهكم             إلى بيت المقدس , وتوليتها بعد إلى الكعبة كما أمر الله تعالى , والله لايبنسى ولن ينسى . قال سبحانه :  ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (1)  والخير هو كل عمل يأمر الله تعالى به سواء نسخه أو                       أحكمه كما فى القبلة.

           قوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا                     كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا                                   مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)

تقدم شرح : ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) وليست هذه الآية مكررة                                                  ولكنها فى موضعها الحقيقى , ليبين لنا بياناً مرتلاً , وهو قوله تعالى : ( الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ         شَطْرَهُ ) حتى يرفع قدرنا سبحانه عنده يجعلنا مأمورين بما أمر به رسوله صل , وليعلمنا سبحانه وتعالى أنه واجب        علينا التشبه به فى كل مايأمره الله تعالى به , إلامابين لنا أنه من خصوصياته , كأمره بقيام الليل , وأمره سبحانه       له بقوله تعالى : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) (2) وبأمره سبحانه له بأنه ينكح صل من             أباحهن الله له بعد تعيين ماأباحه للمؤمنين . وأما ما عدا ماخصه الله سبحانه به صل , فالواجب على آل العزائم                     أن يتشبهوا به فى كل ذلك بدليل هذه الآية . وقد بينا تولية الوجوه شطر المسجد الحرام فيما تقدم ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزلزلة آية 7ـ8                            (2) سورة الأعراف آية 199

   

قوله تعالى : ومن حيث خرجت فول وجهك ...(150)

 

(  لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ )

     الناس هنا هم اليهود , وكانت حجتهم قولهم إنا بينا لمحمد قبلته فكيف لابد ين بيدنا , وقولهم بعد التحويل                                            إلى الكعبة :( مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا )

 وقول كفار قريش إن محمداً رجع إلى بيت أبيه وسيرجع غلىى ديننا و( الَّذِينَ ظَلَمُوا) الذين استثناهم الله تعالى هم  إهل النفوس العنادية الذين لايؤمنون بالله ولابرسوله ولاباليوم الآخر. وهم كما أخبرنا الله عنهم أنهم اليهود والنصارى وكفار قريش

(فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي )

      يطمئن الله قلوبنا بأنه سبحانه وتعالى يعصمنا من شرورهم , ويحفظ عقولنا من الميل إليهم بما يودعه فى قلوبنا   من العلم به , الذى نتلقاه عن رسول الله صل , فإن الخشية من صفة القلوب , والقلوب لاتخشى إل من                  عرفت . ولو جئت بطفل صغير أمامه النار لهم بقبضها لجهله بها . أما العارف فإنه يعرف أنها تحرقه ,                      وكذلك من جهل الله تعالى تعدى حدوده . ومن عرف الله تعالى تأدب لأمره ونهيه . قال تعالى :(  إِنَّمَا يَخْشَى        اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (1) .

  وهنا أشارة . يقول الله تعالى :( فَلَا تَخْشَوْهُمْ ) لأنىجعلت قلوبكم معمورة بعلمى , وكل قلب عمرته                          بعلمى كلا على قدر يقينه فصار لايخشى إلا الله , ولايسأل إلا الله . وفى ذلك بشرى لأهل الإيمان بالله تعالى أنهم           مع النبين والصديقين والشهداا , لأن قوله تعالى : ( وَاخْشَوْنِي ) أمر صادر عن قدرة وحكمة , والكلمة فى قوة                  كلمة ( كُنْ ) فإذا سمعت قلوب أهل الإيمان هذه الكلمة صغرت فى أعينهم الدنيا وما فيها ومن فيها . رزقنا الله            اليقين الحق إنه على كل شىء قدير .

( وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ )

       ليست منسوخة بقوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فإن تلك الآية تدل على تمام النعمة علينا                      بجعل الكعبة قبلة لنا فى الصلاة . وأما قوله تعالى :( أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) أى أصوله وفروعه إلى يوم القيامة .               وتمام النعمة الموت على الإسلام . وقال بعضهم : تمام النعمة دخول الجنة . وقال آخرون : تمام النعمة الفوز             برضوان الله الأكبر .

(وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )

       أى لتهتدوا بعدبيان الله لكم مناسك الصلاة . ولعل وعسى فى القرآن بمعنى اللآم , لأن عسى ولعل فى غيرالقرآن تفيد جهالة المتكام بالمستقبل , يقول عسى أن يحصل لى متردداً فى الخبر , ولكنها من الله تعالى                          للوقوع فقوله تعالى : ( وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) أى لتهتدوا . والهداية أنواع :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة فاطر 28                                              (2) سورة المائدة آية 3

أسرار القرآن

 

1- الهداية العامة وهى هداية الله تعالى كل نوع من خلقهه إلى ماينفعه , قال تعالى : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ                 الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) (1)فهدى الأطفال إلى الرضاع من أول ولادتهم وهدى الطيور                         إلى التقاط قوتها من الأرض من أول فقسها.

        2- هداية البيان وهى من الأنبياء وورثتهم , بدليل قوله تعالى: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ                       مُسْتَقِيمٍ ) (2)

         3- هداية الإحسان وهى من الله تعالى , قال سبحانه : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي                 مَنْ يَشَاءُ ) (3)أى يحسن إلى من يشاء بالهداية فليس لعارف باله ولالنبى ولالرسول أن يهدى من أحب هداية             إحسان .

         4- هداية الدخول فى المكان . قال تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ                  هَدَانَا اللَّهُ ) (4)

فقوله تعالى : (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) أى لتهتدوا الإحسان من الله تعالى.

        قوله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)

        كشف الله الحجاب عن بصائر من اجتباهم للعلم به , وجعلهم من السعداء بدعوة الخليل وولده إسماعيل               عليهما السلام لنا جماعة المسلمين . وأتم سبحانة نعمتة علينا ببعثه رسول الله صل , وبتعيين الكعبة قبلى لنا .

وسيتم نعمته علينا يوم القيامة بالفوز برضوانه الأكبر , وبالنعيم المقيم فى الملك الكبير , كما أتمها علينا بإرسال         حبيبه ومصطفاه صل لنا .

       قوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا ) جار ومجرور متعلق بقوله : ( وَلِأُتِمَّ ) وفى قوله تعالى :                            ( مِنْكُمْ ) مزيد عنايةة وعطف بنا , إذ جعله منا, نسمع منه فنفقه ونشهد أعماله فنتشبه به , ونألغه صل لأنه                  منا , فله سبحانه وتعالى المنة العظمى بجعلنا من أمته صل , وبجعله منا حتى يكون لنا كمال الشرف من الله تعالى                   بإقامتنا مقاماً جعل منا أفضل رسله , وأكرمنا به بأن جعلنا خير أمة أخرجت للناس , وأن أقامنا مقام رسله                  الكرام, وأيدنا بإنزال الملائكة لنصرتنا على عدونا, ويكرمنا يوم القيام  بأن ينصر بنا رسله السابقين بشهادتنا لهم         على أقوامهم .    

         ثم تفضل بالمزيد من فضله علينا بأنن وصف رسول الله صل الذى بعثه إلينا بأنه يتل علينا آياته. وتلاوة                الآيات هىى أن يسمعنا كلام الله تعالى , وأن يبين لنا مافى الكون من بدائع إبداع آيات الله الدالة على قدرته               وحكمنه , وقوله تعالى : ( يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ) فيه تعظيم لحضرة رسول الله صل , حيث أقامه سبحانه وتعالى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأعلى آية 1-3                                              (2) سورة الشورى آية 52

(3)سورة القصص آية 56                                              (4) سورة الأعراف آية 43

                                      

                                  

                                   قوله تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ...(151)

ليتلو الآيات المضافة إلى ضمير المتكلم بلفظ (نَا) الدالة على العظمة , التى يدل معناها على أن الآيات التى تتلى          هى ألفاظ الكتاب العزيز , وبيان أسرار الكون مما ظهر للأبصار والعقول , وماغاب عنهما , حتى تحصل لنا                      الطمأنينة فيكمل اليقين كما قال الله تعالى: ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ            الْمُوقِنِينَ ) (1)وبيان الآيات الكبرى بعبارات الصادق كرؤيتها بالعيان من حيث حصول اليقين الحق بها .. قال              على علي السلام .. " لو كشف الحجاب ماازددت يقينا" كأنه يقول : إن سماع أخبار الحقائق الغيبية من                      الصادق كرؤيتها .. ( وَيُزَكِّيكُمْ ) الزكاه فى اللغة هى الطهرة , والمراد هنا والله أعلم هو تزكية نفوسهم بما يشرحه                صل لنا من أسرار النشأة الأولى والثانية , وبيان حكم الله فى إيجادنا وإمدادنا , وبيان آيات الله الخفية التى لاتعلم           ولاتشهد إل ببيانه صل , وبعد التزكية أى التطهير تكون النفس مؤهلة لتلقى أسرار التوحيد العالية , وتكون قابلة              لمواجهة وجه الله تعالى.

       ( وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) ذكرالتعليم بعد التزكية وبعد تلاوة الآيات , ليعلمنا الله تعالى كيف                            نعلم الناي , فنبتدىء أولاً بتلاوة الآيات , ثم نقدم الوسائل التى بها تزكو نفوسهم , ثم نأخذهم بالعلم على قدر                  عقولهم , حتى يحصلوا من العلم مابه تخشى قلوبهم الله تعالى , والكتاب هو القرآن المجيد , وتعليمه كشف                  أسراره وبيان حكمه , وعلم الهيئات فى الأحكام الدالة على العبادة بتفصيل المجمل منها بالعمل , حتى تكتمل              النفس ويكمل الجسم : ( وَالْحِكْمَةَ ) الحكمة هى أقوال رسول الله صل وأعماله وأحواله التى يتذوقها من سمعوا              التلاوة وزكت نفوسهم , وتعلموا الكتاب .

       والظاهر عندى أنن بلوغ الكمال المطلوب فى نيل الفوز برضوان الله تعالى مرتب على تلك الحقائق . وإن             كانت الواو لاتقتضى ترتيباً ولا تعقيباً وقد سبقت تلك الآية فى دعوة الخليل عليه السلام فكانت كلمة :                        ( وَيُزَكِّيهِمْ ) (2)فى آخرها , ولكن تلك الآية هى من كلآم الله تعالى وليست خبراً عن غيره كالآية السابقة التى             هى خبر عن الخليل إبراهيم عليه السلام , والحكمة التى يعلمنا إياها رسول الله صل هى الحكمة النظرية , التى               بها تقوى النفس بعد طهارتها غتسوح فى عالم الملك والملكوت , وقد تشرف على حضرة العزة والجبروت . والحكمة    العملية وهى الجامعة لهيئات العبادات صلاة وصوما وزكاة وحجا , وبذلك يكون المسلم خليفة ربه فى أرضه ,            يقوم الله بما فرضه من أركان الإسلام , ومن حسن المعاملة والمبادلة , ومن جمال الأخلاق , فيكون غيثا هاطلا            على الأرض لينفع إخوته المؤمنين , ولتحديد السنة , وإعلاء الكلمة بما منحه الله من العلوم والصناعات والفنون ,       وسياسة المجتمعات الأربعة المنزلية , والقروية , وسياسة المدن والمجتمع الإسلامى العام .

        ( وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) من العلوم التى لاتحصلها العقول ولاالأبدان , وتلك العلوم نوعان :                    نوع عملى ونوع شهودى , أما العملى ك فما يتعلق بالواجب على الإنسان لله , والواجب عليه لوالديه , ومن يليه          فى منزله , ولجيرانه , ولآهل بلده , وللمسلمين جميعاً أين كانوا . وأما الشهودى: فإن الإنسان لايمكن أن يعلم ,           مايحبه الله تعالى ويرضاه منه سبحانه بالعقل ولابالجسم , ولكن يحصل تلك الآسرار من رسول الله صل , وهى         الحكمة العالية فى بعثة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . وإن كان المجتمع الإسلامى لايهتدى إلى خير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنعام آية 75                                   (2) سورة البقرة آية 129

 

 

أسرار القرآن

 

معاشه ومعاده إلا بالرسل , إلا تلك العلوم العالية التى ليس للعقل أن يحصلها , لأن العقل معقول بالقول ,                   قال تعالى : ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ              إِلَّا بِسُلْطَانٍ ) (1)

       ولو أن الإنسان يمكنه أن يحصل بعقله محاب الله ومراضيه لكانت بعثة الرسل عبثا وقد ورد أن بنى إسرائيل     سألوا موسى عليه السلام فقالوا : يا كليم الله سل ربنا يبين لنا ما يرضيه عنا لنجاهد أنفسنا فى ذالك , فسأل موسى        عليه السلام ربه قائلا : رب أنت أعلم بسؤال عبادك , بين لنا ما يرضيك عنهم من الأقوال والأعمال , فقال الله           لموسى : " يا موسى إنهم لا يطيقون ذالك " فقال : " رب بينه وتفضل علينا " فقال الله له " الذى يرضينى عنهم          هو رضاهم عنى " فرجع موسى فرحاً جزلاً وأخبر بنى إسرائيل ففرحوا جميعا وقالوا : رضينا عن الله تعالى . فما      مضت أيام إلا غضبوا على الله تعالى فقالوا : يا موسى لن نصبر على طعام واحد , وكان قوتهم المن والسلوى وهو       خير طعام فى الدنيا , يأتيهم الله به من غير مشقة , ولا تعب , وكانوا فى بلاد مصر فى ذل العبودية لفرعون وقومه ,   يأكلون القديد , وينامون على الخشن , ويشربون الماء الآسن , حتى كان الواحد منهم يتمنى أن يمضى عليه اليوم          فى أمن وفى تيسير قوت فلا يجد . فصدق الله العظيم , وكذب بنى إسرائيل لأنهم لم يطيقوا عمل ما يرضى الله عنهم      وكيف لا ؟ وقد جعل رضا سبحانه عنهم فى رضاهم عنه فسخطوا على خير عطائه وقالوا : ( لَنْ نَصْبِرَ عَلَى       طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ) (2)

فأستبدلوا الخبيث بالطيب , وحكموا على أنفسهم أنهم ليسوا من أهل رضوان الله تعالى ,كما قال تعالي :                 ( أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ )  وكأنه سبحانه يقول ( ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون )                                               بأنفسكم . من علم النفس وعلم التوحيد والغيب , وعلوم ما فوق المادة إلى أن تعرفوا الله تعالى , فتكونون معه               ويكون سبحانه معكم .

قوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ( 152 )

هذا مقام كشف يجذب القلوب إلى علام الغيوب حبا فى إحسانه العلى المتوالى لنا , لأنه خصنا بالخطاب                       في هذه الآية , بعد أن بين ما تفضل بيه علينا فى الآيات السابقة . ففى تلك الآية خصوص لاختصاصها بنا دون               غيرنا . بعبن ذالك سياق الآيات السابقة , فإنه سبحانه يبين أننا خير أمة أخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر , واننا نكون شهداء لأنبيائه ورسله يوم القيامة وأننا دعوة الخليل عليه السلام , و أنه سبحانه أتم علينا نعمه             بتعيين الكعبة قبلة لنا , وبإرسال حبيبه ومصطفاه لنا , وببيان ما أجراه الله لنا من الفضل عل لسانه ويده صل من            تلاوة الأيات , ومن تعليمنا الكتاب والحكمة , وتعليمنا مالم نكن نعلم . إذن يتعين فى قوله تعالى : ( فَاذْكُرُونِي )

الذكر الذى يرضيه سبحانه , فإن قوله  ( أَذْكُرْكُمْ ) في هذه الآية يعنى أمنُّ عليكم بذكرى الذى ينيلكم رضاى                                                        والنعيم المقيم فى جوار الأنياء والصديقين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الرحمن آية 33                                  (2) سورة البقرة آية 61

(3)سورة البقلاة آية 61  

 

قوله تعالى : فأذكرونى أذكركم ....(152)

 

       أما هذه الآية , ولو كانت فى غير هذا السياق لدلت على الإطلاق لا التخصيص . فمن يذكر الله بسوء                        يذكره بإنتقام كالمعترضين على الله فى قضائه وقدره , والمكذبين لأنبيائه , والمخالفين لأحكامه , والضارين لعباده .     كل هؤلا ء يذكرون الله بمالايرضاه , واله يذكركم بالانتقام منهم وعقوبتهم فى الدنيا . والذكر فى هذه الآية لايكون         ذكراً يترتب عليه ذكر الله لنا لإذا كان بالقلب أو المراقبة والمحاسبة . أما ذكر اللسان المجرد عن العلم والقلب فلو                                               ملأ الإنسان مابين السماء والأرض ذكراً بلسانه رجع بالتعب والعناء , ولم ينل خبراً من الله تعالى . وعندى أن                                    الدجاجة التى تسجد فى النهار ألف مرة خير منه , لأنها كلما وضعت فمها على الأرض التقطت رزقها . والذاكر                                                             الجاهل يحرك لسانه من غير إدراك بقلبه , وقد بلغ به الذكر بلسانه إلى الغرور لإنه لم يحصل علماً يخشى الله به .            وأول واجب على كل مسلم قبل العبادة تحصيل العلم  بالمعبود . وبآداب الأعمال , والقيام بها على ماكان عليه رسول الله صل وأصحابه الكرام.

والذكر إما بالقلب وهو استحضار عظمة الله تعالى واليقين الحق بأنه هو الله المعبود الفاعل المختار لما يحب وبشاء       ويختار . أو يكون الذكر بسياحة الروح فى ملكوت الله وملكه حتى تشهد ماأبدعته القدرة , وأحكمته الحكمة ,              فتزداد علماً ويقيناً وهو خير اللذكر للسالكين . وأما ذكر الواصلين فهو مراقبة الله فى كل حركتة وسكنة , وفى كل         نومة ويقظة , حةى كأنه يرى الله أمامه , أو كأنه معالم بين عينيه , لاغيب إذا غاب الغافلون , ولايحجب إذا              حجب الجاهلون , وهذا ذكر الواصلين , ونهاية الفناء فى الله حتى يغيب بشهود وجهه العلى عن كل كائن , وهو         بداية ذكر المتكنين , والمتمكن عبد عرف نفسه وعرف ربه , فقام الله تعالى بما يحب ويرضى , وهو عند الله                تعالى أفضل من الملآئكة , وقد تكون نعم الله الكونية على الناس من الأمطار والزروع والضروع , إكراماً لهذا العبد     المسكين الذى قد يكون لايملك قوت يومه , ولكن أنفاسه تستضىء بها عوالم عالين , لأنها تصدر عن حضور مع          الله , ووجود بالله وأنس عند ربنا جل جلاله , وهذا هو الذكر الذى يمكن أن يسيطر على الأوراق محافظة على          العقول . أما ذكر الله تعالى الذى اصطفى الله له صفوة الأخبار من عبيده , فذلك مالأيباح إلامن قلب العارفين              إلى قلوب الأطهار من خيرة طالبى الله سبحانه وتعالى.

         أما قوله تعالى : ( أَذْكُرْكُمْ )  فقد بين ذلك رسول الله صل بقوله فى الحديث القدسى , وهو قوله صل                    ( قال الله تعالى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بىِ , وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنىِ , فّإِنْ ذَكَرنىِ فىِ نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فى نَفْسىِ ,                        وَإنْ ذَكَرنى فى مَلَأ ذَكَرْتُهُ فى مَلَأ خَيْرٍ مِنْهُ , وَإنْ تَقَرَّبَ مِنِّى شبْراً تَقَرَّبْتُ منه ذِرَاعاً , وَإنْ تَقَرّبَ مِنِّى                       ذِرَعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باَعاً وإِنْ أَتَانىِ يَسْعَى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ) أو كما قال صل . فجمع عليه الصلاة والسلام مراتب                                                                           الذكر لأهل الأكبر , رزقنا الله الفقه عن الله ورسوله .

          وهنا أفضل لك بقدر العقول , من ذكرنى بالتوبة غفرت له ذنوبه , ومن ذكرنى بالإنابة إلى وزفقته لطاعتى ,     ومن ذكرنى بشكر ماأنعمت به عليه ذكرته بالمزيد من العلم بى ومن خيرى الدنيا والآخرة , ومن ذكرنى بجمالى         وجلالى جملته بمعانى صفاتى وحرمت عليه النار , ومن ذكرنى بكمالى الذاتى فلا تعلم نفس ماأخفى له من قوة               أعين . منحنا الله علو الهمة , وأكرمنا بالتشبه بحبيبه ومصطفاه صل فى قوله وعلمه وحاله , حنى نكون مع الذين        أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والسهداء والصالحين .

أسرار القرآن

 

        ظهر لنا بتلك الآية أن الذكر منا لله ننال به التفضيل بذكر الله لنا , وأن الشكر هنا خاص بالله لايجوز                              لغيره. ولذلك قال الله تعالى : ( َاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي ) ولم يقل أشكركم . والشكر هو العتراف بأن                                       النعمة من الله تعالى , وطهارة القلب من أن ينسب فضلاً أو نعمة أو إيجاداً أوإمداداً لغير الله تعالى , فالشكر                 أدق بكثير من الذكر , لأن الله تعالى يقول :( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )(1)والشكر عمل بالجوارح                              الظاهرة, وبالقوى الباطنة من القلب والعقل والروح .. قال تعالى :( اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا )(2)فالشكر                             عمل . وإنما يشكر الله تعالى بأسمائه الحسنى , فلم ير فى الوجود بأجمعه أثراً لغير الله تعالى , بل الوجود                         تعالى, فما نعمة ولانقمة إلا وهى جواذب من الله لعبده , فالنعمة تسر العبد وتذكره المنعم , والنقمة تخفبه                  وتذكره المنتقم فيرجع اليه سبحانه , فيجعل مقابل الشكر الكفر كما جعل مقابل الحج الكفر فى قوله تعالى:                                                                                                          ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَر)(3)أى من لم يحج مع الستطاعة فىموضوع                                                    الكفر .

        قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ                           الصَّابِرِينَ (153)

أنزل الله نعالى المؤمنين منه منزلة القريب الذى يخاطب ب ( يَا ) الدالة على القرب أحيانا وهذا النداء للمؤمنين فى         مقام التلطف نهاية غى الإحسان من الله تعالى إليهم , وبعد أن ناداهم هذا النداء أمرهم سبحانه وتعالى بعمل ماهو          خير . وماأمر الله المسلمين إلابما فيه الخير لهم فى الدنيا والآخرة , وإن لم يلائم طبعهم ولاتميل إليه نفوسهم الأمارة            بالسوء , فإن الله تعالى إنما يأمر بما به تزكو نفوسهم فيتقربون إلى ربهم . وفى أمرنه لنا بالاستعانة بالصبر والصلاة     فضل منه ونعمة , فإنه سبحانه أمرنا بالصبر على جهاد عدونا لإعلاء كلمته سبحانه , ولدغع شرورهم عنا حتى                 نتفرغ لطاعة ربنا ولتحصيل مالا بد لنا منه مما فرضه علينا من علم وعمل فيما يحبه ويرضاه , وبالصبر ننال                               رضوان الله تعالى , وأمرنا بالصلاة لأننا بالصلاة ننال الخير العاجل والآجل وقد جمع لنا فى قوله (وَالصَّلَاةِ ) القيام                                بكل العبادات البدنية والقلبية.

(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )

       أكد هذه الآية بقوله ( إنَّ) لأن الخبر على أن يدركه العقل , فجعل العقول تأنس بالتوكيد فى هذه                            الآية , والمعية بحسب الله تعالى . فمن الناس من يكون الله تعالى معه بالتوبة والإنابة وقبول العمل.                             ومنهم من يكون معه بالتوفيق واإلهام . ومنهم من يكون معه بالنصرة والتأييد , ومنهم من يكون معه بالتنزل                   والأحسان , أو بالكشف والبيان . قال تعالى مخبرا عن الملائكة ( وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) (4)ولايتأهل                          الإنسان لتلك المشاهدة العلية , والمقامات السنية , إلا أذا جاهد نفسه الأمارة بالسوء حتى زكت نفسه فأفلح                         ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة سبأ آية 13                                          ( 3)سورة سبأ آية 13

(3 ) سورة آل عمران آية 97                                (4 ) سورة الصافات آية 164

                                           

 

 

 

قوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل ... (154)

 

فصار الإنسان فى شكله وهيئته , ملكا فى همته ونيته . ولأهل القلوب مشاهد فى قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ مَعَ       الصَّابِرِينَ ) نطوى بساطها حتى يتلقاها أهلها سماعا فى الخلوة ...

 قوله تعالى : وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)

 

جاء لحفظ السبيل فى القرآن المجيد مفردا وجمعا , فجاء مفردا فى قوله تعالى : ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) وفى قوله                    ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )(1)وفى قوله سبحانه ( صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) (2)           وجاء جمعا فى قوله سبحانه  (  وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاَ )(3)ومعناه فى الجمع جهاد النفس , والنفس                                        قد تجاهد لمحو الرذائل وللتجمل بالفضلئل , وتجاهد لتنطبع على الطاعة مخالفة لفطرها المهملة وحظها وهواها , وقد   تجاهد لترغب فى تحصيل العلم وفى صحبة الأخيار ومجالسة الأبرار , وقد تجاهد لتتشبه برسول الله صل , أو           لتتخلق بأخلاق الله تعالى , وغير ذالك مما لا يسعه هذا الكتاب لأننا لا نحب الإطالة على طلبة العلم , ولذاك أتى          بلفظ السبيل جمعاً , وفى إفراده كما بينت لك فى الآيات السابقة هو جهاد العدو الداخلى حتى تستعلى عليه                 الآداب الشرعية وذالك فى ذات الله تعالى , ثم جهاد العدو الخارجى وبذالك إما أن يجندل بين الصفين مقدماً        نفسه وهو المقصود فى هذه الآية بقوله تعالى :( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )  لأنه أقدم على القتل                                                                          لا طمعا فى جنة , ولا خوفا من نار , ولا رغبة فيما دونهما , ولكنه أقدم ليلقى الأحبة , محمد صل وحزبه .

وهذا الذى نراه قتيلا بين الصفين لم يمت , ولكنه رفع إلى حظيرة القرب حيا يرزق , لا يمضى نفس من الأنفاس إلا     وتتوالى عليه الخيرات المعنوية والحسية . أما الخيرات المعنوية فإنه يكتب له فى صحيفته أعمال كل من هداهم الله       تعالى على يده , وأعمال من أهتدوا بهداهم إلى يوم القيامة . وقد يكون فى قبره وعشرات الملايين تعمل بعمله              فيكتب الله له أعمالهم فى صحيفته , لا ينقص ذالك من أعمالهم شيئاً . قال صل (مَنْ سَنّ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ فَلَهُ             أجْرُهَا وَأجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلىَ يَوْمِ اْلقِيَامَةِ ) فذالك هو جزاؤهم , وهم بتلك المثابة أحياء يرزقون خير الأرزاق                من حيث لا يعلمون . وكم من رجال قنلوا فى هذا السبيل , ولهم أكبر قسط من عملنا وعلمنا , لأنهم قتلوا فى إعلاء        كلمة الله وإحياء سنة رسوله صل . وهذه هى الشهادة الكبرى , لأنه جاهد نفسه فى ذات الله حتى أفلحت ,                   ثم خرج فاراً إلى الله تعالى حتى قتل بين الصفين , وقد ورد فى الحديث الصحيح أن أرواح الشهداء فى أجواف               طيور خضر تسكن سدرة المنتهى , وورد أيضاً أنهم يكونون طيوراً خضراً يسبحون فى الجنة يأوون إلى سدرة            المنتهى , فهم فةنعيم مقيم فى الدنيا , ومشاهدة الوجه العلى الجميل يوم القيامة , وورد أيضاً أن الله يفتح لهم وهم           في قبورهم بابا يشهدون منه أمكنتهم فى الجنة و فيسألون الله السرعة , كما يفتح للمنافقين والكفار بابا ‘لى النار              فيتمنون تأخير وصولهم إليها.أما الذين يرجعون إلى أهليهم من المجاهدين فى الصف فإنهم يرجعون بالنصرة والغنيمة         والمغفرة ...

         أما الذين يموتون قبل الملحمة فلهم رزقهم فى البرزخ لا كمن جندل فى الصف . وإنما عين الله من قيل فى         هذا الموقف وخصهم بهذا الفضل العظيم لأنهم باعوا أنفسهم وأموالهم . وقد نهانا الله وفى هذه الآية أن نقول عنهم           ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الفاتحة آية 6                                        (2) سورة الشورى آية 53

(3) سورة العنكبوت 69

 

 

أسرار القرآن

 

إنهم أموات وأثبت لهم الحياة عند ربهم : والعندية أعلى مقامات القرب لأهل اليقين الكامل من الأمة و وليس فوق          هذا المقام إلا مقام الرسول صل وهو مقام اللدنية . قال تعالى :( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ )(1)                           ومقام العندية فوق مقعد صدق قرباً , لان القوم رضى الله عنهم أعطوا الله الكل فأعطاهم سبحانه الكل و فكانوا              فى جواره عنده ورفع ( أَحْيَاءٌ) لأنه خبر لمبتدأ تقديره هم أحياء ...

          ( وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ )   أتى بهذه الآية الشريفة حفظاً لقلوب المؤمنين , وقصما لظهور المنافقين , وكأن                             متردداً قال كيف يكونون أحياء بعد أن مزقت أشلاؤهم وعلاهم التراب ؟ فقال الله تعالى وهو أصدق القائلين                 ولكن لا ترونهم , فمعنى : ( تَشْعُرُونَ ) أى ترون وتشهدون و لان عيون الرؤوس وعيون العقول لا تنكشف لها                       الغيوب المصونة , ولكنها تنكشف لعيوب الأرواح . من أحباب الله الذين هم عنده . فكم من أحياء يمشون على              التراب وقلوبهم سابحة فى ملكوت الله الأعلى , لم تحجبهم عن حبيبهم ضروريات الكون و لا كمالياته .,لأن الحقائق        أنكشفت لهم فتحققوا ان ما فوق الأرض فان بدليل قوله تعالى : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ )(2)وتحققوا ان الكون من                                      العرش إلى الفرش هالك لا دوام له ولا بقاء بدليل قوله تعالى : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )(3)وقوم وقعت عيون                                         بصائرهم عل هذا الغيب المصون كيف لا يشهدون مقامات الذين قتلوا فى سبيل الله ؟ ومن كانت همته بطنه                 وفرجه فهو أضل من الأنعام فكيف يشهد مقامات اهل الحب والعلم بالله تعالى ؟ ...

      قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ                وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)

 

         بين الله لنا الحكمة فى إقامتنا فى هذا الكون مقام المجاهدة فى سبحانه والصبر على القيام بأوامره , وإن ذالك         إنما كلفنا الله به لحكمتين عظيمتين : الحكمة الأولى ختبارنا وامتحانا فى كمال إيماننا به وتصديقنا لرسول الله                   صل , عتقادنا فيما أخبرنا به من المغيبات كالجنة والنار والميزان والصراط الحساب والوقوف بين يدى الله فإن                      كل مصدق بهذا كره الدنيا وما فيها من النعيم الفانى , وفر بقدر ماعمله إما إلى الجنة , أو إلى الرضوان الأكبر , أو       إلى الله تعالى . وتلك المقامات بقدر العلم بها . والحكمة الثانية : هى كشف الحقائق وبيان السبيل الموصل إليه                يبحانه والإكرام منه عز وجل بالمزيد من الهداية والإحسان . لكشف مقامات القرب والوصول والحب لنرقى إليها         ونتنعم فيها.

         " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ " أى ولنختبرنكم " بِشَيْءٍ " قليل " مِنَ الْخَوْفِ " من عدوكم الذى يناوئكم ويحاربكم ليردكم عن                 دينكم " وَالْجُوعِ " يعنى بالجدب " وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ " , ببذلها فى الجهاد ضد الأعداء " وَالْأَنْفُسِ "                                بالقتل فى الجهاد  "  وَالثَّمَرَاتِ " موت الأولاد وقال ابن عباس فى تفسير هذه الآية :"  وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ       الْخَوْفِ " أى خوف جهنم .  " وَالْجُوعِ "  يعنى صيام شهر رمضان  " وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ "  يعنى الزكاه                                         " وَالْأَنْفُسِ " بالموت الطبيعى " والثمرات " بموت الأفراد . ولكن تفسير الإمام ابن عباس رضى الله عنهما حق           لأهل السلوك ممن لم يقو دينهم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النمل آية 6                         (2) سورىة الرحمن آية 26

(3) سورة القصص آية 88     

 

قوله تعالى : الذين إذا أصابتهم مصيبة ... (156)

      

       ولأهل الإشارة فى هذه الآية ملاحظة :"  وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ " وهو مقام الخوف والخشية والرهبة                                " وَالْجُوعِ "  وهو الزهد فيما سوى الله  " وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ " التوبة مما يملك " وَالْأَنْفُسِ " الفناء عما سوى الله                                                     وهو الذى يقولون عنه موتة الإرادة . قال رسول الله صلى : ( مُوتُا قَبْلَ أن تَمُوتُوا ) أى موتوا بالإرادة قبل أن تموتوا                     بالقهر , والموت بالارادة الفناء عما سوى الله تعالى . والموت بالقهرالموتة العزرانيليى .

        (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)البشرى خبر لم يسبق لك معرفته ويكون بالخير والشر . فمن أخبرك خبرا لم تعلمه فهو        خبر وبشرى . ومن أخبرك بخبر تعلمه فهو خبر فقط . ولكن البشرى غى هذه الآية للخير . وهنا تشهد الأرواح                                           الطاهرة أن جمال العبد عند الله تعالى هو جمال العبودىة , لأن الله تعالى على عظيم عن أن يتأثر بالأحداث , أو أن                   يضره أحد أو ينفعه , والعبد محدث مقهور , ومن جماله تحميل الشدائد والمضار , فإن نظرها أنها بقدر الله وفى                      طاعة الله وصبر عليها منحة الله جماله العلى , فصرفه فى الملك والملكوت بكلمة ( كُنْ) فى الدنيا , وبالمشيئة               المطلقة يوم القيامة . قال تعالى : (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ) وقال تعالى :( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ                     وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي                      ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا )(2)أما آجلها فى الآخرة فقال الله تعالى :( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا                  الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ )(3)والحسنى مقعد صدق , والزيادة شهود جمال وجه الله تعالى , فاشتاقت الأرواح إلى معرفة                 الصابرين فيبين الله للأرواح صفات الصابرين لتسارع إلى أن تتجمل بصفاتهم فقال تعالى :( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )

               قوله تعالى : الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)

         فيبين صفاتهم ولم يذكر أشخاصهم للوسعة الإلهية , حتى يكون منهم فى زمان رسول الله صل وفى الأمة                       جميعها إلىقيام الساعة . ومن حظر فضل الله على واحد من أمة محمد صلى حرم ذلك الفضل فإن فضل الله                  تعالى لم يقف عند أشخاص معينين , ولا رجال مخصوصين , بل قد يكون من الكغار فى كل زمان من يهديهم الله         تعالى ويجعلهم بالفضل العظيم , قال تعالى( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )(4)وقوله            تعالى : ( إِنَّا لِلَّهِ ) أى ملكا وإيجادا وإمداداً , بدليل قوله تعالى : ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )(5)(وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )(6)   

 (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)وكلمة ( إِنَّا لِلَّهِ ) لم تكن رواية ولا دراية ولكنها شهود عين                                                        وخبر عن عيان ( لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) أى كما أن بدايتنا منه فنهايتنا بعد أدوار الكون إليه , وليس معنا إلا أعمالنا                          التى بها نجازى أو عليها نحاسب . ومن بلغ به اليقين الحق هذا المقام حتى شهد أنه شهود عين , وتيقين أنه إليه            راجع يقيناً حقاً , كان من ضنائن الله التى يضن بها على خلقه , ومن أوليائه الذين أخبرهم بقوله تعالى :(أَلَا            إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) فى الدنيا والآخرة  (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ )(8)فيهما .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة ق آية 35                                          (2) سورة النور آية 55

(3) سورة يونس آية 26                                    (4) سورة الحديد آية 21

(5) سورة الشورى آية 49                                 (6) سورة الأنبياء آية 19

(7) سورة آل عمران آية 129                            (8) سورة يونس آية 63

 

 

 

أسرار القرآن

 قوله تعالى : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)

تشوقت الأرواح إلى ما يتفضل الله به على أهل هذه المقامات العالية , والله عليم بأسرارعباده, فيبين الله لهم                مابه شرح صدورهم , وطمأنينة قلوبهم , فقال : ( أُولَئِكَ ) والإشارة إلى من ذكرهم الله فى الأية السابقة .                         " عَلَيْهِمْ " قال بعض المفسرين إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض , فعلى هنا بمعنى اللام , فيكون المعنى                         أولئك لهم صلوات . والأولى رعاية الأدب للقرآن المجيد . فتكون معنى : " عَلَيْهِمْ " أى تعلو صلوات الله تعالى             على مقتضيات قواهم البشرية , فتخرجهم إلى التشبه بالعلم الروحانى , فيكونون أفضل منه لما قاموا به من               المجاهدة , قال تعالى "  وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا " (1) وصلوات الله تعالى جمعها                                                                 سبحانه فى هذه الآية,إشارة إلى أن صلوت الله أنواع , فمنها المغفرة والتوبة ولقبول والرضوان الأكبر والجلوس على   منبر من نور قدام عرش الله تعالى يوم القيامة . ولذلك قال سبحانه : ( عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ ) ولم يقل عليهم صلاة .                " مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ "

       وهنا إشارة خفية يتذوقها أهل العلم بالله تعالى , قال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ "(2)                                 وقال هنا " أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ " وشتان بين المقامين , فالصلاة من الله العلى العظى                                                         لاتدركها العقول ولاالأ{واح . أما الصلاة من الرب جل جللأله فهى كمال الأنعام متواليا , فإن اسم الربونية جامع           تسعة وثمانين اسماً من أسمائه تعالى , وقوله تعالى " عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ " يعنى عليهم إحسان أسماء الجمال السبعين           والأسم الأعظم " اللَّهُ " هو العلم على الذات الواجبة الوجود , الذى لايراعى فيه معنى جمال ولاجلال , بخلاف                 اسم الرب فإنه يلاحظ فيه جمال وجلال ولذلك قال بعض الأفراد المحبوبين : أنا لاأعبد الرحمن ولاالوهاب , فأفنى       علماء عصره بقتله , فقال : أنا لاأعبد إلا الله , لأنى لو عبدت الرحمن والوهاب كنت معللاً لعبادته لعله الرحمة               والهبة , قال عمر بن الخطاب : نعم العبد صهيب لو يخف الله لم يعصيه . يعنى أن صهيباً رضى الله عنه شهد            سواطع العظمة والكبرياء الإلهى وأنوار كماله سبحانه , فجعله يكمل يقينا بما يتلوه كل يوم أربعاً وثلآثين مرة . وهو        قوله تعالى :  " إِيَّاكَ نَعْبُدُ " (3)  يعنى نخصك بالعبادة بالله لذاتك لالعلة أخرى .

       ومن عبد الله رغبة فى الجنة أو خوفا من النار أو طلباً فى حطام الدنيا عبد غير الله تعالى عند القوم . والرحمة                  من الله تعالى هى الفضل الذى يوليه عبده من عفو وعافية ومال وأولاد فى الدنيا , وستر وصبر وحلم ورضوان               ونعيم مقيم فى الآخرة : "  وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " الواو هنا للمدح لاللعطف , لأنها لو كانت للعطف الكان                                                   (وَأُولَئِكَ) الثانية غير الأولى . والحقيقة كل الأوصاف لمن ذكرهم الله تعالى فى الآية السابقة .. فالإشارة الثانية            إليهم . وقوله : " هُمُ " يقول المفسرون " هُمُ " ضمير وصل والحقيقة أنه للاختصاص وهو مبتدأ . والمهتدون بعده                                          خبر . والجملة ( وَأُولَئِكَ ) يعنى أن من أثنى الله عليهم فى الآية السابقة خصهم الله بالهداية . والهداية هى                         بيان الحقاتئق .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء آية 95                                         سورة الأحزاب آية 56

قوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله ... (158)

                                                           

          ومن انكشفت له الحقائق فى كل مرتبة من المراتب حفظه الله من الخطايا , فمن رآى نار جهنم ورأى                      الموصل إليها هل يقارفه ؟ الجواب : لا . قال تعالى: " كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ                    لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ "(1)لأن الله تعالى هداه فحفظه وهذه هى هداية الإحسان من الله تعالى . وقد خصها الله                 بأهل محبته كما قال سبحانه : ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا)(2)بتوفيقه وعنايته بكشف الحقائق أمامهم بيان السبيل الموصول                                   لهم إليه , وجذبتهم الهداية إليه سبحانه وتعالى . أكرمهم الله عز وجل بالمزيد من الهداية والإحسان ( زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ  ) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم , والمزيد من الهدى هو كشف                               مقامات القرب والوصول والحب , فيرقون إليها ويتنعمون فيها , نسأل الله سبحانه أن يجعلنا معهم إنه سميع مجيب .          

          قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا                         جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)

         بعد أن بين الله تعالى فى الآيات السابقة مابه الفوز عنده من الصلاة والصبر والجهاد والعلم , بين لنا الحج            وأحكامهوفرائضه وواجباته بيانا إجماليا فصله رسوله صل بعلمه وقوله , وابتدأ فى بيان ماكان مختلفا فيه بين              المسلمين والجاهلية. فإن قريشا كانت تطوف بالصفا والمروة فلما أشرقت أنوار الإسلام امتنع المسلمون عن الطواف     بالصفا والمروة وعن السعى بينهما , حةى سأل قوم رسول الله صل واستفسروا منه عن السعى بين الصفا والمروة ,             وكان صل لاينطق عن الهوى فأنزل الله تعالى فى هذا قوله تعالى :  " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " أى من          مناسكه ومن عبادة الله تعالى .

ثم بين سبحانه ذلك بقوله " فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " وبين ذلك رسول الله                                                                                  صلى عملا حصوصا فى حجة الوداع ولكن الصحابة رضى الله عنهم اختلفوا فى تأويل هذه الآية فقال بعضهم           ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) أن ذلك نفل لو تركه الحاج لم يبطل حجه , حتى ذهب بعض الصحابة إلى أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها فسألها البيان فى هذه الآية بعد أن شرح عقيدته فيها فقالت : لو كان هذا                                                         كذلك لقال فلا جناح عليه أن لايطوف بهما قال تعالى " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ "(4)بل السعى بين الصفا                                                 والمروة بعد طواف الإفاضة فريضة على كل مسلم . ولكن الآية منعت الحاج الذى كان يراه المسلمون وعينت               الطواف بهما بدليل قوله تعالى "  مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " وتأويل هذه الآية بعض الصحابة بأن السعى واجب فى الحج                                     وركن من أركان العمرة, فليس فريضة فى الحج لأن الواجب فى الحج غير الفرض فيه, وليس عند المالكية فرق بين    الفرض والواجب إلافى الحج , فترك الواجب عندهم يجبر بالدم وترك الفرض يبطل الحج , وقد فصلنا ذلك فى            كتاب : " هداية السالك إلى علم المناسك " وبعض العلماء تأول هذه الآية بأن السعى بين الصفا والمروة سنة .                                              وبالإجماع الآن كما ثررت لك أت السعى بين الصفا والمروة فريضة بعد طواف الإفاضة , أو بعد طواف القدوم .       والصفا جمع صفاه . والصفاه هى الصخرة الملساء التى تشبه الرخام . وهى ككل جمع واحده بالتاء كثمرة وتمر .         والمروة جمعها مرو وهو الحصاة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التكاثر أية 5-7                                     (2) سورة محمد آية 17

(3) سورة محمد آية 17                                        (4) سورة ً آية 75

 

 

أسرار القرءآن

وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ  "

        وقد وردت رواية بياء المضارع وهذه الرواية أنت بلفظ الماضى . وقد اختلف العلماء فى لفظه " تطوع "               فقال بعضهم : أى كرر الحج فإن الأولى فريضة , وقال بعضهم : من تطوع , يعنى اعتمر . وقال بعضهم                بالنسبة لمناسبة الآية : من تطوع , يعنى سعى بين الصفا والمروة فى أوقات الحج . وقد بينا هذا الخلاف فيما               سبق . والرجوع إلى قول من قال : من تطوع , أى من تكرر الحج فهو خير له يعنى رجوعه إلى الحج بعد                           تأدية الفريضة خير كما قال صل فى الحديث القدسى : " وَلاَ يَزَاَلُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إَلىَّ بالنَّواَفِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ "

         "  فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ " يخبرنا الله تعالى أن الله يقبل منا الفرائض وهى أحب مايتقرب بها إليه العبد , ثم                           يتفضل فيقبل وهو التطوع , ثم يحسن سبحانه وهو المحسن فيقبل ويشكر عليه . ومن شكر الله له فلا                       تعلم نفس ماأخفى له من قوة أعين , والشكر عمل , وشكر الله الإحسان بالمزيد لمن تطوع . "  عَلِيمٌ  " أى            مطلع على أعمال العبد ونواياه القلبية وأعماله الجسيمة , فلا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء ,            ولفظة الحج لغة هى القصد . ولفظة العمرة لغة هى الزيارة .

         قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ                                لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)

         افتتح الله الآية بالتوكيد لبيان الحقيقة مؤكدة إزعاجاً لقلوب اليهود والنصارى , فإن الريبة لاتفارق قلوب             المبطلبين , فهم وإن كانوا أنكروا مابينه الله تعالى فى التوراة من نعوت رسول الله صل فإن الحق له صولة على              قلوبهم , فإذا سمعوا آيات القرآن تتلى مبينة للحائق التى ينكرونها بعد اعتقادها تخفق عليهم قلوبهم خوفا من أن يحصل             لهم ما حصل لسلفهم بعد تكذيب الأنبياء من المسخ .

            وفى تلك الآية مايذيب قلوب العلماء العارفين بالله إلى الأمر بالمعروف والتهى عن المنكر                       مهما قابلهم من البلايا فى سبيل ذلك . وقد قال الصحابة لأبى هريرة : أكثرت الكلام عن رسول الله صل , يعنى                    كذبت على رسول الله , فقال : مابالكم ؟ إن إخواننا الأنصار كانوا مشغولين بمزارعهم وإخووتنا المهاجرين               بتجارتهم , وكنت أقيم مع رسول الله صل أجوع يوما ووالله الذى لاإله إلاهو آية فى كتاب الله                               ماقال أبو هريرة كلمة , وهى قوله تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ " والآية نزلت فى أهل الكتابين , ولكنها جرت بذيلها كل                                           عالم لايبين لعباد الله آيات الله وأسراره إلا بمقابل من مال أو غيره .

( يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ) 

       والبيانات جمع بينة وهى الآية الظاهرة الجلية , أو بمعنى مبينة وهى الآية التى تبين غوامض أسرار التوحيد            أو تبين أيام الله تعالى وأحكامه وحكمة أسرار الكتاب , وقد تقدم لك معناه فيما سبق , "  مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ " أى بين تلك الآيات البينة واتلهدى للناس , أى بإنزاله بلغتهم أو ببعثة الرسل الذين يبينونة مفضلا ,

 

 

قوله تعالى: إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا … (160)

 

فيكون بيان الرسل والهدى للناس بيان الله تعالى لهم , كما قال تعالى : " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ " (1)         ومن قبل من الرسول أيضا فقد قبل من الله , وانما الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أواسط بين الله وبين خلقه ,           لآنه سبحانه وتعالى اصطفاهم وأهلهم لأن يتلقوا من الملك الموكل بالوحى أو يسمعوا منه سبحانه وتعالى , كما قال                   جل جلاله : " وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ "(2)وكتم تلك الآيات , جائز أن يكون بمنعهم بيانه                                                     للناس , أو بتغير عباراته , أو بتأويل ألفاظه إلى غير مراد الله تعالى . وكل ذلك جائز فى الكتم .

( أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ )

         الإشارة إلى اليهود والنصارى الذين وقعوا فى تلك الخطيئة . واللعنة سلب الإيمان من القلوب , وهى فى        اللغة الطرد والبعد. ولما كان الطرد يكون بجسب الطارد والمطرود, فالطرد من الناس الإبتعاد, والطرد من الله تعالى     حرمان العبد من فضله وإحسانه حتى يبعد عن محاب الله ومراضيه فيقيمه الله تعالى فى مساخطة , أعاذنا الله             تعالى من غضبه سبحانه .

         " وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ " الاعنون هنا من هداهم الله., بعد أن قطعهم وأبعدهم عن رسول الله صل                                         أخبارهم , فإنهم بعد الهداية يسألون الله أن يلعن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى الذين كنموهم نعت                رسول الله صل , وهذا عاجل غضب الله على اليهود والنصارى . أما آجله يوم القبامة فإنهم يكونون فى نار جهنم              يوم يقولون : " رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ "(3) فإن                 الذين هداهم الله من بنى إسرائيل كعبد الله بن سلام وتميم الدارى , والذين هداهم الله من علماء النصارى أو من              غير علمائهم إذا علموا بكيد الأحبار والرهبان سألوا الله أن يلعنهم لعنا كبيرا . وقد ورد أن البهائم إذا عضها الجدب        قالت هذا من عصاة بنى آدم لعن الله عصاة بنى آدم , معاصيهم سبب الجدب . قال تعالى ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ          مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ )(4)

قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)

كشف الله تعالى للعقول ما كان خفيا عنها مما هو خاص بالحضرة الإلهية , لتقوم الحجة على أنه جل جلاله                لا تضره المعاصى ولا تنفعه الطاعات , باستثنائه استثناء مفصلا ممن حكم عليهم سبحانه باللعن بسبب ما ارتكبوه          من كتمان ما أنزله الله فى التوراة والأنجيل من صفات رسول الله صل , وتلك الخطيئة بحسب الشريعة هى أكبر           الكبائر , لأنهم كذبوا على الله تعالى وكتموا أوامره التى بها إصلاح العالم أجمع , وفى ذالك ما فيه من غضب الله        تعالى حتى حكم عليها بالطرد والبعد والقطيعة عنه سبحانه , وفى تلك الخطايا ما يوجب خلودهم فى النار ,                 وما يجعل هذا الغضب يحيق بهم , ولكنه جل جلاله عطوف رءوف رحيم , بعد كل تلك الخطايا الموبقة يتعطف           جل جلاله فيستثنى منهم( الَّذِينَ تَابُوا ) ويخبرنا أنه سبحانه يقبل توبتهم ويتوب عليهم .                                  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء آية 80                                                     (2) سورة النمل آية 6

(3) سورة فصلت آية 29                                                      (4) سورة الشورى آية 30

0                                        

 

 

 

أسرار القرآن

(  إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا )

         والتوبة لغة : الرجوع , ولما كان الرجوع انتقالا من المكان  الذى انتهى إليه إلى المكان الذى خرج منه ,           كان المعنى فى التوبة أنه يرجع همه ولملمة وأهوائه وعلله ونواياه السيئة , إلى حظيرة الإقبال على الله تعالى ,                       مطيعا لآمره ,مسارعا إلى مايحبه ويرضاه   , بهد التوبة التى قدمت لك أركانها التى هى الندم على مافعل , والعزم                   على عدم العودة , والمسارعة لإلى استبدال القبائح بالمحاسن , والمخالفات بالطاعات والمفاسدبالاصلاح , وذلك بأن          ينظر لإلى ماأفسده بقوله وعمله وحالةه فيصلحه بحسب ماأمره الله تعالى .

         ومن تفصيل هذا المجمل أن يؤمن برسول الله صل , فإنه قد يتوب من تغيير مانزله الله أو من كتمانه                         بلإعلانه , ولكنه بصير مكذبا برسول الله صل إن لم يجمل باطنه بافيمان به صل ولن تقبل توبته . فإن الحكم                 عليهم بالعنة : لإنما كان سببه كتمانهم ماأنزله الله على موسى,   مبينا  به صفات رسول الله صل , وإلا فكل اليهود               من بنى إسرائيل كانوا يعتقدون مافى التوراه بالسنبة له عليه الصلاة والسلام ولم يعترهم العناد والإنكار الإ بعد أن                              بعثه الله تعالى بالحق بشيرا ونذيرا حسدا من عند أنفسهم .

" وَبَيَّنُوا "البيان : هو إظهار الحقائق جلية ماكان منها معنويا أو حسيا , ولما كان نحن فيه أمورا معنوية ,                                                 لزم أن يكون البيان فيه بالعبارة المطابقة للحقيقة التى أنزلها الله تعالى , وهذا القيد إنما أنزله الله تعالى لأنه يعلم                       خبث نفوس اليهود , فقد يرجعون إلى الحق فيما بينهم , وتأبى عليهم أنفسهم أن يبينوا لعباد الله الحقائق لينتفعوا                  برسول الله صل , حرصا على ماينالهم من حطام الدنيا الزائل , وعلى الرياسة التى    لو بينوا ماكتموه للناس لسلبت               منهم , ولذلك يقول الله تعالى " وَبَيَّنُوا " فإن لم يبينوا بإخلاص لله رد الله عليهم توبتهم .

        وهنا لقائل أن يقول : بعد أن يتوب العبد ويصلح ويبين كيف يقول الله تعالى :" أَتُوبُ عَلَيْهِمْ " وهل          هناك تائب يتوب عليه ؟ وإذا أتم أركان التوبة هل يقبل الله أولايقبل حتى يقول " فَأُولَئِكَ أَتُوبُ                        عَلَيْهِمْ " وهل هناك من يستوفى شروط التوبة ولايتوب الله عليه ؟ فنقول لهذا القائل : إن مراد الله سبحانه أعلم                                                 بمراده أنه يوفقهم للتوبة ويشرح صدورهم للقبام بها ثم يتفضل سبحانه فيبين لهم أنه قبلها , ليعلم عباده أنه قاهر                                        غير مقهور . وأنه سبحانه لايعامل عباده بمقضى العدل ولكن   يعاملهم بمقتضى الفضل ماداموا فى تلك الدار                                                        الدنيا . كما قال إبراهيم عليه السلام وهو فى الدار الدنيا " فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ                      غَفُورٌ رَحِيمٌ "(1)ومن قرأ الآية التى يخبرنا الله فيها عن قول عيسى عليه السلام " إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ           تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم  "(2)وفقه مابين الرسولين عليهما السلام وبين آيتيهما رأى أن الخليل عليه                                                   السلام بقول "  وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  " لطعمه فى مغفرة الله لهم بتوفيقه لهم فى الدنيا . وفى قول                                                  عيسى عليه السلام يقول : " وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم " علم أن المغفرة يوم الفيامة لاتكون إلا                                              عن عزة وحكمة , ولاتكون عن رحمة إلا فى الدنيا"  فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " الإشارة إلى من                                                       استثناهم الله تعالى ممن لعنهم , ويكون المعنى أتوب عليهم أى أرجع عليهم بما سيق لهم فى قدرى من الهداية                ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة ابراهيم آآية 36                            سورة المائدة آآية 118                                                             

 

 

 

قوله تعالى : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ...(161)

 

والتوفيق (  وَأَنَا التَّوَّابُ ) الذى أتوب على الخلق وأقبل وأبدل سيئاتهم حسنات " الرَّحِيمُ " الذى أمن على                                         عبادى بالخير الدنيوى والأخروى , ونقدم معنى (الرَّحِيمُ ) فيما سبق .

          قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ                           وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(161)

         أتى الله بحرف التوكيد فى هذه الآية الشريفة ليقطع طمع من مات كافرا , والكفر هو الستر , والجن والغفر                                        بمعنى واحد , إلا أن الكفر ستر الحق عمن سجل عليهم القضاء شقاءهم والغفر ستر العيوب . والجنة سةر                                                                             الذات وكل ما استتر عن الأبصار من الأنواع الحية يسمى جنا , وماسةر مافيه بسورة يسمى جنة . فالذين كفروا :                                             يعنى سةر عنهم الحق فلم يقبلوا عن الله آياته , ولم تقبل عقولهم الأدلة والبراهين القائمة على تفريد الله , وانفراده              بالوحدانية , واختصاصه بالعبادةة دون غيره . والكفار أنواع . منهم أهل الجحود الذين حجبتهم المادة بكمها                 وكيفها وخصوصياتها فوقفوا عندها و وهم الذين بحثوا بعقولهم حتى انتهت بهم الغقول إلى نهايتها الكبرى , التى                                                 نهايتها الوقوف عند المادة . قال تعالى :" يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ     وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ "(1)ومنهم أهل الفةرة الذين لم تبلغهم دعوة الرسل , فإنهم وإن كانوا                                          من أهل الجحود ولكن لهم العذر ولا يتعين الكفر إلا بعد بعثة الرسل وتبليغ الدعوة , ومنهم من فسدت فطرهم فلم                                                   يميزوا بين التسبيه والتنزيه , فاتخذوا الأنبياء الذين أجرى الله على أيديهم معجزات مادية , كإحياء الموتى وإبراء                                         الأكمة والأبرص وفلق البحر , وكالموت مائة سنة والإحياء بعدها , فعجزت قواهم الغقلية عن فقه غرائب قدرة الله                   فاتخذوهم أربابا أو أولادا لله سبحانه وتعالى :. ومنهم أهل النفوس العنادية الذين يدعوهم الكبر والحسد ولآنكار                                         ماأثبته الدين . ومن أنكر معلوما من الدين بالضرورة فقد كفر . ومنهم أهل الشك والريب , ومنهم ومنهم ...                       الخخخ . تلك الأنواع كلها من مات منهم حكم عليه بوعيد الله فيه حكمه عليهم بيئة سبحانه                                        بقوله : " أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ  وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ "

" أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ "

         وقد بينت لك معنى اللعنة فيما تقدم فلانطيل بذكرها . ومعنى عليهم أى استغرقتهم اللعنة واستعلت عليهم                                           فكبكبوا فى النار , ولعنة الملائكة معلومة , وإنما الخلاف فة قوله تعالى :" وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " ولكن خصص                                                 بعضهم فقال : ( الـ) للعهد والمراد المؤمنين يلعنونهم , وهذا التأويل لايؤيده صريح القرآن . والتأويل الذى يتحد                              مع صريح القرآن هو أن الناس جميعا يلعنون الظالم . والكافر هو الظالم . ولك إن تقول إن الناس أجمعين إنما أضل             الكافرين منهم الزعماء والداعة إلأى النار فإذا انكشفت الحقائق يوم القيامة لعن المؤمنون الكافرين أجمعين , ولعن             الكفار من أضلهم وأوقغهم فى الكفر , ولعن الزعماء الكافريبن الذين أضلهم فصحت اللعنة من الناس أجمعين ,                كما قال تعالى مخبرا عن الشيطان : " وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ "(2)وهذه  الجملة من الشيطان فو قوة اللعنة على من اتبعه وتبرأ منه يوم القيامة , فكذلك يكون الدعاة إلى النار يوم                                     القيامة يلعن بعضهم بعضا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة الرحمن آية 33                                    ( 3) سورة إبراهيم آية 22

 

 

 

 

أسرار القرآن

 

        قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)

"  خَالِدِينَ فِيهَا "الخلود معلوم وهو البقاء فيها إلا أنه هنا مىحظ فيه معنى الأبدية وإن لم يذكر لفظ أبداً                                                   بعدها , لأن الذى ورد فى الشريعة أن الكافر يخلد فى النار أبداً , وأن عصاه المسلمين لايخلدون فيها أبداً , وقد                                    صرح القرآن فى غير هذه الآية بالأبدية للكفار دون المؤمنبن , ولقائل أن أطول أعمار الناس لا يتجاوز                                                                              الألف سنة , فمن عاش ألف سنة كافرا كان من العدل أن يعذب بقدر عمره , كما أن المؤمن الذى يعيش ألف                  سنة ينعم بقدر عمره , إلا أن نقول : فضل الله للمؤمن يعلمنا المزيد من إحسانه , أما عدل الله تعالى فبقتضى معاملة الكفار بقدر أعمالهم . وهنا نرد على صاحب هذا القول  بأن نبين له الحكمة فى ذلك , وهو أن الله                                     تعالى لو أبقاهم فى الدنيا إلى الأبد لداموا على الكفر . ولو أبقى الله المؤمنين فى الدنيا إلى الأبدلداموا  على الطاعة                                                                                  وهذه هى حكمة بقاء كل منهما فيما قدره الله له أزلا . والواجب على كل مسلم أن يسلم لله أحكامه , ويؤمن                    بالغيب حتى يمنحه الله العلم بأسرار حكمته تعالى.

لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ)

         التخفيف قد يكون بجعل أوقات للعذاب وأوقات للإفاقة منه , أو بوعد من الله بإخراجهم منه , أو بأن                          يمنحهم الله نظرة ينتظرون فيها فرج الله تعالى أو خفى لطفه بهم , فقطع رجاءهم سبحانه وتعالى لأنهم ظلموا                                       أنفسهم بكفرهم بالله تعالى , بعد إقامة الحجة ووضوح المحجة . قال تعالى ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ )(1)  وإنما                                            الأمارة بالسوء أعمت غيون عقولهم عن تعقل ماجاء به صل .

           قوله تعالى : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(163)

 

      يبين الله تعالى فة هذه الآية الشريفة خقيقة التوحيد بحججه البالغة التىتقبلها العقول من الهوى ,                             والنفوس الطاهرة من الخبث , إقامة للحجة على من أشرك بالله واتخذ له ندا وشريكا ونظيرا وشبيها من خلقه فابتدأ                          الآية الشريفة بقوله تعالى : " وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد " ومن بيان ذلك :

       1- الإله : هو الغنى عماسواه , المفتقر ‘إ ليه كل ماعداه . والإله هو من بأله إليه الناس جميعا فلا                               ينكر ألوهية أحد من الخلق . ولكن كفر من كفر لم يكن بجحود ألوهيته , بل بالخطأ فى توحيده سبحانه , فإن                                            الله تعالى يقول :(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ )(2)ولكنهم عبدوا غيره من الأوثان                                                                      والأفلاك والأملاك , ومن الأنبياء والملائكة بيأويل أنهم ابناء الله وأنهم شفعاء عند الله أو يقربوهم إلى الله زلفى ,                   والحكم هنا بتلك الآية إثبات الوحدانية لله تعالى لأن الأناسى فطروا على الدين .

      2- وقد عرف بعض الحكماء الإنسان    بأنه حيوان دينى بالطبع , فليس عندهم شك فى إثبات                          الأولوهية , ولكن الكفر والجحود إنما حصلا فى معرفة هذا الإله جل جلاله . ولذلك يقول الله تعالى : (وَإِلَهُكُمْ                 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة فصلت آيه 46                                      (2) سورة لقمان آية 25

 

                                        قوله تعالى: وإلهكم إله واحد ... (163)

 ( إِلَهٌ وَاحِد )  والوحدة هنا ليست كالوحدة فى المشهود المحسوس من الملموس من تلك الآثار ومافيها ولكنها                  وحدة تناسب من هىوصف له .

         3-والله تعالى ليس كمثله وكذلك أسماؤه وصفاته وأفعاله , وغاية مايمكن أن يبينه المعبر أن يقول :                                          ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد ) أى أنه سبحانه واحد بمعنى أنه ليس من شىء , ولا منه شىء ولافى                                                               شىء , ولافيه شىء , فليس فى ذات الحق إلا الحق , وليس فى الكون إل الكون , والله سبحانه على عن العقول                                       والأرواح , وعن الكم والكيف , وعن الزمان والمكان .

         4- وإن الواحد فى قومه من لامثيل له ولانظير له فيهم , وقد يقال لشيئين فى المعنى هما واحد , ويقال            للممتاز بصفات عالية أو سالفة هو واحد أو هو نسشيج وحدة , ويقال للمنفرد عن الخلق بجماله وجلاله وكماله هو                                                واحد, وهذه الوحدة هى التى تأولها بعض العلماء بقوله تعالى : ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد ) .

    وعندى أن البيان الأول هو الذى يناسب هذا المقام . وأما الأقوال الأربعة فقد يقرب منها إلى هذا المقام                   البيان الرابع , ولكنه ليحصر المعنى الذى يناسب الجلالة الإلهية . والمراد كله اليقين بوحدانية الله تعالى إيمانا                                                   بالغيب , حتى تقوم الحجج , وتستبين الدلائل , وتنكشف للنفس أنوار الغيب المصون , فإن التوحيد هو رأس إيمان المؤمن , ومن خرج به من الدنيا غفر الله له ذنوبه ولو كانت من الكبائر , حاشا الشرك بالله لقوله تعالى :                                              ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )(1)  وقد فصلت مجمل التوحيد فى رسالة :                                                      ( عقيدة النجاة ) فليراجعها طالب النجاة .

( لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ )

         حصر الألوهية فى ذاته بما بينه من القصر فى هذه الآية , فإن قصر الصفة على الموصوف يقتضى عدم                                                            خروج الصفة عن الموصوف مع جواز اتصاف الموصوف بغيرها , وقصر الموصوف على الصفة يقتضى قصر                                     الموصوف على الصفة , وقد تكون الصفة لغيره , وهنا قصر الصفة على الموصوف . فصفة الألوهية مقصورة على                                     ذات الله تعالى لاتتعداه لغيره أبدا . فإن من سواه وماسواه آثار مخلوقة بقدرته سبحانه وتهالى , وعباد مربوبون                      لربوبية جل جلاله , و( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ )(2)و( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )(3)وهو جل جلاله الواحد                                                                  الأحد الفرد الصمد لم يمتزج بشىء , وهو قبل كل شىء , وليس قبله شىء .

          سأل رجل أمير المؤمنين علياً عليه السلام فقال :  أين كان ربنا قبل خلقنا ؟ قال : كان ولا أين . وبهذا            الجواب أثبت أن هذا السؤال باطل , وأن سائله شاك مرتاب . فإن الله تعالى يقول لزكريا : " وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ           قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا "(4)وهذا حكم على الجزء , والحكم على الجزء حكم على الكل .

         وقوله تعالى : " الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ "فى هذا السياق وإن كنا بينا معنى الرحمن الرحيم فيما سبق , إلاأنا                                    لانخلى كتابنا هذا من مزيد فى تلك الآية – فالرحمن هو المنعم بجلائل النعم فى تلك الدار الدنيا , والرحيم هو المنعم بالخير الدائم فى الآخرة , وفى ذكرهما فى هذه الاية إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى عامل العالم بالرحمن الرحيم ,                               

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء آية 116                               (2) سورة الرحمن آية 26

(3) سورة القصصآية88                                 (4) سورة مريم      آية 9                                                                                                                        

                        

أسرار القرآن

فأبدعهم وأنشأهم وخلقهم بمشيئته وإرادته , لا لعلة ولا لسبب , بل بفضله وبرحمته , وأمدهم بما به قوام حياتهم                 ضروريا وكماليا . بحيث لو فقد عنصر من عناصر هذا الكون لهلك العالم أجمع , ومثال ذالك الماء والهواء والشمس           والأرض المنبسطة التى يسر لنا حرثها والبناء عليها والسير فيها , ولو كانت أباطح وجبالا لهلك الإنسان لتعذر الحياة عليها , ولذلك ورد فى الأثر الشريف : " سَبَقَتْ رَحْمتىِ غَضَبِى " ولو أن الغضب سبق الرحمة ما أبقى على                 ظهرها من دابة . قال تعالى  ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ )(1)وقد بين الله                                                                                         تعالى التوحيد بيانا مفصلا لا يحتاج إلى بيان بعده . ومن تلقى عقيدة التوحيد من غير القرآن هوى فى هاوية                     الحجاب .

        وأول بدعة مضلة اشتغال العلماء من زمان المأمون بالرد على من تلقوا فلسفة اليونان والرومان والبابليين ,           وجعلوا المنطق الذي هو ضرورى للإنسان فى تدبير منزله وتدبير المدن وسياسة الأمم , لأن أصغر طفل يعلم             البديهيات المنطفية , وكلما كبر قويت عنده المبادىء المنطقية فتراه وهو صغير إذا أعطيته أمه رغيفا وأخذت منه             لقمه بكى لأنه يعلم أن الجزء ينقص الكل , ويعتقد أن السماء فوق والأرض تحت , فيدرك البديهيات , فإذا              كبر أدرك التصورات , فإذا كبر أدرك التصديق , ثم يدرك القضايا , ثم يحكم بالنتائج .فإن المنطق من ضروريات         الإنسان , ووضع العلماء له كوضع الحساب والهندسة والطب والبيطرة من الصناعات الضرورية للمجتمعات ,           ولم يوضع لتقوم به الحجة لله تعالى , لأن اليقينيات فى المنطف هى المحسوسات , والحق هو الحاكم ويعلوا قدره أن          يدركه الحس أو يحيط به علما فضلا عن إدراكه , وما عرف الله تعالى إلا من فقه الله فىكتابه العزيز فعرَّفه              بكلامه .

       والبدعة التى ابتدعها من ترجموا كتب الفلاسفة فى الرد على أهل الإنكار والجحود فبالغوا فيها حتى حكموا        أن من لم يعلما كافر بعد قول الله تعالى ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) إلى                                                                                   قوله : ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(2)حكم هؤلاء القوم على أنفسهم بالجهالة لأنهم لم يفقهوا الفرق بين الإيمان                                              والعلم , ولو فهما الفرق بينهما لتحاشوا الوقوع فى تلك الكبائر . وإنى الإيمان و العلم :

        أما الإيمان فهو تصديق المخبر فى خبره حتي يبلغ تصديقه التسليم له , فإذا سلم له أخذ يبين له العلم                بقدر عقله حتى يحصله .

       أما العلم فهو تصور النفس رسوم المعلوم تصورا يجعل المعلوم كأنه معالم بين عينيه , مع نزاهة المعلوم              وقداسته عن أن تحوم الأرواح والعقول حوالى قداسة نزاهته , كما قال على عليه السلام : ( لَوْ كُشِفَ الْحِجَابُ             ماَ ازْدَدْتُ يقيناً ) لأنه علم علماً تصور به رسم المعلوم على جوهر نفسه .

       إذا علمت الفرق بين العلم والإيمان حكمت ان الذين يؤمنون بالغيب لهم الزلفى عند الله تعالى , سواء                 علموا الدلائل أو لم يعلموها , وقد يرفعهم الله تعالى مقاما عليا . أما أهل العلم بالله الذين عقلوا عن الله أسرار              كلامه حتى منحهم الله اليقين , فلهم درجات عالية عند الله . قال تعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ                             ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة فاطر آية 45                                 (2) سورة البقرة آية 3 - 5

 

                                          قوله تعالى : إن فى خلق السموات ولآرض ... (164)

وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )(1)فالذين آمنوا بالغيب يرفعهم الله تعالى , والذين أوتوا العلم أعد لهم درجات عنده              سبحانه . وقد بشر الله المؤمنين بالغيب بماعلمته , ثم حثهم على طلب العلم . قال تعالى : ( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي       الْأَبْصَارِ)(2)وقال سبحانه ( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )(3)فأهل الهمم العالية من المؤمنين                                                                  لاتقف همتهم عند الإيمان بل يهاجرون إلى الصين وأبعد منها ليحصلوا العلم النافع , شوقا إلى لبفوز عند الله تعالى        بالدرجات العلا التى يمن الله بها على أهل العلم . قال تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ                           لَا يَعْلَمُونَ )(4)ودليلنا على أن الإيمان غير العلم قوله نعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ )(5)فعطف الإيمان                     على العلم يقتضى المغابرة ولكن الجهلاء من الأدعياء جعلوا العلم والإيمان سواء فقالوا : الإيمان من طريق               النفل والعلم علم من طريق العقل , فما ورد من طريق النقل علم , وماورد من طريق العقل فهو علم ,  وقد قال            تعالى : ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ )(6)وكم تراهم لجهلهم بهاتين الحقيقتين يلعن                                                                                           بعضهم بعصا كما أخبرنا الله تعالى عن أهل جهنم :( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ                                                 أُخْتَهَا )(7)حفظ الله أمة محمد صل من تلك الفتنة , وتفضل علينا سبحانه بأن يجعل لنا نوراً فى قلوبنا نهتدى به                     إلى سواء السبيل .

         قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي               تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ                           الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ                            بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)

        يخاطب الله تعالى العقل بالحجة القاهرة , مبينا له سبحانه أن كل إنسان لايعقل عن الله خبره عن الحقيقة             التى هى هوو بالنسبة لنا فى قوله تعالى : ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) لايكون له عقل            موهوب كما تفضل الله على أهل محبنه . بل يحتاج كل عقل لم يكن موهوبا للفضل من الله تعالى, لأن الإنسان                    حيوان مستقيم القامة , سوى ليس مكبا على وجهه. وبما تقتضيه قواه التى تركب منها احتياج إلى جميع العوالم               علوا وسفلا , وقد تكون ضرورياته ميسرة فتستعمل مباشرة بدون كد ولا عناء كالماء والهواء والشمس ونباتات الأرض وشجرها , وكالمن مما لم يجعل الله للإنسان فى نيله عملا وبذل جهود ولا كدا , أو ما كنزه الله للإنسان فى  الأرض من إستخراج معادن و تخليصها, واستنبات زروعها التى يحصل منها مالا بد له من ضرورياته وكمالياته من    مأكل ومشرب وفراش , وبيوت يستخفها يوم ظعنه وبيوت لإقامته مما يحتاج إلى العقل المفكر والأعضاء العاملة         لاختراع الآلات والأدوات التى تيسر له مايحتاج إليه فى حله وترحاله , وفى مرضه وصحته , وفى طفولته وشبابه    وهرمه , وفى مجتمعه المنزلى والقروى والمدنى , وفى المجتمع العام الإسلامى والإنسانى .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ               

(1) سورة المجادلة آية 11                                                                 (2) سورة الحشر آية 2

(3) سورة يونس آية 101                                                                 (4) سورة الزمر آية 9

(5) سورة الروم آية 56                                                                   (6) سورة الجاثية آية 23

(7) سورة الأعراف آية 38

أسرار القرآن

 

           كل تلك الحاجيات لاتتيسر بسهولة الإ بالعقل الإنسانى الذى يكون عاملاً فى الجسم الصحيح                     الأعضا , فإذا مرض الجسم عجز العقل أن يدبر هذا الجسم لضعفه عن القيام بما يريده العقل . وهذا العقل                   هو الذى بحصل علوم طاهر هذه الحياه الدنيا . ومن لم يهب الله له عقلاً بعقل عنه فهو حيوان راق كالحيوانات            اتلمفكرة مثل الخيل والقردة والنسانيس , وبعض الطيور والأسماك فى البحار , وكالنحل , وكل تلك الأنواع من                     الحيوانات مؤهلة لجلب النفع ودفع الضر بقدرها , وكذلك الأناسى من أهل الكفر بالله وبرسله عليهم السلام                 هم من فضيلة تلك الحيوانات الراقية إلا أنهم لكثرة احتباجاتهم كان رقيهم بقدر احتياجاتهم , وكانت البهائم أهدى                منهم , لأن البهائم لم يطالبها الله بما كلف به الإنسان فليس لها بعث بعد الموت .

أما هذا الإنسان الذى هو العالم الوسط بين من دونه عوالم الجمادات والنباتات والحيوانات , وبين من فوقه من                  عوالم الملكوت , فوهب لمن سبقت لهم الحسنى منه سبحانه عقلا يعقل عنه فيؤمن بالغيب بمجرد خبره , فإذا                  قال الله تعالى : ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ )  قال : صدقت لانفرادك بالألوهبة دون                                                             غيرك , ولواسع رحمتك فى الدنيا يارحمن , وعميما فى الأخرى يارحيم , فإذا أقام الحجج والدلائل زادهم الله إيماناً       حتى يبلغوا مقام اليقين بما ينكشف لهم من الآيات المنبلجة فيما أبدعه الله تعالى , وتكون تلك الحجج لهم                     لاعليهم , مزيد إحسان من الله تعالى .

        وأما من لم يهب الله لهم العقل الذى يعقلون به عنه سبحانه ,فإن الله إذا أخبرهم بمثل تلك الآية أنكروا ,                                  كما فعلت قريش حيث قالوا : كيف يسع إله واحد هذا الخلق ؟ وسألوا اليهود : مالذى جاءكم به موسى ؟ قالوا                  أتانا بالعصا واليد البيضاء , وسألوا النصارى بم جاءكم عيسى ؟ فقالوا جاءنا بإحياء الميت وشفاء الأكمة                     والأبرص , فتوجوا إلىرسول الله صلى وقالوا : إجعل لنا الصفا ذهبا , فقال الله له : إنى أجعله لهم ذهبا فإن               كذبوا بعد ذلك فإنى أعذبهم عذاباً أحداً من العالمين , ورسول الله كما أخبرنا الله تعالى رؤف رحيم                              بالمؤمنين , فأبت عليه رأفته ورحمته صل أن يدخل قومه فى التجارب والامتحانات الإلهية , قال : دعنى ياربى                          أدع قومى يوما فيوما وأسلك لهم الهداية , وأنزل الله تلك الآيات التى هى روح وريحان لمن جعل الله لهم نوراً فى                  قلوبهم , وقصما لظهور من لم يؤمونا بالغيب , فقال سبحانه : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )

 ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

     افتح الآية بالتوكيد ثم قال :( فِي خَلْقِ ) ولم يقل فى السموات والآرض , لحكمة عالية اختلف فيها                     العلماء , لأنهم فهموا تلك الآية بقدر عقولم , لأنهم لم يتلقوا من ربهم بقلوبهم حكمة التنزيل ولا أسرار التأويل ,               فقال بعضهم : إن الخلق غير المخلوق , استدلوا على تأويلهم بما يناسب المحسوس الملموس , وقال بعضهم : هو        عين المخلوق , واستدلوا على ذلك أيضا بما يناسب المشهود مع رعاية الأدب .

       والأولى لمن يريد أن يفقه عن الله , ملآزمة التقوى ورعاية لقوله تعالى : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )(1)فإنه                          فى تلك الآية الشريفة قال : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) وفى غيرها قال : ( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ              وَالْأَرْضِ )(2)لفت العقل هنا إلى إيجاد السموات والأرض , ثم عدد بعد ذلك مافيهما من الأنواع المحيرة للعقل                    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 282                                         (2) سورة الجاثية آية 3

قوله تعالى : إن فى خلق السماوات والأرض ...(164)

 

التى هى برهان روحانى فوق براهين العقول , ولذلك قال : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أى فى إيجادها من                                           العدم , من غير مادة كانت أو صورة , ومن غير آلات وأدوات , ولا همامة نفس تجول فى تركيب , بل بإرادة            خصصت , وقدرة أبرزت , وكلمة أظهرت .

         والبحث فى أن الخلق غير المخلوق أو عين المخلوق , كالبحث فى ان الوجود غير الموجود أو أن الوجود عين الموجود , وهى المباحث التى تحجب الروح عن سياحاتها فى ملكوت السماوات و الأرض لينكشف لها غيب الله          المكنون فى مكوناته .

       كأن الله تعالى يقول لأهل الإيمان بالغيب : إنى وهبت لكم نوراً من نورى يبين لكم غرائب قدرتى                      وعجائب حكمتى , وسر إرادتى فى إيجاد السموات والأرض بعد أن لم تكن شيئا , إمدادا لكم وجعلتها مسخرة                 لكم لتتشهدوا لآياتنا التى تجذبكم إلى العلم بأنى إله واحد رحمن رحيم , وفى خلاق السموات وخلق الأرض بما فيهما       من بدائع وإبداع صنعى فى السموات من أفلآك وسائرات , ومن أرواح عاليات , لايعصون الله ماأمرهم                      ويفعلون مايؤمرون , ومن حملة العرش ومن حولهم , ومن ملآئكة هم رسل الله لتصريف أقداره , وأمناؤه على                وحيه , ومعقباته الذين هم يحفظون عباده . وما فى تلك الأفلاك من الخواص التىعجزت العقول عن إدراكها من                حيث كما وكيفما ودورانها وما هو منها ثابت , فما من كوكب يرى أو لايرى إلا وله خصوصية عجيبة جداً                 جعلها الله تعالى لخير العالم الأرضى, فمنها الشمس التى تخزن حرارتها فى أجسام الآشجار فينتفع بها الناس فى إبقاء      النار, ومنها كواكب تكسب النباتات ألوانا , ومنها مايخزن الزيوت فيها , ومنها مايجعله الله تعالى لوضع الآلوان                  والطعوم والروائح , فلاترى معدنا ولانباتاً ولاحيواناً على الأرض     إلا ولكل كوكب فى السماء خصوصية تكون بها       منفعة , فللقمر منفعة أودعها الله فيه لنفع النباتات التى لاساق لها . ولمد البحار وجزرها عند تمها , ولبقاء صحة                        العيون للطاقة نوره , ولإصلاح الألوان فيما لالون له كالنباتات فى بدئها , ولإفساد الألوان لماله لون , كإفساد                     ألوان الملابس الموضوعة تحت نورهمن غير حائل وقد أودع الله تأثيرا به يضر الأجسام التى تجلس فى نوره أو        تنام فيه , وله خواص مكن حيث شهود آيات الله الدالة على جماله وبهائه وضيائه ونوره لاتفى العبارة بها , ولكنها        تشهد بعيون الكشف , وهو أقرب الكواكب إلى الأرض .

      ومابينه المنجون عن الأفلاك من حيث ألوانها وأشكالها ودورانها وأبعادها فتخريص تكذبه عيون الكشف ,            وقد بينا طرفا مما يناسب أهل العلم بالله فى كتاب : ( شراب الأرواح ) فى مثل هذه المواضيع , وإنى أنبه                                    السالكين إلى أن يتلقوا هذا العلم من الله تعالى إلهاماً , أو مراقبة , أو مشاهدة بعد الإيمان الكامل بقبوله تعالى :            ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )(1)فإن كشف تلك الأسرار بالرصد أو بالحدس والتخمين لاتنكشف به الحقائق ,                                            والحكم به على مايعدز العقل عن إدراكه باطل .

          إنما خلق الله تلك الكائنات ليعرف ويظهر جل جلاله . زمن حجته تلك الكائنات عما أودعه الله فيها من            أسرار حكمته وبدائع قدرته , ووقف عند الانتفاع بخواصها , أو بيان أسرارها التى لاتنال إلا بعد إتقان الصناعات           

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 282      

 

أسرار القرآن

 

وعلوم الرياضيات أهلك نفسه وغيره , وفاز بأجره بما يناله من شهرة ومال وجاه فى تلك الديار الدنيا , ولم يظفر من      جهوده إلا بشىء قليل مما فى السواوات والأرض من الأسرار والأحكام . والسعادة كل السعادة أن تنكشف للسالك       غوامض أسرار هذا الكون وما فيه من العجائب والغرائب , التى تحتاج فى معرفة مظاهرها إلى سبعين ألف علم بينْها     الله فى كتابه العزيز , فقهها من فقهها , وحجب عنها من حجب ومن شغله العلم عن المعلوم باء بالغيبة , فإن              العلم الحقيقى هو تصور النفس رسوم المعلوم بعد صفاء جوهرها , حتى تكون مرآة تنقشع عليها الحقائق من حيث        هى حقائق .

        ( وَالأَرْضِ ) ذكر السماوات بصيغة الجمع والأرض بصيغة الإفراد لأنه يخاطب العقول , والعقول أدركت       أن الكواكب السيارة سبعة وكل كوكب منها فى سماء , وهى زحل فى السماء السابعة , والمشترى فى السماء  السادسة , والمريخ فى الخامسة , والشمس فى الرابعة , والزهرة فى الثالثة , وعطارد فى الثانية , والقمر فى الأولي.

والآية إنما سيقت للحجة الواضحة على عقول , ولكن فوق زحل فلك يسمى : (نبتون ) أو الكرسى , وفوقه :             (الأطلس الأعظم ) وهو العرش , وفوق العرش لا خلاء ولا ملاء,ولا يعلم علم ذلك إلا الله تعالى أو من أسرى به إليه

صل , فاطلعه على غوامض أسراره فى كل مكوناته , ليريه آياته مما غاب عن العقول والأرواح , مما لا يعلم علمه     إلا الله , ليحيط صل بكل ما أبدعه الله تعالى , فإن العلم بتلك الآثار العظيمة يجعل العالم بها عارفا بالله وبأسمائه           وصفاته وبآثار أسمائه .

       وإنما أفرد الأرض لأنها كوكب واحد من الكواكب المنتثرة ممالا يحصى أحد عدْها , موضوعة فى هذا الجو       الفسيح وهى كمركز العالم . ولما كانت أفرب الأفلاك إلينا وكانت محل إيجاد مالا بد لنا منه كان التدليل بها على           وحدانية الله وقدرته وإحسانه وفضله ألصق بالعقول من السماوات , لأن الذى علمنا بعقولنا من السماوات لم يكن          عيانا لأبصارنا وبصائرنا إلا إذا كشف الله الحجاب عنا . ولكن ما فى الارض أدركنا بعضو السمع والشم والذوق         والبصر واللمس , وتحققنا قدر إحتياجنا إليه , وعجزنا ان نوجد لانفسنا , وأنه فضل من الله تعالى تفضل به               علينا . وفى الأرض أسرار وغرائب إذا كوشف بها السالك تجلت له معانى صفات الحق جل جلاله منبلجة                فحيرت عقله , وأدهشت لبه , وجعليه يدرك عجزه عن غدراك حقيقة ذرة منها وهى أثر القدرة ز فكيف يدرك قوة       أبدعت وإرادة خصصت وكلمة نفذت ؟ 0

        وهنا تقهره الحقائق فيقول سبحانه ماعرفناك حق معرفتك , سبحانك لاتدرك الأبصار وأنت تدرك الأبصار      وأنت اللطيف الخبير . وبقدر مايعلمه من تلك الحقائق يكون علمه بالله , وبقدر ما يجهله من تلك الحقائق يكون          جهله بالله , ولذلك يقول صل : ( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةً عَلَى كُلِّ مُسلْمٍ وَ مُسْلِمَةٍ ) والذى أراه أن مراده صل                 واله أعلم , طلب المعرفة بآثار قدرة الله وغرائب حكمته , لترسم تلك الحقائق على جوهر نفسه .

( وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار ِ)

         يبين الله سبحانه حقيقة تكشف لمن نظر إليهانظرة عبرة , أن القادر الحكيم هو الذى أبدع تلك                       الآية بسر إذا كشف , حكم العقل بانفراده بالألوهة , وبأنه واحد أحد لايزدوج , منزه عن النظير والضد والند ,

                                     قوله تعالى: إن فى خلق السموات والأرض ...(164)

فاختلاف : أى تعاقب الليل والنهار بمعنى أن الليل يخلف النهار , والنهار يخلف الليل , فهى من الخلف ولفظها       بمعنى الافتعال , وتأولها بعض العلماء بأنها من الاختلاف أى المخالفة . ومعنى هذا أن الليل والنهار لايفقدان , فقد            يكون عندنا عصر وفى بلاد مراكش ظهر , وقد يكون عندنا نهار وعند غيرنا ليل , وقد يكون النهار بضع عشرة             ساعة كأيام الصيف واليل بضع ساعات .

        وهذا الاختلاف لخير العالم لالضررهم , فهى أية كبرى للأن الله سبحانه جعلها مختلفين , والعادة أن         المختلفين يحصل منها الضرر , إلا اختلاف الليل والنهار فإنهما لنفع كل ماعلى الأرض من دابة طير ومافيها من      معدن أو جماد أو ماء وفى اختلاف الليل والنهار من طول الليل وقصر النهار , أو طول النهار وقصر الليل ,              وتعاقب آثار العناصر الأربعة فى اليوم الواح بل وفى كل السنة , فترى ثلث الليل الأخير إلى الفجر الصادق          برداً ورطوبة تناسب الماء , وترى من الفجر الصادق إلى شروق الشمس برداً ويبوسه وسكون هواء يناسب التراب . وترى من الضحوة إلى مابعد الزوال حرارة ويبوسة تناسب النار. وترى من وقت الأصيل إلى جوف الليل حاراً رطباً     يناسب الهواء وماهو فى اليوم الواحد تراه فى السنة كلها , فترى فى السنة انقلابين واعتدالين , فمن الاعتدال        الربيعى يستوى الليل والنهار ثم يأخذ الليل فى النقصان واالنهار فى الزيادة , إلى الانقلاب الصيفى ومنه إلى الاعتدال الخريفى فيعتدل الليل والنهار ويأخذ الليل فى الزيادة واتلنهار فى النقصان , إلى الانقلاب الشتوى وكل هذه التغيرات  من كبريات الآيات التى بها حفظ حياه العالم , متمتعا بما لابدله منه من ضرورياته وكمالياته , فإن كل فصل             يناسب اعتدال أمزجة وزروع وضروع , وشفاء من أمراض اقتضاها السن والزمان والمكان .

        وفى اختلاف الليل والنهار من أسرار الحكمة وواسع الرحمة وعميم النعمة , مابه يشاهد من جعل الله له نوراً  فى قلبه جمال ربه جليا تشهده روحه , ويلحظه قلبه , ويفرح به جسمه , فينجذب الإنسان بكل حقائقه إلى                     شكر ربه العلى العظيم , الذى هيأله قبل وجوده فى هذا الكون مابه ينال السعادات الكونية فى بسظ وأمن ويسر,      ومابه ينال السعادات الأخروية قى جوار ربه العلى , مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء           والصالحين, بما أمده به أمده به فى هذا الكون من ماء أنزله من السماء فوق أرض خصبة وأجراه على الأرض أنهاراً مرتفعا عن سطحها, مسوراً بجبال تحفظه من أن تمتصه الرمال, أو يتسرب فى التراب فيضيع من غير أن ينتفع به بنوالإنسان ,وجعل الأرض منبسظة أمام الناظر ليسهل على الإنسان زرعه وبناؤه وسفره وغير ذلك مما لايتم صفاء  الحياه إلابه .

         ففى اختلاف اليل والنهار من غير أحوالهما من وقت لطيف بين حرارة وبرودة ينشط للعمل ,إلى وقت       حار يلزم الإنسان أن يستريح من العمل , إلى وقت ألطف من حيث النسيم العليل البليل . فالبرد المناسب الذى            يجعل الناس تسكن إلى فراشها , لتهجع من شواغلها , فتكون أنواع التغيرات فى اليوم الواحد سبباً فى حفظ قوة     الإنسان وحياته. ولولا تلك التغيرات فى كل يوم لهلك العالم أجمع, بحيث لو اشتدت الحرارة حتى فقد الهواء من     الجو وتنفس الإنسان ناراً حامية لهلك , ولواشتدت البرودة حتى تقلصت الأجسام لهلك الإنسان . وسبحان             المدبر الحكيم الخبير اللطيف الرءوف الرحيم .

      ولو اجتمع الإنسان المغرور بما منحه الله من الصناعاتوالفنون على أن يغير مايريد الله تعالى أن ينزله به من                   

أسرار القرآن

الصواعق والزوابى , وهزات الأرض , وطغيان الماء وكان كل إنسان من الأناسى عهلم من الصناعات مابه يقهر  المعادن والجمادات والنباتات والحيوانات , لعجزوا جميعاً عن دفع أصغر آفة من تلك البليات . ولكن قتل الإنسان     ماأكفره , يتفضل اتلله عليه بسوابغ النعم تتوالى عليه من البحار والأنهار والأرض اليابسة , الجبار والتلال           والمناجم , ومن الهواء ومافوقه من السحب , ومافوق ذلك الكواكب السيارة والثابتة , ومافوق ذلك من قدرة            القادر , وحكمة الحكيم , وإحسان المنعم المتفضل , وكرم الغفور الصبلور الشكور الستار , وغير ذلك مما أخفاه          الله عن الصناع والمخترعين والفلاسفة من جماله وفضله وجوده الذى أودعه فى كل ذرة من ذرات العالم , قال تعالى     ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )(1)وقال سبحانه ليقهر من غرهم علم ظاهر الحياه الدنيا :( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ             إِلَّا قَلِيلًا )(2).

        هذا مايمكن أن يسطر فى صفحات الأوراق , وفى غصون أختلاف الليل والنهار وسرعة تغيرهما فى كل نفس   دليل عل حسن تدبير الله تعالى وواسع رحمته . وعلى أنه سبحانه الأحد الصمد القادر, وأن كل من سواء وماسواه                   محدث جديد أوجده سبحانه من لاشىء , ليظهر جل جلاله بكماله وجماله وجلاله ونوره وبهائه وضيائه , ولكنه      سبحانه هو الرب الكبير المتعال ,الذى لايضره كفر عباده جميعاً, ولاينفعه إيمانهم وطاعتهم , سخر لهم كل شىء         فى ملكه , ووهب لهم العقول المكتسبة بالتثقيف والتهذيب , وجعلهم لا حياه لهم إلابضروريات كثيرة بسر لهم          منها مالاغنى لهم عنه نفسا واحدا كالأرض التى تقلهم , والسماء المزينة بالكواكب التى تظلم , وكالماء والهواء     والحرارة والحيوانات والنباتات والمعادن , وخلق لهم أعضا كالآلات والأدوات ينوعون بها مواد تلك الحقائق ,       وينتفعون بماكنزه الله لهم فيما أحاط بهم من الموجودات بإلهام من الله تعالى , أوبتعليم الأنبياء عليهم الصلاة                   والسلام لهم .

        فإن الله تعالى علم الأنبياء الصناعات وعلموها لأممهم , فعلم آدم االزراعة وعلم أولاده فىزمنه تربية             الحيوانات , وعلم نوحا النجارة , وعلم إدريس الحياكة , وعلم إبراهيم الحكمة النظرية , وعلم موسى الحكمة          العملية , وعلم داود الحدادة , وعلم عيسى الطب , وجمع لختام الأنبياء كل الصناعات الجسمانية والروحانية             فعلمه رعى الدواب صبيا والتجارة شابا , والزراعة, وعلو الهمة فى إتقان الصناعات االضرورية والكمالية,فكان    صل طبيا رفيقا وعلمه السياسة الحكيمة فة تدبيرالمنزل والقرية والمدينة والمجتمع العام الأطبر , فكان بما تفضل الله به عليه صل الحقيقة التى جملها الله تعالى بماأحبه من خلقى عقيدة وعبادة وأخلاقاً ومعاملة وأحوالاً ,                  وكلف عبادى أن يطيعوه فيما أمرته به بقدر استطاعتهم , وأن ينتهوا عما نهاهم مرة واحدة إلاماأكرهوا عليه.            ( وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ )

       يذكر الله الإنسان بما أنعم به عليه من ماء سائل مستبحر , وهواء متوسط بين نسيم عليل بليل وريح              

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة يوسف آية 76                          (2) سورة الإسراء آية 85    

 

قوله تعالى : إن فى خلق السماوات والأرض ...(164)

 

عاصف عقيم , وعقل مخترع , وأعضاء عاملة تتقن الصناعة , وأشجار ضخمة نأخذ منها الأخشاب الازمة          للصناعة واختراع منشآت للشحن والنقل كالسمك يسهل مرورها فى الماء ودورانه فيه وهى السفن وسميت فلكاً     لأنها مستديرة , وتلك السفن التى يقيم الله بها الحجة لأهل العقول التى تعقل عنه , وعلى أهل البعد عنه إذا نظر     إليها أهل العقل وإلى ما يلزمها لتجرى لنفع الناس حكم بالبديهة أن كل تلك الحقائق الازمة لسيرها لا يقدر على      إيجادها إلا الله تعالى , لأنه جل جلاله أوجد الإنسان من لا شىء روحاً , وأوجده من العناصر الكونية جسماً .       وتلك العناصر التى خلق الإنسان منها خلقت من لا شىء . قال سبحانه لذكريا عليه السلام : ( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ           قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا )(1)فكشف للعقول فى تلك الا ية حكمة إمداده بتلك الحقائق , لتشهد جماله الظاهر الجلى                                           فيها فتذكره ولا تنساه , وتطيعه ولا تعصيه , وتشكره ولا تكفره .

        وفى تفصيل ما أجملناه فى تلك الحقائق طول على السالك , وفيما قررناه بيان يكفى السالكين قال تعالى             ( واتَّقُواْ اللَّهَ )  بما علمتم ( وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )(2)ما لم تكونوا تعلمون . وإنما تعلم الإنسان صناعة الفلك من                                        الرسول الكريم نوح عليه السلام . ومن ساحت روحه الفاضلة فى ملكوت السماوات والارض بعد أن زكت                نفسه , ورسمت تلك الآيات المكونات على جوهر نفسه ذكر وحضر , ولربه شكر .

       فانظر بعين الفكرة فى الفلك التى تجرى على الماء يجريها الله تعالى بالهواء وبالبخار , تحمل للناس لأقواتهم من

بلاد غير بلادهم, وتحمل إليهم مايحتاجون إليهم مايحتاجون إليه من مال أو صناعات أوآ لآت أوملابس فيحصل  التبادل الذى به حياه المجتمعات الإنسانية .وفى الفلك لأهل البصيرة مزيد علم إقدام غلإنسان وشجاعته , وإلقاء      نفسه فى المهالك لنيل ضرورياته, وذكرها فى القرآن دليل على إباحة الله للتجارة والأمر بالعمل فى طلب المعاش ,  وفيها ظهور خفى لطف الله تعالى للمسافرين فى البحر عند سقوط زوابع الرياح , وعجز الربان والنوتية عن حفظ        السفينة من هيجان البحر , ونجاه السفينة من تلك الإخطار عند مايعجز المسافرون عليها عن حفظها, ويفوضون     أمورهم إلى خفى الألطاف , فيتداركهم اللطف الخفى , فيخرجون من السفينة وقد كمل إيمانهم لمعرفتهم أنفسهم       بالعجز ..

     وهنا أبين ل: مثلآً تتذوق منه التوكل على الله تعالى , فإن المسافرين على السفينة مهما هاج البحر بزوابع                          اليح فإنهم يعتمدون على النوتية والربان , فتطمئن قلوبهم كلما رأوهم مطمئنين , فإذا انزعج النوتية التفتوا إلى              الربان, فإذا يئس الربان من النجاه أقبلوا بكليتهم على اللهمتوكلين عليه بإخلاص , وهذا التوكل حقا . ومسلم                            يعتمد على غير الله من مال أو ولد أو حاكم ويدعى أنه متوكل على االله تعالى فهو كاذب حتى يكسر تلك الأصنام           من قلبه بشهود أو بحادث مهلع , وبذلك يكون صادقاً فى توكله ...

        ( تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ) البحر هو الواسع االمتنائى الأطراف . يقال فلان بحر فى العلم أى                                                        واسع الإطلاع , وفى اللغة البحر هو الشق فى الأرض , واصطلح الناس على أن يسمى الشق الذى يجرى فيه الماء        الملح بحراً والشق الذى يجرى فيه الماء العذب نهراً وقد بين علماء تخطيط الأرض بحارها وأنهارها فليراجع ذلك من          أراد معرفتها. ولكنى هنا أبين لك الحكمة فى أن جعل الله ثلآثة أخماس الأرض بحاراً ملحة, وخمسين منها يبساً             

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة مريم  آية 9                                                     (2) سورة البقرة آية 282 

( أسرار القرآن )

 

وأنهارا, تعلم أن الله تعالى جعل الماء الملح أجاجا وخلقه ينفع الناس مدة بقاء هذا الكون , فلو جعله عذباً                                        لأسن وتعفن فأفسد الهواء بعفونته وأهلك العالم أجمع , فجعله ملحاً حفظاً للماء وطهارة للهواء . أما الأنهار                                        العذبة ف‘نه سبحانه جعل منابعها من أرفع شواهق الجبال وأجراها سبحانه منها إلى منبسط من الأرض إلى أن                                                تصب فى البحار الملحة بعد أن تنفع الأنواع الحية كلها وهنا أبين لك مذاهب الناس فى البحاروالأنهار :                                                                    

      قال بعضهم : إن الشمس تبخر من ماء البحر فى الأقطار التى تسامتها بحسب تغير فصول                           السنة فترتفع إلى الأفق إلى أن تصل إلى درجة الزمهرير , فتتجمد وتحملها الرياح بتقدير الله تعالى , ثم تسقط بها          إلى أن تصل قرب الأرض فتتفرق وتصب عليها وتنزل سيولاً إلى الأنهار . وقال بعضهم : أنه ينزل من السماء كما                 أخبرنا الله تعالى .

      وكلا القولين يقيمان الحجة على عجائب القدرة , وعلى حسن تدبير الله تعالى وإكرامه لخلقه . فإن الذى              جعل الشمس التى تبخر الماء , وخلق الماء الغزير الذى يتبخر بحرارة الشمس فيخرج عذباً نقباً , وخلق الهواء                                                الذى يحمل تلك القطرات إلى حيث شدة البرودة فتتجمد وتكون سحاباً , أى مسحوباً بقدرة الله ورحمته إلى                  الأماكن التى قدر الله أن ينغعها به, والله تعالى هو الذى جعل تلك السحب إذا قربت من الأرض ذابت ونزلت                                         قطرات لنفع الخلق , لأنه لو أنزلها كمرات كبيرة لهدمت المنازل , وخددت الألاض , وأهلكت الزرع والضرع     والحرث والنسل .

      وكل تلك الآيات دلائل حق على أن الله واحد فرد صمد تنزه عن العلة والغرض . وسعت رحمته كل                                          شىء ولو أن العالم أجمع شر من إبليس وأضر من الوحوش الكاسرة لما منع منه تلك الرحمة , وهذا الفضل لأنه رب                                                       تعالى . خلق الخلق لالحاجة إليهم ومنحهم فضله وجوده وبرده لالعبادة تقربوا بها إليه قبل وجودهم فى هذا الكون , ولكنه محسن كريم حليم شكور . وهذا الرب القوى القادر الخلاق الرزاق قادر أن ينزل تلك الأمطارمن السماء          مباشرة , ولكنى أرى أن وجود البحار الملحة العظيمة فيه أسرار عظيمة وحكم عالية وإن كان لها حكم أخرى فى              حفظ الأرض من أنتميد بنا حيث قابلت الجبال , إلا أنها يكون وجودها عبثاً إذا لم يكنفة إيجادها وإبداعها                                  ألاسرار غامضة تحيرأكمل العقول فيما ينفع الناس ويكمل به إيمان المؤمنين . وتنزه الله تعالى عن البعث . فإذا                                    انكشف لنا حكمة إيجادها والسر فى إبداعها من حيث نفع الخلق بها لكان ذلك أقوى لإيماننا وأقرب إلى كمال                                      يقيننا لأننا كلما انكشفت لنا حكمة من حكم الكون , وتحققنا عجزنا عن إدراك الحقائق المحيطة بهذا الكون ,                      نكون أعظم عجزاً عن إدراك غيب الغيب المصون , فسبحان من حير أكمل العقول فى بدائع صنعه , وفى                       على آياته الجلية للعقول تنزه وتعالى .

 ولنا أن نقول : ( وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ ) أى من أى من المكان العالى عنا , لأن السماء كل عال من                              السمو ويكون للعقل فى هذا الفهم سياحة تكشف له مابه يطمئن القلب , فإن القادر القوى المتين يخلق مايشاء                      من غير شىء , ويخلق مايشاء من شىء هو سبب له , وإنما الذى نخشاه هو وقوف أهل الجهالة عند الأسباب                 وقوفاً يجعلهم يرتدون إلى أسفل سافلين الطبيعة , فتحجبهم الأسباب عن واضعها وهم الملحدون الجاحدون . وإن              جهنم لمحيطةبالكافرين قال تعالى :   ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا )(1)وقد                    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الكهف آية 17 

قوله تعالى: إن فى خلق السموات والأرض ... (164)

علمت فيماتقدم الأسباب التى وضعها الله لجريان الفلك   فى البحر .

       وقوله تعالى : ( بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ) يعنى أنه سبحانه وتعالى أمد الإنسان بكل كائن فى السماء وطبقاتها                وأجوائها, وفى الأرض وأرجائها, وفى الرياح ومهابها, وفى الآفلاك ومداراتها, فما من ذرة فى العالممن علوه إلى      أسفله , بل من العرش إلى الفرش إلا وفيها خواص لنفع العالم والكون كله لمصالح الناس . قال سبحانه ( وَسَخَّرَ       لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ )(1)فسبحانه الغنى عمن سواه الذى , أغدق نعمه وفضله                                                      وجوده بالإحسان على جميع خلقه , فهو الرازق اللطيف الرحيم بالدودة فى جوف الحجر , وهو الرازق الكريم               الحفيظ بالسمندل ( حيوان يعيش فى جوف النار) وهو العطوف الرءوف بالأسماك فى جوف المحيط الشما لى                                                        والجنوبى اللذين يتجمدان أكثر العالم , فيجرى لها تيارات حارة تحت التلج , ويخلق لها نباتات فوق أرض البحار                 رحمة بها وحفظاً لها وتيسيراً لقوتها. قال سبحانه ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا )(2)  كل هذه الحقائق                                    تنكشف للنفوس الزكية حتى ترتسم على جواهرها , فتشهد بعيون الأرواح جمال الخلاق العظيم الواسع الكريم ,                          الذى سبقت رحمته غضبه.

        فقوله : ( بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ) والناس منهم المؤمن والكافر فللكافر نفع بالمادة لنيل السعادة الكونية الفانية                    لأن الله تعالى يمنحه وسعة الرزق بقدر جهوده . وللمؤمنين نفع فوق هذا النفع , فإنهم ينتفعون بما ينتفع به الكافر       لوجوبالسعى عليهم بقوله تعالى: ( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ )(3)ويزيدهم الله شهوداً بعيون الإيمان                                            لما أودعه من معانى صفاته العلية فى الكائنات , حيث تحجب أنوار معانى الصفات تلك الآثار والكائنات , ويظهر       نور الخلاق الرزاق المعطى الوهاب الهادى الموفق القريب المجيب , بل تظهر معانى صفات أسماء الجمال والجلال    بحسب ما يتوالى عليهم مما يلائمهم أولا يلائمهم , فسبحان من خلق الإنسان وخلق له جميع الكائنات ليعبده           فلايجحده,ويشكره فلايكفر , ويطيعه فلا يعصيه , ويذكره فلا ينساه , فمن وفقه الله لهذا فقد أتم عليه                          نعمته, وجمله بأخلاقه , ومنحه الملك الكبير"  يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ "(4)ومن أضله الله, وعن الفوز بهذا                                  الخبر أقصاه , وقف عند الأسباب فبحث , حتى وقف عقله خاسئا  وحسبرا , وزعم لجهله أنه أدرك الحقائق ,       والله تعالى يقول :  ( مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ )(5)  ويقول سبحانه : (يَا مَعْشَرَ             الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَان )(6)                              فليفرح بفضل الله وبرحمته من نفعه الله بما نفع به أنبياءهورسله والشهداء والصالحين , ولينظر إلى نعمة الله عليه فى       إقامته فة محابة ومراضيه , وليدم الشكر إذا رأى إنساناً نظيره جاحداً ضالا مضلا , يحكم بهواه وعماه                   خكماً باطلاً على الحقائق , منكلااً أن لهذا الكون العجيب ربا حكيما مدبراً . نسأل الله أن يحفظ لنا إيماننا, وأن                يديم لنا شهودنا بحفظه وعنايته.

( وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ )

          قدبين ا تأويل إنزال الماء من السماء , ولكنى هنا أتكلم مع أهل الإيمان الذين جعل الله لهم نوراً فى قلوبهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة الجاثية آية 13                                              (2) سورة النحل آية 18

(3)سورة الملك آية   15                                              (4) سورة الشعراء آية 88    

   

                                                                                                               

                           

 

 

( أسرار القرآن )

أسند الله إنزال الماء من السماء إليه سبحانه , ليكشف لك الحجاب عن خقيقة يكمل بها يقين العبد عند                     انبلا جهاله , وهى أنه سبحانه إذا أسند إليه ايجاد خير للعالم يكون ذلك الخير الجنة كخيرات الجنة , ليس لنا فيه عمل          ولافى تحصيله جهود , كالماء المنزل من السماء , والرياح التى بها حياه العالم , وكالشمس التى لولاها الخلق,     وكوجود الآرض التى قد مدها الله ومهدها للإنسان لينتفع بها فى حياته , وكوجود التراب بها قابلاً للزرع, وغير                               ذلك , وإن كان مايناله الإننسان بالجهود كالمصنوعات من المعادن والأخشاب والخام فإن ذلك خلقه لنا ليقيمنا                             عملاً له فى أرضه , وخلفاء عنه فى ملكه , فكان إنزال الماء من السماء يذكرنا بالجنة كما قال صل : ( سَيْحُونُ           وَجَيْحُونُ وَالنِّيلُ وَاْلفُراَتُ مِنَ الْجَنَّة ) وعلى ذلك فالأنهار والبحار من الجنة . ومعنى كمن الجنة يعنى أن                                             الإنسان ليس له فى تحصيلها عمل ولابذل مجهود مع أنها أشد ضروريات الإنسان .

(  فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا )

       الحياه أنواع : منها حياة المعادن , وحياة النباتات , وحياة الحيوانات , وحياة الأناسى , وكل حياه بنسبتها إلى           النوع الحى , فالماء المنزل من السماء يحيى كل تلك الأنواع , وفيه إشارة للعقول أن هذا الماء المنزل من السماء أحيا           الله به موات كل تلك الأنواع . فإذا أفنى الله من على وجه الأرض أعاد حياة الأناسى بماء ينزله من السماء قد بينته       فى كتاب : ( النشأة الثانية ) فراجعه , ويكون هذا سبباً فى إحياء بنى آدم  للبعث والنشور , وفى هذا الوقت                 يكون الجمال الإلهى الصرف قد غمر من سبثقت لهم الحسنى , ويكون الجلال والقهر قد أوبق أهل الكفر بالله .                     أقول لك الجمال الصرف لأن جماله سبحانه فى هذه الدار الدنيا مشوب بالجلال .

وفى قوله : ( بَعْدَ مَوْتِهَا ) إشارة إلى الجذب والزلازل وغيرها . وفيه إشارة إلى إحياء القلوب ببعثة الرسل عليهم                           الصلاة والسلام , وإقامة ورثتهم الذين كانت ساعة واحدة من رجل منهم خيرا من أربعين سنة مطراً , لأن الناس                              لوفقا أن الأمطار تحيى النباتات والحيوانات والجمادات , وأما الماء الذى ينزله الله من سماء القلوب إلى أرض                             القلوب فإنه يحيى النفوس فيزكيها , والأرواح فيخلصها من سجن الهياكل , ويحيى العقول فيشهدها جمال آيات الله                                         فى الكائنات , ويحيى اللأجسام فيقيمها فى محابه ومراضيه , وبذلك تملاء الآرض قيسطاً وعدلاً بعد أن كانت ملئت           ظلماً وجوراً . وشتان بين نور الشمس الذى يبين تلك الآثار المادية , ويبين نور الله تعالى الذى يستطع  من القلوب                                    العامرة به , فيبين جمال الله , ويشهد عجائبق بديع آياته , فيكون العبد المشاهد فرحاً بفضل الله تعالى ورحمته ,      أوحاراً مع الله تعالى أو عنده أو لدنه , أو آانساً بالفناء سبحانه عما سواه .

      وقد جهل الله تلك الحقيقة المحسوسة الملموسة التى هى إنزال الماء من السماء مثالا ينزله سبحانه : من             سماء فضله على من يشاء من رسله لتحيا به القلوب فتشرق بأنوار علام الغيوب قال سبحانه (  أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ     مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ                مِثْلُهُ )(1)   وإن شاء الله تعالى نبين ذلك بعد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(19) سورة الرعد آية17

                      

   

 

 

                                        قوله تعالى : إن فى خلق السموات والأرض ...(164)

(  وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ )

        يظهر للعقول سبحانه ماستره عنها الحس بوقوفه عند منفعة الأشباح , حاجباً الأرواح عن أن ترى آيات                  الله بتوفيقه لها فيما أبدعه لنفع الحس والجسم , ولتحصيل الروح مزيد العلم باله بشهود مافى تلك الأنواع . يقول                     سبحانه : ( وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ) أى فرق فى اللأرض أنواعاً كثيرة من الدواب . وهنا غلب ما يدب فى                                       الأرض على مايطير فى الجو, وأنمراد الله تعالى فى هذه الآية وهو أعلم , أن يمن علينا بما خلقه لأجلنا من                الحيوانات التى تدب على الأرض , أو تسبح فى البحار , أو تطير فى الأجواء كما تقول النيران للشمش والقمر,     والعمران لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما . وقد بينت فى كتاب : ( شراب الأرواح ) بعض عجائب القدرة المودعة                 فى بعض الحيوانات .

       وأكمل العجائب المحيرة للعقول القاصمة لظهور الملحدين مافى الإنسان من الآيات التى جمعت فيه العالم          الأكبر , لأنك تراه وهو العالم الوسط الذى جمع الله فيه معانى صفاته كلها , فوهب له عقلاً يفتح به كنوز                           الأرض فسيخرج منها ماأودعه الله فيها من أنواع المعادن , وكنوز النباتات ويستخرج منها ماينال به السعادة فى            الدنيا من حفظ الصحة وإعادتها بعد فقدها وطنوز الأجواء والأرجاء فيتحصل منها على تيسير المواصلات, وسخر          كل شىء من الكون لهذا العقل فيقهر به أنواع الحقائق لينتفع بها فى نيل السعادة الكونية , وجعل تلك السعادة            الكونية ميسرة لكل من استعمل عقله وكد نفسه فى أى نوع من أنواع الأعمال الكونية , من صناعات ومخترعات     وتجارات وزراعات وطب وبيطرة وفنون ضرورية للمجتمع وأعان هذا العقل بأعضاء تنفذ له مايتصوره نافعاً.

       فلا ترى خيراً وسعادة وعمراناً ومدنية وأمنا وعافية ورخاء إلاوالإنسان سببه إذا عمل مستمداً من الله القوة                           والعون , شاكراً له أنعمه , ومتابعا لرسول الله صل , عاملاً بهدى السلف الصالح , لأن الإنسان خليفة ربه فى                 أرضه, ولاترى خراباً ودماراً ووباء وزلزالا وصواعق وإبادة إلا والإنسان سببها إذا نسى ربه واليوم الآخر,وآثر نفسه على من يجب عليه أن يحب له مايحب لنفسه, لأن الحق جل جلآله الذى أقامه خليفة عنه فى أرضه بشره بالوعد

وأنذره بالوعيد فالانسن هوآية الآيات , ولاترى على الأرض من قام يحارب من قام يحارب ربه وينسى نفسه إلاالإنسان فهو شر من إبليس , ولاترى من إذا هم للضرر أضر مجتمعاً كالإنسان فهو أضر من النار المسعرة ومن الوحوش الكاسرة , بل ولاترى من قربة الله فيتقرب إليه حتى يسمع كلآمه . كفاحاً ويرى جماله عياناً إلاالإنسان فهو خيرمن الملائكة , وأفضل من الأرواح الهائمة فى جلال الله , فإن شئت أن ترى مدعياً الألوهية بالباطل طالباً من أمثاله اتخاذه رباً بالبتهان فلا ترى الإنسان , ولاترى متخلقاً بأخلاق الله قائماً مقام ربه فى محابة ومراضيه إلا             الإنسان .

       وهذا الإنسان الذى قال تعالى فيه ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ                   السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(1)وصدق الله العظيم , فإن الإنسان يخرج من بطن أمه لا يتصور                               ولا يحكم على شئ , بل هو كالنبات الذى يتغذى وينمو إلي أن يستوى , فيخرق العادات بذكائه وفطنته وتحصيله           العلوم , بخلاف جميع الأنواع الحية التى تخرج من بطون أمهاتها ملهمة عمل كل ضرورياتها وكمالياتها فلا تزداد      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النحل آية 78

 

 

 

(آسرار القرآن)

باستوائها علماً بل تزداد  قوة . قال رسول الله : ( مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَفدْ عَرفَ رَبََّهُ ) وقال تعالى :  (وَفِي           الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ )(1)فما فرق الله فى الأرض من الدواب وسخرها للإنسان                                                                دليل على أن الإنسان هو الذى خلقه الله لعبادته وخلق لأجله جميع خلقه .

        وقد شرح بعض العلماء أنها هى المعرفة والعمل بمقتضاها , لأن الإنسان متى عرف نفسه بما جمله                الله به من معانى صفاته, وبما أظهره له من نشأته الكونية التى هى النطقة الجارية فى مجرى البول مرتين, ثم صوره     جل جلاله فى الرحم من نطفة إلى علقة إلى مضغة لحم إلى عظام ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأه خلقاً آخر مجرداً    من كل إدراك وشعور وعلم , كأنه نبات يأكل ويشرب من لباتن أمه ,وينمو ويتحرك من غير إرادة وشعور , ثم                  سخر له الكون , ثم أقامه خليفة عنه و ثم اصطفى من شاء فرفعه عن ملائكته وعن حملة عرشه كما قال تعالى :                 ( وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ )(2)ورد من يشاء فيجعله أسفل من الشياطين , قال تعالى : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ           مِنَ النَّارِ )(3)خلق الإنسان على صورة الرحمن , ورفع من أحبهم إلى أن أجلسهم على منابر من نور قدام عرش              الرحمن , لايخافون إذا خاف الناس , ولايفزعون إذا فزع الناس , لايردون صراطا فى الآخرة                          ولا بشعرون بحسيس جهنم , بل يجعل الله لهم أحجنحة من نور يطيرون بها إلىربهم ليظهر كماله وفضله وإحسانه              ونزاهته عن العلة والغرض , وغناه عن العبادة والتقوى , وأرسل لقوم ممن سجل عليهم سوء القضاء زبانية جهنم                 يسوقونهم بمقامع من حديد حتىيكبونهم فى النار على وجوههم , ليظهر كمال قهره وعزة ربوبيته جزاء لمن كفر            بأنعمه .

       هذا رذاذ مما أودعه الله تعالى فى الإنسان من الآيات التى تدركها العقول السليمة من الهوى . أما مافيه من          القوى الظاهلاة والباطنة التى تسمى قوى النفس , فقد زعم الخراصون الذين بحثوا فى العلوم والطبيعة بقوة الهوى                       والحظأن النفوس فى الهيكل الإنسانى ثلاثة : الحس والجسم والنفس . وكذبوا لأن النفوس لوكانت ثلاثة وفقد              الحس بالنوم أو بالإغماء أو بضياع قوة من قواه المركزية كالسمع والبصر أو الشم أو الذوق لفقدت النفوس كلها ,    أو فقد الجسم أطرافه بالبتر لفقدتالنفوس كلها , وإنا لنرى الإنسان يفقد حسه بالنوم أو بالإغماء أو بمرض               عضال وهو حى يرزق . والحقيقة أن النفس واحدة ولها ثلاث قوى منها أعمال خاصة , وقد بينت ذلك                  بالتفصيل فى كتاب : ( معارج المقربين )(4)وكتاب : ( النور المبين )(5)وكتاب : ( تذكرة المرشدين                  والمسترشدين )(6)

         وهنا ألمع إليك بسر عجيب وسع السموات والأرض ولم يتجاوز شبرا فى شبر , وهو الوجه والرأس , فتجد            فى الوجه آلات السمع والبصر والشم والذوق والنطق التى بها إدراك الحقائق الكونية , وتجد فى الرأس قوة الخيال      والوهم والإدراك والحافظة والمخيلة والحاكمة , فسبحان من جمع فى هذا العضو الصغير ماجعل الإنسان عالما كبيرا       يسنطوى العالم الأكبر . أما ماعدا تلك الأسرار من سر الغيب المصون فلايكون إلا بعد تزكية النفس وصفائها          حتى ترسم عليها آيات تلك الحقائق العلويةوالسفلية التى بها يعرف الإنسان نفسه فيعرف ربه, وبها تحصل            

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الذاريات آية 20-21                           (2)سورةمحمد آية 35

(3)سورة النساء آية145

(4).(5).(6) تطلب هذه الكتب من مكتبة دار الكتاب الصوفى التابعة لمشيخة الطريقة العزمية 114 شارع مجلس الشعب.       

 

 

                                    قوله تعالى: إن فى خلق السموات والأرض ...164

البهجة والأنس للنفس باستجلاء معانى الصفات العلية , فلنمسك اللسان عن هذا الغيب المصون حتى يعلمه الله        تعالى أهل التقوى من خاصة عباده الصالحين بإلهام منه سبحانه , أنه بإقامة مرشد عارف يبين للسالكين بعد             المجاهدة أنوار المراقبة فالمشاهدة . قال تعالى : ( واتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )(1)وكفى أهل العلم شرفا قول الله                                       تعالى : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(2)برفع لفظه العلماء أو بنصبها فتكون : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ )                                                                        بالرفع " مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ " بالفتح لأن العلماء مفعول به , ولما كان من معانى الخشية التعظيم فيكون تأويل الآية                        إنما يعظم الله من عباده العلماء .

        أما باقى الأنواع الحية من الأرواح العاليات , والملائكة عمار السموات , ومادزنهم من الكائنات السابحات     فى الأجواء والأرجاء ومن الحيوانات التى تدب على الأرض , ومن الأنواع التى لها حياه نسبية كالأفلاك والجبال والتلال والماء فقدكتبعنها العلماء من المنجمين ومن أهل الطب واليازرجة وعلماء الزراعة والفلاحة , وعلماء         الكيمياء , وعلماء النفوس غير الإنسانية , فلا نطيل الكلام فيها فى هذا المختصر . ومن هداهم الله بسابق إرادته       يصلون إلى الله تعالى – بعد الإيمان برسول الله صل والعمل بسنته – بالفكر فى أصغر ذرة من ذرات الكون .             قال العربى : ( البعرة تدل على البعير ) ومن أضلهم فإنهم لايصلون إلى الله ولو كانوا فى حضانة نوح                                            والخليل والكليم عليهم السلام . قال سبحانه :  ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا                 مُرْشِدًا )(3)وقد رأيت بعينى راسى دودة فى حجلرة حولها رطوبة ماء وخضرة نبات , فسبحان الله اللطيف الخبير             الحكيم العليم .

(  وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )

        فالرياح جمع ليح , واسمه مأخوذ من الروح لأنه حياة العالم أجمعفهو كأنه روح الوجود المادى , لأنه لو             فقد نفساً لفقد كل حى . وقد ورد اليح فى القرآن المجيد بلفظ الجمع ولفظ الإفراد . وبعض العلماء يرى أن لفظة               الريح بـ(أَلْ) تكون فيه (أَْل) للجنس فيكون بمعنى الرياح , وبعضهم يفهم أن لفظة الريح بالإفراد تدل على                  ريح مخصوصة وهى الريح العقيم التى تضر ولاتنفع . ولفظة الرياح تدل على الرياح النافعة للعالم . قال تعالى :         (  وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ )(4)وقال تعالى ( إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ )(5)وقال صلى                                                                                                       ( اللَّهُمَّ اجْعَلْهاَ رِياَحاً وَلاَ تَجْعَلْهاَ ريحاً ) عندما كان يرى هبوب اليح . وفى قوله : ( وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ) يقظة                                                                        لأهل القلوب المطمئنة , وسبحان المعطى الوهاب الفتاح العليم القائل سبحانه :  ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ                    عَلِيمٌ ) (6)  والقائل جل جلاله : ( وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ )(7).

         قوله تعالى: ( وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ )  يقظة لأهل القلوب المطمئنة بذكر الله تعالى , فإن تصريف الرياح وتغيرها                  بأن تكون شمالية أوجنوبية أو صبا أو دبورا . وفى هذا التصريف , المنافع العامة لمصالح العالم أجمع , وهناك           

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة البقرة آية 282                                       (2) سورة فاطر آية28

(3)سورة الكهف أية 17                                        (4) سورة الروم آية 46

(5) سورة الذاريات آية 41                                     (6) سورة يوسف آية 76

(7)سورة ق آية 35

 

                 

 

أسرار القرآن

تيارات دورية وهو التيار الذى يأتى من جهه القطب الشمالى فيمر على نصف الأرض الشمالى حتى يصل إلى خط           الاستواء ( المنطقة المحتلاقة) فيتبخر ويرتفع ملتهباً جداً متجهاً إلى القطبالشمالىحيث المنطقة                              الثلجية , فيثقل وينزل إلى الأرض حاراً فيحيا به ماهنالك من الحيوانات والنباتات والأناسى فى هذا الأفق المتجمد          ثم يأتى بارداً إلى البحر الأبيض المتوسط ماراً على البحر الأسود فبحر بلطيق ويمر على شمال أفريقيا محملا بالبرودة التى يكتسبها من الشمال . فيمر على خط الأستواء . وهناك تيار دورى أيضاً , يأتى من القطب الجنوبى إلىخط الإستواء فيتبخر هناك بحرارته الشديدة , فيرتفع إلى الأفق الأعلى ثم يميل إلى الجنوب لنفع العالم عند القطب الجنوبى, وهكذا يفعل كما يفعل التيار الشمالى.وهناك رياح تسمى الرياح الموسمية,وتلك الرياح تتولد من مصادمةتلك        التيارات الدورية بالجبال الشاهقة فينغير مجراها ,فقسم منها بانفعال المصادمة ينصرف إلى الغرب ,وقسم ينصرف     إلى الشرق ,وقد تغير تلك التيارات بتغيرات الظواهر الجوية من حرارة شديدة إلى برودة شديدة فيثقل تيار من                     التيارين ,فيحصل اصطدام الهواء بعضه ببعض فتتولد منه الزوابر الى تلقح النباتات وتغرق السفن وقد تهدم           البيوت بشدة تصادمها وضغطها.

        وتلك الرياح المختلفة هى الى تلقح النباتات فتأتى بذكور النباتات إلى إناثها كما قال تعالى :   (  وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ )(1)وقد تنقل تلك الزوابع بذور نباتات إلى بلاد لم تكن فيها تلك النباتات. وفى كل ذلك من                           تطهير الهواء فى الأفاق , ونقائه من الأوساخ والكائنات الصغيرة السامة كالذباب والناموس ومادونه من البعوض               ولولا ذلك التصريف لفقد أكثر الناس صحتهم .وفى هذا التصريف حجة قاصمة لظهور الملحدين ,لأن هذا                         النظام والتركيب لايكون عبثا ولالغير خكمة , لكنه بقدرة وإرادة ومشيئة ,يريدفاعله سبحانه أن ينفع خلقه                      جميعا بهذا التصريف ,ولو نظر أهل القلوب العامرة بنور الله تعالى إلى تصريف الهواء فى يوم واحد لشهدواجمال       الله تعالى فى كل نفس من أنفاسهم ,ولعجزوا عن شكر الله لإنعامه عليهم ,.فسبحان مصرف الرياح الذىأودع          فيها فضله وإحسانه وإمداده لخلقه.

      ولو أن الله أمسك الهواء أن يتصرف حتى فقد من أفق لما وجد على ظهرها دابة بل ولانبات .                      ولوأنك حسبت الهواء عن الحيوانات لمات فوراً أو عن النبات لذبل وفقد حياته . قال تعالى . (  وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ           اللَّهِ) ولو فى نوع واحد من أنواع العناصر من نعمة ( لَا تُحْصُوهَا )(2)فكيف يمكن بنى الإنسان أن يحصوا نعمة                                 فى كل خلقه من العرش إلى الفرش بالنسبة لنا؟ ,إذا عجزنا عن حصر نعمة الهواء فكيف يمكننا أن نقدره             سبحانه حق قدره أو نحيط به علماً؟ فسبحان من أعجز العقول عن علم آياته فى مكوناته, وأعجز الأرواح عن                 علم حقيقة أسمائه وصفاته, وتنزه تعالى على أن تحوم الأرواح العاليات حوالى قدسعظيمة وكبريائه. قال تعالى:             ( فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ )(3)

 

( وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ )

تقدم أن بينت لك فى قوله تعالى : (  وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ ) معنى السحاب وكيف يكون                                 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة الحجر آية 22                                          (2) سورة النحل آية 18

(3)سورة الملك آية 3-4   ه

 

 

قوله تعالى : إن فى خلق السناوات والأرض...(164)

 

إنزال الماء من السماء. وهنا أزيدك علماً أن السحاب يعنى المسحوب الذى تسحبه قدرة الله تعالى إلى حيث شاء         الله أن ينزل ماءه , فالسحاب مسخرللإنسان ولكن ليس للإنسان حكم على فضل الله تعالى , وقد يمنع الله            السحاب عن قوم حتى يحصل الجدب فيهلك الحرث والنسل والزرع والضرع , وقد ينزله سبحانه على سواحل            الأنهار لمن لاحاجة لهم إليه, ةقد ينزله تنزه وتعالى على قوم فيهلكهم به ويصير عليهم عذابا من الغرق كما يحصل فىبلاد أوربا . وقد يمنعه أهل الحاجة إليه مع شدة الضرورة فيحصل لهم الجدب وله فى ذلك حكمة عالية تنادى               فأصبح عبارة : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ )(1)وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ويمنعه عمن يشاء

        وهذا هو سر التسخير – منحنا الله الأدب مع المنعم جل جلاله – لأن الله تعالى يقول : (  وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ )(2)لالأننا نستحق ذلك بعمل أو بخصوصيةفينا , بل هذا                                                                                    التسخير بفضل الله وإرادته وقدرته لامعقب لحكمه , وإنما يكون هذا الخير العظيم نافعاً فى الدنيا والآخرة لمن             كشف الله عنهم الحجاب فشهدوا معانى صفاته فى آياته , وانتفعوا بنعمه فى مرضاته .

          وأما من بدلوا نعمة الله كفراً فتكون تلك النعم عليهم نقماً فى الدنيا بالمنافسة فىنيلها , وبالحروب التى تبيد            العالم حرصاً على تحصيلها , وتكون يوم القيامة عذاباً أليماً على استعملها فى غضب الله تعالى , فهى نعم فى             الحقيقة ونفس الأمر ولكن المنعم الوهاب لايسأل عما يفعل . ومن حرص على النعمة وجهل المنعم وغفل عنه كانت                  عليه نفمة, ومن عرف المنعم بالنعمة فاستعملهافى محابة ومراضية وشكره عليها كانت مسرة له فى الدنيا ونال بها                الملك الكبير يوم القيامة .

           وفى قوله تعالى : ( الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) إشارة إلى أن عمار السموات لايحتاجون لماء                                                    ولاسحاب , وقوتهم التسبيح والتهليل والتمجيد , قال تعالى : (  لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )(3)  

وفى الآية دليل على أن المطر ينزل من السحاب .

( لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )       

       أى لدلائل على صحة التوحيد , وعلى تفريد الله تعالى بالألوهه دون غيره , وعلى وجوب الشكر علينا له ,                   وعلى اعترافنا بالبعجز عن أن ننال بحولنا وقوتنا ماينفعنا إذ لاحول ولاقوة إلا بالله , وبرهان جلى للعقول التى لم           يعمها الهوى عن أن الفاعل المختار هو الله . وعن أن كل شىء فى الوجود من مادة قطعت أهلها , وأنواع نباتية                 وحيوانية ومعادن أبعدت الواقف عندها بل ومن أعضائنا المجترحة , كل ذلك بقوة الله تعالى وقدرته وإرادته . فلا                فاعل فى الوجود غيره . وإنما وضع الأسباب ليتعرف بها إلى خلقه ليعرفوه , وليشهد جماله العلى أهل العقول التى           تعقل عنه . لأنه عظيم عن أن يعلمأو يدرك . فأظهر معانى صفاته فى الكائنات لتستحضره القلوب الموقنة ,            والنفوس الزكية , والأرواح المجردة من ملابسة الحظ والهوى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة يوسف آية 67                                   (2)سورة الجاثيةآيه 13

(4) سورة التحريم آية 6

      

 

أسرار القرآن

 

قوله تعالى : ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أى لمن وهب الله له العقل الذى يعقل عنه , فتلك الآيات التى يبين الله بها                                  آثار رحمته فى الكون حجج جاذبة لقلوب أهل العقول الكاملة , وحجج الله على أهل البعد تقوم عليهم يوم القيامة          ليظهر عدله فيهم وفضله على من اجتلاهم .

        وقد اختلف العلماء اختلافا كثيراً , وهو من الحقائق التى لاتعرف بآثارها كالكهرباء                                      وكالشيطان وكالنفس , فإن الإنسان لايعلم منها إلا آثارها , فإذا وقع الإنسان فى معصية قال : لعنة الله على                         الشيطان , وإذا وفق لعمل نافع قال الناس : هذا لرجاحة عقله , ةإذا رأوا عملاً يعجز كثيراً قالوا : قوة                     الكهرباء .

        والذى أستحسنه هو أنه العقل نور من الله تعالى فى قلب اإنسان يتصل شعاعه برأسه , قال                       تعالى : (  وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا ) أى عقلاً يعقل عن الله ( فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ )(1)وقد حرم أهل الدنيا بهجة                                                         الأرواح ومسراتها فلم يروا إلا مايلآئم أجسامهم من المادة من أكل شهى , وملبس بهى وفراش وطى , ومنكح                    رضى , وهذه هى السعادات كلها عندهم , ولو تفكروا لرأوا أن تلك السعادات بأكمل معانيها قد فازت بها البهائم                 بأكثر مما فاز بها الإنسان , فإن الديك متمتع من حيث الوقاع بما لايتمتع به الإنسان , والطاوس من حيث                       اللباس بمالا يتمتع به الإنسان والخنزير من حيث الطعام بأشهى مما يتمتع به الإنسان والوحوش من حيث نفوذ           الكلمة والقهر متمتعة بأعظم مما يتمتع به الإنسان , ومابقى للإنسان من سعادات إلا السعادات الروحانية فإذا             فقدها كان كالأنعام بل أضل , قال تعالى : ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ )(2)فحظر             على أهل الجهل به سبحانه أن يعقلوا عنه شئاً.

          قوله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ                     وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ                                   لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165)

         بعد أن فرر سبحانه وتعالى دلائل التوحيد المحسوسة الملموسة , وأرقام البرهان على أنه إله واحد منفرد                سبحانه وتعالى بلألوهة والقدرة والقوة والحكمة فهو الواحد القادر الحكيم العليم الخبير , حتة أسجد العقول             التى تعقل عنه سبحانه بهذا البيان , حنى حكمت العقول بعد أن بلغت اليقين الحق بهذا البيان أن أحداًمن                          الآناسى لاينكر وجود الحق ولاتفريده بالكمال والجمال والبهاء والنور والضياء , فبين الله تلك العقول أن تسليمها        له وإيمانها به نعمة فوق نعمة الدلالة , لأنه سبحانه وتعالى جعل لها نوراً قابلاً للفهم عن الله تعالى بما بينه لها من                  أن أكثر الأناسى لم يتفضل الله تعالى عليهم بهذا النور , لتعلم العقول التى تعقل عنه سبحانه أن الله أتم عليهم              النعمة فتسارع إلى شكره ومحابه ومراضيه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النور آية 40                    (2) سورة العنكبوت آية 42     

 

 

 

 

 

                                 قوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله ....(165)

 

 ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا )     

       أتى بـ(مَنْ ) التى تفيد التبعيض لحقارة أهل الكفر بالله وقلتهم فى الحقيقة مع كثرتهم فى الوجود الكونى              لأنهم مع كثرتهم أقل عدداً من أى نوع من اللأنواع الحية كالبعوض والجرذان , فإنك ترى البيت فيه من تلك          الأنواع مايتجاوز الألف عداً وفيه من الأناسى بضعة أشخاص . أما أهل الإيمان الواحد منهم يوزن عند الله بكثير           من الملائكة .

       قوله تعالى : ( النَّاس) يراد بهم المعلمون وهم أهل الكفر بالله , والمنافقون الذين اتخذوا أهواءهم آلهة                  والمارقون من الذين كما يمرق السهم من القوس بما أشربوا فى قلوبهم من حب المال والجاه والرفعة والتمكين فى ا         بغير الحق , وهم الذين أخبرهم الله عنهم فى كتابه بقوله تعالى : "  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ "(1)الآية . فكل من تولى أعداء الله تعالى واستعان بهم على المؤمنين فهو داخل  فى                         هذه الآية .

      " مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا "الاتخاذ معلوم والند كما بينا فيما سبق هوالمثل المنازع أو العدل                                         المساوى, وقد قال العلماء إن الأنداد هى الأوثان المعبودة من دون الله, والأفلاك والبهائم كالعجل معبود المصرين              القدماء والبقر معمبد المجوس فى الهند والبصين , لكن يرد عليهم قول تعالى  :  "  يُحِبُّونَهُمْ " فإن الهاء والميم من                  ضمائر العقلاء , فيكون الـاويل أن الأنداد فى هذه الآية هم دعاة الضلالة من الملوك ومن دعاه الجهالة الذين            يتمكنون من قلوب الناس بخبثهم وطلاقة ألسنتهم بالباطل إإلى  أن يتخذهم الناس أنداداً من دون الله يقومون لهم              باللطاعة العمياء , ومن بذل الأموال لهم وتنفيذ كلمتهم وعقد القلب على مايلقون إليهم من الأباطيل المفضلة والعقائد        المفقسدة فى التوحيد , حتى يرون الحق فيهم فيميلون عما أنزل الله تعالى , فقد تكرر فى القرآن المجيد التشنيع على     عباد الأوثان وقصم ظهورهم بالحجة بعد الحجة ..

  ( يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ )

       يعنى أنهم كانوا يعرفون الله تكون محبتهم لهم مساوية لمحبة الله تعالى , ولإن كانوا لايعرفونه سبحانه فتكون          محبتهم لهم كمحبة المؤمنين لله تعالى , أو أنهم ينزلونهم فى منزلة سيحانه وتعالى فى العقيدة والطاعة لهم . وذكر        تلك الآية بعد تقرير دلائل التوحيد مناسب جداً كما قال العربى : ويضدها تتميز الأشياء .. ليقوم المؤمنون بالشكر             لله على ماتفضل به عليهم , وإنك لترى الإنسان الصحيح لايشعر بالصحة حتى إذا مرض تذكرها وحن إليها             وتمناها .

(  وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ )

        يكشف الله تعالى الحجاب عن القلوب التى جعل لها نوراً فتشهد جمال الله ظاهراً فيما أظهره سبحانه فى                هذا الكون من الحقائق التى أبدعها لخير الأنواع الحية , وسخرها لبنى الإنسان , فتتجلى لجواهر نفوسهم بعد رفع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة آية 51

     

 

أسرار القرآن

 

الحجاب فى معاتى صفات الله تعالى , فتتصور النفوس التى زكاها الله تعالى رسوم المعلوم بعد العلم , فيكون هذا            الجمال العلى معالم بين أعين قلوبهم لايغيبون عنه , فلايمضى نفس أو لمحة أو لحظة إلا وتنبلج لهم حقائق تلك الآيات فتجذبهم بدافع المحبة إلى شهود الحق جل جلاله , حتى تبلغ المحبة مبلغ الغرام والهيام الذىيستغرق كلية                 من تفضل الله عليهم بهذا المشهد , فبفرون إلى الله بالفناء عنهم وعما يحجبهم أو من يحجبهم كما حجب الذين               قالوا : (  إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ )(1)وهم الأنداد من دون الله , وأهل الجهالة أطاعواهم نصرة

للباطل على الحق كما يطيع بعض الهمج الرعاع زعماء السوء من غير بصيرة فيهلكونهم وهعم يحسبون أنهم يحسنون               صنعاً .

       وهنا ألمع إليك بيان رذاذ من غامض المحبة لأنها فوق أن تدرك حقيقتها العقول , لأنها سر من أسرار الله       وغيب من غيوبه سبحانه يتفضل بها على من سبقت لهم الحسنى , وما تقول فى قوم أحبهم الله من الأزل لالعمل        عملوه , ولالقرية تقربوا بها إليه , ولكن بمحض الفضل أظهرهم فى الكون أحباباً له , وقال لهم افعلوا ماشئتم فق                غفرت لكم.

        وانظر إلى أحوال أهل المحبة . أتى عزرائيل إلى الخليل يستأذنه فى قبض روحه لعزرائيل : هل                   الخليل بميت خليله؟ فأوحى الله إلى عزرائيل قل له : وهل الخليل يكره لقاء خليله؟ والله سبحانه ينادى الأمم               بأسماء أنبيائهم فيقول : ياأمة إبراهيم وباأمة موسى وياأمة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم , وينادى أهل المحبة              بياأوليائى .

       والحجة فى ذلك قوله تعالى : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ                       وَجْهَهُ )(2)فأمر الحبيب صل أن يصبر مع أحبائه سبحانه وتعالى , وفى الحديث القدسى :  ( يَا دَاوُد اطْلُبُنْىِ                 عِندَ المُنكَسِرةِ قُلُوبُهمْ مِنْ أَجْلىِ ) وقد أنكر بعض العلماء محبة العبد لله ومحبة اللله للعبد , وقالوا إن المحبة إرادة                        للعبد بتقدير الإحسان والفضل عليه , وذلك بأن المحبة أبعد من أن تعرف وأعلى من أن توصف .

        وماذا تقول فى سر بين العبد وبين ربه لايطلع عليه غيره؟ حتى قال بعض العارفين : من ادعى المحبة وأشار      إليها كذب فى دعواه فإن الذين منحهم الله المحبة منه وتفضل عليهم بأن جعلهم يحبونه هم ضنائنه من خلقه , إن                   أظهرهم فى الكون غاروا على المحبة أن يشيروا إليها حتى تسلب عقولهم التى يعقلون بها عن الكون , فتطيش أحلامهم              فيفنوا عن شهود وجوههم بوجود شهودهم , فيكونون من غير كون ويكون ربهم وطنهم كما قال تعالى : ( فَأَيْنَمَا               تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )(3)وقال تعالى : ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ )(4)

         وإنى أجارى العلماء فة تأويلهم هذا فأقول : المحبة إرادة العبد الجنة والمغفرة والعفو هى محبة جمال            الله تعالى , وتعلق إرادة العبد بما فوق الآلاء والنعماء من الاستغراق فى جمال المتفضل هى محبة العبد لله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة الأحزاب آية 67                                  (2) سورة الكهف آية 28

(3)سورة البقرة آية 115                                    (4 ) سورة الذاريات آية50

 

 

قوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله ....(165)

 

تعالى , و كذلك إرادة الله تعالى بالمال وبالأولاد ونفوذ الكلمة والرفعة هى رحمته . وإإرادة الله تعالى للعبد أن            يمنحه معرفته ومشاهدة جمال آياته وفهم أسرار كتابة ورعايته الأدب معه سبحانه وتفريده بالألوهة واختصاصه         بالعبادة هى محبة الله للعبد , فثبت أن رحمة الله هى إسباغ نعم الكون , وأن محبة الله تعالى هى إسباغ نعمة الكون             الجاذبة إلى حضرته , حتى تقع العين على العين فيرى محبوب الله تعالى غيب الغيب ببصره . قال صل بسند             الإمام البخارى فى الحديث الطويل : ( وَلاَ يَزَالُ عَبْدىِ يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّواَفِلِ حَتَّى أُحِبّ‍َهُ فَإذَا أَحْبَبْتهُ كُنتُ                          سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصرُ بِه ولسانَهُ الَّذِى يَتَكَلَّم بِهِ ) الخ الحديث . وسأل رجل النبى صل                     قال : ( يارسول الله متى الساعة ) ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : وماأعددتلها لها ؟ فقال : ماأعددت لها                      إلاحبا لله ورسوله فقال صل : المرء مع من أحب ) فما فرح المسلمون يشىء أحب إليهم من هذا .

(  وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ )يقيم الله تعالى الحجة على أهل الكفر به سبحانه أنهم إنما أحبوا سادتهم                         وكبراءهم وأصنامهم اقتداء بآلهتم من غير بصيرة , وتقليداً لمن سبقهم من غير برهان ولاحجة , فهم أضل من         البهائم لأنهم يحبون بأبصارهم وأسماعهم لايعلم تتمثل به النفوس تلك الحقائق , حتى يقوى هذا التمثيل فيكون              شهوداً للغيب بيقين حق بقيام تلك الحجج والأدلة القوية , قال على عليه السلام : ( لو كشف الحجاب                       ماأزددت يقيناً ) قال تعالى :" كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ "(1)أما الذين آمنوا وازدادوا إيماناً                 فإنهم أحبوا الله تعالى حباً أكسبهم رعاية الأدب معه سبحانه , وبذل النفس والنفائس استجابة له جل جلاله                 

         فإن قال لنا قائل : إن أهل الكفر بالله يقتلون أنفسهم فى محبة من اتخذوهم أنداداً من دون الله , فهل                 المؤمنون يقتلون أنفسهم فى محبة الله ؟ فالجواب : إن أهل الكفر بالله يقتلون أنفسهم فى أقل من ذلك فى سبيل               امرأة أو فخر , ولكن المؤمنين يقتلون أنفسهم إذا أمرهم الله فى الجهاد , ولهم مشهد على أنهم هم وأموالهم لله                    تعالى لايعملون عملاً إلا إذا أمرهم الله تعالى بعمله , وكان بعض الرجال إذا أراد أن يعمل عملاً سأل عنه القرآن                  فإن أذن له به فعل وإلإ ترك , فقيراً فيقرأ القرآن مرة ومرتين حتى يظهر الحكم فى العمل أو يسأل من هو أعلم منه               بذلك . وليس قتل النفوس بأمر الله عند المؤمنين إلا الفوز برضوان الله الأكبر , وما يعلمه مجوس الهند وغيرهم من         عباد غير الله تعالى من العناد فة العبادة والخدمة فذلك من عبقادة أهل الجهالة الذين تسلفت أنفسهم عن أن                  تساوى نفوس أهل الإيمان بالله . وفى قوله تعالى : (  أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) إشارة إلى تفاوت أهلب الحب , فإن قوله :                        (  أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ )  بخلاف قوله شديد والحب فى الله , فإن الصفة المشبهة تدل على حقيقة واحدة , وأما اسم              التفضيل وهو قوله : ( أَشَدُّ ) ففه التفاوت . وفى قوله ( لله) إشارة عالية إلى كمال الإخلاص فى عبادة الله تعالى                               فإنه لو قال : أشد حباً للرحمن أو الرحيم أو المنعم لكان فى ذلك تعيين فى الحب .

( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)                                                                                                      بعد أن طمأن                 

سبحانه قلوب المؤمنين بما تفضل به عليهم من نيلهم كمال معرفته التى جعلت جواهر نفوسهم تتصور سوم الغيب        المصون من معانى صفاته جل جلاله الظاهرة فى آياته , القائمة حجة لتلك النفوس على شهود كمال أسمائه وجمالها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

()1) سورة التكاثر آية 5-6

 

أسرار القرآن

وجلاها , منحهم اليقين الذى يجعل الحق معالم بين أعينهم لايغيبون إذا غاب الغافلون , وفى خبره سبحانه عن                      المؤمنين يتلك اآية دليل على أنه سبحانه وتعالى أشهدهم فى تلك الدار الدنيا حقائق الكائنات فضلا منه                    وإحساناً , وأنه جلت ذاته سيمنحهم يوم القيامة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر , قد                 توعد سبحانه أهل الكفر بما أعده لهم من نكال العذاب .

(  وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ )

       فـ ( لَوْ ) هنا للمبالغة ليست على بابها لأن(لَوْ) حرف امتناع وأنت هنا للمبالغة , وفى قوله                                 ( يَرَى ) بالياء إشارة إلىأن الخبر عن الذين ظلموا . والظلم هو الشرك , والمعنى الذين ظلموا أنفسهم بشركهم ,             قال تعالى( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )(1)وقد يأتى الفعل المضارع بالتاء فيكون : ولو ترى , خطاب لرسول الله                       صل يرى المؤمنون حال الذين ظلموا يوم القيامة . (  إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ) أى يقعون فيه .

       ( أَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ جَمِيعًا )

       لهمزة( أَنَّ) . روايتان بالفتح والكسر , فمن تأولها جواباً لـ ( لَوْ) قال إنها مقول محذوف أى لقالوا                    أو أنها مفعول لفعل محذوف تقديره لعلموا. ومن قال إن جواب (لو) محذوف أتى بها مفتوحة الهمزة ويكون التأويل                   يرون العذاب , ,أن القوة لله بحذف حرف العطف , ويكون تقديرالجواب اللمحذوف لتحققوا صدق الله وصدق           رسوله صل ولما اتخذوا أندادا من دون الله تعالى . وفى رواية : (  وَلَوْ يُرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بضم الياء ويكون المعنى                             يرى الله الذين ظلموا , وبأى قراءة فأنت مصيب .

     ( أَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ ) أتى بأن التوكيدية تقوية للخير يخبرنا الله تعالى به عن قول الكفار يوم القيامة عندما                               يرون العذاب . والقوة هى القدرة على تنفيذ ماوعد به الله المؤمنين وتوعد به الكافرين , لأنه لو كان لله أنداداً                                      لكانت لهم بعض القوة , ولو كانت لهم بعض القوة لنفعوا من عبدوهم فى الدنيا يوم القيامة . ولكن الله تعالى                       يقول : و( أَنَّ الْقُوَّة لِلَّهِ جَمِيعًا ) أى ليس ثم يوم القيامة من له قوة أو قدرة أن ينفع غيره أو يضره غير الله تعالى,                                عنهم هم الله وبالله وهم الدعاه إلى كمال التوحيد , وقد أخبرنا الله بقوله عنهم( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ )(2)                   ورسل الله وأولياؤه خصوصاً خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه , أخبرنا الله عنه أنه رؤف رحيم وأنه يكون                شهيداً علينا , فمن منحهم الله التوفيق فأطاعوا الله ورسوله لايرضى رسول الله صلى أن يراهم فى النار بعد قول الله          تعالى له :" وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " (3)

 

           " وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ "فهر لأهل الكفر به أن بين دلائل التوحيد جلية للعقول بالايات الظاهرة                                 فى الكائنات , وبعد أن بين تلك الآيات رسله عليهم السلام , وبعد أن ذكرهم بتلك البيانات أولياؤه بعد رسله,                  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة لقمان آية13                                         (2) سورة الشورى آية 22

(3) سورة  الضحى آية 5

 

 

 

قوله تعالى : إذ تبرء الذين اتبعوا ...(166)

وبعد تلك الحجج القوية بالله ويتخذون له أنداداً من دونه ويحاربونه سبحانه فى ذات رسله وأوليائه .                     لذلك كله استحقوا أن يخبرهم الله تعالى بأن سبحانه شديد العذاب .

       وهذه الآية أخوف مايخافها أهل الإيمان لأنهم لايأمنون جانب الله تعالى , وفيها إشارة علية خفية وهى أن                    شدة عذاب الله تعالى لأعدائه ليست كعذاب حضرة اسم الرب لأن عذاب الله تعالى ظاهر وباطنا . أما                                          ظاهر فالآم السعير والحطمة نعوذ بالله منها . وأما الباطن فحرمانهم من نعيم مقيم فى فردوس الله الأكبر , وبعدهم               عن الأنس بالله على بساط مؤانسته قدام العرش . وهذه هى نار الله الموفدة التى تطلع على الأفئدة وحرمان الرضا       من الله عن العبد أشد عذاباً من نار جهنم . وإن بعض المؤمنين يردالنار ليتطهر من ذنوبه ويخرجه الله منها بفضله                  ولكن نور الإيمان فى قلبه يحفظه من شدة عذاب الله , أعاذنا الله تعالى بوجهه الجميل مما يوجب عذاب الله                 الشديد .

        قوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ                            الْأَسْبَابُ(166)

       بين الله تعالى أحوال أهل الكفر به يوم القايمة فافتتح الجملة بإذا الدالة على المعنى وحالفهم هذا يكون فى                     المستقبل يوم القيامة . والحكمة فى ذلك والله أعلم أن هذا الحال متحقق للكفار واقع عليهم بعد , والأمر المتحقق              فى حكم الذى وقع .

( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا )

      فالمتبعون هم إبليس والشياطين ودعاهة الضلالة من الملوك ومن علماء السوء الذين يخدعون الناس فبفسدون           عقائدهم ويوقعونهم فى مذاهب الضلال وآلااء السوء ممن أضلهم الله على علم ومن يعلمون ظاهرا من الحياه الدنيا,                     وتلك الآية أعجزت قلوب الدعاة إلى الله تعالى وجعلتهم يحرصون على طلب العلم النافع حتى يبلغوا مقام اليقين .            و" الَّذِينَ اتُّبِعُوا " هم جهالة العامة أتباع كل عانق ممن لم يقع بهم العلم على عين اليقينت , الذين أضلهم أهل                      النفوس الخبيثة ففارقوا جماعة المسلمين أو غارقوا الإسلام باتباع الكفر وخالفوا العلماء المرشدين . وهذه الآية بدل             من قوله تعالى : " إِذْ يَرَوْنَ اْلعَذَابَ " يعنى أن الرؤساء والزعماء يتبرأون ممن اتبعهم على ماكانوا فيه من الباطل من                  غير بصيرة ولاروية . يتبرأون أى ينكرون نسبة العامة لهم وتعلقهم بهم . لذلك أن تقول : " وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ       إِذْ تَبَرَّأَ " فتكون من متعلقات شديد العذاب .

( وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ )

       الواو هنا للحال والجملة حالية. ورؤيتهم العذاب معاينتهم له عند قربهم منه , الأمر الذى ينبىء بوقوعهم                 فيه و" الْأَسْبَابُ " جمع سبب وهو الوصلة التى تنال بها بغيتك . والسبب له عند قربهم منه , الأمر الذى ينبىء بوقوعهم        فيه و" الْأَسْبَابُ " جمع سبب وهو الوصلة التى تنال بها بغيتك . والسبب لغة : الحبل والأسباب هنا هى الروابط                         التى كانت تربطهم كأنواع العبادات التى كانوا يعبدون بها أندادهم كالأصنام والزعماء والرؤساء والكبراء , وماكانو              يعتمدون عليه من الآراء المضلة والمذاهب المفسدة للعقائد , ومن هؤلاء أهل الشعوذة الذين يخدعون العامة من

 

 

 

أسرار القرآن

 

الجهلاء ليخرجوا على الحق أو أهل الحق , أو ليفرقوا المجتمع الإسلامى أو بعضه لعله نيل الرياسة والشهرة                والسيادة وللطمع فى جمع حطام الدنيا , فيحتالون على نيل تلك المفاسد مرة بدعوى أنهم علماء أ, انهم أولياء , أو                   أنهم يؤيدون ذا سلطان ولو كافرا بالله أو دولة كافرة كما يفعل قادة الأمة التى احتلها دول المطامع المستعمرون .         ولايرون ذلك إلاعند ضعفاء الإيمان من الذين رضوا بالحياه الدنيا وأطمأنوابها وهم عن الآخرة هم غافلون , فيزين          لهم الشيطان أعمالهم وتقوى الوسوسة فى قلوبهم فيعنقدون أنهم علىا لحق ويرون أهل الحق على الباطل كما قال على                         عليه السلام : ( مَاأَشْجَعَهُمْ عَلَى باَطِلِهِمْ ) مخبرا عن الخوارج , وكما قال عليه السلام . ( الناس ثلاثة : عالم                 ربانى – ومتعلم على سبيل نجاة – وهمج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح ) . وهؤلاء من أهل                     الدنيا الذين نسوا الأخرة وأحبوا الحياه الدنيا وزينتها , وكانت صلتهم فيها لنيل مائلائمهم من الملاذ والشهوات                   وتنقطع عنهم تلك الأسباب يوم القيامة ..

       قوله تعالى :وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا                              كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ(167)

        يخبرنا الله تعالى عن قول الهمج الرعاع أتباع كل ناعق أنهم يوم القيامة يتبرأ منهم سادتهم وقادتهم وأول            متبرىء هو إبليس أعاذنا الله من شره بقوله : (  إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ )(1)ثم يليه من كفروا بالله                                                      ورسله ومن طلبواالدنيا بعمل الآخرة ... يقول أتباعهم يومئذ لو أن لناكرة . ولو هنا للتمنى بمعنى ليت , والكرة                    هى الرجوع إلى الدنيا , يقال كر فلان أى رجع عليه أو لإليه ولذلك نصب المضارع بفاء السببية التى                  لاتكون إلا بعد التمنى .

( فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ )

       أى ننكر عليهم مايدعونه ونكذبهم ونخذلهم ( وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ )(2)فقد بين الله تعالى كل البيانات وقد                         بين رسوله عليهم السلام بيانا لايخفى على عقل سليم من الحظ والهوى. وقال على عليه السلام : " الْهَوىَ أَخُو              اْلعَمَى " وفى هذه الآية وعيد يذيب قلوب من أمنوا جانب الله تعالى وأنغمست نفوسهم فى قاذورات تلك الحياة                                     الدنيا بنصرة أهل الضلال وبتأييد الظلمة والتودد إلى أعداء الله تعالى واتخاذهم أولياء أو بمنحخم , ومن يفعل ذلك ممن يدعى أنه مسلم فقد كفر وحرمت عليه نساؤه . وهل بعد قوله تعالى : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ )(3)حجة لقائل؟ غمن أشرب قلبه حب أعداء الله من                                        الكفار أو من الزنادقة أو من المدعين أنهم من أهل الحقيقة بالجهل والبهتان ممن خالفوا صريح الشريعة وأسقطوا               أحكامهم فإن هؤلاء جميعا هم الذين يشنع الله عليهم ويهددهم بتلك الآيات .

      أما أولياء الله تعالى وأهل عناية الذين وفقهم للتقوى وعلمهم مالم يكونوا يعلمون فإنهم الأمناء على الشريعة             العاملون بها , المبينون لأسرارها وغوامضها , المجددون لما اندرس من معالمها وآثارها بقولهم وعلمهم وحالهم , فإنهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة إبارهيم 22                                            سورة ص آية 3

(3) سورة المائدة آية 51

قوله تعالى : ياأيها الناس كلوا مما فى الأرض ...(168)

 

ورثة الأنبياء وأبدال الرسل والصديقين من خيرة عباد الله تعالى , وهم المعينون بقوله تعالى : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ           يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )(1)وهم الذين أنثى الله عليهم فى أول تلك اآيات                                بقوله : ( لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )  وبقوله فى آية آل عمران : ( لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )(2)

( كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ )

       الجار وتالمجرور تأخير , والمعنى كما أراهم الله شديدالهذاب وأراهم تبرؤ سادتهم وزعمائهم كذلك يريهم                أعمالهم حسرات عليهم إلخ . والأعمال التىة يريهموها الله تعالى هى ماكانت تجب عليهم أن يعملوها من المسارعة          لتأدية فرائض الله وسنن رسوله صل , فإن رد علينا معترض بقوله : ليست هذه أعمالهم , فأجيبه بأن الأعمال             الواجبة على شخص تكون كأنه عملها كما يقول لك شخص : هات غذائى , فتقول : هذا غذاؤك , ولم يكن                أكله , أو تقول لعامل : هذا عملك ولم يعمل , وكونه لم يعمل لم يخرجه عن وجوب القيام بعمله فكذلك هذا .

       وقال بعض العلماء – وعندى أن الحق ( يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ) التى عملوها من اتخاذ الأنداد التى اتخذوها ,          ومن إ طاعة كبرائهم وسادتهم وزعمائهم فى معصية الله , ومن مخالفة الشريعة الغراء بنصرة زعماء السوء الذين             يعملون لأنفسهم مخالفين للحق . يريهم الله تلك الأعمال أى سوء الجزاء عليها وشديد العقاب , حتى ورد أن الله             سبحانه يرى الكافر فى النار بيته الذى أعده له فة الجنة لو أطاع الله ورسوله , ويريه أن أهل التقوى ورثوه , ويرى      من فى الجنة بيوتهم التى أعدها لهم فى النار لو كانوا كفروابالله , وقد ورثها أهل الكفر بالله ليذوقوا العذاب                مضاعفاً

( حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ )

       الحسرة هى شدة الندامة . وحسر عن ذراعيه يعنى كشفها , والحسرة هى كشف الخير والنعمة عنهم فإذا                 رأوا نتائج أعمالهم فى الحطمة اشتدت ندامتهم فكان العذاب محيطاً بهم من الظاهربالاحتراق ومن الباطن بالآم               الضمير التى هى أشد من لهيب النار .

( وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ )

بشرى لأهل الإيمان الذين أدخلهم الله النار للطهارة من المعاصى , لأن ذلك يدل على أنهم يخرجون من النار . أما                 أعداء أنفسهم الذين شنع الله عليهم بأعمالهم السيئة فهم مخلدون فيها وقد وردت الآيات الدالة على خلودهم فى                     النار .

      قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ                           الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(168)

 ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة آل عمران آية 104                                   (2) سورة آل عمران آية 190

 

 

 

أسرار القرآن

 

يخاطب الله تعالى عباده موسعاً لهم فيما أباحه لهم بقوله : ( كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا ) معلوم أن                   نداء الله تعالى فى تلك الدار الدنيا رحمة من سبحانه بمن يناديهم , وتتم تلك الرحمة إذا وفقهم للسمع والطاعة , يأمر                سبحانه أمراً بلإباحة أن نأكل مما فى الأرض حلالاً طيباً والأكل معلوم . وأتى بقوله( مِمَّا ) للتبعيض ليبين لنا أن       المباح لنامما خلقه الله فى الأرض ليكون مباحاً إلا إذا كان حلالا طيباً . والحلال هو مارفع الحظر عنه مما بينته        الشريعة . فعمل الرجلبيده كسب حلال , ومايناله من هدية حلال , ومن ميراث حلال , ومن غنيمة حلال ,                ومادعى إليه . وماعدا ذلك من المسروق والمغضوب والربا وماأخذ لينصر به الباطل وغيره فحرام . وفىقوله :          ( طَيبِّا ً) الطيب ماكان شهياً لذيذاً مما يحصله بالوسائل المتقدمة . وأما فنجس وبيىء كلحم الميتة والخنزير                         وكالخمرة وماأشبهها . وقوله تعالى : ( كُلُوْ ) أمر من حيث وجوب استعمال الحلال عند المقتضيات , ويكون                       للإباحة من حيث الأكل . وقوله تعالى : ( مِمَّا فِي الْأَرْضِ ) لايخرج مافى البحار والأنهار , فإن البحار والأنهار        فى الأرض .

      وهنا إشارة وهىأن الله سبحانه خلق الأرض لإقامة الإنسان على ظهرها إلى الأجل الذى قدره سبحانه .

ولماكان الإنسان لابقاء لحياته إلابالضروريات الازمة له والكماليات , خلق له فى الأرض جميع مطالبة من معادن           تستعمل لنفع الغذاء ولإعادة الصحة بعد فقدها , ومن حيوانات ومن نباتات وغيرها ليشهد الإنسان آثار رحمته              سبحانه وعطغه وفضله وإحسانه , وليمنحه تعالى يقيناً حقاً أن الخلاق الرزاق المحيى المميت هو اله تعالى:, فلا              يشغل وقته القليل فى تلك الدار الدنيا بهم ماضمنه له , بل يصرف أنفاسه فى تحصيل العلم النافع والعمل الرافع                  عبادهة لله وشكراً له على عميم نعماه , وماخلق ربنا هذا الكون عبثاً ولالعباً , ولاسخرة لبنى الإنسان ليظهروا                  ويستروه عن عقولهم وأنفسهم , بل ليظهر هو ربا قادراً فاعلاً مختاراً وإذا ظهرواهم ظهروا عبيداً مضطرين                   محتاجين إلى فضله . وأبغض عباد الله تعالى عند الله تعالى بنعمه المحيطة به , وكل قلب غافل                                  عن الله تعالى بما أنعم الله به عليه فهو مقطوع عن الله تعالى أعوذ بالله من نسيان المنعم بنعمته .

( وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ )

    ( خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ )جمع خطوة مابين رجلالماشى , ومراد الله تعالى من : ( خُطُوَاتِ                              الشَّيْطَانِ )وهو أعلم أى سبيله وطريقه . وقدبين الله ذلك فى قوله تعالى: ( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا                    وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ              فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ )(1)وقال تعالى :مخبراً عن هذا العدو الرجيم : (قَالَ فَبِمَا              أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ                          شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ )(2)وقال تعالى :( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) (3)كشف                            الله لنا الستار عن نوايا إبليس بنا وعن تمكين الله له فى قلوب من اتبعوه , ليعلمنا مقدار عداوته لنا فتدوم مجاهدتنا        لأنفسنا خوفاً من أن نقع فى مصايدة هو مكائده ولاحول ولاقوة إلابالله . ومابينه الله فة تلك الآية هو بعض                        ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء آية 117 – 119                               سورة الأعراف آية 16 – 17

(3) سورة فاطر آية 6

                                 

 

قوله تعالى : إنما بأمركم بالسوء والفحشاء ...(169)

 

خطوات الشيطان . وقد أكد علينا أن نستعيذ بالله منه ومن شر شياطين الإنس والجن . ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ )                             أكد الخبر عنه أعاذنا الله منه لنتحفظ منه باتباع السنة والكتاب .

قوله تعالى : إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(169)

( إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ )

      أماالسوء فكل معصية بالجسم أو بالقلب , وأما الفحشاء فهى الكبائر المتفاحشة جداً . وقد تأولها بعض                 العلماء بأنها الزنا والواط وأعاذنا الله منها . والفواحش كل كبيرة فوق أعمال السوء . وشر تلك الفواحش أعمال          القلوب كعقدها على الكفرأو على النفاق أو على العقائد الضالة والآراء والمذاهب المفسدة . وشرها فى الجوارح                 قتل الأولاد فالزنا فقتل النفس لأن الله تعالى يقول :"  وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ              قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا                           بِالْحَقِّى"(1)فجعل الزنا أكبر قتل النفس لأن الزانى قتل أنفساً كثيرة وآذى إخوته المسلمين أذية شنيعة , فإن                 المرأة إذا حملت من الزنا قتلت ولدها أو أهلكته بأن ترميه , وبذلك يكون الزانى ارتكب القتل وشرا منه.

( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )

        هنا النار المسعرة التى تذيب القلوب , لأن كثيراً من الناس يدعون الصلاح والتقوى والعلم                        والإرشاد ونواصيهم فى قبضة إبليس يوسوس إليهم بالأكاذيب والأباطيل فبقولون على الله مالا يعلمون , وقد يبلغ              الغرور بالرجل منهم حتى يعتقد أنه نافع وضار ومقدم ومخر ومتكلم عن الله وعن رسوله وهو يهدم الشريعة من         أعلاها إلى عاليها , ويمحواالآثار الشرعية والأحكام والأداب معتقدا أنه يتكلم عن الله , وترى كثيراً من الناس                 يصدقونه ويزيدونه غرورا بنفسه وهو منغمس فى لعنة الله وغضبه يتأول القرآن والسنة على حسب مايلائم هواه من            غير رعاية الأداب مع رعاية الأداب مع الله ورسوله. قال رسول الله صل ( مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّاَرِ) وقال تعالى:( لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (2)ومسلم ذاق طعم الإيمان لايسلم إلا لله ولرسوله ولأولياء الله العاملين                               بكتاب الله وسنه رسول الله صل

        وقولى هذا لا يجعلنى أنكر أن الله تعالى جذب إليه من أحبهم من خلقه فأفناهم عن وجودهم بوجود                 شهودهم , فيراهم الناس على الأرض وقلوبهم معلفة بالرفيق الأعلى , لأن الله أقامهم مقام من اصطنعهم                  لنفسه وهم أهل الذكر الأكبر , الذين ينالون الرضوان الأكبر صغرت الدنيا فى أعينهم فزهدوا فيها وهم أحوج                  مايكونون إليها . جاهدوا أنفسهم فى ذات الله حتى استلانوا مااستوعره المترفون . علموا سر الحكمة فى الإيجاد                والإمداد حتى بلغ العلم عين اليقين أو حق اليقين , لايغضبون إلا لله ولايرضون إلا لله ولايفرحون إلا بفضل الله            وبرحمته , ولا يأنسون إلا بالله تعالى أولئك هم أولياء الله .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الإسراء آية 31-33                                 (2) سورة آل عمران آية 61

 

 

أسرار القرآن

 

    أمامن توعدهم الله بالخلود فى النار باتباعهم خطوات الشيطان التى من شرهاأن يقول على الله مالا                     يعلمون , وهم أهل البهتان الذين يفترون على الله الكذب ليتنعموا فى تلك الدار الدنيا بمايوقعهم يوم القيامة فى نار           جهنم , أعاذنا الله تعالى بوجهه الكريم من اتباع الحظ والهوى ومن البدع المضلة . وإن الذين يقولون على الله مالا يعلمون لايخلفون علينا, فمنهم الشاطحون التائهون الذين يظهرون للناس أنهم فىفناء عن الدنياوحضور مع الله      تعالى , وكذبوا لأن أهل هذا المقام جائعة بطونهم , عارية أبدانهم ظمآنة أكبادهم ,سكنت نفوسهم إلى ربهم        وصبرت مع الذين يدعون ربهم بالغداه والعشى يريدون وجهه , رضا عن الله بعد أن رضى سبحانه عنهم , لافرق                عندهم بين الدرة بضم الدال وبين الدرة بكسرها , آثروا الناس بحطام الدنيا , وقهروا أنفسهم جهاداً ومنافسة فى                 نيل رضوان الله الأكبر ومن هم ؟ وأين هم ؟ فليتق الله الضالون المضلون فإن عذاب الله شديد .

       وبينت لك أيها القارىء فى كتاب : ( الطهور المدار ) سر تلك العداوة البينة من الشيطان لنا ,وأشرت                  لك إلى معنى الشيطان وما فيك منه مما يتصل بقلبك , وأعلمتك أن أبوابه التى يدخل منها عليك هى جوارحك                        المجترحة وشرها بطنك فإنها المعقل الذى يمدتلك الجوارح بالخيرأو بالشر , فاحذر أن تكون عبداً لبطنك ,                  وضيق الخناق على النفس الشهوانيى فلا تدخل فى بطنك إلا الحلال الطيب على قدر الضرورة , واحذر أن تتوسع    فى المباحخ فيصرعك الكفاح , وقد بين الله لك قدر الدنيا , وشرح لك رسول الله صل ماخفى عليك من القرآن ,                   وما وصل الواصلون إلى الله إلا بالجوع والسهر وقلة الكلام المباح , وملازمة الخلوة محاسبة النفس ومراقبة لجلال الله                   ومشاهدة لجماله العلى الأنس به سبحانه . ولا تصحب إلامن ثقل ميزانه بما وضع فيه من العلم بالله                        والأدب مع الله ورسوله ومن العض بالنواجذ على ماكان عليه رسول الله صل وأصحابه , واضرب بما خالف ذلك                      وجه الحائط واطلب العلم من العارفين ولو بالصين , واحذر من صحبة الذين يقولون على الله مالايعلمون فإن             صحبتهم ذل لغير الله فى الدنيا , وعذاب شديد يوم القيامة . وأعاذنا الله من الفتنة خصوصا فتن هذا الزمان                 العمياء الصماء , التى جذبت قلوب أهل الهوى مما ابتدعه الضالون المضلون الذين تلقواعلم الدنيا فى بلاد                         أوربا , الذين أذهبت غيرتهم لله ورسوله أطماعهم فيما فى أيدى أعداء الله من زينة الحياة الدنيا .

       وقد كثر فى زماننا هذا أتباع الشياطين بما نراه من آثارهم من التطاهر بعمل الفحشاء والمنكر , ويتعصبهم       لأهل المذاهب المضلة والآراء الفاسدة والعقائد المفسدة . ولولا الإطالة على القارىء لبينت أنواع الذين يقولون على          الله مالا يعلمون فى زماننا هذا ولكن ندعهم بعد قوله تعالى:  ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ) (1)فنسأل               الله أن يهدينا صراطاً مستقيماً .

        وهنا أعرفك أتباع من يقولون على الله مالا يعلمون , أنهم شر الخلق لعدم بصيرتهم التى ينظرون بها إلى               الحقائق التى تجعلهم من أهل علم اليقين أو عين اليقين أو حق اليقين , وتلك المراتب هى الحجة على أن الإنسان           إنسان بمعناه , فإذا حرم تلك البصيرة كان أضل من البهائم السائمة, وغاية مافى الأمر أنه على صورة الإنسان                   ولكنه كالقرد الذى يسمى : " إنسان الغابة " أو كالسمك الذى : يسمى : " إنسان البحر " ففى الغابة قرد                 يمشىعلى رجليه ويعمل أعمال الإنسان من الغضب والرضا والضحك وتحصيل قوته إلاأنه لاينطق , وفقده النطق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القلم آية 44

قوله تعالى : وإذا قبل لهم اتبعوا ما أنزل الله ...(170)

 

   حجة قاهرة على أهل الجهالة بالحقائق القائلين إن الإنسان أصله قرد . وإن رأيت رجلاً يسلم لغير الحقائق التى                                 يقبلها العقل فاحذره ولاتبح له علماً فيفسده . قال عيسى بن مريم علي السلام : ( لَاُتْلُقوا ْالَجَواَهِرَ تَحْتَ أَقْدَامِ                          ْالَخنَازِيرِ ) وكان صل إذا أراد أن يتكلم فى علوم اليقين قال لأصحابه : ( أَجِيفُوا بَابَكُمْ ) أى أغلقوه , ثم يقول                 ( أَفِيكُم غَرِيب ) والغريب هنا والله أعلم هو فاقد القابل ولو كان عابداً زاهداً.

         قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا                                          أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(170)

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا )                                         

      يبين الله لنا حرمان ما اتبعواخطوات الشيطان منالقابل عن الله آياته لنعلم أن تلك الآيات                                   الجلية فى الكائنات , وأن ماجاء به الرسل عليهم السلام من البيانات إنما هو حجة على من لم يجعل الله له عقلاً                   يعقل عنه سبحانه وتعالى ونوراً تستبين به سبل الله تعالى . وأما من منحه اتلله القابل فإنع يقبل أسرار الله ويفقه               آياته , قال صل : ( الْمُؤْمِنُ يَكْفِبه َقِليُلُ الحِكْمةِ ) وقال تعالى ( إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ )(1)وسبب نزول                            هذه الآية أن رسول صل لما دعا اليهود إلى العمل بماأنزل الله تعالى أخذتهم العزة بلإثم فقال عنهم رافع بن جارحة               وخالد بن عوف :" بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا "وخصوص السبب لايقتضى خصوص الحكم فالسبب خاص                        والحكم عام .

        وهذه الآية الشريفة خبر عمن خاطبهم الله تعالى بقوله  " يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا                 طَيِّبًا "  والخروج من الخطابإلى الغيبة فى فصيح الكلام من المعجز . وقوله تعالى : (  اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) أى             أعملوا بما أنزل الله على حبيبه محمد صل . فخالفوا أمر الله تعالى وقالوا : ( بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) أى             نعمل بما وجدنا عليه آباءنا بالله كفراً وعناداً لرسول الله صل وتكبرا عن الحق . فشنع الله عليهم وأخزاهم بقوله :

( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ )

   ( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُون َ)

       والمراد بآبائهم هنا هم آباؤهم الذين ضلوا فى زمان موسى وعيسى عليهما السلام وبعده الذين شنع الله عليهم      فى أواءل البقرة , ولم ؤيقع منهم هذا الخلاف إلا وهم على بصيرة بما أثبته الله من بعثة حبيبه ومصطفاه من ولد                 اسماعيل فى سفر الخليل وموسى عليهما السلام . شنع الله عليهم بتلك الآية لأنه جل جلاله خلق الإنسان وسطاً            بين العالمين بين عالم الملائكة وعالم البهائم , وممنحه عقلاً يستعمله فى تدبير شئونه وتدبير أعماله والمسارعة إلى نيل    الخيرات اللآزمة له والتحفظ من الشرور أن يقع فيها . وجعل استعماله له ضروريا ليدرك أن الخيرات االكونية لاتنال               إلاباستعمال هذا العقل , وقد فطره على الدين لأن الإنسان حيوان دينى , فكما استعمل عقله فى أموره الدنيوية             كان ينبغى أن يستعمله فى أموره الدينية فينظر فيما حوله من الكائنات نظر متعقل , ليعلم أن ماعلى الأرض              

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران آية 73

 

أسرار القرآن

 

ومن عليها عبيد مربوبون وعباد مقهورون ليس على وجه الأرض من يملك لنفسه منهم ضرا ولانفعا ً و بل ولا فى              السماء من أجرامها العظام وطبقاتها المتناهية فى السعة مايض   رأو ينفع بذاته , فيحكم أنه ليس فوقه فى هذا العالم      أجمع إلا الله , وما عداه ومن عداه آثار رحمته وأسباب وضعها سبحانه ليظهر لمن أحبه فمن أهمل هذا العقل وقتله                     وقلد غيره تقليداً أعمىمن غير حجة ولابرهان كان أضل من الأنعام .

        وهنا يبين الله تعالى لمن قلدوا آباءهم من غير بصيرة ولاحجة أنهم استوجبوا الله وانتقامه , لأن                    العقول التى تبحث فى هذا الكون حتى تخترع الآلات والأدوات التى تغير بها وجه الأرض وتستعبد بها عباد الله ولم                تبحث فيما أودعه الله فى تلك الكائنات من الدلائل على وحدانيته من الآيات الدالة على قدرته وحكمته وعلى              فريده سبحانه وتعالى بالألوهه والربونية والكمالات الذاتية الأسمائية الصفاتية كانتتلك العقول أدنى من عقول                        أخس  الحيوانات , لأن كل حى من الأنواع السافلة له عقل يدرك به جلب المنافع ودفع المضار بقدره  , فمنها             مايصنع له الحجرات فى بطن الأرض وفى كهوف الجبال , ومنها مايصنع له القصور العاليات فوق                         الآشجار , ومنها مايقود الجيوش لحرب أخصامه كالقردة فى جزيرة مدغشقر , ومنها ما يصنع النفق بين البر والبحر ,            ومنها مايتعاون على جلب ضرورياته ويصنع له بيوتاً هندسية بحجرات مسدسة يعجز عن إتقان أمهر المهندسين ,              وغير ذلك من أنواع تربية الأناث منها لأولادها . فمن الحيوانات مايخرج أولاده من بطنه ويضعه فى كيس تحت بطنه      ليتمم حمله , وبعضها تلد فبفر المولود من أمه بسرعة يكون فيها أسرع  من الريح المرسلة وأمه تجرى وراءه حبا منها                    لتنظفه بلسانها ولسانها كالشوك لولحسته لقتلته فينجو منها بعدوه , ومنها مايلد خارج البحر على الرمل ثم يرجع        إلى البحر فيربى أولاده بالنظر إليها وسبحان القادر الحكيم .

        هذا مافطرت عليه الأنواع الحية السالفة , فيكون مافطر عليه الإنسان أرقى من هذا بحسب ضرورياته , ولا              يحكم على الإنسان بأنه عاقل حتى يدرك عقله ماهو ظاهر فى الكائنات من الآيات القائمة على وحدانية الله                 تعالى , فإذالم يدرك هذا حكم على نفسه بأنه أخس من البهائم الراتعة . ومن حكمة على أهل الكفر بالله أناسى              معنى جهل الحقائق . ولكنهم أناسى مبنى لأنهم  لايعقلون إلا بالعقل المكتسب الذى دعت اليه الضرورة كما دعت          الضرورة البهائم أن تعمل مايعجز الإنسان .

       وهنا أشير إلى أن عالم النباتات أكمل عقلاً فى نيل ضرورياته من الإنسان فإنك ترى الأزهار فى النباتات                 الصغيرة تتحول إلى الشمس عند شروقها وتدور معها إلى غروبها وترى الأشجار الضخمة أول فرع منها يتجه حيث       شروق الشمس والفرع الثانى إلى غروبها ختى لايضر أخاه بظله والفرع الثالث يرتفع إلى الأعلى وكل ذلك لتتمتع              الشجرة بحرارة الشمس ونورها . وكل نبات يكون فى ظل يمتد رأسه ناحية الشمس ولذلك فإتك ترى بعض النخيل          إذا كان بجانب نخلة تحجب الشمس عنه يميل شرقاً أو غربا ً وترى فآ الشجرة الواحدة أزهاراً ذكوراً وأزهاراً إناثا     فيلقح بعضه بعضاً

       ظهر لك أن مابلاغ إليه الإنسان مما يقولون عليه مدنية واختراعاً وتفوقاً كل ذلك مفطورعليه الإنسان كما          فطرتا عليه الحيوانات والنباتالت , لذلك يقول الله تعالى :( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) .

نفى سبحانه وتعالى عنهم العقل الذى يعقل عن الله مع الإنسان من لدن آدم وهو آخذ فى الرقى حتى أخذت               

قوله تعالى : ومثل الذين كفروا ...(171)

الآرض زخرفها وازينت وظن أهلها لجهلهم بأنفسهم وبربهم  أنهم قادون عليها , والحقيقة  أنهم ماعقلوا شيئا لأن          الذى عقلوه من الصناعات والفنون والعلومالمتعلقة بظاهر الحياة الدنيا لاتخرج محصلهاعن أنه نوع من                      أنواع البهائم الراقية كالقردة والنسانيس والنمل والنحل والخيل والطيور الرحالة , ومن ظن أن الفراعنة والأكاسرة                 والبابلين والأشوريين ممن أخفنى عليهم الدهأو بنى الأصفرسكان قارى أوربا وسكان أمريكا أو الأنواع الحمر والسود     من سكان الصين واليابان والسودان ممن لم يستضيئوا بنور الإسلام يعقلون فقد أخطأ الحقيقة , لأنهم لو كانوا                يعقلون لعقلوا عن الله تعالى ناأنزل إليهم مؤيداً بالحجة الدامغة والدلائل القيمة , فهم كما قال الله تعالى : " أَوَلَوْ          كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ " . والهمزة هنا للاستفهام توبيخاً , فإثبات الله أنهم لايعقلون شيئاً                        حقيقة لأن العاقل من عقل عن الله تعالى , أما من اختلرع أو تفنن أو قهر خصومه بالقوة والحيلة فهذا                   جاهل لايعقل , مالم يكن ذلك بعد إيمان بالله تعالى وعمل بأمرهووحيه .

      ( وَلَا يَهْتَدُونَ ) الهداية هى بيان سبيل الله تعالى للعبد حتى ينهج عليها سالكاً إلى الله تعالى . فقوله                             سبحانه :  ( وَلَا يَهْتَدُونَ ) أى أن سبيل الله تعالى تبين لهم بآيات الكتابوببيان السنة , والقوم لما سجله الله                     غليهملايقبلون الهداية لفقد القابل لأن الهوى أعمى عيون البصيرة عن أن تفقه آيات الله تعالى . وهنا إسارة خفية            تبين لأهل التوحيد فى هذه الآية وهى أن الله إذا قدر لعبد هداية جعل له نوراً فى قلبه وجعله ينجذب إلى الحق                           بأقل حكمة , وإذا لم يقدر الهداية لعبد أبعده الحظ والهوى والتقليد الأعمى عن فهم الحجج والدلائل وطن أنه                 يحسن صنعاً.

          قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً                                          صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(171)

( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ )

         إن من الحكمة العالية التى تنكشف بها الحقائق تلك الأمثال التى تقصم ظهر الخصم بما تليحه من                      الحجج الناصعة , وقد وردت فآ القرآن أمثال كثيرة . بقول الله تعالى  فى تمثيل حال الرسل مع أهل الكفر بالله أو               حال أهل الكفر بالله  مع لأندادهم الذين اتخذوهم من دون الله : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بعد البيان لهم ولإقامة                                   الحجج والأدلة ‘ إنكارهم الحق الذى جاءت به الرسل إليهم كمثل راعى غنم ينعق عليها فتسمع نعيقه ولاتفهم                   معناه , وهو مثل محسوس ملموس بل معدز لأنه ورد فى أكمل صورة للبلاغة . ولك أن تقول : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ             كَفَرُوا ) مع أندادهم الذبن اتخذوهم أرباباً يعبدونهم أو يتضرعون إليهم كمثل الراعى ينعق على الغنم . والتأويلان         يطابقان المعنى وفى اللغة النعيق للغراب . يقال نغق الغراب ونعق الراعى .

( بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً )

         أى بالنوع الذى لايسمع من الناعق إلا دعاءه ونداءه من غير فهم ولاتعقل . فـ(ماَ) التى دخلت عليها                الباء نكرة موصوفة بمعنى شىء , وفى هذا المثال من التشنيع والتقبيح مافيه على من حكم الله عليهم ووصمهم                  بالخزى والذل فقال سبحانه : ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ )

 

أسرار القرآن

 

( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)

       فالأصم الذى لايسمع , والأبكم الذى لايتكلم , والأعمى الذى لايبصر . وفاقد تلك القوى الرئيسية                          أضل من البهائم السائمة , ومعنى هذه الآية أن أعداء الله ورسوله وأعداء أنفسهم فقدوا القابل عن الله الذى                  تقتضيه رلاتبة الإنسان فانحطوا إلى مستوى أحقر البهائم ثم سقطوا إلى رتبة الجمادات . والعجب أنهم فى تلك الدار                          الدنيا انحطوا عن النوع الإنسانى إلى رتبة البهائم وأقل , وفى يوم القيامة يحاسبون حساب الإنسان وتكون البهائم             أسعد منهم وهذا نهاية الشقاء , لأن البهائم يقال لها كونى تراباً وهؤلاء يتمنون أن يكونوا تراباً . ويومئذ يتمنى الواحد                       منهم أن يكون تجمل بأكمل المعانى الإنسانية علماً بالله وإخلاصاً فىعبادته وحسن اتباع لرسوله صل ( وَلَاتَ          حِينَ مَنَاصٍ )(1)

        قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ                                تَعْبُدُونَ(172)

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )

           يبين الله تهالى فى الآيات السابقة حجج التوحيد ودلائله وأسرار النبوة بما جعل تلك الحقائق تتجلى لمن جعل                        الله لهم نوراً فى قلوبهم , وقهر أهل الكفر بما أخبربه عنهم , ثم أخذ سبحانه وتعالى يبين لنا أحكامخ فى جميع                شئوننا وضرورياتنا الجسمانية والروحانية بما يخص الفرد والمجتمع بحسب أنواعه فقال سبحانه وتعالى يخاطب أهل     الإيمان به :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أى صدقوا بالله ورسشوله , لأن نداء الذين آمنوا يقتضى أن تكون الآيات بعده                                                    بيانا لأمور خاصة بهم فيما يحل لهم ويحرم عليهم أو يجب أو يندب أويباح , بخلاف نداء الناس أو نداء أهل                   الكفر بالله فإنه يقتضى إنذارهم ودعوتهم إلى الحق لذلك قال سبحانه لأهل الإيمان : "  كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ                        مَا رَزَقْنَاكُمْ " كما قال فى الآية السابقة للناس : ( كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا )

    بين الآيتين تناسب , ولكن أهل الإيمان يرون فى هذه الآية سراً تسكن به نفوسهم إلى منفسها فإنه فى                الآية السابقة أعقبها بقوله : ( وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) وفى هذه الآيةأعقب الأمر بما أباحه لنا وما حرمه                               علينا لنعمل بما أمرنا به من الأكل من طيبات مارزقنا , فإن الطيب هو اللذيذ الشهى مادام من رزق الله                      لنا فإن الرزق لايكون إلا حلالً ومنه ماهو غير لذيذ وغير شهى . ومن قال إن الله يرزق الحلال والمحرم تأول هذه                                   الآية بالأمر من الله أن نأكل الحلال من الرزق ونترك مافيه سبهه أو تحريم . 

         فقوله سبحانه : ( كُلُوا ) يجوز أن يكون للوجوب وللإباحة , فيكون للوجوب عند الضرورة , ويكون مندوباً                        للضيف إذا رغبه صاحب البيت , ويكون مباحاً إذا لم يكن داع . وبهذا التأويل يكون مايستعمله الإنسان مما                  يشتهيه إذا كان حلالاً وكان القلب مشاهدا أنه نعمة من الله يقبله الله منه عبادة . ومن زهد فأكل القديد                     وحرم على نفسه الطيب مع غفلة قلبه يحكم عليه بأنه غافل لأن الله تعالى ينظر إلى القلوب لا إلى الأشباح         

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1) سورة ص آية 3

قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم تاحنزير ...(173 )

 

( وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ )

          بيان لما أولنا به هذه الآية والشكر لله عمل . فشكر القلب علمه بانفراد الله تعالى بإسباغ النهم قليلها                                       وكثيرها , وكون القلب يصرف الجوارح فى طاعة الله . وشكر الجوارح المسارعة إلى عبتدة الله تعالى وحسن                            معاملة الخلق ومخالفة النفس الأمارة بالسوء فى كل أعمالها . وشكر اللسان الثناء الجميل على الله بما وهبه من النعم                التى لاتحصى . " إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ " جملة متأخرة عن تقديم أى : إنكنتم إياه تعبدون غكلوا من طيبات                               مارزقناكم واشكروا الله , والضمير فى ( إِيَّاهُ ) عائد علىمتقدم لفظاً . والعبادة هى المعرفة كما تأوله بعض العلماء فإن                من عبد لايغرف يهرف أى يهزأ , ولاغبادة إلابعد المعرفة لأن عبادة الجاهل لا تخلو من الشرك ولو بالعبادة                  للجنة .

 

         قال أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه : ( نِعْمَ العبدُ صهيب لو لم يخف الله لم يعصمه ) يعنى لو أن الله تعالى                    لم يخلق ناراً ولاجنة لعبده من عرفه لاستحقاقه للعبادة لكماله الذاتى . ولما منح من الخيرات التى عجزت العقول               عن حصرها , والعبادة على تأويل الآية بحسب اللفظ معلومة مبينة فى كتب الفقه .

          قوله تعالى : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ                                           فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(173)

( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ )

          أنزل الله تلك الآية بيانا لما حرمه علينا بعد أن بين لنا ماأحله , و( إِنَّمَا ) هنا إما أن تكون حرفاً واحداً أو                         كلمتين, فإن كانت حرفاً واحداً فهى للحصر وهو حصر التحريم فى الميتة وما بعدها , وتكون الميتة وما بعدها                   منصوبة بحرم . وإن كانت كلمتين تكون( إِنَّ ) للتوكيد و(ما) اسم موصول إن وحرم عليكم صلتها والميتة                  خبرها مرفوع بها وما بعدها مرفوع بها ومابعدعا مرفوع أيضا , وعلى التأويلين فالمعنى تحريم تلك الأنواع تحريما مشدداً .

  و( الْمَيْتَةَ )

 كل حيوان ذى نفس سائلة مات من غير سبب خارج , ولك أن تقول : الكلمة مجملة , وتفضي هذا الإجمال                     ماورد فى غير هذه الآية وهو قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ          وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ                       تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ )(1)فيكون قوله تعالى ( الْمَيْتَةَ ) يعنى التى لم تزك سواء ماتت الميتة المعتادة أو غيرها . واختلف                العلماء فى تحريم الميتة , هل تحريم الميتة يترك أكل لحمها والانتفاع بشعرها وصوغها وجلدها أو التحريم عام ؟ فقال                 بعضهم تحريم أكل لحمها وإباحة الانتفاع بما فقى , وقال بعضهم بإباحة الانتفاع بصوفها وشعرها ووبرها وجلدها        إن دبغ وتجوز الصلاة عليه , وبعضهم يرى التحريم منصبا على أكل لحومها وعلى نجاسة عظمها وجلدها ولكنه                يستعمل فى غير العبادات .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة المائدة آية 3

أسرار القرآن

 

  ( وَالدَّمَ )

        الدم معلوم وهو الذى يسفك عند الذبح , وأما الدم الذى بين طبفات اللحم فهو طاهر , وكانت قريش                            تأكل الدم مطبوخا كما يفعل الآن سكان أوربا من المنتصرة . والدم هو النفس الحيوانية .. ورد فى التوراة                            ( ياموسى لاتأكل الدم فإن الدم هو النفس ) وقال الفقهاء : كلأ ذى نفس سائلة فميتته نجسة . وإنمايجاهد                           السالك نفسه ليقهر سلطان الدم فى الجسم بالجوع فى الصيام والسهر وإنما حرمه الله تعالى لفادح ضرورة للإنسان                    فى صحته وأخلافه فإنه يجعل الإنسان كالوحش الكاسروتحصل منه أمراض كالجدام وما أشبهه.

( وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ)

        الخنزير حيوان معروف ,ولما أنزل الله تحريمه بحث أهل العلم فى حكمةتحريمه فظهر لهم أنه حيوا ن يعيش فى              وسط البرك والمستنقعات والأوساخ والقاذورات , ففهموا أن لحمه ودمه نجسان لأنهما متولدان من النجاسة .                             ومامن حكم شرعى إلا وله حكم كثيرة إلا لمن شاء الله أن يعلمه , وحكمة تحريمه أن كل قطعة من                          لحمه موجود بها ديدان صغيرة لو وضعت فى النار لاتموت فلا يقتلها الطبخ كما يقتل مافى   لحوم غيره من              الديدان . فإذا أكله الآنسان نممت تلك الديدان فى بطنه فقرحت المعى المعدة  , وقد تتسرب من مسام المعى التى                     يمتص منها الغذاء بعد هضمها إلى الأودية التى توصلها إلى الكبد وتمر فى دودة الدم فلا تبقى عضواً من                     الأعضاء الرئيسة الباطنة إلا ألهبته وقرحته فيفسد الدم وتضعف الأعضاء .

         ولما كان آكلوه يشربون الخمر والخمر تخدر الديدان وتدبغ الالتهابات فى الأعضاء فتكون البلية أنكى وأشد                     لتسمم جسم الإنسان . وماحرم الله على المؤمنين شيئا خلقه إلا وفى مصلحة عامة لآهل الإيمان به وخير                 عظيم لهم , وماوقع الإنسان فيماحرمه اله تعالى إلا ألقى بنفسه فى هاوية الأمراض فى الدنيا وفى سحيق العذاب يوم                        القيامة . ومن حكمة تحريمه أيضا أن آكله يكون أولاده خبثاء يجرؤون على عمل الكبائر وإساءة الأرحام والأقارب                           بل وتكون قلوبهم قاسية لارحمة فيها لأحد . ومن الحكمة أيضاً أن لحمه وبىء يوقع فى أمراض التشنج والصرع                   والجنون . فقرحجمة االله بنا بتحريم تلك الخبائث علينا كرحمته بالأمطار والهواءوالشمس . فسبحانه أرحم الراحمين                  

        لذلك فإنك ترىى الأمم التى تكثر من أكله خبثت نفوسهم , وقست قلوبهم , وصار الأنتقام وحب الأثرة                    وسفك الدماء وسلب مرافق الحياه من الأمم معبوداً لهم من دون الله . كما نراه اليوم فى أمم أوربا وأمريكا وغيرها أعوذ           بالله من مخالفة أوامره   

  ( وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ )                                           

          الإهلال هو رفع الصوت , وبقال للمحرم أهل لرفعة صوته بالتلبية , والناحر أو الذابح يرفع صوته بذكر الله                        تعالى إن كان مؤمناً , وبذكر الأنداد إن كان كافراً . والإهلال هنا بمعنى النحر والذبح . فماذبح من الذبائح لله ورسوله فحلال طيب . وماأهل به من الذبائح لغير الله فهو محرم على كل مؤمن لحكمه بتذوفها السالكون إلى الله                           وهى أن الذابح سقط عن رتبه الإنسانية لأنه عبد عبداً مثله أو حيواناً أو وثنا صنعه بيديه . وبهذا يكون دبحه                 ونحره كالبهيمة المتردية أو الموقوذة أو النطيحة أو أكيلة السبع . وكل هذه الأنواع محرمة .

 

 

قوله تعالى : إنما حرم عليبكم الميتة والدم ولحم الخنزير ... ( 173)

 

      وإنما الذى يجوز له أن يذبح  أو ينحر يد تجركت عن قلب مؤمن بالله تجرى الرحمة من قلبه إلى يده ومن يده      إلى الذبيحة فتجعلها حلالا طيباً . وأما يد تحركت عن قلب كافر بالله عابد لغيره تجرى القسوى من اليد إلى اليد         فتكون الذبيحة كأكليلة السبع أو المتردية . ويكون لحمها ساماً لكل مسلم يأكل منه , لأن الأجسام المطهرة                          بالاسلام المستنيرة بنور الإيمان لايناسبها هذا اللحمخ . ولكن يناسب الأجسام النجسة بالشرك المظلمة باعتقاد               الكفر , ولكل نوع من أنواع الحيوانات طعام مخصوص لايتعداه . وكذلك لكل نوع من بنى الإنسان طعام يكون                      هنيئا مريئاً . هذا وهناك حكمة أخرى فوق كل تلك الحكم , وهى أن الله نهانا عن أكل ماذبح على النصب                    لحكمة يعلمها هو , فمخالفة أمر الله والأكل منها موجب لغضب الله ولعذاب الله يوم القيامة . وتقول بعد هذا                البيان كما قال الفقهاء : الحكمة تعبدية

( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )

     الأضطرار هو قهر الضرورة الفادحة التى تبيح المحظورات و( غَيْر) هنا حال من اضطر و( بَاغٍ ) أى                متجاوز الحال الوسط بأنيتأول حل الشىء أو إباحته بالضرورة التى قد لاتباغ هذا المقدار , والعاد هو المتعدى             الحق إلى الباطل . أى أن المضطر يجب أن يلاحظ المقدار الذى بينه الله لإباحة المحظورات فلا يتجاوزه ولايتعدى                  حدود الله . ( فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ) أى لاحرج عليه .

        وهل ثم من إثم على المضطر إذا أكل الميتة ولحم الخنزير أو الدم , أو ماحرمه الله عليه بمقدار حفظ حياته                غير باغ ولا عالد ؟ الظاهر أنه لاإثم عليه , والله تعالى يقول : ( فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ) فهل ثم من إثم يرفعه الله عنه ؟                              أقول نعم ؟. لأن حكم التحريم باق . ةإباحة أكله لايخرجه عن كونه حراما ونجساً , فإن الله يرزق العبد رزقا ً            حراماً ويؤاخذه عليه يوم القيامة . ولكن استعمال هذا النجس المحرم للضرورة بغفو الله عنه ولايؤاخذه عليه ,                         ويكون تأويل هذه الآية فمن اضطر فأكل غير باغ ولاعاد يعنى فى الأكل حيث أنه لايتعدى مايسد رمقه علىقول                من تأويل , ويكون الاضطرار على إطلاقة , ولو كان الاضطرار نتيجة معصيةكالمسافرلمعصيى أو                            لخروج على الإمام أوفرار من الجهاد من غير سبب شرعى . وتأويلها غيره بقوله : فمن اضطر غير باع ولاعاد فأكل       فلالإثم عليه . فيكون البغى فى الاضطرار بمعنى أنه خرج عاصياً فلا يباح له أكل الميتة ولاالدم ولالحم الخنزير لأن               الأكل معين على المعصية .

         وقد قيد العلماء الإباحة بقدر مايسد الرمق ووسع مالك بأن يأكل حتى يكتفى . ويتزود منها مالم                        يجد حلالا طيبا. والقولان الأولان لأبى حنيفة والشافعى . وشدد ابن حنبل فى الأكل وفىالضرورة . ولكل وجهة                       والأولى التخفيف لماورد فى السنة , ولأن تلك الأنواع تعافها النفوس الإسلامية فلا تلجىء إليها , إلا من قهرته              الضرورة .

          قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) الغفر هو الستر , ومعنى الغفور الذى يستر الذنوب والعيوب                               المخطىء ولايعاتبه عليها وقد يبدل تلك الخطاياحسنات بفضله , وتقدم معنى الرحيم . والمعنى فى هذا الموضوع                                                     أن الغفور الذى ستر ذنوب العبد التى أوفعته فى الضرورة وابتلاه بالضرورة ليتذكر فيرجع عن ذنوبه  والرحيم الذى                              

                                 

           

أسرار القرآن

 

رحمة فأباح له فى الدنيا مايحفظه من الهلاك , ومنحه يوم القامة نعيما ينسيه كل ألم فى الدنيا . وتقدم فى قوله :

 ( فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ) بيان لمعنى هذين الاسمين الشريفين فى هذا الموضوع . وذكرها هنا ليذكر قلب من أحاطتبه                         البلايا من وقوع فى الكبائر بتسليط النفس الأمارة وطبع السوء أن يلتجىء إلى الغفور الرحيمك ليدفع عنه سلطان                الهوى والحظ , وليرحمه بتبديل تلك الخطايا هداية وتوفيقا .

         قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا                                            أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ                                                     وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(174)

        سبب نزول هذه الآية إنكار زعماء اليهود ككعب بن الأشراف وكعب بن أسد وحيى بن أخطب معنى               ماأنزل الله فى كتابه من صفات رسول الله صل ومن إثبات نبوته , وأنه خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام .              وخصوص السبب لايقتضى خصوص الحكم فسببها خاص وحكمها عام , وفى قوله" يَكْتُمُونَ " بيان أنهم                       أخفوا عن العامة الذين لايفهمون , ماأنزلهالله على كليمه من أنباء رسول الله صل . وجائز أنيكون ماأنزله الله                     شائعا بينهم ولكنهم تأولوه – عنادا – للعامة ويكون التأويل معنى ماأنزل الله . ووسواء أكان المكتوم لفظ ماأنزل الله        أو معنته , فإن كل واقع فى هذا الظلم لنفسه , وقع فى هذا الوعيد سواء أكان من أحبار اليهود أورهبان                            النصارى أو علماء السوء من المسلمين , فإن الله تعالى ماشنع على قوم وتوعدهمبالعذاب على عمل وقع فيه              إلا حل بهم هذا الوعيد .

( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا )                                           

        الكتاب هو التوراه أى أنهم يبيعون الحق الصريح الجلى برشوة قليلة كما قال الله تعالى: " وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ        بَخْسٍ"(1)أى باعوه برشوةقليلة مهما كانت قيمتها , وإنكارهم صفات رسول الله صل خوفا من ضياع ماكانوا                             يبتزونه من أتباعهم الذين كانوا يتلقون عنهم الكتاب مبينا ,فكتموا الحق عنهم الذى يعرفونه كما يعرفون أبناءهم                          تعظيما للدنيا ونسيانا لله وللدار الآخرة .

       ولا تزال تلك النفوس الخبيثة تقع فى هذا الشر . فترى كثيرا من علماء السوءينتقم بعضهم من بعض                    بتأويل ماحكم به بعضهم فى اللغة أو الفقه أو التأويل إنكاراً للحق وتحقيرا للخصم , وكذلك ترى جهلاء                    أهل الطريق يقبح بعضهم بعضاً بحرب وخصومة يوقعان فى الهرج والمرج حرصا على مايأخذونه من أتباعهم , قال                  تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ )(2) وهم يعلمون الحق ويميلون عنه طعهماً كما أخبرنا الله                                                            تعالى فى هذه الآية عن أحبار اليهود  .        

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يوسف آيه20                                     (2) سورة النور آيه 40  

      

قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة لالهدى ... (175)

 

( أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ)

        أى لايأكلون بالرشا التى أخذوها من أتباعهم وكتموا لأجلها الحق ( فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ) قوله تعالى :              ( فِي بُطُونِهِمْ ) أى إلا طعاماً يوبقهم غداً فى النار لأن هذا الأكل سبب للوقوع فى غضب الله واستحقاق                       عذاب الله لهم , وماكان سبباً فى العذاب صح أن يكون هو العذاب . ولك أن تقول إنهم يأكلون فى بطونهم النار                    لأن هذا الطعام الحرام آلم الروح الملكية لوقوعها به فى الحجوب عن شهود جمال آيات اله فى الكائنات , وعن            الفقه فيما أنزله اله تعالى , وعن رعاية أحكام الله , وعن مسرة الانفس التى تنالها بالعمل بكتاب الله تعالى , وعن                     طمأنينة القلب بذكر الله بسبب الغفلة عنه سبحانه بمخالفة أمرهخ . وهذا عند العارفين أشد ألماًمن عذاب النار فى                       الدنيا والآخرة . أما فى الدنيات فإذا تاب وندم , وأما فى الآخرة فإذا انكشفت الحقائق له . وقد تنكشف تلك                 الحقائق فى الدنيا بالحجة البالغة فيقع فى الخزى والذل والمهانة . والجملة لقصر أى أن بطونهم مقصورة على النار                لايدخل فيها طعام بسبب هذا الرشا إلا ناراً مهما كانت لذته وحلاوته .

( وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )

        تشنيع من اله تعالى على هؤلاء القوم الذين أخبرنا الله عنهم فى الآية السابقة , لأن كلام الله تعالى لعباده              تشريف لهم وتعظيم لقدرهم وبهجة لأرواحهم , إنما يملكهم مسلماً عليهم وهو السلام و منه السلام قال تعالى :               ( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ )(2)وتلك الآية حجة على أن الله تعالى يكلم أحبابة ممن لآمنوا برسوله صل والقائل                           أن يقول : قوله تعالى : ( وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ) ينافى ماورد فىقوله سبحانه : ( وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ                     تَكْسِبُونَ ) وما أشبه ذلك مماورد فى غير هذه الآية مما يفيد الكلام مع أهل الكفر بالله وهذه الآية محكمة ,            والجواب أن الذى يكلمهم هم الملائكة قوله تعالى : ( وَلَا يُزَكِّيهِمْ ) التزكية هى الطهارة . وعدم الطهارة هنا هى                     أن لايغفر الله ذنوبهم ويعاملهم بعدله الذى يقتضى أن يكون لهم عذاب أليم فقوله تعالى : ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )                 أى مؤلم جداً , وقد بينا أنواع العذاب فيما سبق

         قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا                         أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ(175)

( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى )

         حكم من الله على من ذكر خبرهم فى الايات السابقة . والإشارة عائدة على من ذكرهم الله فى قوله                   سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) إلخ وقوله :  ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ) أى ابتاعوا الضلالة                                                                                                    بالهدى , وابتاع واشترى بمعنى واحد ولكن  السىء الذى أخذه البائع هو مايذكر بعد الفعل مباشرةأى أخذوا                  الضلالة بثمن غال جداُ وهو الهدى والضال هو الذى خفيت عليه معالم الطريق . والمهتدى هو الذى جعل الله له                     نور يستبين به صراط الله المستقيم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة الأحزاب آية 44                        (2) سورة الزمر آية 24

أسرار القرآن

 

( وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ )

  ويوبخهم سبحانه بتلك الآية, والمعنى أنهم أشتروا معاصى الله تعالى التى توبقهم فى العذاب الأليم, وأبقوا قبول أوامر     الله تعالى التى ينالون بها االنعيم المقيم فى جوار الصديقين و الشهداء , وهنا يجب على المؤمن أن يكون شديد الحذر                 من الوقوع فيما يخالف الله تعالى بصحبة الضلال الذين يفسدون على الناس عقائدهم ومذاهبهم . وكل مؤمن                         لاينظر بعين البصيرة فى الأمور الدينية ويطلب العلم من أهله ولو بالصين , وقع فى شباك أهل الأهواء المضلة              ومرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية . فإذا جاء يوم القيامة تبرأ دعاة الجهالة من المتبعين لهم . وكان عذابهم         بالخصومة فى النار أشد عليهم من عذابها.

( فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار)

     تأول بعض العلماء هذه الآية بأن ( مَا ) تعجيبة و( أَصْبَرَهُمْ )فعل تعجب , والمعنى شىء عظيم                       أجرأهم على العمل الذى يوبقهم فى عذاب النار. وهذا التأويل يلزم أن نفهمه. إن نفهمه. إن الله تعالى يخبر بهذه الآية عنا        لأننا نعجب من عمل الكفار بالله هذا العمل الذى يخلدهم فى عذاب جهنم لجهلنا بسببه . والتعجب لايكون                        من الله لأن الله سبحانه لايجهل أسباب الأحداث التى قدرها أزلاً وأظهرها فى الكون . ولك أنتقول ( مَا )                   استفاهمية للتشنيع والتوبيخ وإثبات الجهالة العمياء لمن كتموا ماأنزل الله من الكتاب – إلخ ويكون المعنى أى شىء                        أجرهم على العمل يخلد عامله فى نار جهنم .

       وهنا إشارة خفية : وهى أن الله يبين لدعاه الضلالة وعلماء السوء الذين نسوا اللهفأنساهم أنفسهم أنهم                        لمخالفتهم الله ورسولهوكتمان الحق عن طالبه وتأويله حسب أهوائهم وحظوظهم وأطماعهم , وقعوا فى نار جهنم         حالاً وإن لم يحسوا بآلامهم الفادحة , بل وإن تلذذوا بما نالوه من حطام الدنيا فإنهم أوقعوا أنفسهم الطاهرة فى هاوية          البعد والقطيعة عن الله , وسجن الحرمان من مزيد الإيمان وحرموا من جمال السياحة الروحانية فى عالم الملك             والملكوت بما نالوه من ملاذ كون الفساد مما يلائم أجسامهم وحسهم ونفوسهم الأمارة بالسوء وطباعهم الخبيثة ,          وقوله تعالى : ( عَلَى النَّار ) بحذف المضاف ملحوظ أى على عذاب النار .

        قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ                                                لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(176)

( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ )

      إسم الاشارة هناعائد إلى( أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) والمعنى – والله أعلم – ذلك                                                   العذاب الأليم , لأن الله تعالى نزل الكتاب مبيناً أسرار الحق جل جلاله بالدلائل الواضحة والحجج القاطعة                                              والبراهين المحسوسة الملموسة . وأنزل فيه صفات نبيه محمد صل ومحل مولده وهجرته , وأنه أرسله صل ليكمل به                      الدين , ويتم به النعمة على العالم أجمع , ومع هذا البيان الجلى فى التوراه والإنجيل والقرآن كتموا تلك الحقائق         وأخفوها عن معاصرى رسول الله صل من اليهود وجادلوا المسلمين كما تقدم .

                                      قوله تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم ....(177)

 

       وقوله تعالى: ( نَزَّلَ الْكِتَابَ ) أسند إنزال الكتاب إلى حضلاته العلية تشريفاً لقدره , وشرفة بقوله :                       ( الْكِتَابَ )لأن الله أنزل كتباً كثصيرة , ولكن الكتاب الذى أسندإنزاله إلى نفسه وذكره بلفظ الكتاب لعلو قدره                وشهرته بالقرآن المجيد . قوله : ( بِالْحَقِّ ) أى بالصدق ففى قوله : ( نَزَّلَ ) وفى قوله : ( الْكِتَابَ ) وقوله : ( بِالْحَقِّ  )     تعظيم لقدر الكتاب وقدر من أنزل عليه صل كما قال سبحانه وتعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) فعظمه                                         بنسبته إلى ذاته العلية وإسناد الفعل إلى ( إِنَّا) التى تفيد العظمة الكبرى , وبالكناية عنه بالهاء التى تدل على أنه                   معلوم للقلوب , فكذلك فى هذه الآية .

( وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ )

      يخبرنا سبحانه أن اليهود والنصارى الذين اختلفوا فى القرآن أهل فرية وضلال ,  و( اخْتَلَفُوا ) من الخلاف ,           لأنهم قبحهم الله فة شقاق بينهم , فترى اليهوديكذبون النصارى ويرمون المسيح بأنه اب زنا . وترى كل طائفة منهم               منشقة , فترى اليهود انشق بعضهم على بعض فمنهم من يسب الأنبياء ويرميهم بمالايليق بمقامهم العلى , ومنهم من               قتل الأنبياء ومنهم من قدس الأنبياء وأتخذوا عزيراً ابناً لله . وترى النصارى أكثرشقاقاً على بعض لآن البعض                      يقدس المسيح ويجعله إلها وغيرهم يقدسه ويجعله ابن الله , وآخرون  منهم يقولون الله حل  فى المسيح , وبعضهم               يقدس مريم , وقد انشق بعضهم على بعض فى هذه الأيام حتى جرت الدماء أنهاراً بين أهل كل مذهب . وقوم هذا                       حالهم فيما بينهم , كيف يصدقون فى الحكم على غيرهم ؟

       ففى قوله : ( لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) حجة قاطعة على افترائهم كذبهم . وبعدهم عن الحق , وفساد عقيدتهم                   وآرائهم ومذاهبهم , وحكطم على من يأخذ منهم أوعنهم أنه أضل من البهائم الراتعة . وكأن قوله تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّ      اللَّهَ ) إلخ الآية جواب لسؤال مقدر تقديره : لم ذلك الانتقام الشديد الذى هو : ( مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا                  النَّارَ) إلخ الآية ؟ والجواب :( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ). وفى قوله :( لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) أيضا                                                                        على تأويل أن الكتاب هو القرآن وأنهم انشقوا على بعضهم فى القرآن , فقال بعضهم : إنه سحر , وقال غيرهم :                           إنه أساطير الأولين , وقالوا : افتراه , وقالوا : إنما يعلمه بشر . وكل هذا الشقاق بعيد عن الحقيقة . وجائز تأويل                    من أول :( اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ ) أن يكون معنى اختلفوا أنهم أتوا خلفا بعد سلف منشقين على بعضهم بدليل                                 قوله سبحانه : ( وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار) ويكون المراد بالكتاب التوراه والإنجيل بالنسبة لليهود والنصارى من                                                بنى إسرائيل الذين كانوا من قبل رسول الله صل , والقرآن بالنسبة لمعاصرى رسول الله صل .

       قوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ                                                 مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى                                                             حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ                                                        وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي                                                              ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القدر آية 1                                 سورة آل عمران آية 190        

أسرار القرآن

 

الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(177)

 ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ )

      بعد أن بين اله تعالى التوحيد والنبوة بالحجج الدامغة , بين أحكام الحلال والحرام المتعلقة بما يستعمله                الإنسانلطعامه , ثم أورد الآيات القاطعةلقهر أهل البهتان من اليهود والنصارى زيادة بيان بعد أن بين ذلك فى                            أول السورة , ثم بين سبحانه وتعالى مايحب على الإنسان القيام به لخالفه ومبدعه .

      وسبب نزول هذه الآية أن المسلمين لما حول الله سبحانه القبلة إلى الكعبة فرحوا جداً واهتموا بأمر الصلاة           اهتماماً حصرهمتهم فيها , فين الله لنا أنواع العبادات التى يحبها بعد أن نفى ماكانوا يعتقدون من حصر البر فى            الصلاة لعنايتهم بها وبين بقية أنواع البر الحقيقى الأخرى .

      وجائز أن يكون سبب نزول هذهالآية الفتنة التى قام بها اليهود بعد أمر الله تعالى بتحويل وجوهنا إلى الكعبة                      فى الصلاة ونسخ الحكم الأول من التوجه إلى بيت المقدس , وقد بينا ذلك فيما سبق فأكبتهم الله تعالى بما قصم                     به ظهورهم وهو قوله تعالى : ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) فقط حتى فتحتم أبواب                                           الفتن على المسلمين ... وتأويل : ( لَيْسَ الْبِرَّ) أى نفى البر عمن جعل تولية الوجوه قبل المشرق والمغرب فى الصلاة                     هو البر فقط دون غيره وقد قرئت لفظة البر بالنصب والرفع بجعلها اسما لليس أو خبراً مقدماً. وقرئت بفتح الباء                    بمعنى الإنسان البار حنى يطابق الخبر الاسم .

( وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )

     أثبت الله البر بجميع أنواعه ليبين لنا سبحانه أن من ترك نوعاً منها حكم عليه أنه لم يقم بما أمره الله به ,فإن              ترك ماترك مبيحاً فذلك كفر , ومن تركه عاجزاً فلاإثم عليه , ومن تركه مقصضراً فأمره إلى الله تعالى إن شاء            عذب وإن شاء غفر , والذى يجب أن يعقد المؤمن عليه قلبه أن ترك فريضة من فرائض الله مبيحا يعتبر خروجا من      الإسلام بدليل قوله صل : ( تَارِكُ الصَّلاَةِ مَلْعُنٌ وَمَنْ رَضِىَ بِهِ مَلْعُنٌ ) وقوله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ                   حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ )(1)وقوله تعالى :  ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ                   وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ  صَاغِرُونَ )(2)

      وقد جرت هذه الآية بذيلها كل من ترك فريضة من فرائض الله تعالى متأولا أو متساهلاً , فإن التأويل لايبلغ                      مبلغ تحريم ماأحله الله أو إحلال ماحرمه الله ولاترك فريضة فرضها الله , إنما التأويل يكون فيما خفى أمره على                                           العلماء . والاستدراك هنا ( وَلَكِنَّ ) من الحكم الإول الذى نفاه الله تعالى وهو أن البر تولية الوجوه قبل المشرق           

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران آية 97                                (2) سورة التوبة آية 29      

قوله تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم ...(177)

 

والمغرب ( وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ ) خبر لكن محذوف , وهو : ولكن البر من آمن بالله كما يقول العرب : الكرم حاتم                               والشجاعة عنترة , والقراءة أبى , والحكمة على , والعدل عمر , بمعنى أن القراءة قراءة أبى . والحكمة حكمة على ,     والعدل عدل عمر , وكذلك ولكن البر بر من آمن .

       وذكر أركان الإيمان وهى أن يؤمن بالله أى يصدقه سبحانه كما أخبر عن نفسه بقوله : ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ                لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) وبما وصف به نفسه. ( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) وهو يوم القيامة , وقد أخبرنا الله تعالى                                                                 عنه فى القرآن وبينه لنا صل , كما قال تعالى : ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ )(1)وقال تعالى : ( فِي يَوْمٍ          كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ )(2)ويوم القيامة يفتتح بقيام الناس من قبورهم , فحشرهم إلى المحشر , فوقوفهم                                                      إلى الحساب , ثم انصرف كل فريق إلى ما سبق له فى علم الله إما إلى جنة ونعيم دائم وإما إلى نار وعذاب دائم .        والذى يميز الكافر من المؤمن هو الإيمان بيوم القيامة فمن آمن بها رغب فى نعيمها فأقبل على طاعة الله , ومن لم       يؤمن بها أو نسيها أقبل على هواه وحظه فمال إلى ما يلائم نفسه الأمارة بالسوء فخسر الدنيا والآخرة قال تعالى :          (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا )(3)وقد شرحت فى كتاب : ( النشأة الثانية ) حقيقة هذا اليوم                                                                     الآخرة وما أعده الله فيه لاهل الإيمان به النعيم المقيم , ولأهل الكفر به من العذاب الأليم , فليراجعه طالب                  المزيد .

( وَالْمَلَائِكَةِ )

       الملائكة كما بينتهم الشريعة هم أرواح نورانية وهم أنواع : منها عُماَّر السماوات , ومنها من وكله الله

 بحساب ا لعبد فى القبر أو بكتابة سيئاته وحسناته عليه , ومنها الذين يقبضون أرواح الناس . ولفظ ملك فى اللغة                             مدلولها رسالة والفعل منها ألك أولأك , والاسم منها مألك أوملأك . وفى قولهم ملك بحذف الهمزة منه بمعنى             رسالة . وهناك أرواح عالية فوق الملائكة وهم  عُماَّر عالين عاليين وأعلى عليين , فهم الآلهون فى جلال الله تعالى              والكروبيون من عظمة جلاله سبحانه , ومنهم أنواع لم تعلم بتصريح الشريعة , قال تعالى فى ذكر الرسل : (مِنْهُمْ     مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ )(4)إنما يصل إلينا العلم بهم عن طريق الكشف والإلهام .

      وإنما الشريعة صراط الله المضروب بين الله تعالى وبين خلقه , يحفظ الله من هداه إلى صراطه المستقيم من          سوء الأدب معه سبحانه , فإن كثير من السالكين إذا أضعفوا قواهم البشرية بفادح المجاهدة والرياضة ولم يكونوا            محصنين باتباع المرشد الكامل تشرق عليهم أنوار من عالم الملكوت الأعلى تضيق عنها مواعينهم وتطيش منها            عقولهم , فيعروهم شىء من الجنون يجعل إبليس اللعين يتسرب إل قلوبهم من حيث لا يعلمون فيفسد عليهم أحوالهم         العلية , لأن الأحوال العلية لا تكون إلا بآداب سنية و فيشطح من وقع فى قبضة إبليس شطحا يفسد به عقائد                   أتباعه وآدابهم . وقد يعينهم عل ذلك وجود علماء بالأحكام جهلاء بالحاكم جل جلاله , لا يعلمون الآدب مع الله            ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 281                              (2) سورة المعارج آية 4

(3) سورة الجاثية آية34                                (4)سورة غافر آية 78                                                                

أسرار القرآن

 

 تعالى ولا علم أمراض النفوس وعلاجها , فيحصل الجدل الذى حرمه الله تعالى عل السالكين , قال سبحانه :                   (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ )(1)فإن الجدل ينتج عنادا وكفرا .

      والحقيقة أننا جماعة المسلمين : الله ربنا ومحمد صل رسول ربنا إلينا , والقرآن كتابنا , والكعبة قبلتنا ,                    وطلب العلم فريضة علينا . فالإسلام دين التوحيد فى كل شىء و فمن أين حل الجدل والعناد إلا من أمرين                 عظيمين ؟ الاول : الجهل , والثانى : الطمع . وكل من خالف الكتاب و السنة وإدعى أنه عالم فهو كاذب لأنه             علمه الذى حصله ولو كان أمثال الجبال يكون حجه عليه يوم القيامة , وكل عالم لم يعمل بعلمه فهو من رعايا                  إبليس وإنما العلم الحقيقى ما أكسب القلوب الخشية , وهو ما يعلمه الله لمن أجتباهم من خلقه بأن يشرح                      صدورهم لصحبة أهل العلم به فيعلمهم الله ما لم يكونو يعلمون . قال تعالى : (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )(2)                     وقال سبحانه (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(3)وعلم لا يكسب صاحبة الخشية سلسلة تجر المدعى                                                               عل الله الكذب إلى نار جهنم . وقد شنع الله على من كتموا ما أنزل الله من الكتاب ممن حصلوا علم الكتاب ولم           يعملوا به .

( وَالْكِتَابِ )

      المراد بالكتاب هنا والله اعلم هو القرآن , لأن اليهود والنصارى غنما حكم عليهم بالكفر لانهم لم يؤمنوا             بالكتاب الذى انزله الله على محمد صل مهيمنا على ما أنزله الله من الكتب على الانبياء والرسل عليهم الصلاة              والسلام , وهو الكتاب الذى جمع الله تعالى فيه الخير كله لخلقه من بنى الإنسان وهو كلام الله القديم الأزلية                  النضر الذى لا يمل والكنز الذى جمع الله فيه غذاء الأرواح والعقول والأشباح بين لنا فيه الغيب المصون الذى             يجب أن نؤمن به, وفصل ما يتعلق بالفرد والاسرة والمجتمع المدنى والمجتمع العام من أول وضع النطفة فى الرحم إلى

أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار , لا تحصى العلماء بالله آياته علما بأسراره ولا تستقصى أسرار حكمه      وحكمه . لا يحدث حدث فى أى زمان ولا فى أى مكان ولا فى أى شأن إلا وفيه بيان ذلك مفصلا , والحكم فيه         مؤيدا يعلم ذلك من أستحفظوا من كتاب الله وأقامهم الله أمناء عليه . ويستنبط الحكم على كل الأحداث الزمنية            أهل الأستنباط من المجتهدين الذين علمهم الله بعد أن وفقهم للتقوى .

        وما خالفت امة أحكام هذا الكتاب إلا جللت بالذل والخزى فى الدنيا كما تراه الآن فى الأمم التى خالفت           كتاب الله وسنه رسول الله , فاذلهم الله عل يد أهل الكفر به فاستعبدوهم فوق أرض بلادهم وتحت سمائهم . قال               صل : قال الله تعالى : ( إِذاَ عَصاَنىِ مَنْ عَرَفَنىِ سَلَّطْتُ عَلَيهِ مَنْ لَمْ يَعَرِفْنىِ ) وقال ابو هريرة : ( إِنَّمَا يَسْعدُ               آخِرُ هَذِهِ اْلأَمِة بِماَ سَعِد بِهِ أَوَّلُهاَ ) وقال تعالى : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ )(4)أسأل الله أن                                                                                                             يمنحنا ذكرى ما كان عليه سلفنا الصالح من التمكين فى الارض بالحق , مع ما كانوا عليه من القله الفاقه ونحن الآن أكثر من أربعمائة مليون مسلم ولا تساوى همتنا همة بلال بن حمامة رضى الله عنه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزخف آية 58                                    (2) سورة البقرة آية 282

(3) سورة فاطر آية 28                                      (4) سورة الذاريات آية 55

 

قوله تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم ... (177)

 

( وَالنَّبِيِّينَ )

       النبى مأخوذ من النبوة أو من النبل لغة , فالنبوة تفيد الارتفاع والنبأ هنا الخبر الصادق والنبى شرعا هو                       إنسان يذكر حر بالغ أوحى الله إليه بشرع يبعمل به فى خاصة نفسه , فإن أمره الله أن يبلغه اغيره فهو الرسول                       والأنبياء هم صفوة الله من خلق الذين زكى الله نفوسهم فظهرت من ملابسة المادة ومن شوب الحظ والهوى ,                    حتى رسمت على جواهلاها صور المعلومات الحقة من بدائع إبداع آيات الله ومن غرائب حكمته وعجائب قدرته                      

        والرسل هم الذين عصمهم الله من الكبائر والصغائر المشينة , فلايتنزهون عما تقتضيه البشرية من أكل                       وشرب وقضاء حاجات الإنسان من نكاح ونوم وصحة وسقم وفرح وحزن ووفقر وغنى مما لاينقص المكانة                       البشرية , ولكنهم عصموا من أن ينسب إليهم أو يقعمنهم مايغضب الله تعالى عليهم من كذب عليه سبحانه أو              كتم ماأمرهم بتبليغه أو ماأشبه ذلك

( وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى )

       فى هذه الآية ميزان الفضائل ومعرفة مقدار جواهر النفوس , فإن المال قد يكون أعز من النفس عند بعض            الناس, لأن الهرج والمرج والمنازعة والفتن العمياء التى تزهق فيها النفس سببها المال والحرص عليه , ولاتجد فتنة فى     الأرض بين أفراد أسرة واحدة أو بين مجتمع واحد فى مدينة أو بين االدول وبعضها إلا وسببها المال . لذلك فإن الله        سبحانه بين فيه البيان كل البيان فى مكان من ميراث أو غنيمة أو تجارة أو زراعة أو صناعة , ولم يذكر فيه كتب                  الشريعة ذنب للهوى والطمع إلا والمال سببه , ذلك لأن وجود الامال يطغى الإنسان قال تعالى : (كَلَّا إِنَّ               الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى )(1)

         ولما كطان للمال هذا المقدار فى قلوب المجتمع الإنسانى , ولم يحفظ الله تعالى من شر المال إلامن حفظهم       من فتنه وهم الرصل عليهم الصلاة والسلام وورثتهم , لذلك بين الله تعالى فى المال الحقوق الواجبة على من أغناهم       الله فقال سبحانه : ( وَآتَى الْمَالَ ) أى أنفقه بشرط أن يكون المال محبوبا له لشبابه وطمعه فى الحياه مع الضرورة                     إليه كما قال سبحانه : (عَلَى حُبِّهِ ) أى على حب المال , وحبه مبين بما بينت له .

          ثم ذكر سبحانه الوجوه التى ينفق فيها المال بقبوله تعالى : ( وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى             وَالْيَتَامَى )

        وابتدأ بذوى القربى لأن منحهم المال يقربك من الله تعالى لأنك تصدقت ووصلت رحمكك بعمل واحد ,              و( ذَوِي الْقُرْبَى ) من كانت قرابته بنسب والديك أو جديك , وأول مايتقرب به العبد من المال بذله لذوى القربى                         ليقيم الحجة أن قلبه مجمل بالرحمة لصلته لرحمه . ( وَالْيَتَامَى ) ذكر الله اليتامى بعد ذوى القربى لأن اليتيم جمله الله              ذل ومهانة لاينظر إليه ناظر إلا رحمه , فكان فى المنزلة الثانية بعد ذوى القربى . والذى يعطف على اليتيم يكرمه الله        فى حياته ويكرمه يوم القيامة ويكرمه فى أولاده بعد مماته . واليتيم فى بنى الإنسان من مات أبوه , وفى الحيوانات من         ماتت أمه لأحتياجه للعناية و قد يحتاج من ماتت أمه من بنى الإنسان إلى العناية أكثر ممن ماتت أمه من الحيوانات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الفلق آية 6 -7                               

 

أسرار القرآن

 

إذا كان أبوه فقيرا أو قاسى القلب واليتيم عند السالفين هو من لامرشد له يذكى نفسه بالعلوم والرياضيات                     المشروعة , ويبين له فى سيره سبل الله تعالى حتى ينجوا من عذاب الله ويفوذ برضوانه وهو أحق وأولى بالرحمة .        ( وَالْمَسَاكِينَ )

     المسكين من أسكنه الفقر إلى الأرض , كما أن الفقير من كسرالفقر فقارة ظهره . ولك أن تقول :                           المسكين من لامعلوم له يسد به ضروراته , والمساكين جمع مسكين , وإعطاء المال للمساكين برهان على أن             المعطى جمله اله بالعطف والرأفة والرحمة وخلَّقه بأخلاقه الكريمة .             

( وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ )                                                       

        ( وَابْنَ السَّبِيلِ ) هو المهاجر أو المسافر فى طاعة كطالب العلم والمجاهد فى سبيل الله والحاج والماشى فى                        مناكب الأرض لتحصيل ضرورياته . ( وَالسَّائِلِينَ ) السائل هو من أحوجته الضرورة لفقد عضو أو لضياع مال أو                            لدين فادح فلم يجد بداً من أستجداء مافى أيدى الناس , ومثل هذا إن كان صادقا فى دعواه فإغاثته تلبية لله                     تعالى : ( وَفِي الرِّقَابِ ) أى وفى فك الرقاب , وظاهر اللفظ يعين المكاتبين أى أن المال يعطى فى فك رقبة                            المكاتب من الأرقاء , وقد تأول بعضهم هذه الآية بفك الأثير والغريم لأن الرقبة مأخوذة من الرقابة وهى مؤخر              العنق , والمكاتب أو الأثير والغريم والمقيم فى أرض الحرب محتاجون إلى فك رقبتهم وإن كانت  فى المكاتب أظهر.

        بين الله لنا الأنواع التى طلب الله منا إيتاء المال فيبها بعد إيتاء الذكاه فأعلمنا سبحانه وتعالى أن فى المال حقاً غير     االزكاة على المؤمنين ولإخواتهم المذكورين فى هذه الآية . وفهم بعضهم أن المال ليس فيه حق إلا الزكاة تسامح , وإلا     فكل مابينه الله فى تلك الآية حق فى المال غير الزكاة . وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على هذا بسند الإمام بن             جرير , قال : " قَاَلَتء فَاطِمِةُ بِنتُ قَيْسِ : ياَ رِسُولَ اللهِ إِنَّ لىِ سَبْعينَ مِثْقَالاً مِن ذَهَبٍ , فَقَاَلَ صَلىَّ اللهُ                        عَلَيْه وَسَلَم : اجْعَليهاَ فىِ قَرَبَتكِ " وبه إليه قال: عن فاطمة بنت قيس أنهاسمعته يقول : تعنى رسول الله                                                                       صل " إِنَّ فىش لضحَقضاَّ سِوَى الزَّكَاةِ " وبه إليه قال مزاحم بن زفر كنت جالسا عن عطاء فآتاه أعرابى                                                   فقال له : إن لى إبلا فهل علىَّ فيها حق بعد الصدقة ؟ قال : نعم , قال : ماذا ؟ قال : ( عارية الدلو وطروق                 الفحل والحلب ) وسئل رسول الله صل : ( أى الصدقة أفضل ؟ قالك جهد المقل على ذى القرابة                            الكاشح ) وفى المال حق الضيف وإن دخل فى ابن السبيل . وهنا يجب علينا أن نبين لأهل الثراء مايجب عليهم             فى أموالهم .

        وعلوم أن الله تعالى ابتلى عباده ببلايا مختلفة امتحانا لقلوبهم ولإيمانهم , ومن اشد الابتلآء وفرة المال والعافية      والأولاد ونفوذ الكلمة والجاه , فمن حغظ الله فبيما أنعم به عليه فأعان بماله من ذكرهم الله فى تلك الآية ونفع بجاهه       الضعفاءوالمظلومين وبعلمه أهل الجهل الطالبين للعلم وأدخل السرور على قلوب عباد الله بتيسير حوائجهم كتبه            الله أمينا عنده , وجعله كنز غنى وعلم فى الدنيا , وقبله عنده يوم القيامة ومن بخل بشىء من تلك الخيرا ت على            مستحقها سلب الله نمنه النعمة وعذبه يوم القيامة , بل وكل من عصا الله بنعمة من نعمه عليه سلب الله عنه                  وعذبه بها يوم القيامة , وقد ورد بأن فى المال حقاً سوى الزكاة بدليل : ( وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ )

قوله تعالى : ليس البر أن تولى وجوهكم ... (177)

 

( وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ )

     وقد بينا فيما سبق معنى إقامة الصلاة , ولا نخلى كتابنا هذا من مزيد بيان . قالوا : السوق أى راجت                    ونال أهلها ما يسرهم , فإقامة الصلاة رعاية المصلى الآدب مع الله تعالى فى حال قيامه بعبادته , ولا يكمل الأدب إلا            إذا صلى بقلبه وروحه وجوارحه المجترحة حتى يكون العبد فى صلاته حاضرا مع الله تعالى حضور خشوع ورهبة          ورغبة وخوف ورجاء , متبرئا من حوله وقوته , قائما بقيوم , ملاحظا جماله العبدى امام ربه القوى , خاشع القلب                                            والجسم , يتلقى بقلبه عن ربه ما يورده عليه سبحانه حلا مواجهته , متشبها برسول الله صل فى كل الاعمال                         القلبية والجسمانية من نية وقول وعمل , مع المحافظة على أوقاتها ووسائلها وأركانها ومعىالمداومة والاستمرار عليها        .        "  وَآتَى الزَّكَاةَ " وهو إخراج القدر المعلوم شرعا من مال توفرت فيه شروط النصاب ومضى الحول , وفى                                                        صاحبة البلوغ والعقل والإسلام فإن صاحب المال لايكلف بالزكاه ولكن يكلف بها وصيه فى حال صغره                                                                وجنونه , وقد بين القرآن المجيد الأنواع التى يجب أخذ الزكاة منها كتارك الحج والصلاة , وتفصيل                                                                                           ذلك يأتى بعد تأويل الآى المتضمنة ذلك .

( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا )

      الجملة معطوفة بواو المدح على قوله تعالى : "  وَآتَى الْمَالَ " وإن فصل بينهما : ( وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ )

فإن ذلك من فصيح اللغة , وجائزظ أن تقول والموفين بالنصب على المدح . والعهد أنواع, وعهد اللهماعاهدنا عليه                                                  فى يوم :   ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى )(1)وفيما أنزل  الله على رسوله صل فقبلناه بالسمع والطاعة من أوامره تعالى                                                                     ونواهيه جلت ذاته , وعهد رسول الله صل ماعاهدنا عليه من العمل بسنته ونصرته صل ومن تجديد مااندرس                                                                 من معالمك السنة المطهرة , وعهد الوالدين أن نبرهما ونصل الرحم الماسة بهما , والعهود التى علينا فى معاملتنا                                           بعضنا لبعض فى مبادلاتنا ومعاوضتنا . فالموفون بعهدهم هنا هم الذين اجتباهم الله لان يكونوا عباده المخلصين .              ولاوفاء بالعهد إلا بعد العلم والعلم أولا وبالذات بالنفس لأنه ينتج العلم بالرب جل جلاله . قال صلى : " من                                        عرف نفسه فقد عرف ربه " والعلم بالله بعد ذلك يكون بالأدب مع الله ورسوله صل , ومجاهدة النفس فى                                            ذاته تعالى ليقوم بالوفاء بالعهود التى ذكرنا انواعها , ومن وفى الله بما عاهد وفى الله له ما وعد و الوفاء بالعهد ميزان               جوهر النفس فإن الله خلق نفوسا من نور جماله وهى النفوس التى زكاها فأفلحت قال تعالى : ( فَلَا تُزَكُّوا              أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى )(2)

        وقوله تعالى : ( إِذَا عَاهَدُوا ) أما لفظة ( إِذَا ) فهى ظرف زمان للمستقبل , والمعاهدة هى المفاعلة بين                                          اثنين . يعنى إذا حصل بينهم وبين الله عهد أو بينهم وبين رسول الله صل و أو بينهم وبين من لهم ملابسة بهم فى            معاملة أو مصاهرة أو غير ذلك .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأعراف آية 172                          (2) سورة النجم آية 32                                        

 

أسرار القرآن

 

( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ )

        قد بينا معنى الصبر فيما سبق . أما البأساء فالفقر المدقع وماأشبهه , والضراء المرض المفجع وماأشبهه,وهما

 على وزن فعلاء من اسم لايصاغ منه اسم التفضيل .

       " وَحِينَ الْبَأْسِ "يعنى حين الهرج والمرج وإهراق الدماء بالحروب . هنا يثنى الله تعالى على من جملهم                        بالصبر , والصبر هو سرور النفس بما يؤلم فى طاعة الله تعالى ولذلك فإن الصبر لايكون إلا فى الباساء والضراء                 وحين البأس وماعدا تلك المراتب فليس بصبر . وفى الحديث بسند البخارى فى كتابه : ( الأدب المفرد ) قال                    صل : " من شكا لمؤمن فقد شكا لله ورسوله ومن شكا لكافر فقد شكا الله ورسوله " وكفى بالصبر                           شرفا أن الله تعالى يقول : " إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ "(1)  ورجل بتحمله تعبا فى طاعة الله يكون الله تعالى معه , من                            الذى يساويه فى العالم ؟ إلا من كان عند ربه لانكسار قلبه أو عند الله .

( أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا )

      حكم من الله تعالى لمن أثنى عليهم بالصفات التى تقدمت فى هذه الآية بقوله سبحانه : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ             صَدَقُوا ) أى هؤلاء الذين جملهم بما أحبه من الصفات هم الذين صدقوا . أى سارعوا إلى القيام بماأمرت ,                                   والبعد عما نهيت  بصدق أى بقلب , لأن الصدق من أعمال اتلقلوب التى متى تجمل بها القلب كان البعد صادقاً                             فى قوله صادقاً فى أحواله . ومتى أخبرنا الله عنه أنه صادق كتب عنده صديقاً ومن كتبه الله                                            تعالى صديقاً رفعه إلى منازل الأنبياء قال تعالى مثنيا عليهم : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ               الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ )(2)

( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )

      أى أن هؤلاء المتقون . والتقوى شدة الخوف من الله لأنها تنتج دوام المراقبة له سبحانه , وتجعل التقى                   يتقى الوقوع فيما يكرهه الله تعالى وقاية تجعله حاضراً مع الله , مشاهداً جلاله العلى وعظمته وكبرياءه طامعاً فى                 جماله حتى يكون وسطاً وبذلك تتحقق التقوى , فلا خوفه يوقعه فى اليأس والقنوط من رحمة الله , ولا طمعه يجعله              يتعدى جانب الخوف . وهذه البشرى من الله فى الحياة الدنيا هى ماأخبرنا الله بها بقوله تعالى : " لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ "(3)وللخبر من الله تعالى قدره فى قلوب أهل الإيمانبه سبحانه .

       قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ                                                   وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ                                                    وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ                                                        عَذَابٌ أَلِيمٌ(178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 153                         (2)  سورة الحديد آية 19

(3 ) سورة يونس آية 64       

قوله تعالى : يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ... (176)

 

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى )

     بعد أ، بين الله تعالى أنواع البر فى المال وفى العبادات والأخلاق بياناً كشف اتلحجاب عن تلك الحقائق               التى تعلمها والعمل بهايكون العالم صادقاً تقياً عند الله تعالى , أخذ سبحانه يبين لنا الأحكام فى الجنايات                  الكبرى بياناً يكون بعلمه والعمل به النجاة من سوء الجزاء يوم القيامة , لأن الحدود جوابر على المتعمد . وسبب         نزول هذه الآية نسخ ماكا عليه الأمم قبلنا من التشديد والتضيق بحكم تعم به الرحمة والإصلاح العام . ولمحو                     ماكان عليه الجاهلية من الظلم والتظالم فى القتل . وكان الحكم فى القتلى عند اليهود أن يقاد القاتل فبقتل كما قال                 تعالى :( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ                          بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ )(1)وكان الحكم عند النصارى العفو كما قال فى الإنجيل : ( من لطمك على خدك                             الأيمن فحول له الأيسر ) . أما أعمال الجاهلية غكان الحكم فيها مراعاة قوم المقتول قوة وضعفاً فإن كان المقتول                من قوم أقوياء  به عدداً كثيراً ولو كان عبداً منهم قتلوا به حراً ويقتلون بالمرأة الرجل , وقصة كليب الذى قتله                     بنو بكر بن وائل مشهورة فإن قومه أهلكوا القبيلة به تقريبا .

        فمحا الله هذا الظلم ونسخ ماكان عليه اليهود والنصارى, وحكم علينا سبحانه أن يكون القصاص فى               القتلى كما بين سبحانه الحر بالحر من غيرزيادة , والعبد بالعبد من غير تجاوز إلى غيره والأنثى بالأنثى , فكان            الفرض الذى كتبه الله علينا أن لانتعدى فى القصاص القتل فقط , ثم وسع لنا بعد ذلك رحمة بنا وصفاء لقلوبنا             وهو أرحم الراحمين .

( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ )

      أى من ولى المقتول بأن عفاعنه أن يقتله وقبل منه الدي’ "  مِنْ أَخِيهِ " شفاء لكلوم القلوب فجعل ولى                المقتول أخاً للقاتل وفى هذا الأسلوب الحكيم كما قال اللطف بنا كما قال هارون لموسى فى وقت شدة غضب موسى                 لله  : ( يَبْنَؤمَّ )(2)فحلت الكلمة من قلب موسى محل العطف والرحمة . والمعنى أن الله يأمرنا أن ولى المقتول له              الحق فى أن يقود  بقتل القاتل وفى أن يعافيه من القتل ويأخذ الدية , والدية مائة ناقة . ثم أمرنا بحسن المعاملة فى           المطالبة والقضاء بأسلوب الحكيم أيضاً تأليفاً للقلوب وشفاء لها من مرض حب الانتقام , ومرض الطمع والحرص           على المال من جانب القاتل خصوصاً إذا كان قويا فقال تعالى : " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ              بِالْمَعْرُوفِ "                                                     

( فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ )

        أى فليطلب ولى المقتول المال بالمعروف الذى بسببه يسارع القاتل إلى إرضائه ويدوم بعد ذلك صفاء                  الإخاء الإسلامى , ثم أمر القاتل بمثل هذا الأسلوب الحكيم فقال تعالى : " وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " وفى تلك الآية                          من على البلآغة ما يعجز فطاحل الفصحاء فإن قوله ( بِالْمَعْرُوفِ ) أى بحالة يعرفها أى يألفها الناس ويأنسون بها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة آية 45                                (2) سورة طه آية 94

أسرار القرآن

 

وتلين بها قلوبهم . وفى قوله :"  فَاتِّبَاعٌ  بِالْمَعْرُوفِ " أى مطالبة لا بإلحاح ولابملازمة الغريم , وقوله                                         " بِالْمَعْرُوفِ " فى العبارة من غير أن يثير الضغائن ويجدد الأحقاد .

       " وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " برد وسلام على القلوب الملتهبة بينار الحزن على مافقدت بل شفاء بعيد لها صحتها                           الأخلاقية , فإن قوله تعالى :( بِإِحْسَانٍ ) أى بحالة بالغة فى اللطف وحسن العبارة تنتج الفائدة المنشودة من تلك                  الرحمة التى تفضل الله بها علينا لتدوم مسرة الأخاء الإسلامى بين جماعة المسلمين .

( ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ )

       أى ذلك الحكم الذى بينه الله تعالى فى هذه الآية من قوله سبحانه : "  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ " إلى                    قوله تعالى : " وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " أنزل الله تعالى ناسخاً لما تقدمه من الأحكام .

       قوله تعالى : "  ذَلِكَ تَخْفِيفٌ " أى هو تخفيف من ربكم أى أنه تفضل علينا جماعة المسلمين فوضع عنا                         ماشدد بله على غيرنا من الأمم السابقة تخفيفا علينا , وفراغاً لقلوبنا من عناء الهموم التى تضيق بها القلوب إما                 بالقتل قوداً أو بقاء نار الحقد فى القلوب , أو بالعفو قهراً وبقاء الغل فى القلوب , فوسع الله لنا فجعل لولى                    القتيل الحق فى القود قتلاً وفى العفو عن القتل وأخذ الدية وفى العفو مطلقاً من غير دية لبقاء المودة , ودوام صفاء                              الحياة . وفى قوله تعالى :" وَرَحْمَةٌ " أى أى أن الله تعالى جعل تلك الأحكام ورحمة بنا ليفرغ أبداننا وقلوبنا من                     التربص والعناد وخوف بعضنا من بعض , فنديم طاعة الله والعمل بمحابة ومراضية والمسارعة إلى القبام بالخير العام                    لجميع إخواننا المؤمنين .

( فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ )

     يقول الله لإن كل ولى للمقتول قتل وليه أو أخذ منه الدية أو عفا عنه مطلقاً , ثم وقع فى القتل فالحكم                   عليه القتل قوداً من غير أن تقبل منه دية ولا أن يمنح عفوا وهذا معنى قوله تعالى : " فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ " يعنى                                 عذاب مؤلم . ولو قال قائل : إن هذا المتعدى اختفى وقتل خصمه فهل هذا العذاب يكون فى الأخرة فقط؟ أم                 يكون فى الدنيا والأخر’ ؟ والجواب أن هذا القاتل أختفى عن الخلق ولكن لم يختفى عن الحق , فإنه خالف أمره           سبحانه ووقع فى أكبر كبيرة بعد الكفر , والله سبحانه وتعالى يكره الظالم من نفسه  وهو رب العالمين فكيف               يرضاه من غيره ؟ وهو وإن أمهل لايهمل . وهذه الآيى يقظة لقلوب الغافلين الذين يظنون أنهم يجدون خلوة فى             نفس من الأنفاس , ولا يقول بوجود الخلوة إلا غافل فإن الله يقول : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ )(1)  ومن فرح                                                     بمعصية الله أحزنه الله  ومتى يتحقق الإنسان أنه فى خلوة حتى يفعل مايشاء ؟

( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ )

      يبين الله تعالى حكمة حكم القصاص أقصر آية عجز فطاحل البلغاء من أصحاب المعلقات على الكعبة                   أن يلأتوا بمثلها . وأفصح كلمة قالوها فى هذا المعنى : ( القتل أنفا للقتل ) وفى كلمتهم تكرار لفظ القتل , وفيها                                ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحديد آية 4

قوله تعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ...(180)

 

نفص بيانى وهو القتل لايكون أنفى للقتل. وكلمة الله هى العليا . وقوله تعالى :( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ )                   كأنه يبين الحكمة فيقول : إنكم تركتم القصاص وهو القاتل أحرق الغل القلوب فثارت , فجرت الدماء                   أنهارا بتعطيل حكم القصاص .

        ولو قال لنا قائل : القصاص قتل , وكيف تكونفيه الحياة ؟ والجواب : أن مراد الله سبحانه وتعالى الرحمة                   بالمجتمع الإنسانى فإنك إذا حكمت بحكم الله فقتلت القاتل إن لم يعف أولياء المقتول أتلجت صدور من أحرقت                 قلوبهم نار الغل على من قتل قتيلهم وربما كان سبب ذلك هرج ومرج يفسد القلوب ويفرق المجتمع , وهذا معناه                             والله أعلم , يعنى أن القصاص يقتل القاتل  حياة لفئة كثيرة , بل وراحة لقلوب المجتمع المصاب بهذا البلاء , بل                           وصفاء لهم من الهرج والمرج والفتن .

( يَا أُولِي الْأَلْبَابِ )

      يعنى يأهل العقول التى تعقل عن الله أمره ونهيه أن أحكام الله تعالى أنزلها لمصالح العباد , والله تعالى                يخاطب أولياء الأمور وأولياء المقتول وعصبة القاتل

( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون )

        تقدم الكلام على معنى ( لعل) فى القرآن فإنها أتت على غير بابها اللغوى , وذلك لأن ( لعل ) للترجى                           والمترجى يجهل الأمر وقوعاً وعدماً . وتنزه الله عن أن يجهل الغيب وأخفى من الغيب فلعل هنا بمعنى اللام وتقدم                     الكلام على التقوى .

        قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ                                               لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(180)فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ                                                           فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(181)فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا                                                       أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(182)

( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ )

       كتب هنا بمعنى فرض . وقوله : " حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ " أى قارب الموت قرباً لايظن بعده سلامة بأن                                       يكون سقمة يدل على الموت وإن عاش بعده سنة , كما تقول لمن قارب البلد وصلت لأن اتلموت إذا حضر فى                         أنفاسه أرتفعت التكاليف.

( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ )

      ( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا )مالً , ولايكون المال خيراً إلا إذا بلغ ألف دينار وقال بعضهم ثلثمائة إلى مافوق , فإن                        

 

أسرار القرآن

 

لم يصل المال إلى هذا الحد لم تجب الوصية لأن الله تعالى قال : (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)وقال بعض العلماء الوصية واجبة              قل المال أو كثر , وإن كان بعض الصحابة إذا حضر الميت وطلب أن يوصى قال له لاوصية لك لأنك ليس                   عندك خير .

      ( الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) بيان من الله تعالى لعباده ليعلمهم مقدار الوالدين والأقربين وأن الوصية                     واجبة لهم , ورأى بعض العلماء أن هذه الآية محكمة مع أن الوارث لاوصية له وقد نسختها فى الوالدين آية النساء                           فى الميراث , وإإذن فالوصية واجحبة للأقربين . ولو أن الإنسان يوصى بالثلث للأجانب لوجب على أوليائه أن يخرجوا                     ثلثى الثلث للأقارب والثلث للأجانب , وإن كانت الوصية شرعاً تنفذ بنص حكم الموصى ودليل ذلك                        ماورد فى الآية الآتية والأقربون أنواع منهم ماقرابتهم لوالديك أو للجدين ومن فوقهما كل بحسب قرابته وفى تلك الآية        بيان مايحبه الله من البر والصلة . وهنا سؤال : هل العلماء لو أوصى الرجل للآجانب عليهم أن يردوا ثلثى الوصية                       لأولى القربى ؟ قال بعض العلماء أحب إلى أن يوصى للوالدين والأقربين . ولكنى أنفذ ماأوصى به الميت .

( بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ )

      بالمعروف أى يتعارف الناس شرعاً وعقلاً بحيث لو خالف المعقول بأن زاد عن الثلث أو أوصى لوارث أو           حرم الوارث وأوصى لغيره فسيأتى بيانه . ( حقا على المتقين ) أى متعيناً على أهل التقوى الذين يحكمون بما                  حكم الله به ولايحتاجون إلى من يقهرهم على العمل بحكم الوصية وهؤلاء ينالهم خير الجزاء فى الدنيا والآخرة – أما                        من منع الوصية حتى قهر على تنفيذها فهذا لاأجر له .

( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ )                                                          

      يبين الله تعالى عقوبة من يغير ماأوصى به الميت لوالديه وأقاربه الذين لايرثون بعد موافقة الوصية للشريعة                  المطهرة بياناً يزعج قلوب الذين يغيرون وصية المورث فيقول : ( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) أى غير ماأوصى به                                      المورث وسمعه منه.

( فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ )

      أى عقوبته الشديدة فى الدنيا والآخرة على الذين يبدلونه , أى إثمه واقع على الذين يغيرونه من ولىالموصى                        زمن أعانه من الورثة على من لم يتدخل بمساعدة أو نصرة لمن غير الورثة وغيرهم , وإن كان العالم                       بالمعصية الراضى بوقوعها شريكا لعاملها إل أن العالم الذى لايقدر أن يرد الظالم وينكر هذا العمل بقلبه يغفر الله له                      لأن هذا أضعفالإيمان . قوله : ( عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) والسياق سياق الإضمارأى عليهم بتعظيم العقوبة                                          ولوقوعها تأثير على القلوب .

( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )

       ختم الآية بالخبر عن نفسهأنه سميع عليم مؤكدا ذلك بحرف التوكيد , ليتذكر الناسى أو الغافل بفقه هذه                  الآية الشريفة فتحصل لهما المراقبة التى يحفظها الله بها من الوقوع فى تغيير الوصايا التى تتعلق بالأيتام وبذى               القرابة , وفى تغيرها معصية كبرى لله تعالى لأنها أحكامه سبحانه وفيها حقوق العباد .

قوله تعالى : فمن خاف من موصى جنفا ... (182)

 

( فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا )

      يبين الله لنا فى تلك الأحكام الجتماعية البيان كل البيان حتى تقوم له الحجة سبحانه على خلقه , وفى                   رعاية تلك الأحكام سعادة المجتمع الإسلامى فى الدنيا وفوزه بالنعيم المقيم فى الأخرة . وإنما أنزل الله على نبيه صل         الكتاب لمصالح عباده فى الدنيا والآخرة . وتأويل قوله تعالى : (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا) محصور فى         معنيين

       المعنى الأول : أن يكون الموةصى فى حالة الموت وهو يوصى ومعه حال الوصية الولى بعده أو أهل الرأى                   الموثوق بذمتهم , وأراد الموصى لمن بعده أن يجنف أى يميل بأكثر من الثلث , أو يوصى لوارث أو يوصى لغير                    ذى القربى , أو بإثم فتعدى حدود الله فى الوصية , فأصبح بين الموصى ولموصى له فى هذه الحالة لاإثم عليه أى                 لامؤاخذة .

       والمعنى الثانى : أن يرى الوالى فى الوصية ميلا أو يعين بوصيته الخوارج أو أماكن إباحة المحرمات , أو إثما            

 

    بأن يوصى بعمل حرام أو يوصى لغير مسلم أو لبيعه أو لأهل الزندقة والمذاهب فأصلح الوصية بعد موت الموصى

 (  فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ )أى فلا مؤاخذة عليه . وفى هذا الحكم وجوب رد التصرفات للشريعة بالضرب على أيدى                            المبذرين أموالهم فى غير الشريعة .

( فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ )     

      الإصلاح بين الموصى والموصى له بعد موت الموصى ورد الوصية إلى ماأمر الله به , مع بيان الحكمة فى               الحكم حتى يقبل الموصى له والورثة حكم الله برضاء ليفوزوا بثواب الله تعالى , وإنما يصلح بينهما المقبول                                      الحكم الذى يمكنه تنفيذه مع صفاء القلوب . (  فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ) أى فإن عمله الإصلاح فى حياه الموصى أو بعد                موته مما يدل على مخالفته لحكم الوصية من الموصى , فإن نيته وإخلاصه فى عمله تجعل هذا العمل اتلذى يظهر أنه              مخالف للوصية غير مؤاخذ عليه , قال صل : ( إِنَّمَا الْأعْمالُ بِالنِّياتِ وَإِنَّماَ لِكُل امرىء مانَوى )

( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )

      معلوم أن الجنف هو الميل خطأ والإثم هو الميل عمدا . ولما كان الموصى قد يخطىء فى الوصية للحالة               النفسية عند الموت أو يتعمد الخطأ أيضا , ويقوم المصلح فيصلح الجنف والإثم قبل موته فإن الله يغفر للموصى                 ويرحم المصلح الذى سعى فى الإصلاح . وكذلك إذا أصلح الولى أو الوصى له الوصية بعد موت الموصى فإن الله         يغفر للميت ويرحم الموصى له بسبب ما أبقاه الميت لنفسه من الخير بوصيته بعد الإصلاح . والغفر هو ستر               الذنوب وهو أن ينسى الله تعالى الحفظةوينسى جوارح العبد ذنوبه حتى يلقى الله وليس عليه شاهد يذنب كما                   ورد فى الحديث . والرحيم هو الذى ينعم بجلائل النعم على عبده فضلا منه أو جزاء له على عمل البر الذى وفقه             سبحانه له .  

 

أسرار القرآن

 

 قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ                                                    قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ                                                      مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ                                      تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(184)شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى                                                          لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ                                       عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ                                         وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185)

          يبين الله تعالى فى أول هذه الآية أصل الدين الذى من أجله خلق الله السموات والأرض من أول قوله                          تعالى : ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) وأيد هذا الأصل بالبراهين والأدلة اليقينية العقلية بعد تأييدها الأكمل                                                   بكلامه سبحانه وهو الحق الذى يقبله العقل المجرد من الهوى وأقوى دليل قاطع لكل من جعل الله له نوراً فى قلبه ,                           وتأييده بالأدلة المحسوسة بعد الخبر عن وحدانية الله تعالى , وذلك بيان لأهل العقول السليمة والحس الصحيح                   وأما من ردهم إلى أسفل سافلين المادة ولوازمها فإنهم لايقام لخم وزن فى هذا المقام العالى لأنهم أضل من البهائم                      السائمة , وقد بين الله خبث نفوس من لم يقبلوا بيان الله تعالى بقوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ              اللَّهِ أَنْدَادًا ) إلخ الآية إلى أن أخبرنا سبحانه عما نالهم يوم القيامة, ثم أخذ جل جلاله يبين للناس ما تفضل به                          عليهم فى الأرض من الطيبات , وأنه سبحانه أحله لهم ليقوم الإنسان إلى ربه سبحانه فيعبده ولايجحده , ويطيعه فلا                  يعصيه , ويذكره فلا ينساه فلا يكفره

         ثم يبين سبحانه نفوس أهل الكفر بالله تعالى العنادية بقوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) إلخ              الآية . فقصم ظهورهم بالحجة البالغة , ثم ضرب مثلا بين لنا فيه حقائق  أعداء الله تعالى أنها أضل من البهائم , ثم                        بين سبحانه أنواع البر فيما يتعلق بالعبادة البدنية والمالية والروحانية والأخلاقية مفصلاً , فبين الصلآة وتفضل فأخذ           يبين الصيام فقال سبحانه وتعالى :(  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا(

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ )

        أى : ياأيها الذين صدقوا الله ورسوله ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) أى فرض , والصيام لغة مصدر صام                   وهو الترك , والصيام شرعاً هو الإمساك . ومن تدبر الصوم أن الله تعالى حرم علينا فى الصوم ماأباحه لنا فى                  الفطر , الأمر الذى يقتضى البعد بالكلية عما حرمه علينا فى الفطر من صغيرة وكبيرة . فقول الفقهاء الإمساك عن شهوتى البطن والفرح يقتصى حبس جميع الجوارح عن الاستطالة فيما أباحه الله تعالى من الضروريات   , فلا                  يسمع مايكره سمتعه شرعاً ولايتكلم ولايشم ولايمس إل بقدر الضرورة مع مراقبة أنفاس الصوم واستحضار أنه صائم .

       ومن أمسك عن شهوتى البطن والفرج وتوسع بالجوارح فيما أباحه الله أو تعدى حدود الله تعالى فقد                       انتهك حرمة الصوم , وفاته من أجر الصيام  بقدر ماأفرط به جوارحه . وهذا هو الصيام شرعاً   

قوله تعالى : يأيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام ... (183)

 

( كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )

        ووجه الشبه جائز أن يكون فى حكم الفريضة فقط  , وجائزأن يكون فيها وفى تعيين الزمان والعمل , فإن                              كان الأول فيكون تعيين زمان صيامنا وبيان مقداره في كل يوم خاصا بنا وهذامايظهر بدليل قوله : ( أَيَّامًا         مَعْدُودَاتٍ ) وبما ورد أنت الصيام كان أول فرضة ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ بقوله تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ )                          وبدليل الفدية التى جعلها الله رحمة بنا فى أول عهدنا بالصيام بعد أ أباح للمريض والمسافر القض اء فى هذه الآية                    ثم نسخ هذا الحكم بآية قوله تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ ) وذكر المريض والمسافر أيضا بيانا للناسخ والمنسوخ .

         وإن كان الحكم الثانى هو أن وجه الشبه المطابقة فى كل معانى الصيام فيكون الذى فرض علينا هو                 مافرض على الذين من قبلنا وهو شهر رمضان . وكان الصائم يترك الأكل والنكاح من صلاة العشاء إلى صلاة                     العشاء حتى خفف الله عنا بقوله تعالى :( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ                  مِنَ الْفَجْرِ)(1)وبقوله سبحانه ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ )(2)إلخ الآية . وقد ورد                                                                              هذان التأويلان عن الأفراد من الصحابة ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أى تتقون من الوقوع فى المفطرات فتنالوا بتقواكم رضوان                             الله تعالى .

( أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ )

        منصوبة على الظرفية بنزع الخافض أو أنها مفعول به لفعل نحذوف تقديره أن تصوموا أياماً معدودات                            وتأويلها عطاء أنها صيام ثلآثة أيام من كل شهر بحجة أن الشهر لايقال له أياماً معدودات وقال بعضهم : إن الأيام                   المعدودات هى شهر رمضان وإن الثلآثة أيام التى كان بصومها صل قبل نزول كانت تطوعاً , وهذا هو                     الأولى لسياق الآية لأنه يرد نص صريح ولابرهان على أن الله فرض علينا أولا صيام ثلاثة أيام وعليه عمل الأمة                       سلفا وخلفاً.

( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ  مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ )

        يبين الله لنا أن المريض الذى لايقوى على الصيام خوفاً من تأخير برء أو زيادة مرض فالحكم أنه يفطر                      ويقضى عدة الأيام  التى أفطرها بعد شفائه . وأن المسافر الذى لايقوى على مشقة السفر يفطر ويقضى عدة الأيام                  التى أفطرها ملاحظا حرمة الشهر فى بقية الجوارح حتى يكون أهل التقوى الصائمين بكل الجوارح إلا                     البطن .

( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ )

        رفع الله تعالى عن المريض وعن المسافر مشقة الصوم رحمة بهما , وخفف عمن افتتحهم بفرض اتلصيام            فرخص لهم فى الفدية عن الصيام حتى نسخ هذا الحكم بالآية التالية . وجائز أن يكون طاق يطيق قام به                                     بسهولة , وأطاق يطيق  عسر عليه أى صعب كالشيخ الهرم وكالمرأة الحامل والمرضع إن طال حملها ورضاعها               .

أسرار القرآن

 

وظهر ضعفها , أو كمن لايجد محله بأوى إليها عند فطره وسحوره حتى يجد , فإن وجد صام بقية الشهر وقضى                 عدد الأيام التى أفطرها . ويكون حكم هذه الآية لم ينسخ بالنسبة لمن ذكرناهم .

      (  فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ )الفدية هى مايفديه المفطر بدلاً عن صومه للمسكين طاعة لحكم الله تعالى                                         والفدية هى صاع من بر أو شعير أو طعام . ولفظه فدية مرفوعة على أنها خبر لمبتدأ ملحوظ أى فحكمه فدية , أو                          مبتدأ لخبر محذوف تقديره فعليه فدية .

( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ )

       والتطوع هو نوافل البر , والمعنى أن الله يرغبنا فى عمل الخير فى رمضان بأن من أطعم مسكينين عن اليوم                   أو أكثر كان ذلك تطوعاً منه مقبولا . وقد بشر المتطوعين بأن التطوع خير لهم عند الله , ووعد الله العبد بالخير                               لاتعلم نفس قدره .

( وَأَنْ  تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )

         يبين الله تعالى لنا العمل الأفضل لديه بعد أن رخص للمريض والمسافر فى الفطر وكلفهما بالقضاء لأن                  القضاء يسقط العقوبة . ثم رغبنا فى الأفضل فقال وصيام المريض والمسافر خير له لينال فضل صيام رمضان فى                     رمضان . ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أى تعلمون خير الخيرين فسارعوا إليه وهو الصيام .

( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ )

         عين الله لنا زمان فريضةالصوم بعد أن قال سبحانه : "  أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ  " فشهر رمضان بدل من قول الله               تعالى ( أياما معدودات ) ولك أن تقول إنه خبر لمبتدأ لخبر محذوف , ومعنى شهر : الشهرة . لأن                          الشهر مواقيت لمصالح الناس وقضاء حوائجهم . ومعنى رمضان مأخوذ من الرمضاء التى ترمض فيها الفصال من                     حرارة الصيف وسمى بهذا الأسم لأنه جاء فى زمن الصيف حال التسمية . وجائز أن تقول إنه اسم من أسماء الله                  تعالى . وجائز أن تقول ترمض فيه معاصى العباد أى تزول بالصيام

         ( الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) أى الموصوف بإنزال القرآن أنزل نجوماً متفرقة فكيف يصح                                  أن يكون أنزل فى رمضان ؟ والجواب : أن القرأآن نسخة السفرة الكرام من أم الكتاب ليلة النصف من شعبان إلى                 ليلة الرابع والعشرين من شهر رمضان وأنزل إلى سماء الدنيا فى الليلة الخامسة والعشرين منه . وجائز أن يفتح الله                  إنزال بعضه فى رمضان فيكون كإنزال الكل .

( هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ )

        "  هُدًى لِلنَّاسِ " أى بياناً لمافيه سعادة العالم فى دنياهم وأخراهم وفى مصالحهم الدنيوية .

"  وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ "أى مبينة للحقائق التى بها تزكية النفوس وتثقيف العقول , وعمارة القلوب

 

قوله تعالى : شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن ... (185)

 

بالغيب المصون الذى ترتسم أسراره على جواهر النفوس . وهذا معنى : ( مِنَ الْهُدَى ) وقوله : ( وَالْفُرْقَانِ ) أى                  الآيات الفارقة بين الحق والباطل فيما يتعلق بالآخلاق والآداب الاجتماعية المنزلية وبالمجتمعات فى المدن وبالمجتمع                 العام الإسلامى , وما يتعلق بذلك ، أحكام حتى المعاملات التى تقتضى المعارضات والمفاوضات وقدينتج  منها                         المعارضات فهذا الفرقان يظهر العدل والميزان .

       فهذا الكتاب الذى أنزله الله على نبيه عليه الصلاة والسلام جامع لما يلزم الفرد والمجتمع من عقائد التوحيد                ومن عبادة الله تعالى , ومن أخلاق ومعاملات من أول وضع النطفة فى رحم الأم إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة                      وأهل النار النار . قال على عليه السلام : ( لو ضاع منى عقال بعير لوجدته فى كتاب الله ) وإنما سعد سلف                   الأمة بالعمل بما أنزل الله على نبيه عليه الصلاة والسلام , وماذل من ذل من الخلف حتى تمكن منهم من كانوا                 بالأمس عبيدا يباعون فى أسواقهم من بتى الأصفر إلا بمخالفة هذا الكتاب المجيد . قال أبو هريرة رضى الله عنه :            

( إنَّمَا يَسْعَدُ آخِرُ هَذِهِ الْأمَّةِ بِماَ سَعد بِهِ أَوَّلُهاَ )

   ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )

     أى من أدركه الشهر وهو بين أهله فالحكم صيامه . وقد تعينت فريضة صوم رمضان بقوله تعالى :  ( كُتِبَ      عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) وبقوله سبحانه هنا : (  فَلْيَصُمْهُ )

         وفى تلك الآية إشارة روحانية , وهى أن تلقى هذا الكتاب المجيد لا يكون إلا بالروح المجردة من ملابسة                           مقتضيات الهيكل الإنسانى . وإنما تحجب الروح بميل هذا الهيكل إلى لزومه الضرورية والكمالية وحرصه على            تحصيلها , وبذلك تحجب الروح عن مكاشفة الغيوب بشغل الجوارح فيما يدعو إليه الجسم , فأمرنا الله بصوم             الشهر الذى أنزل فيه القرآن لأن الصيام رياضة تصفو بها النفس فتتلقى أسرار القدس , لأن تلك الأسرار العلية                   لا تجانس المادة ولوازمها , ففرض الله علينا تزكية النفس بالصيام لتتأهل لقبول تلك الأسرار , ومن هذا نعلم أن          السالك إلى الله تعالى يجب أن يجعل له رياضة خاصة بجهاد قاهر يكبح به جماح النفس من الطمع فى غير مطمع          مما أباحه الله تعالى لنا , مما يقوى به الدم وتنتفخ به العروق ويجعل الإنسان كالسبع الضارى لا يتسلى عن مألوفاته ,         وقد عين الله تعالى زمن الصيام محدودا بعد أن أخبر عنه فى الآية السابقة بأيام معدودات , ولم يرد حكم صريح             يعين عددها وزمنها إلا هذه الآية .

( وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ )

       تقدم تأويلها , ولم تأت هذه الآية هنا تكرارا لأنها بيان وتفسير للآية السابقة فى التأويل الذى أولناه أن الآية           السابقة المراد بها رمضان ولم يذكر هنا سبحانه : ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) عل هذا التأويل ببقائها على حكمها .                                      وقد بينت ذلك محصورا فى الرجل الكهل والمرأة العجوز وفى المرضع والحبلى كما قررنا .

أسرار القرآن

 

( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )

       وقبل أن نكتب تأويل هذة الآية نبين سرا تجب رعايته . يقول الله تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ ) لفظة : ( يُرِيدُ )                                        هنا ليست من الإرادة الواجبةالوقوع بل هى من افرادة المحبوبة لله التى هى الأمر , فإن الإرادة قسمان : قسم          واجب الوقوع وهى بمعنى قد وقضى . وإرادة محبوبة وهى ممكنة الوقوع وهى بمعنى أمر ورغب كما قال تعالى :   

( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ )(1)وقال سبحانه : (  لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ )(2)                    أى ليأمر الله بالجهر بالسوء من القول إلا من ظلم , وهنا يأمركم الله بالإفطار فى حالة المرض والسفر تخفيفا عنكم                    بدليل قوله تعالى : ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) لأنها لو كانت من الإرادة الواجبةالوقوع لم يقل تعالى : ( وَأَنْ         تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ )

       وبهذه الآية يظهر لنا جليا أن الله تعالى يكلفنا بهذه الأحكام ليشق علينا أو يكلفنا مالا نطيق , إنما ذلك                     لتظهر محبتنا له وإيثارنا لأوامره العلية , وإخلاصنا لذاته سبحانه فى معاملاتنا وعبادالتنا وأقوالنا وأحوالنا . قال                سبحانه(  لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) (3)الآية . ولما سبق فى علمه أنه سبحانه                                                                        وتعالى يظهر الكافرين على المؤمنين امتحانا لقلوبهم وأدبالهم ليرجعوا عن المعاصى والمخالفات , أمر المؤمنين أن                      لايتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلا أن يتقوا منهم تقاة وهو الخوف من إزهاق النفوس أو هتك الإعراض أو                  سلب الأموال , وأن نداريهم متحيزين إلى فئة قوية من المؤمنين أو متحرفين لقاتلهم , بشرط أن تكون قلوبنا منعقدة                   على بعضهم ومناوأتهم , وعلى انتظار الفرج من الله تعالى , ولذلك يقول سبحانه : " وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ "(4)      العالمة بأسرار القلوب وأخفى منها .

        ولسائل أن يسأل ... نحن الآن فى الأمر الواقع وهو أن أعداء الله الكغار جاسوا خلال ديارنت وطعنوا جهرا فى                             ديننا , وقبل وقوع هذا الواقع فرقوا جمعنا وجعلونا شيعا كل فريق يعادى الآخر حتى أصبحنا حربا على أنفسنا فى                 كل مجتمع إسلامى , وقد خسرنا دنيانا بما عمله فينا من اخترناهم قادة لنا , فإنهم تركوا العدو يسلب مرافق حياتنا                    ويطعن فى ديننا وصار همهم الرياسة والزعامة كما نراه ظاهرا فى جزيرة العرب وفى سوريا وفلسطين ومصر وفىبلاد البربر والسودان والهند والصين وفى بلاد اليمن والكرد وغيرها من االبلاد الإسلامية , حتى أصبح كل مجتمع من المجتمعات الإسلامية خارجا بعضه على بعض , بل أصبحت الأسر الإسلامية متفرقة , وصار العلماء مشغولين                    بنيل الزلفى عند المتسلطين ولاأدل على ذلك من أن كبار أمة يقفون على أبواب من بيدهم السلطة من                       غير المسلمين ويفتخرون بذلك , فما الحكم الشرعى إذن الذى به نجاه المسلمين يوم القيامة من عذاب الله تعالى ؟                       الجواب : إن الله تعالى أنزل كتابه المجيدتبيانا لكل سىء وأوجب على سيد رسله العمل به وبيانه بيانا                             لايتحمل التأويل , وأوجب على كل مسلم طلب العلم حتى يكون على بينه من أمره فى جميع شئونه , وذم الجهل                 وأهله بقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام : (  أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ )(5)وقوله تعالى لنوح عليه                                             

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء آية 28                             (2) سورة اتلنساء آية 148

(3) سورة آل عمران آية 28                         (4) سورة آل عمران 30

(5) سورة البقرة آية 67     

قوله تعالى : شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن ...(185)

 

السلام : (  إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ )(1)وقال صل : ( اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَلَوْ  أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ                                              وَأَفْتَوكَ ) وقال تعالى : ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )(2)والتهلكة هنا أن يخسر الإنسان دينه بولاية أعداء                                                 الله تعالى بقلبه وجسمه , والتهلكة أيضا أن يمكنه أن يحفظ قلبه ويتحيز أو يتحرف ويكون الحكم مدارتهم , فيلقى                بنفسه فى القتل .

        وهنا إذا عجزنا عن قتل أعداء الله تعالى وطردهم من بلاد إسلامية نداريهم للسلامة من ضياع النفس والمال                    حتى نتمكن منهم بالتحيز أو التحرف . وأما من رضى بولايتهم قلبا وقالبا فليمت على أى دين شاء . وقد أخبرنا الله                عنهم بقوله :( وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا                  كَانُوا يَكْسِبُونَ )(3)

( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )

        أمر من الله تعالى بأن نتم الشهر , وإنما إتمامه بينة رسول الله صل فى قوله عليه الصلاه والسلام :                             ( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِروُا لِرؤْيَتِه فَإن غمَّ عَلَيْكمْ فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْماً ) وفى رواية ( فَاقْدُرُوا                       له )   فإكمال العدة رؤية هلال شوال بعد رؤية هلال رمضان وهذا هو كما العدة

        قوله تعالى : ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) بينت تلك الآية الشريفة وجوب                                                                                 الحمد والشكر للمنعم بقدرتفضله قد ر طاقة العبد , ولما كان الأمر بالصيام والصيام أكمل فضل يتفضل الله به           على عباده , لأن بصيامه تزكو نفسه فينال الفوز مع الذين بشرهم الله تعالى بقوله : " قَدْ أَفْلَحَ                        الْمُؤْمِنُونَ "(4)إلخ الآية , خصوصا وأن الإمر بالصيام أنزله الله تعالى بعد أن أخبرنا بأنه أنزل الكتاب فى شهره                      لتستعد النفس بصفائها لتلقى تلك الأنوار التى بها نيل  سعادة الدنيا وسعادة الآخرة , بل ومواجهة وجه الله تعالى                        فى مقعد صدق عند مليك مقتدر , وهى السعادة العظمى التى يسعد بها الجسم والحس والعقل والروح والنفس ,              فكان الواجب إذن على كل قوة من القوى الإنسانية أن تقوم لله بالشكر , فيقوم العقل والروح لله بالحمد                       والثناء الحسن , ويقوم الحس والجسم لله بالشكر , فإن الحمد خاص باللسان واللسان ترجمان الجنان , والشكر            عمل الجوارح .

       قال تعالى : "  وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ " أى تحمدوه وتعظموه وتمجدوه بألسنتكم على تلك النعم                                           العظمى . وهذا معنى قوله تعالى : " عَلَى مَا هَدَاكُمْ " أى ماخصكم به دون غيركم من صيام شهر رمضان الذى                            فرضه على كل الأمم على التأويل الذى تقدم فضلوا عنه وهدانا الله تعالى إليه وهى الحجة القائمة منه سبحانه              علينا بمحبته لنا وجعلنا خير أمه أخرجت للناس .

        "  وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "أى لتشكروا الله على ما جمل به كل قواكم بصيام شهر رمضان قبامابالواجب له                              

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة هود آية 46                             (2) سورة البقرة آية 195

(3) سورة يونس آية 7-8                          (4) سورة المؤمنون آية 1

أسرار القرآن

 

سبحانه وتعالى علينا . والشكر عمل والحمد قول . قال تعالى : " اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا "(1)ولكل جارجة من                                 الجوارح شكر , فشكر اللسان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر , وشكر الأذن الإصغاء إلى النصائح والعلم ,                                وشكر العين النظر بعين العبرة فى تلك الكائنات , وشكر اليدين دفع المنكر وبذل الفضل ومساعدة أهل الحاجة                               وكف الأذى وشكر القلب التحقق بالاعتراف لله بالفضل والمنة وإشعار القلب بالرحمة للعالم , وتصريف النوايا                  فى مرضاه الله , وعقده على عقيدته التوحيد التى يتلقاها من القرآن , وشكر البطن الرضا بالقليل من الزاد وحفظ                           البطن من المحرم والمكروه , وشكر الفرج التوسط فى اللمباح وعدم النظر بالعينين إلى محرم , وشكر الرجلين الإقدام    فى الجهاد على العدو , واستعمالها فى طاعة الله تعالى . وهذا الشكر لأنه عمل كما قدمنا .

        قوله تعالى :  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ                                       فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى                                                              نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ                                                    عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ                                                 لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا                                                   تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ                                               آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187)

        مناسبة ذكر هذه الآية لما قبلها أن إنزال الكتاب والأمر بصيام الشهر الذى أنزل فيه الكتاب لتزكية النفوس                  كما سبق , موجبانللتضرع إلى الله تعالى والابتهال ولملازمة العبودية بالقنوت والدعاء , وكانت هذه الكمالات                         تقتضى استشراف الآرواح إلى معرفة أوقات الدعاء وبيان قبوله وكيفيه , ليقوم العبد المنعم عليه بتلك النعم العظمى                                            شاكرا ذاكرا ضارعا , فتفضل الله تعالى وأنزل تلك الآية ليجذب قلوب عباده المؤمنين إلى المسارعة إلى الله تهالى                والابتهال استناناً بالرسل عليهم السلام .

        وسبب نزول هذه الآية أن موسى عليه السلامك قال : رب هل أنت قريب فأناجيك أم بعيد فأناديك ؟                فقال الله تعالى : أنا جليس الذاكرين فاذكرونى عند كل حال . قال : ياإلهى إن لنا أوقات نقضى فيها حاجاتنا                     مما لاينبغى أن تذكر فيها قال سبحانه وتعالى اذكرنى فى كل وقت , وسأل أعرابى رسول الله صل فقال : كيف                        ندعوا ربنا ؟ وقثال آخر : يارسول الله هل ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ كما سأل موسى عليه السلام ربه                               فأنزل الله تعالى :" وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ "

      ولسائل أن يسأل فيقول : إنا نرى العباد يسألون الله كثيراً ولم نر الاستجابة إلاللقليل . والجواب على ذلك                    من وجوه .

          الوجه الأول : وهو مايتذوقه أهل المعرفة وهو أن لفظة : ( عباد) خاصة للمخصوصين فإنها ماوردت فى                   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة سبأ آية 13 

قوله تعالى : وإذا سألك عبادى عنى .... ( 186 )

 

 القرآن إلا لأهل الخصوصية العالية , وعلى هذا فما من عبد من هؤلاء سأل الله تعالى إلا استجاب له , قال                   تعالى :( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ )(1)وبهذا لايرد السؤال .

         الوجه الثانى: أن الدعاء هو العبادة والتضرع إللى الله تعالى والتملق شكراً بين يديه , فما قام عبد فى                            هذا المقام إلا واجهه الله تعالى بوجهه ويكون الدعاء من العبد دعوة الله تعالى أن يقبل منه .

         الوجه الثالث : أن الدعاء مستجاب من الله تعالى يجعل ماشاء أن يعجله فى الدنيا ويؤجل ماشاء منه ,                     وقد ورد فى السنة أن المؤمن تعطى له خيرات جزاء قربات فيقول رب إنى لم أعمل شيئاً من هذا , فيقول الله تعالى :                  هذا دعاؤك الذى كنت تدعونى به فى الدنيا أجلته لك , فبقول : ليته أجل جميعه.

         ولسائل أن يسأل , الدعاء لافائدة فيه فإن الأمر إن كان قد فهو واصل إليك من غير دعاء وإن لم يكن               قد فلا يصل ولو ملأ العبد الأرض دعاء . والجواب على هذا : أن الله تعالى يقرر قضاء الحوائج بما قدره من              الدعاء فيكون الدعاء مقدراً أزلاً لنيل المقاصد .؟ وهنا سأل سائل : هل الكافر يقبل منه الدعاء ؟ - الجواب : إن             الله تعالى يخاطب نبيه محمداً صل , ولا يسأل سائل النبى عليه الصلاة والسلام إلا وهو مؤمن , وكذلك فإن لفظة          عبادى بلإضافة إلى ياء المتكلم تبين أن المخصوص بهذا الحكم هم عباده المخصوصون من أهل الإيمان .

        ومعنى الآية أن الله سبحانه يخاطب حبيبه صل بقوله : ( وَإِذَا سَأَلَكَ ) يامحمد عبادى من أمتك عنى                  بقولهم : كيفنسأل ربنا ؟ أو فى أى جهة نسأله ؟ أو هل هو قريب أم بعيد ؟ فبشرهم عنى بأنى قريب أجيب                  دعوة الداع إذا دعان , والإجابة من الله قبول الطاعات والتوبة ومنح الرضا وإعطاء مقاصدهم وقد أثبت بعض            القراء الياء فى دعان وجذفها بعضهم للوصول وهما قراءتان .

( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )

        أجاب وأستجاب بمعنى واحد , يكشف الله عنا الحجاب بهذه الآية لنعلم أنه سبحانه وتعالى هو الذى                     يفتتحنا بالخير , فإنه أثبت هنا أنه قريب ممن يدعوه يجيب دعوته فضلا منه , ثم أمرنا سبحانه بالاستجابة له بقوله           تعالى : "  وَلْيُؤْمِنُوا بِي " والاستجابة هنا هى الأمر بدعائه سبحانه والمسارعة إلى طاعته وشكره سبحانه , لأنه                   جلت ذاته وهو الغنى عنا المتفضل علينا بالإيجاد والإمداد يجيبنا ويقرب منا برحمته وعطفهوإعانته ولطفه , فنحن                  الفقراء المضطرون أولى بسرعة الاستجابة له ودوام الخشوع والتبتل , وإنما تكون الاستجابة له دعانا إليه من محابة ومراضية سبحانه .

"  وَلْيُؤْمِنُوا بِي "إذا كان العطف هنا فيه معنى الترتايب يقتضى أن تكون الاستجابة مؤيدة بيقين قلبى                                       حتى تكون بجميع الجوارح الظاهرة والقوة الباطنة بدليل قوله "  وَلْيُؤْمِنُوا بِي "  فإن الإيمان هو التصديق بالقلب ,                وإن لم تفد الترتيب فذكرها هنا زيادة بيان لما يحبه تعالى من العبد الذى تفضل عليه بإجابته فى دعائه " لَعَلَّهُمْ                    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الشورى آية 22      

 

أسرار القرآن

 

يَرْشُدُونَ "أى ليرشدوا والرشاد هو صلاح الأمر وإصلاح الحال , أى ليصلح عملهم ويكون مقبولاً ويصلح الله                      أحوالهم فيكونون سعداء فى الدنيا والآخرة .

    " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى  نِسَائِكُمْ " الآية إلى قوله تعالى " لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ "

      سبب نزول هذه الآية الشريفة أن الله كتب علينا الصيام كما كتبه على الذين من قبلنا , وكان الصيام أن                   يترك المسلم الأكل والشرب والجماع بعد أن يأكل أو يجامع قبل النوم من الليل . فإن نام فى الليل حرم عليه الأكل                  والشرب والجماع إلى الليلة الثانية , وكان بعضهم يصلى المغرب ثم ينصرف من المسجد إلى بيته فيطلب الطعام                     فتقول له زوجته أنظرنى حتى أعد لك الطعام , وتذهب وتعود له فتجده نائما فيحعليه كل ذلك فيصير طول نهاره متألماً من الجوع والعطش

        دخل عمر ليلة على أهله فطلب مباشرتها فقالت إنى نمت فظن أنها مازحة فباشرها , وبعد ذلك بات مغموماً طول ليله حتى توجه صباحاً إلى رسول الله واعتذر إلى رسوله صل قائلا : إنى باشرت أهلى . وفعل                               ذلك غيرة فأنزل الله الآية .

  ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى  نِسَائِكُمْ )

         والرفت وإن كان فى اللغة الوقاع والفاحش من القول إلا أن سياق الآية يعين اختصاصه بالجماع , فأحل                         الله لنا ماكان محرما علينا رحمة منه سبحانه بنا وليلة الصيام ظرف يعنى أن الصائم يباح له أن يباشر زوجته ليلاً            

( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ )

        يعنى أنكم تسترونهن وقت الغشيان وهن يسترنكم , وأنتم تلمسون جلودهن وهن يلمس جلودكم كما قال                 تعالى ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا )(1)لأنه يغشى النهار ويستره . وفى هذا السياق غاية بلاغة التعبير الذى – مع دلالته                             علىة المعنى بالمطابقة – يدل على احتياج كل واحد إلى الآخر , وأنه خير له ووقاية من مضار كثيرة , كالباس                    الذى فضلا عن أنه يستر لابسه فإنه يحفظه من البرد والحر ويجعله فى عين غيره مهابا . كذلك الزوجة للزوج                    والزوج للزوجة من حيث الحفظ من العنت والفحش وغيرها .

( عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ )

         يخبرنا الله أن لطفه ورحمته بنا لعلمه بما تكنه قلوبنا من خيانة أنغسنا , والخيانة هى النقص تؤول هنا                   بقهر النفس على تحمل مشاق الصيام أو بالتسامح حتى نتأول تأويلا طباعنا فنقع فيسما حرم الله تعالى . والله                     سبحانه لم يكلفنا بالصوم ليعجزنا تنزه وتعالى , ولكنه كلفنا لتدوم مراقبتنا له سبحانه وذكرنا واستحضارنا لمعانى                      صفاته فى أنفسنا وفى الآفاق وفى أعمالنا وأقوالنا وأحوالنا قال تعالى :  ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ           الْعُسْرَ ) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النبأ آية 10   

قوله تعالى : أحل لكم ليلة الصيام ... (187)

 

( فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ )

         أى أرجعكم لإلى ماقدره عليكم فى الأزل مما يحبه منكم وتحبونه منه سبحانه , والعفو هنا قد يكون بمعنى             الوسعة . وجائز أن يكون بمعنى المغفرة أى بغفر لكم  ماأختنتم فيه أنفسكم مما أوليتموه ووقعتم به فيما حرم الله                     تعالى كما فعل ابن الخطاب وكعب الأنصارى وغيرهما . وجائز أن يكون للآكل والشرب أيضات بالتأويل . وجائز أن        تكون تلك البشرى من الله لما يراه فى نفسه كل كامل اليقين من التقصير عن القيام بحقوق الله تعالى بمناسبة مقام                   كل واحد منهم من العلم بالله سبحانه والحيطة بمعانى القرآن مستحيلة لأنه كلام الله , وكلآمه صفته , وليس                   كمثله شىء فى كل شىء .

           (  فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ )يفضل الله لنا إجمال الآية السابقة من حيث الإحلال ,                                                     فيقول سبحانه إذا علمتم أننى أحللت لكم ماحرمت عليكم ( فَالْآنَ ) أى بعد هذا الحكم باشروا نساءكم فى                     الأوقات التى عينتها لكم . ( وَابْتَغُوا ) أى ابتغوا ( مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) أى مابينه لكم . وجائز أن يكون ( وَابْتَغُوا )                                           أى اطلبوا ماكتب الله لكم فى أم الكتاب من الأحكام التى فضلنا بها على الأمم من قبلنا كما قال سبحانه : (   يُرِيدُ       اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا )(1)وقال : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ                       يَتَّقُونَ )  إلى قوله تعالى : "  وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ " (2)

          وإنما أخبر الله بتلك الأحكام لحكمة , هى أن نعمل بما عمل به قبلنا إجابة لله تعالى فى قوله : "  كَمَا           كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ " . وثانيا : أن نعتقد عجزنا بأنفسنا عن القيام بما كان يقوم به من قبلنا . وثالثا :                                     نفرح بفضل الله علينا لاختصاصنا بما يدل على محبته لنا سسبحانه ولطفه بنا , فيلد شكره , ويحلو لنا ذكره ,                 ويطيب استحضاره فرحا بما من به علينا .

 ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ )

         الأمر فى الأصل للوجوب إلا إذا أخرجته قرينة إلى الندب أو إلى الإباحة , وهنا يدل بحسب سياق الآية على            الإباحة , وقد فهمه بعض أهل المعرفة للوجوب فكان يتناول عند السحر جرعة ماء وقضمة طعام , وبعضهم رآه                        سنة مؤكدة بحسب فقه الآية .

           أما بيان الخيط البيض من السود : فالخيط الأبيض هو الفجر الصادق الذى يبدأ فى ظلام الليل كالخيط                   الأبيض الممتد من المشرق إلى المغرب . والخيط الأسود هو ظلمة الليل . وكان بعض الصحابة يربط على رجله خيطا                       أبيض وخيطا أسود عملا بظاهر اللفظ من غير أن يتأول , فاذا تميز الأبيض من الأسود ترك الأكل والشرب ( مِنَ الْفَجْرِ ) من بيانة . والفجر انفجار النور قبل الإسفار كأنه غين تضىء من المشرق .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة النساء آية 28                                   (2) سورة الأعراف آية 156 – 157    

 

أسرار القرآن

 

( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ )

        أى حافظوا على حرمه الصيام فى النهار من أن تنتهك بمفطر من المفطرات السبع التى هى خروج الجوارح                      عن الوسط شرعا والأكل والشرب والنكاح . وليس بصائم من توسع فى المباتح فى نهار رمضان , فإن الله تعالى حرم                        علينا فيه ما أباحه لنا من أكل وشرب , فيتعين علينا أن لانتعدى الضرورى فى بقية الجوارح . وقوله إلى الليل :                     " أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ " االليل عند العرب من غروب الشمس والمساء من زوال الشمس إلى غروبها أى                                        بعد غروب الشمسبقدر مايحصل اليقين . وقد بينت السنة أن مجرد غروب الشمس إفطار للصائم ولو لم يتناول                          مايفطر . قال صل : : إذا غابت الشمس من هاهنا – وأشار إلى المغرب – وأقبل الليل من هاهنا .                           وأشار إلى المشرق فقد أفطر الصائم "

          "   وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ  "بين الله لنا أن الاعتكاف هوعكوف القلب والسر                                                                            والخفا والأخفى والجوارح المجترحة فى بيت من بيوت الله يصقل قوى النفس حتى يتفرغ القلب من تدبير الجوارح                        توجها إلى الله تعالى , فيتنفس على جوهر النفس الغيب المصون من آيات الله ومعانى صفاته , وأنوار تلك                  الصفات وأسرار الأسماء فقد يكرم العبد بصولة التجلى فتلوح له حقائق صادقة , وتقتبس روحه التى حجبت عنا             شواغل الجوارح وحجبت عنها الوهم والخيال فواجهت الملكوت أو اللآهوت أوالجبروت أو مافوق ذلك مما يعلمه          إلا الله تعالى والراسخون فى العلم .

       ونمسك العبارة هنا عن الحكمة فى الأمر بالاعتكاف ونتكلم على الحكم نهانا الله تعاللى عن مباشرة النساء فى               الاعتكاف والمباشرة هنا الجماع نصا بدليل أن الشريعة رخصت للمعتكف أن يق ضى حوائج أهله وأن يراهن                    ويكلمهن وقد ورد أن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها ترجل شعر رسول الله صل وهو فى المعتكف .                         وبهذا يكون معنى المباشرة الجماع . حظر علينا سبحانه أن نباشر النساء ونحن عاكفون فى المساجد مبينا أن                           مباشرتهن فى هذا الموقف مفسدة , وقد بينت لك رذاذا من حكمة هذا الحكم .

( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )

       الإشارة هنا إلى الأحكام التى أنزلها الله فى تلك الآيات من أول قوله تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ )                    ولك أن تقول من قبلها , وحدود الله تعالى يعنى الفواصل بين الحق والباطل . فمن وقع فيما حرم الله أو                      أفسد عمله . وفى ذلك من الجهالة مافيه .

       قوله تعالى :(  كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) أى كما بين أحكامه فيما يتعلق بالتوحيد                                                                والنبوة وبالمعاملة فى أموالنا وبالصلاة والزكاة والصيام , كذلك يبين جميع أحكامه التى بها سعادة المجتمع الإسلامى     فى الدنيا والآخرة : ( يُبَيِّنُ ) أى يوضح ( آيَاتِهِ ) أحكامه المتعلقة بكل الشئون "  لِلنَّاسِ " للخلق جميعا لأن دعوة                                           النبى صل عامة ( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) أى لتحصل لهم التقوى مما بغضب الله تعالى , وقد تقدم معنى التقوى .      

 

قوله تعالى : يسئلونك عن الأهلة ...(189)

 

           قوله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا                                          فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(188)

          بعد أن أوضح الله ماوضحه فى أحكام العبادة , أخذ سبحانه يبين مايجب على المسلم لأخيه المسلم فى                    المعاملة المالية بقوله تعالى :( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ )

 

          أى لايأكل بعضكم أموال بعض , فجعل المال كما قال تعالى : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (1)وفى هذا السياق                           جواذب عطف من الله تعالى على عباده ليجمعهم على التحابب والتوادد , فجعل مال الآخر هو مالى وحذرنى أن                أكل مالى بالباطل فكيفإذا كان المال مال أخى ؟ وصورة أكل مال الأخ بالباطل أن تأخذ مال أخيك بدون                        شهود فإذا طالبك به أنكرت وأكلت هوأمثال ذلك , فإذا أنكرته أدلى إلى القاضى ومعنى أدلى بها مأخوذة من وضع                   الدلاء فى الآبار لتكون سببا لرفع الماء , فكذلك أدلى جعل الإدلاء يببا فى أخذها من خصمه . ومعنى :                        ( الْحُكَّامِ ) ولاة من القضاء وغيرهم . وفى ذلك مافيه لأن القاضى قد يحكم ببراءة المتهم فيفرح بحكمه                      وينسى عذاب الله يوم القيامة . وليس على القاضى إثم لأنه حكم بأدلة الشريعة التى توجب عليه أن يقضى بما علم             وثبت لديه .

( لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )

        أى لتحلوا لأنفسكم بعض أموال الناس . وقولهه : ( بِالْإِثْمِ ) أى بالباطل وبغير حق شرعى , والحال أنكم                 تعلمون يقيناً أنه باطل وفى ذلك مافيه من الجرأة على الله تعالى ونقص الإيمان لقوله سبحانه : ( يَعْلَمُ السِّرَّ              وَأَخْفَى ) (2)وتلك هى الإحكام التى تمتزج بالروح امتزاج النسيم العليل البلبل بالنفس فتحى القلب .

       قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ                                          تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا                                                    اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(189)

( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )

        أعجز سياق القرآن فطاحل البلغاء , بل أسجد عقولهم بجمال لفظة وطلآوة تعبيره , فضلا عما تضمنته                   آياته الشريفة من أسرار الغيوب وآيات الحق الجلية فى الأكوان , بل ومابينه من العقائد الحقة بالحجج البالغة                        والعبادات الدالة على أن الآمر بها هو الذى أوجد الخلقوأمدهم وتفضل عليهم فأمرهم بمحابة ومراضيه , ونهاهم                       عما يغضبه عليهم , وبين لهم ذلك بلسان رسول الله صل وهو منهم .

        يقول الله تعالى : ( يَسْأَلُونَكَ ) وكان السائلون يسألون عما يجعلها تكمل شهراً وتنقص آخر وتخرج                  صغيرة ثم تعطم وتتغير مواضعها ووجهها ممالايفيدهم فى دين ولا خلق ولادنيا , فتلطف الله تعالى وأخبرهم                    بأجمل تفسير أن الأولى لكم أن تسألوا عن حكمة إيجادها لكم , وسر تجديدها فى كل شهر فى نظركم لأجيبكم .             

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء آية 29                                          (2) سورة طه آية 7      

 

أسرار القرآن

 

        ( قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )فى معاملاتهم وقضاء مصالحهم بينهم وتناول ماهو لهم وتوقيتا للحج                                                والصوم , ولغير ذلك مما أخفاه الله تعالى عن العقول , وأشهده أرواحاً نورانية من حكم هى الطهور المدار على                             قلوب الأخبار , ومن يتق الله يعلمه الله تعالى تلك الأسرار . وأقل الأمم أسئلة لرسولها هى الأمة الاسلامية , فإن                        أسئلتهم فى القرآن محصورةفى ثمانية عشر سؤلاًوهذا أولها فى السورة التى تذكر فيها ثمانية أسئلة , وبقية الأسئلة                                كيسألونك عن الجبال وعن الروح وعن الساعة ... أما قوله تعالى : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ) المتقدم إشارة                                          إلى السؤال عن الذات .

        وفى هذا السؤال عن خقيقة الأهلة فأجاب الله السائلين بما ينبغى أن يسألوا عنه حتى يعملوا بتقوى الله                تعالى فيعلمهم الله مالم يكونوا يعلمون .

( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى )

      سبب نزول هذه الآية الشريفة أن أهل الجاهلية الأولى كانت لهم أوابد . منها أن الرجل كان إذا خرج                      لقضاء حاجة فلم تيسر تطير من باب بيته فكان يثقب له ثقبا يدخل منه , أو يضع سلماً يصعد عليه ولايدخل                   من الباب . وكانوا إذا أحرموا لايدخلون من أبواب البيوت ولكن يدخلون من ظهورها مدة الإحرام , بل كان                      ( الحمس ) من العرب إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم أبداً , و( الحمس ) هم المتعصبون للدين كبنى هاشم وقريش                     وكندة وكنانة , إلى أن دخل رسول الله صل من باب بستان حرب فدخل وراءه رجل فقال له صل ( ارْجعْ فَإِنَّكَ        مُحْرِمٌ ) فقال : إنى أدين بدينك وأقتدى بك فدخل فأنزل الله :(  وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى  ) ثم بين البر بقوله تعالى : ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )

 ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا )

      أى اعملوا بتقواه فيما بينه سبحانه لكم , واتركوا ماخالف ذلك من عوائد الجاهلية التى من أقوالها لديهم                 الطيرة , لأن الذى يتطير مشرك كما قال تعالى مشنعاً على أمة صالح بقوله : ( قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ     طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ )(1)والمتطيرون ضعفاء الإيمان , والظاهر أنهم مرضوا مرضاً أفسد عليهم                                 عقولهم التى تعقل ما أنزل الله .وتأويل هذه الآية أن الله تعالى بعد أن أجابهم عن سؤالهم  عن الأهلة بما تقتضيه                   الحكمة على قدر عقولهم , بين لهم سبحانه ما يناسب حالتهم التى كانوا عليها من التطير ومن عوائدهم فى                                     الإحرام , وأمرهم بما يحب فى الحالتين

( وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )

         هذا الأمر لأهل الإيمان بالله تعالى الذين كانوا يعملون بعمل الجاهلية قبل أن يبين الله بيانه هذا . وتقوى                 الله هى مراقبة سبحانه فى كل قول وعمل . وفى قوله تعالى : ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ما يقتضى فوزهم بكل                                       مقاصدهم , لأن ( لَعَلّ ) هنا بمعنى اللآم وهى خير بشرى لأهل الإيمان .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النمل آية 47

قوله تعالى : وقاتلوا فى سبيل ... ( 190)

 

       قوله تعالى : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ                                        الْمُعْتَدِينَ(190)وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ                                         مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ                                             كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191)

 

( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )(190)

 

         هذه الآية أمر من الله تعالى بالجهاد تخيفا علينا , فإنه شرط سبحانه أن لا نقاتل إلا من قاتلنا ونهانا عن                     الاعتداء فى القتال وبعده ثم شدد علينا أن لا نتعدى . وهذه الآية تدل على أنها نسخت بقوله تعالى : ( وَقَاتِلُوا            الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً )(1)وفى قوله سبحانه : ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) دليل على أن القتال لا                                                                                                      لا يصح إلا فى سبيل الله حتى ولو كان الإصلاح بين طائفتين من المؤمنين , لأن القتال لم يشرع إلا فى سبيل الله .                    

       وسبب نزول هذه الآية أن رسول الله صل لما توجه إلى مكة فى غزوة الحديبية بالعمرة , ومنعه المشركون         وتعاهد معهم على أن يعود فى تلك المرة ويرجع فى السنة المقبلة إلى مكة , وهم يخلونها له صل ويعتمر , فاستعد       رسول الله صل فى سنة سبع من الهجرة , وعزم رسول الله صل على أن القوم إذا منعوه قاتلهم فأنزل الله تعالى :                     ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) ولوكان ذلك فى الحرم كما سيأتى فى الآية التى تليها . والقتال هنا هو                                                         قتل من قاتل الصحابة رضوان الله عنهم .

( وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )

      العتداء أن يبدى رسول الله صل وأصحابه رضى الله عنهم قتالهم : " إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "                                                            والحقيقة أن الله تعالى قد يقدر الاعتداء فيقع ولكنه لا يأمر به , ومعنى لا يحب أى لا يلأمر , وبذلك لا يرد هذا                       الاعتراض وهنا يتحقق أن الفاعل المختار هو الله تعالى , فما كان هدى ونورا فهو إرادته وأمره, وما كان ضلالا                وظلما فهو إرادته ونهيه .

      ومعنى قوله تعالى :"  لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " أى لا يحب الاعتداء وإن قدره . ومن وقع فيما يكرهه الله                                               تعالى بما نهى عنه , فإن الله يكرهه , والأشخاص لا يحبون ولا يكرهون وإنما المحبوب صفاتهم وأعمالهم التى                      قدرها الله تعالى عليهم , فإن الله إذا أحب عبدا أجرى الخير على يديه وأقامه فيما يحبه ويرضاه , وإذا كره عبدا                         أجرى الشر على يديه وأقامه فيما يكرهه , ووضع البغضاء فى السماء والأرض بدليل حديث البخارى . قال               صل : ( إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إنى أحب فلانا فأحبه فينادى جبريل فى ملائكة السماء إن الله                        يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم توضع له المحبة فى الأرض فلا يراه أحد إلا أحبه . وإذا كره                      الله عبدا نادى جبريل ...) الخ الحديث .ففى هذه الآية دليل على أن الله لا يحب أعمال المعتدين فيبغضهم                                                   لعملهم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة آية 36

 

أسرار القرآن

 

       قوله تعالى : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ                            أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ                                      قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191)

       هذه الآية متصلة بما قبلها , ويقال : أى وجدة مؤهلا للأخذ والتغلب عليه . والمعنى أن الله تعالى                     يأمرنا أن نقتل أهل الكفر به سشبحانه إن قاتلونا مع رعاية التمكين منهم والتغلب عليه. وفىهذه الآية بيان من الله                    أن نأخذ الحذر منهم بإعداع االعدة والعدد واثقين بتأييد الله ونصره .
( وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ )

       يذكرنا ربنا بعمل قريش برسول الله صل وبالمهاجرين من أصحابه فى مكة حيث أخرجهم للهجرة                                     بتضيفهم عليهم ومناوأتهم لهم حتى خرجوا من ديارهم , ويريد الله تعالى أن ينتقم من قريش بالمهاجرين الذين                     أخرجوهم من ديارهم وأموالهم فيثأر لهم من أهل مكة , وهذا ما توعدهم الله بهفى الدنيا ولعذاب الآخرة أشد                 وأنكى , والخطاب لرسول اله صل هو وأصحابه والضمير فى : "  وَأَخْرِجُوهُمْ "  يعود إلى كفار قريش .

( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ )

      ( وَالْفِتْنَةُ ) فى اللغة : وضع الذهب فى النار ليتحمص . وهى الابتلاء فى الدين أو فى النفس أو فى المال                   والعرض . والمراد هنا من الفتنة رجوع المسلمين إلى الكفر بعد الإيمان . ومعنى ( أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ) بمعنى أن قتل                 المسلم أخف بكثير من رجوعه إلى الكفر وخلوده فى النار ., فالله تعالى يعلمنا أن الفتنة التى هى الكفر أشد بكثير                 من القتل .

( وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ )

       هذه الآية تخصيص لإطلاق الحكم فى الآية قبلها وهى قوله : "  وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ " والمعنى                                          أن الله تعالى نهانا عن قتلهم عند المسجد الحرام ماداموا لم يقاتلونا وبالأولى يكون القتل فى نفس المسجد ,                         ويبين سبحانه متى يحل لنا أن نقتلهم عند المسجد الحرام أو فيه فقال سبحانه : "  حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ " فإن قاتلونا                                      وجب علينا أن نقتلهم مع رعاية ماكلفنا الله به من التمكين منهم بقوله : "  حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ " وذلك واضح فى                         قوله سبحانه : ( فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ )

 ( فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ )

        ينهتانا ربنـا جـل جلاله عـن أن نفتتـحهم بالـقـتال حـتى يفـتـتحونا هـم , وفـى الآيـة تـخفـيـف مـن الله ورحمة ,   

 

قوله تعالى : فإن انتهوا فإن الله ....(192)

 

وحجة على الكافرين أنه سبحانه أمهلهم . "  كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ " أى أن قتلهم فى الدنيا عاجل العقوبة لهم                                                           والعذاب الأليم آجلها يوم القيامة . والكافر هو من كذب الله ورسوله صل .

       قوله تعالى :  فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(192)وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ                وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ(193)الشَّهْرُ الْحَرَامُ                           بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا                                 اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194)وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ                          وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(195)

( فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )

 

      أى فإن رجعوا عن القتال وآمنوا بالله ورسوله ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أى فإن الله يستر عنهم ما ارتكبوه                                                     من الكفر ومن معاداه رسول الله صل وأذية أصحابه حتى لايعاقبهم عليها . " رَّحِيمٌ " يعنى يتفضل عليه                                برحمته فى الدنيا بحفظزهم من القتل ويوم القيامة بأن يمنحهم النعيم المقيم .

( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)

      نسخ الله تعالى بتلك الآية ماسبق من الأحكام المخالفة لها الآيات السالفة . ومعنى ذلك أن الله تعالى                                                      يأمر النبى صل وأصحابة أن يقاتلوا المشركين من غير قيد ولاشرط ( حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) أى لايوجد مشرك                                                 بالله أو لاتوجد له قوة وعصبة . ومعنى : ( لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) أى لايكون الكفر بالله . ومعنى : (وَيَكُونَ الدِّينُ                 لِلَّهِ) على المعنى الأول أن يكون كل العالم الذين يمكنهم الله منهم من أهل الشرك مؤمنين . وعلى المعنى الثانى حتى                     يذلوا ويخشعوا ويتظاهروا بالاسلام ولو نفاقاً كمن كانوا من المنافقين فى المدينة  .

( فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)

        أى فإن رجعوا عن القتال والكفر بالله إلى السلام والإسلام فأنزلوهم منكم منزلة أنفسكم  ( فَلَا عُدْوَانَ )                           أى فلا تعتدوا إلا على من لم ينتهوا منهم والله تعالى لايحب العدوان ولايأمر به . ومعنى العدوان هنا : أى الجزاء                                                    بمثل العمل . والظالمون هم المشركون . قال تعالى ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )(1)

( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ)

         يعيد الله لنا ذكرى سنة ست من الهجرة , عندما توجه رسول الله صل معتمراً ومعه عليه الصلاة والسلام              

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة لقمان آية13  

 

أسرار القرآن

 

أصحابة فرده المشركين عن دخول مكة , فنحر هدية بالحديبية بعد أن أقام بها زمنا , ثم صالحهم بعد أن كان ما                       كان على أن يرجع فى السنة المقبلة معتمرا ً وعليهم أن يخلوا له مكة ثلاث ليال . فلما كانت سنة سبع من الهجرة فى                                                                  ذى القعدة خرج رسول الله صل معتمراً ومعه أصحابه رصى الله عنهم مستعدين للقتال إن قاتلهم المشركون       ,                              فأكرمهم الله فدخلوا مكة ومكثوا بها ثلاث ليال بعد أن أخلاها أهلها  لهم .

        فكانت تلك العمرة مع ماأولاهم الله من النصرة والتمكين وما أصاب قريشا فيها من الذل والخزى دليلا على                                                  نصرة الله لرسوله عليه الصلاة والسلام , وجزاء لقريش على مافرحوا به من رد رسول الله صل , فأصابهم من                                                     الحزن والهم والغم ماأصابهم نكالا بهم على معاداتهم لرسول الله صل . وبذلك كان الشهر الحرام فة سنة سبع                                    خير عوض عن الشهر الحرام فى سنة ست والشهر الحرام كان ذو القعدة فيهما . ( وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) أى أن                                                                               الله أقتص من قريش بما وقعوا فيه من الحرمة بصد رسول الله صلى الله علية وسلم  فمكنه من تأدية العمرة فى ذى                                               القعدة سنة سبع وهذا قصاص من الله تعالى واقع قريش ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )(1)

 ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )

       أختلف العلماء فى معنى هذه الآية , فقال بعضهم : هى مكية ويكون المعنى فمن اعتدى عليكم بالسب                                                    أو القذف فاعتدوا عليه بمثل الذى اعتدى عليكم , ويكون الأمر من الله بلإعتداء عليهم أمرا بمجازاتهم بمثل                          عملهم أو قولهم , فلا يكون اعتداء أو ظلماً  لأن الاعتداء من المشركين ظلم ومحاربة لله ورسوله , والاعتداء منا                                                مجازاه لهم على سوء عملهم , وإنما سمى اعتداء مقابلة وإلا فهو عدل , والله لايحب العدوان كما قلنا ولو على                                                   الظالم , والعدوان هو ظلم من لايستحق الظلم . وقال بعضهم : الآية مدنية ويكون المعنى ك فمن قاتلكم من                                                       المشركين فقاتلوهم مع رعاية العدل الذى يحبه الله تعالى والمحافظة على البيان الذى بينه سبحانه فى قوله " النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ " (2)إلخ الآية .

 ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )

        " وَاتَّقُوا اللَّهَ "أى اتقوا  التساهل مع المشركين والاستسلام لهم وتعدى حدود الله معهم بالغو فى                                                         المؤاخرة , حتى تكونوا أطعتم أمر الله فتفوزوا بمراضيه وبنصرته لكم وتأييده . " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " أى                                              تحققوا معية الله بتأييده ونصره وتمكينه لكم فى الارض بالحق , وفوزكم يوم القيامة بما ألأعده الله لكم من الفضل                   العظيم والرضوان الأكبر . وما بشر الله تعالى قوماً بمعيته إلا منحهم محبته , ومامنح قوماً محبته إلا تفضل عليهم فأنسهم بشهود جماله العلى فى مقعد صدق عند مليك مقتدر . وقد شرحنا مقام أهل معية الله فى كتاب :                                                        " الفرقة الناجية " وغيره من كتبنا (3)  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال آية 10                    (2) سورة المائدة آية 45  

(3) تطلب هذه الكتب من مكتبة دار الكتاب الصوفى التابعة لمشيخة الطريفة العزمية 114 شارع مجلس الشعب   

                                               قوله تعالى : وأنفقوا فى سبيل الله ...( 195 )

 

( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )

         سبب نزول هذه الآية أن الله تعالى لما أمرنا بالجهاد شكا الفقراء قلة ذات اليد , فأمر رسول الله صل أهل                الثراء بلإنفاق وحثهم على ذلك , لأن أساس الجهاد وجود المال لاحتباج المجاهد إلى الزاد والراحة والأسلحة فأنزل              الله تعالى هذه الآية . والنفقة هى كل مال يصرف فى المصالح . وما صرف فى غير المصالح يسمى إسرافا أو                      تبذيرا . والظاهر أن قوله تعالى : " فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أى فى الجهاد لإعلاء كلمة الله ونشر سنن رسوله صل                       وجائز أن ننظر إلى قوله تعالى : " وأنفقوا " فيكون بلا قيد . وتكون النفقة التى أمر بها فى سبيله هى كل ما                      صرف فى المصالح الشرعية كحج وطلب علم ونفقة على الأولاد والأهل والوالدين وعلى الضيوف والمحاجين لأن ذلك       كله فى سبيل اللع تعالى . 

         "  وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " ظاهراللفظ فى سياق هذه الآية يدل على أن الآية خاصة بالجهاد ,                                                أى لاتبذلوا كل أموالكم وتلقوا بأيديكم إلى التهلكة  ولاتعتدوا فى الجهاد . وجائز أن يكون قوله تعالى :                       "  وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ " تأويل هذه الآية .. أى واقتلوهم عند القدرة عليهم , وتدل الكلمة على أننا لا                                       نقدم على القتل إلا إذا أنسنا من أنفسنا المقدرة عليهم فلا نلقىإلى التهلكة من غير بصيرة . وقد كان                           جيش المسلمين يقاتل الروم عند القسطنطينية وجيش الروم قدر جيش المسلمين عشرات المرات , فهجم على الروم                    رجل من التنابعين فى الجيش , وقال آخر : لاتلق بنفسك إلى التهلكة , فقال أيوب الأنصارى رضى الله عنه :            ليس هذا المقام مقام التهلكة , نزلت هذه الآية علينا جماعة الأنصار , وإنما التهلكة أن يتأخر الإنسان عن الهجوم              على العدو . وقال إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه هل نقيم فى أموالنا                    ونصلحها ؟ فأنزل الله الخبر من السماء : "  وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " الآية . أى                                                                      لاتتركوا الجهاد وتقيموا بين أهليكم فى أعمال التكسب .

        وجائز أن يكون المراد فة هذه الآية , الرجل يذنب الذنب فيقول لن يتوب الله على وييأس فيلقى بنفسه                  إلى التهلكة , وكلنا نعلم أن الله نهانا عن اليأس من روح الله ومن القنوط من رحمته , وأكثر من يلقون بأنفسهم                      إلى التهلكة هم الجهلاء بأنفسهم وبربهم , فإن الله تعالى إنما قدر المعاصى على العبيد ليندموا ويرجعوا إليه سبحانه                متطهرة قلوبهم ليمنحهم فضل اسمه التواب العفو الغفور , ولينالوا بالتوبة بعد الحوبة جمال اسم التواب فيحبهم الله كما    قال سبحانه :( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )(1)

       ولك أن تفهم فى هذه الآية أن الله سبحانه يعلمنا أن نحافظ على ديننا وأنفسنا وأموالنا وأعراضنا وأوطاننا ,          فنزن أعمالنا وأحوالنا بموازين الشرع الشريف حتى نعيش فى حصون الحفظ الإلهى آمنين فرحين مطمئنين                           " وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " الإحسان مقام التقوى وهو المقام الثالث من مقامات الدين                                                                                           الحنيف فأول مقام فى الدين الإسلامى , ثم الإيمان , ثم الإحسان , فالإيقان . وقد ورد مقام الإحسان مبيناً فى                  قوله صل : ( الإحْساَنُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنّضكَ تَراَهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ  ) والـمقام الأول مـنه هو الشـهود ,                                                                            

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة 222    

 

                                                      أسرار القرآن 

 

والثانى كمال المراقبة لله تعالى , والمراقبة تجعل المؤمن متحققاً بأن الله معه وهو مع الله تعالى , قال سبحانه : " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ "(1) وقال تعالى : " وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " (2)فلإحسان فضل الله العظيم يتفضل                                                                 به على من يحبهم من خاصة أوليائه الذين كاشفهم بمشاهد التوحيد العلية حتى أنسوا بالله وفرحوا به سبحانه , وقد                  كان بعض الصحابة يقول لصاحبه : اجلس بنا نفرح بالله ساعة . ويقول أحدهم : كنا نتراءى ربنا ليلة عرفة                             وهو مقام كمال الإحسان .

         إذا تقرر ذلك فقوله سبحانه : " وَأَحْسِنُوا " أى قوموا لله تعالى بما أمركم به وانتهوا عما نهاكم عنه بإخلاص                    الرعاية لذاته العلية حتى تستغفروا , فإن ذلك من أكمل القربات التى تطمئن بها قلوب الصديقين , وتشكروه                       سبحانه على ماوفقكم له من إقامتكم فى محابة ومراضىه مع اليقين الحق بأن ذلك فضله جل جلاله . وإنما                             المحسنون يعرفون بأحوالهم العلية , التى تجعلهم فى نظر أنغسهم عاجزين عن شكر نعمة الله عليهم , وعلى القيام                       لحضرته جل جلاله بما يستحق منهم , فهم دائما فى خشية من الله ورهبة من حقيقة قصورهم وتقصيرهم وهذا                   معنى قوله تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " أى يحب الذين جملهم بتلك المعانى لأنها من معانى صفاته                                           العلية لأنه هو الشكور وهو التواب , وأكد الخبر بحرف التوكيد لأن حب الله للعبد العقل على أن يتصوره .                       فهو سبحانه الغنى عن الخلق القوى الكبير المتين فإذا أحب عبداً فإنما يحبه بفضله لايعمل ذلك العبد وحوله                         وقوته , وهذا فيمن هو أكمل العبيد فى جانب الله تعالى , فكيف بغيره ؟ . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله                       ذو الفضل العظيم . وهو سبحانه يقيم من شاء فيما شاء , لامعقب لحكمه ولاراد لقضائه .

       والإحسان قد يكون فى كل شىء , قال صل : ( إِذّا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنَوا الذِّبْحَةَ ) وعلى ذلك قد يكون                       الإحسان متعينا عند أهله فى الضرب والقتل وفى التقديروالعطاء والمنع وفى الشدة والين , فإن أهل مقام الإحسان                      ذكروا ففكروا فحضروا , فكان الحق جل جلاله معالم بين أعينهم . ومن أحياه الله الحياة الروحانية فى مقام عين                   اليقين أو حق اليقين لايكون كمن فقد تلك الحياة وكانت حياته حيوانية صرفة .

         قوله تعالى :وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ                           وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى                               مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى                            الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ                                  إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ                                          الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(196)

 

( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ )

         بعد أن بين اللهمن أحكام التوحيد والنبوة وغيرهما مما يتعلق بالمعاملة والعبادة , ذكر سبحانه ركناً                        ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ              

(1) سورة الحديد آية 4                              (2) سورة العنكبوت آية 69 

                                    قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ...(196)

 

من أركان الإسلام وهو الحج , وهذه أول آية نزلت فى الحج فأفادت فريضته على كل مسلم مستطيع . وفى قوله :                     " وَأَتِمُّوا الْحَجَّ " أى وجوب القيام به على الوجه الأكمل , والشروع فيه مالم يكن فرضا فإنه يكون واجباً                            بالشروع فيه فيجب على من شرع فيه أن يتمه , أما إذا كان حجة الأسلام فإنه فضلا عن أن                                               الشروع فيه فرض , فإن إتمامه فرض آخر إذا لم يمنع عذر شرعى من مرض أو إحصار أو قهر وغلبة , ويؤاخذ من              شرع فيه وترك الإتمام قادراً.

       ولك أن تقول : إنما نزلت الآآية لفريضة الحج وللإخلاص فيه لله كما قال تعالى :( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ )(1)  وقال تعالى : ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ )(2)والحج معلوم وهو فى اللغة القصد .                                                                                 يقال حججت فلانا أى قصدته . وفى الشرع : أعمال وأقوال وهيئات مفتتحة بالإحرام مختتمة بطواف الإفاضة .             وأركانه الإحرام والطواف والسعى والوقوف بعرفة . وكل ركن منها فيه فرائض وواجبات وسنن . وقد اتحد الفرض     والواجب عند مالك والشافعى وابن حنبل إلا فى الحج فإن ترك الفرض عندهم يبطل الحج وترك الواجب يجبر         بالدم . وقد فصلت ذلك كله فى كتاب ( هداية السالك إلى علم المناسك ) (3) فليراجعه مريد العلم .

       وظاهر تلك الآية يجعل العمرة فريضة بدليل قوله تعالى : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) وبعضهم يراها                                            سنة ويرى إتمامها سنة أخرى , وأركانها الغحرام والطواف والسعى فى رواية : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) وفى                                     رواية أخرى : ( وَأَقيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) والمعنى : وأتموت الحج بأركانه وواجباته وسننه والعمرة كذلك . وإتمام                                  الحج والعمرة ان يهل الحاج بهما من دار أهله . وقد أهللت بهما من دار اهلى فعاب على من يجهلون عمل أهل             العزائم . وقد قرر الإمام ابن جريرالطبرى عن على بن أبى طالب كرم الله وجهه وابن عباس رضى الله عنهما وعن       سفيات الثورى وسعيد بن جبير , قال : من تمام العمرة أن تحرم من دويرة أهلك , ولك أن تقول فى معنى ذلك أن          تخرج من دويرة أهلك ناويا الحج لا تقصد تجارة ولا غيرها وتهل من الميقات . وكما بينا أن الحج يجب على من شرع   فيه إتمامه ولو كان تطوعا , نفول فى العمرة إنها تكون واجبة بالشروع فيها وإن كانت سنة , وأن قرر كثيرون من      الصحابة فرضيتها كما روى ذلك ابن جرير الطبرى فى تفسيره . وسنفصل ما أجملنا هنا فى تأويل الآيات الواردة       فى الحج إن شاء الله تعالى . وإن كنا فصلنا ذلك فى كتاب ( هداية السالك إلى علم المناسك )

 

( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ )

       الحصر فى اللغة هو الحبس والمنع مطلقا لا فرق أن يكون بعدو أو بمرض أو بغيرهما . وسبب نزول هذه       الآية حصر المشركين رسول الله صل عند الحديبية فى سنتها , وخصوص السبب لا يقتضى خصوص الحكم كما           سبق . ومعنى ذلك أن الله تعالى يبين أحكامه لرسوله صل , أى فإن أحصرتم وأنتم محرمون فلا تحلوا الإحرام إلا بعد    أن تقدوا ما استيسر من الهدى من شاة إلى بدنه , وما استيسر أى ما تيسر للمحرم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 124                          (29 سورة البقرة آية 187

(3) تطلب هذه الكتب من مكتبة دار الكتب الصوفى التابعة لمشيخة الطريقة العزمية 114ش مجلس الشعب .

أسرار القرآن

 

( وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ )

      لما كان حلق الرأس فما دونه من المحظورات على المحرم كان الحكم عليه أن لا يحل إحرامه إلا بعد أن يبلغ         الهدى محله . وبلوغ الهدى محله كما بينه العلماء أن يصل إلى البيت أو ينحر فى مكان الحصر إذا لم يتيسر وصوله      إلى البيت وبعد ذلك يحل تماما , فإن كان الحصر بعدو متغلب قضى الحج أو العمرة , وإن كان بمرض أو فقد زاد        فهو فى حل قضى أو لم يقض .

 

قوله تعالى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ

      معنى هذه الآية أن من كان مريضا مرضا يقتضى أن يترك بعض واجبات الإحرام , أو به أذى من رأسه              كذاك يقتضى أن يحلقها أو يضمدها ففدية من صيام أو صدقة أو نسك . والصيام ثلاث أيام والصدقة إطعام              ستة مساكين . والنسك ذبح ما تيسر له من شاة إلى بدنة . وسبب نزول هذه الآية ما روى عن كعب بن عجرة               أنه أصابه أذى من رأسه فملئت قملا وسرى القمل إلى لحيته وشاربه وحاجبيه فبلغ رسول الله صل فأحضره وقال         له : ( ماَ رَأّيْتُ أَنْ يَبْلُغَ بِكَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ . وأمر بحلاق فحلق له شعره وسأله : هَلْ عِندَكَ شَىْءٌ تَدَّخِرُهُ ؟                               فَقَاَلَ لَا , فَقَاَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ : صُمْ ثَلَاَثَةَ أَيَّامٍ ) . وهنا يظهر أن إزالة الأذى مقدمة على الصدقة                               والفدية والصوم كما أمر رسول الله صل بإزالة الضرر , وكما فعل فى حصر الحديبية لما دخل البيت على أم سلمة     يتضجر فقالت أم سلمة : لا أراعك الله يا رسول الله ما بالك ؟ فقال عصانى أصحابى , أمرتهم بالحلاقة فأبوا .               فقالت : يا رسول الله قم فاحلق وانحر فإن القوم يفعلون , فقام صل وأمر الحلاق بحلق شعره وقام فنحر , فلم              يبق رجل من الصحابة إلا حلق شعره ونحر هديه . وكان تأخيرهم عن الحلق والنحر اعتقادا أن رسول الله صل                    يخفف عنهم رحمة بهم وهم يحبون الأخذ بالعزائم فى كل أمورهم , والعزائم عمل رسول الله صل لا قوله , فقد يقول        للتخفيف و الرحمة ولكنه لا يعمل إلا العزائم , فبدأ صل بالحلق قبل النحر وإن قال بعض العلماء بالنحر قبل الحلق       فقول مرجوح لا راجح .

 

( فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ )

     أى إذا حصل الأمن من المانع الذى هو الحصر , وإذا كان المحرم للحج أو العمرة فى أمن من دار أهله                            وأهل العمرة فى أشهر الحج فعليه فدية لأنه تمتع فى الحرم فى أشهر الحج , والأكمل لإتمام الحج أن يهل الإنسان        بالحج مفردا ثم يأتى بالعمرة فى غير أشهر الحج . وأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة إلى آخرها أو اليوم             الرابع عشر منها , فمن أتى بالعمرة فى الحرم على القول الأول أو فى النصف الثانى من ذى الحجة على القول الثانى   فلا فدية عليه .

    

قوله تعالى : الحج أشهر معلومات ....(197)

 

( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ )

          أى فمن لم يجد الفدية التى يفدى بها من المتعة بالعمرة فى أشهر الحج فعليه أن يصوم ثلاثة أيام فى الحج                  وسبعة إذا رجع إلى أهله " تل: عشرة كاملة " بيان كل البيان , لأن الله تعالى يخاطب بكلامه العزيز كل                         طبقات عباده حتى بلغ من التنزل مبلغاً بينن الحكم مجموعاً ليفهم كل سامع , وهكذا بيانه سبحانه حجة على                                 العالم أجمع حتى لايدعى مدع أنه لم يفهم كلام الله أو لم يجد من يعلمه , والله تعالى فى أحكامه يبينها بياناً يدركه                     كل مسلم مهما كان جاهلاً فإن الجمع هنا فى قوله تعالى : " ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ                   عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ " بيان شاف كما قال تعالى : " وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ                   أَرْبَعِينَ لَيْلَةً "(1) سبحان من له الحجة البالغة والآيات الباهرة .

 ( ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )

          أى ذلك الحكم البين لكل حاج من الأفاق , أما أهل مكة فلامتعة لهم .

( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )

          أى راقبوا الله فى القيام بما أمركم بهوفى الإخلاص لذاته سبحانه , ومحافظة على حدوده تقدس وتعالى , وأيقنوا                    يقينا يقتضى رعاية جلاله وعظمته فى حال قيامكم بأوامره أنه سبحانه يؤاخذ من خالفوا أمره أو نهيه بالعقاب                 الشديد المؤلم , حيث لايكون هناك شفيع ولا نصير ولاظهير يرد عن العصاة قدر الله تعالى الذى بينه فى أمره                    ونهيه .

          قوله تعالى :الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ                        وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ                                التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ(197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ                                رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا                                  هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ(198)

 

( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ )

         تقدم معنى لفظة الحج وقوله تعالى :"أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ " هى شوال وذو القعدة وذو الحجة على قول بعضهم وشوال وذو القعدة وعشرة من ذى الحجة على قول آخرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأعراف آية 142    

 

 

أسرار القرآن

 

قوله تعالى :( َمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ )

          يعنى أحرم بأن أغتسل وصلى ركعتين ولبس ثياب الإحرام ولبى , وبذلك يكون أوجب على نفسه الحج لله               تعالى , لأن فرض الشىء الدخول فيه .

( لَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ )                      

         الرفت هو الجماع فما دونه ولو أن يقول لزوجته : بعد حلى ألامسك وماأشبهه , وكل كلام مع النساء فى                           هذا الشأن فهو رفث ولكن مع غيرهن لايسمى رفثا . " ولافسوق " الفسوق اسم جامع لكل معصية فنهانا الله                       عن المعاصى كما نهانا عن الرفث .

( لَا جِدَالَ فِي الْحَجّ )

        الجدال كل مماراة تغضب الغير لأن الذى فرض على نفسه الحج فى أشهر الحج وجب عليه أن يكون قاصدا                        ربه ليرضيه بالقيام بتأدية مناسك الحج لايشغله شىء غير الحج إلا ماكان ضرورياً من حاجات الإنسان . وكأن                   المحرم تجرد من المخيط والمخيط والطيب وحلق الشعر وقلم الأظافر وما يلى من الشئون الجسمانية ,                         وتجرد أيضا من استعمال لسانه وجميع جوارحه فيما يناسب نفسه الشهوانية والغضبية .

        وإذا كان كذلك فالأخرى أن يكون القلب مستغرقا بكليته فى الحضور مع الله أو فى استحضار معيته                       سبحانه ليكون أشبه بالملائكة المقربين , ويكون فى مقام أكبر مجاهدة فى ذات الله , وبذلك ينال كقصده وهو                     الفوز بتمام الحج وكماله , أن يزور ربه فى بيته . وكيف يتنجس الإنسان بالنجاسات الحيوانية وهومقبل على رب                        البرية ؟ لايقع فى مثل تلك النجاسات إلا من جهل مقصده .

( مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّه )

        بشرى لأهل الإخلاص فى العمل الذين يعاملون اله تعالى معاملة العبد االصادق لسيده القادر . وهذه الآية                 تجذب القلوب إلى علام الغيوب فيسارع العامل إلى مغفرة من ربه وجنة عرضها السموات والأرض . ومتى تحقق                 العبد أن الله يعلم مايفعله من خير فيمنحه عليه الخير العظيم تحصل له البهجة والأنس بما يؤلم غيره من العمال                 خصوصاً فى مناسك الحج , التى هى أشبه بالهجرة من الدنيا إلى الآخرة بتركه أهله ووطنه وماله وتجشمه متاعب               السفر برا وبحرا ومعاشرته لمن لا يعرف ومارقته لمألوفاته جميعها , فإن ذلك كالجهاد أمام الأعداء .

        وبإحرامه الباطن والظاهر من الآخرة بنزاهة سره عنخطور نعيمها على قلبه فى جانب ماهو مقبل                             عليه بسره بعد صقل جوهر نفسه ومواجهته الغيب المصون لها , ويقينه الحق أن الله يعلم ما يفعله , وأن علمه                     سبحانه وتعالى بنا فى مقام قبوله وإقباله علينا ليس كعلمنا بالأشياء , لأن علمه فى هذا المقام علم تنزل وتجل بما                          يليق به جل جلاله بالنسبة لعبد جذبته عنايته من وجوده الباطل إلى الوجود الحق وعبد هذا حاله مع ربه لاتعلم                                نفس ماأخفى له من قرة أعين .

قوله تعالى : ليس عليكم جناح ... (198 )

 

(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ )

 سبب نزول هذه الآية أن الحجاج كانوا إذا خرجوا للحج لم يحملوامعهم زادا , وكان من يحمل منهم يرميه                        فى الطريق ويقول : إنا خرجنا لله أفلا يطعمنا ويسقينا ؟ ... وكان بعضهم يقول : إن الله حرم علينا الطيب والنساء                        وقص الشعر والظفر ولبس المحيط والمخيط , أفيحل لنا التجارة ؟ ويتركونها . فأمر الله من تركوا الزاد بقوله تعالى :                       " وَتَزَوَّدُوا "وما كان الأمر باتخاذ الزاد عاما للأشباح والأرواح بين سبحانه وتعالى خير الخيرين لتكون همتهم                     متوجهه إلى خيرهما . قال سبحانه:" فإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى " لمعنى والله أعلم  : تزودوا زاد الأسباح حتى                                                  يغنيكم الله عن سؤال الخلق فى تلك الدار الدنيا لتتفرغوا لتأدية مناسك الحج مع فراغ قلوبكم من هم الرزق                        وتزودوا لأرواحكم بالتقوى لتنالوا مقاصدكم الروحانية فى الدنيا من مزيد العرفان وكمال الشهود وصحة اليقين ونيل              القبول من الله تعالى أ نتم تحجونه , وتفوزون يوم القيامة برضوان الله الأكبرفى مقعد صدق عند مليل                                مقتدر.

           ولك أن تقول : إن فى هذه الآية حذفا تقديره : وتزودوا زاد الأشباح والأرواح ثم قال سبحانه : " فإِنَّ خَيْرَ   الزَّادِ التَّقْوَى " هى زاد الأرواح , والتقوى كما بينت لك سابقا مراقبة الله تعالى مراقبة حضور أو استحضار فى كل                       قول وعمل وحال. ولما كان المراد بقوله " وَتَزَوَّدُوا " هنا أى فى الحج ناسب أن يجعل التقوى عامة فى الحج وفى                      غيره فقال سبحانه :  " وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ " أى أديموا مراقبى فى كل نوع من أنواع العبادة وأنواع المعاملة                                                 والآخلاق . ولما كان الله تعالى لايخاطب بهذا الخطاب إلا من يعقل عنه أمره ونهيه وخبره خص هذا الخطاب بأولى                          الألباب وهم أهل العقل الذين يعقلون عن الله تعالى .

( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ )

          ثم خاطب من كانوا يمتنعون عن جلب المنافع المباحة فى الحج من تجارة وخدمة فقال سبحانه :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) وتلك الآية مرتبطة بالتى قبلها . ولما كانت أعمال المناسك ابتغاء                                                 الفضل من الله , وكان طلب مالابد منه لحفظ الأشباح فضلا منهجل جلاله قال سبحانه : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ                  جُنَاحٌ ) الآية . ومعلوم أن الله وضع الأسباب والأواسط لنعمل ونشهده سبحانه الفاعل المختار المعطى , فالعمل               لضروريات الدنيا بل وكمالياتها عبادة إذا شهد العامل أنوار الرزاق الوهاب القادر فى عمله .

        ولما كان الكون ومافيه مظهرا لظهور معانى الأسماء والصفات الربانية , كان مايحصله العبد العارف من               الكون سبباً فى استحضار جمال ربنا جل جلاله بالنسبة لأن الأكوان مظاهرلمعانى صفاته . أما حضرة السم :                   " الله " فهو علم على الذات الواجبة الوجود التى تنزهت وتعالت عن أن تحوم الأرواح الكاملة حوالى فناء عزتها                وعظمتها . ولذلك قال تعالى فى مقام هذه الحضرة : " وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ " فإن تقوى الله تعالى لاتكون إلا                                            بالأرواح الكاملة , وتقوى الربونية تكون بالجوارح المحصنة فى حصون الشريعة التى خلق الله الكون إمدادا لها,                       لتقتبس الروح مما فيها من أنوار آيات الله وأسراره العلية , وهذا سر قوله تعالى : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا          فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ )

                     

أسرار القرآن

 

      أى تتجرون وتصنعون الصناعات وتزاولون المهن والحرف لتنالوا فضل ربكم من القوت واللباس والمأوى والغنى                عن شرار الخلق بالفضل من ربنا جل جلاله , لتناول ماكنزه لنا فى هذا الكون بجوارحنا التى أهلها لذلك . سبحان               من خلقنا وخلق أرزاقنا وألهمنا العمل بها لنيل مالابد منه وأكمل .

( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ )

      الإفاضة هى النفرة بعد غروب شمس اليوم التاسع من ذى الحجة , فبين لنا جل جلاله أن نجعل                            الإفاضة من عرفة ليعيدنا إلى ما كان عليه الخليل عليه السلام , فإنه لما خرج ومعه جبريل بعلمه مناسك الحج                لقيه إبليس فى الطريق فرماه بسبعة أحجار وكبر عند الجملرة الأولى ففر أمامه , ثم تعرض له فرماه بسبعة أخرى حيث               الجمرة الثانية ففر أمامه , ثم تعرض له فرماه بسبعة أخرى وكبر حيث الجمرة الثالثة ففر منه حتى وصل إلى الجبل                    فقال له جبريل : عرفت ؟ فقال : عرفت – فسمى عرفات . فقوله تعالى : ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ        عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) المشعر الحرام كل مزدلفة حيث أزلفت فيها الخليل عليه السلام وأتم ليلته فيها وقام منها فى                           الغلس , والبيوتية فيها من المناسك , وذكر الله فى المشعر الحرام موسع فيه صلاة ودعاء وشكرا وحمدا وتسبيحا ..                 

( وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ )

          فرض علينا سبحانه أن نذكره ذكر المستحضرين إحسانه إلينا بهدايتنا إلى ماكان عليه الخليل عليه السلام                  دينا وعبادة , وأنه وفقنا لما هدانا إليه للعمل الذى يرضاه منا .

( وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ )

        تأويل هذه الآية : إما أن تكون (إِنْ ) بمعنى ( ما ) واللام بمعنى ( إلَّا) ويكون تأويل الآية وما كنتم من                     قبله إلا من الضالين الذين هم على غير رشاد وهدى , ولك أن تقول ( إن ) بمعنى قد وتكون الآية : ةقد كنتم من                 قبله لمن الضالين .

         قوله تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ                 رَحِيمٌ(199)فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا                                    فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ(200)وَمِنْهُمْ                            مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(201)                                                أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)

 

( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ )

          يعـيد الله أمر مناسـك الحـج إلى ماكانت عـليه فى زمان الخـليل عليه السـلام فـإن قريشا قالـوا : إنـا أبـناء الخليل

 

قوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم ... (200)

 

 وحماة حرمه ولاينبغى لنا أن نعظم غير الحرم غير الحرم فنقف على عرفة بل يجبف فى الحرم وهم قبائل ( الحمس )                وكان العرب يتجاوزن  الحرم إلى عرفة فيقفون عليه فأمرنا الله تعالى أن نحج حج الخليل ونحفظ مناسك الله تعالى              بقوله : ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) والمراد بالناس هنا الخليل وأولاده . وجائز أن يكون المراد العرب                                                        الذين كانو يفيضون من فوق عرفة .

 ( وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )

      فرص علينا الرجوع فى الإ فاضة من عرفة لامن غيره لأنه موقف الخليل عليه السلام ومنه أفاض راجعاً                   إلى مزدلفة . ويأمرنا سبحانه أن نطلب منه المغفرة لذنوبنا مبيناً لنا أنه غفور لخطايانا رحيم بنا , خصوصا ً بعد أن              أقامنا فيما يحبه فوفقنا لإقامة مناسك الحج حيث آنات الإجابة وأماكنها .

( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا )

       سبب نزول هذه الآية أن المشركين كانوا إذا أتموا الحج أخذوا يتفاخرون بآبائهم , فمنهم من يقول : كان أبى                    كريماً ينحر البدن . ومنهم ممن يقول : كان شجاعاً يذود عن قومه . ومنهم من يقول : كان سيدا مطاعاً فى قومه                    فأخبرنا الله تعالى أن نستبدل ذكر الآباء بذكره سبحانه الذى له الفضل والنعمة والمنة علينا بما أولانا من سوابغ           آلائه وأمدنا به من عنايته وهدايته لنا , حتى كنا أمة خير الأنبياء وسيدهم الذين مدحنا الله بقوله : " تَأْمُرُونَ        بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ "(1)

 

        وذكر الله بعد تمام المناسك دليل على أن الله زكى نفوسنا حتى سبحت فى عالم ملكوت السموات                    والأرض مواجهة الحقائق التى تستبين بها أسرار الغيب المصون , حتى وقعت العين على جلائل آيات الله العظيم                 إحسانه إلينا ظاهراً فكان الله تعالى أقرب إلينا من أنفسنا التى بين جنوبنا , فضلا عن والدينا وأهلنا وأبنائنا , حتى                   تمثلت الأرواح أنواره , وتصورت العقول جماله وجلاله , وسجدت إعظاماً لكماله المنزه , فبذلك يكون الذكر عن                  كشف وعيان لا عن حجة بعقل وبرهان ..( أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ) أى لوقوع الحجة الشهودية التى أضمحل عندها                     ماللوالدين من الآثار وما للنفس التى هى الجنين من المنافع والمصالح .

( فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ )

         معنى هذه الآية أن الناس يذكرون على قدر معرفتهم , فالجاهلون بأنفسهم جهلوا ربهم فطلبوا ماهو خير                 عندهم مما يرونه ملائما لطبائعهم ولذة وحظاً لحسهم , فيقولون ربنا آتنا إبلاً وغنماً وألاداً وغير ذلك . وهم                            الذين لم تنفذ بصائرهم من أفطار السموات والأرض لأن الحس والجسم حجبا العقل والروح عن مطالعة مافوق             الكون من أسرار الغيب المصون الذى أمرنا الله تعالى فى القرآن المجيد أن نتفكر فيه ونتدبر , ونسعى فى تحصيل             العلم به ليكمل يقيننا . وهؤلاء لانصب لهم يوم القيامة لأنهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران  آية 110

أسرار القرآن

 

 

( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )

       وهم أهل العلم الذين زكى الله بالعلم نفوسهم وطهر به من الرجس جوارحهم , فسألوا الله الفوز                        بالسعادتين : فسعادة الدنيا بالعافية والأمن والقوت , وسعادة الآخرةبالمغفرة والفوز بالنعيم المقيم . والحسنة فى               الدنيا هى كذلك تيسير مالابد لالعبد منه من أمن وعافية وقوت , وصرف أنفاسه فى طاعة الله تعالى بعد فراغ قلبه                             من تحصيل مالابد له منه ليقوم بأوامر الله تعالى مطمئن القلب , مستريح الجسم من عناء الشغل بغير ذلك .                   ولذلك كان السعى فى طلب مالابد منه من عبادة الله لأنه وسيلة لكمال العبادة .

(  وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)يسألون الله تعالى أن يحفظهم من عذاب النار فى الدنيا وعذاب النار فى الدنيا هو الوقوع                فى معاصى الله تعالى التى توعد الله بها من خالفوا أوامره سبحانه بدخول جهنم . وليس فى الآخرة أعمال يجازى                    عليها العبد بخير أو بشر إنما الأعمال فى الدنيا .

( أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ )

       الإشارة إلى من أخبر الله عنهم فى الآية السابقة . أى هؤلاء القوم لكل فريق منهم ( نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا )                      إن خيراً فخير وإن شرا فشر . ( وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) يعنى أن حساب الله وإن ظن الإنسان أنه بعيد فى                الدنيا أو نسيه أهل الجهالة فإنه سريع بتحقيق وقوعه , وهو واقع فى الدنيا لأنها سببه , والواقع قد                          يتحقق وقوعه فى الدنيا أو فى الآخرة , فقد يعاقب الله أهل الكفر به وأهل المعاصى بالانتقام منهم فى الدنيا قبل                   الآخرة ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .

       ( نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ) هو القسط الذى يناله العامل فى الدنيا بحسب عمله . ويظهر أن قوله :                                  " أُولَئِكَ " عائد إلى الذين يقولون : " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"

          قوله تعالى :وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ                     وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)                                           وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ                                   أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ                                 وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ                              فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ(206)

( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ )

        أمرنا الله تعالى بذكره فى أيام التشريق التى بعد يوم النحر لمعان ثلاثة :    

 

 

قوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله ...(204)

 

          المعنى الأول : أنها أيام إجابة وقبول من الله تعالى للأعمال .

والمعنى الثانى : أن الأبدان والنفوس تكون فيها طاهرة وتلك الطهارة متحققة فى الحجاج لما وفقهم الله                لعمله, ومتحققة فيمن أقعدتهم الفاقة فإنهم وإن لم يشهدوا تلك المشاهد فلهم قلوب نحن إليها وتشتاق , وبهذه                النية يكونون على جانب من الطهر الذى يجعلهم مقربين من الله تعالى فيستجيب لهم سبحانه ويسمع منهم سماع                إجابة .

         والمعنى الثالث : أن تلك الآيام قد تحصل فيها الغفلة لغير أهل المراقبة بسبب بهجة العيد وفرح المسلمين به                فيشغلهم الفرح بالعيد عن واجب الوقت المبارك . وبذلك تألف النفس ذكر الله فى كل وقت , والذكر الذى                   يأمرنا الله تعالى به هو التكبير والتهليل والتسبيح عقب كل صلاة .

( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى )

          هذه الاية وسع الله بها علينا فبين لنا أن الذى فرض على نفسه الحج وأتمه ,, فرمى الجمرات وطاف طواف              الإفاضة فى النحر ثم أتم الجمرات الثانية والثالثة فى اليومين ورجع إلى مكة لحاجة تقتضى أن يعود لأهله بعد                          اليةمين فلا حرج عليه ولا مؤاخزة , بل يكون أتم الحج والعمرة لله كما أمر جل جلاله , بشرط أن يكون مراعيا ً            حقوقا رعاية أهل التقوى العاملين بما كان عليه رسول الله صل والأئمة الهداة من بعده , ومن تأخر بأن أتمها                ثلاثة أيام مع رعاية التقوى أيضاً ف5لا إثم عليه وله من الأجر أجر مازاد من العمل على من سبقه .

( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )

        "  وَاتَّقُوا اللَّهَ "أى راعهوا التقوى فى كل أعمالكم " وَاعْلَمُوا " أى تحققوا "  أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ " أى             تبعثون من قبوركم وتحشرون إليه ليجازى كل عامل بما عمل فيغفر ويتفضل ويحسن ويحاسب ويعاقب .

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ )

         سبب نزول هذه الآية أن الأخنس بن شريق حليف بنى زهرة من الطائف قدم على رسول الله صل فادعى                أنه قدم للآسلام لالغيره , وأقسم بالله ومدح نفسه بمحبته  فى الإسلام ورغبته فيه , وبعد أن تولى من أمام رسول              الله صل ذهب إلى زرع بعض الصحابة فأحرق الزرع وعاقر الخمر وولى , وفى بعض المنافقين أيضاً الذين              تكلموا فى سرية القراء المرسلين ليعلموا قبيلة من قريش الإسلام وقدم منها وفد منها وفد على رسول الله صل والتمسوا أن يرسل معهم عليه الصلاة والسلام رجالاً قراء يعلمونهم أمور دينهم , فأرسل معهم خيرة قراء المدينة فأخذوهم                            حتى رفعوهم عل جبل هناك وجرد وهم من السلاح وأرادوا أن يقدموهم إلى قريش ليقتلوهم فدية عمن قتلوا فى بدر            فأبى الصحابة أن ينزلوا , فداهمهم سبعون قريشاً فقتلوهم وأسروا خبيباً رضى الله عنع فحبسوه فى مكة عند امرأة                                     ممن قتل أقاربها فى بدر , فكانت المرأة ترى من خبيب الأعاجيب التى يكرمه الله بها , فترى عنده العنب فى غير              

أسرار القرآن

 

  وقته والطعام الذى لايكون إلا فى الجنة حتى قتله المشركون صلباً , وكتنوت كلما أرادوا أن يصلبوه محولين وجهه عن القبلة جاهر أن يحول وجهه إليها فقال مرتجزاً قوله المشهور :

       ولست أبالى حين أقتل مسلما .. على أى جنب كان لله مضجعى

       فلما بلغ رسول اله صل أرسل عمر بن أمية الضمرى ساعى رسول الله صل أن يأتى بجسمه , وكانت                             قريش تتشاءم لأنه كان من مشاهير الصعاليك كعنترة العبسى والربيعة بن مكدم والحارث بن مرة الحنطلى , فلما                قام إجابة لأمر رسول الله صل كان يمشى ليلاً ويختفى نهارا حتى دخل مكة ليلاً فرآه بعض قريش فأوجسوا منه                  خفية ولكنه قام بالليل فحمل خبيبا وسافر به إلى المدينة غير هياب ولاجل من القوم , وكثر فى هذه الحادثة لغط                      المنافقين المنكرين على إرسال القراء شكاً فى الرسالة وجهلاً باختيار الله ما اختاره للقراء من الشهادة . وإن كان                     سبب نزول الآية خاصا عا فى كل من أرتكب ماارتكبه هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة . والمعنى : ومن                    الناس من يتكلف أن يجمل ظاهره بقول المسلمين وعملهم , ويقسم بالله على صدقه وعمارة قلبهبالإيمان , والذى                   فى قلبه هو ألد الخصام أى أعوجه وأنكاه وأشده .

( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ )

        أى إذا أثبت لديه أنه قبل إيمانه وعد من المسلمين وحفظ من مراقبة فى أعماله السيئة . والإفساد ضد                   الإصلاح , والحرث هنا الزرع . والنسل : نتاج الحيوانات , أو إسعار الفتنة فيهلك الناس بسببها . ( وَاللَّهُ لَا            يُحِبُّ الْفَسَادَ ) أى لايأمر به وإن قدره, والذى يحبه الله هو ماأمر به كما قال صل فى الحديث القدسى بسند                     البخارى : ( وما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلى من أداء ماافترضته عليه ) فكان فرائض الله هى محابه                   وترك القيام بها هو مباغضه.

( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ )

        يخبرنا ربنا عن هذا المنافق الكذاب أنه وقع فيما يدل على كفره ونفاقه وجحوده وذكره مذكر بالله أخذته                      عزة كبرياء الجاهلية وغرورها وعزت عليه نفسه الخبيثة أن يقبل الذكرى , قال تعالى : " فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ         الْمُؤْمِنِينَ "(1)وأبى أن يسمع أو يطمع فحكم الله عليه بالخلود فى جهنم قائلاً : "فحسبه" أى كفايته الخلود                                      فى جهنم " وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ " أى وساء فراشه ووطاؤه . وفى ذلك وعيد لمن ينسون يوم الحساب ممن يدعون                         الإسلام وليسوا منه فى شىء , كالذين يرتكبون المنكرات علنا ويصرفون أنفاسهم فى الملاهى والمعاصى غافلين عن                      الدين قلبا وقالباً بل حرباً على أحكامه , أعاذنا الله من سوء القضاء وقضاء السوء .

       قوله تعالى :وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ                    بِالْعِبَادِ(207)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ                                                              ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1 ) سورة الذاريات آية 55

 

قوله تعالى : ومن الناس من يشرى نفسه ...(2-7)

 

 

الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(208)فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ                                     فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(209)هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ                               الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(210)سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ                                 كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ                                الْعِقَابِ (211)

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ )

        سبب نزول هذه الآية الشريفة رجال من أصحاب رسول الله صل منهم صهيب بن سنان وأبو ذر الغفارى              وعمار ووالده ياسر وأمه سمية وبلآلمولى أبى بكر وغيرهم من جلة الصحابة رضى الله عنهم باعوا أنفسهم لله عز                 وجل . ولك أن تقول إن سبب نزول هذه الآية أن الله تعالى ذكر اهل الكفر به فى قوله تعالى : ( فَمِنَ النَّاسِ مَنْ       يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) وذكر بعدهم أهل النفاق بقوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) إلخ الآية . ثم ذكر أهعل الإيمان بالله ورسوله بقوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي                                 نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) هذا بسبب سياق الآية .

        أما الذى يظهر لأهل العلم بالله منها فإن الله يبين أحوال أحبابه الذين اجتباهم لحضرته فيقول : ( وَمِنَ            النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) أى يبيع نفسه . و( ابْتِغَاءَ ) نصبت على حذف الخافض أى                                                                لبتغاء . وهم الذين باعوا أنفسهم لله تعالى لنيل محابة ومراضيه فجاهدوا فى سبيله بين الصفين وفى مواجهة                         العدو , أو بأن أقامهم الله تعالى فيما يحبه ويرضاه  فأمروا بالمعروف حيث المخاوف العظمى , ونهوا عن المنكر غير هيابين ولا وجلين مما يصيبهم فى سبيل ذلك من باغ أو ظالم .

( وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ )

      الرأفة هى الرحمة الواسعة جدا , فإن الحمن هو المنعم بجلائل النعم الكونية و والرحيم هو المنعم بجلائل                النعم الأخروية , والرؤوف هو المنعم بالعواطف والعوارف والمنازلات والتجلى بأسماء جماله سبحانه . وهنا قال تعالى          " وَاللَّهُ رَءُوفٌ " إشارة إلى أن هؤلاء القوم رفعوا إلى مقام القرب حيث تجاوزوا مقام الرحمن الرحيم إلى الرؤوف فى             مواجهة وجهه العلى العظيم . وقوله " بِالْعِبَادِ " ــ أل ــ هنا للعهد , أى العباد المخصوصين الذين سبقت لهم               منه سبحانه الحسنى . وهؤلاء فى الدنيا أنسهم الله تعالى فوق أنس أهل الجنة يوم القيامة .

      وناهيك بهذا الأنس الذى كان لأبى بكر رضى الله عنه فى يوم الغار , حيث قال لرسول                                  الله صل : أدركنا , ها هم القوم فوق رؤوسنا , ولو نظر واحد منهم إلى قدميه لأبصرنا . فقال                            رسول الله صل : " لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا "(1) فكان أنس أيى بكر لاضى الله عنه بمعية الله له فى الغار فوق أنس أهل                                      الجنة يوم القيامة بالنعيم المقيم ــ وأهل هذا المقام فى مقعد صدق عند مليك مقتدر , وشتان بين من يكون عند                      مشتهياته الدائمة السهلة اللذيذة , وبين من يكون مواجها لوجهه الجميل جل جلاله ــ وهذا معنى قوله تعالى :                  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة آية 40

 

أسرار القرآن

 

 

" وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ "رأفة بتفضل بها عليم بأن يرفع مقامهم عما يشغل أهل الجنة من بهجة وأنس ولذة مما                 يلائم هياكلهم الحسية . وبين بهجة الإنسان بلذات أغضائه , ويهجته بمشاهدة وجه الله بون شاسع لايتصوره                                  عقل عاقل , إنما يتصور ذلك الأرواح التى هى من نور الله .

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ )

      يخاطبنا ربنا جل جلاله ينداء القريب من القريب , ليؤنس قلوب أهل الإيمان بأنه تنزل بجماله الدال على                          عنايته سبحخانه بنا ببيان ما يقربنا إليه ويدخلنا فى حصون أمنه سبحانه . وإن كان ينادى الكفار فإنما يناديهم نداء              من يعلمهم أنه قادر قوى قهار – أما هنا فنداء رحمة وحنان فوق نداء الوالدة الشفيقة لولدها إذا شفقت عليه                    فنادته : لاتقرب من المؤذيات وافعل كذا من الخيرات – فالله تعالى يأمرنا وهو يعلم أننت موقنون بالدخول فى                  السلم بكسر السين أو بفتحها بمعنى الإسلام والسلام .

      وفى قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " إشارة إلى أن القلوب صدقت وبقيت الجوارح لم تعمل ,                                             فيعلمنا الله أن الإيمان بالقلب وهو التصديق لايكفى فى كمال الإيمان , بل الواجبي على كل واحد يدخل فى                                        السلم أن ينفذ أوامر الله من العبادات والأخلاق والمعاملات الحسنة حتى يقيم الحجة بأنه مؤمن بالله ومسلم له                  سبحانه , وبذلك يكون داخلاً فى السلم حقاً . " فِي السِّلْمِ " حال من " ادْخُلُوا " وقد يكون الحال من واو                         الفاعل فى ك " ادخلوا " وقد يكون من قوله : " فِي السِّلْمِ " أى بكل أوامر الإسلام بقدر طاقتهم وانتهوا عن                             نواهيه كلها , فإن المسلم واجب عليه أن يقوم بكل ماأمر به بكل الاستطاعة , وأن ينتهى عما نهاه الله عنه                                   مطلقا , اللهم إلا مارخصت فيه الشريعة بأن هدد بالقتل أو بترك ماله أو بشرب الخمر أو ماأشبه ذلك فإن له مندوحةالعمل , وليس له أن يلقى بنفسه إلى التهلكة إلا إذا قهره الوجد الصادق فى مشاهدة جذابة                           للقلب إلى نيل رضوان مواجه به ومشهود له " وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ " الخطوات هنا المناهج والسبل , وفى                                           هذا إجمال , ثم فصل هذا الإجمال بقوله : " إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " والعداوة البينة هنا لاتتحقق إلا بعد العلم                                       بالنفس وبحقيقه الشيطان . وقد بينت لك حقيقة الشيطان فى كتاب : ( الطهور المدار)(1)وحقيقة آدم وسبب                                   العداوة التى كانت بين آدم والشيطان وورثها أبناؤه . وخطيئة إبليس الكبرى الحسد . وخطيئة آدم الكبرى التى              تمكن إبليس بها منه هى , وكلاهما فطرتان فى هاتين الحقيقتين . فما كان من الفطر انتسخ فى                                   بنية , ولتلك الفطر أمرنا الله بجهاد الطبع الخبيث والنفس الأمارة بالسوء والنفس الشهوانية باتباع الشريعة المطهرة ,           والمحافظة على العمل بما جاء به رسول الله صل من عند الله تعالى وما فينا من الأعضاء المؤهلة لقبوله – قال                   تعالى :  " وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا "(1)

 

      ولذلك فإن النفوس المطمئنة وإن كانت دواعى الشرور التى تقتضيها البشرية لاتنزع منها بل هى فى                              غريزتها , إلا أن الله لم يجعل للشيطان عليها سلطانا , فقد يقع المؤمن فى كثير من الخطايا التى لم يتوعد القرآن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يطلب من مكتبة دار الكتاب الصوفى بشارع مجلس الشعب رقم 114        (2) سورة الشمس آية 7-10

 

قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم ...(210)

 

 

أهلها بالنار كالتوسع فى المباح وكالتوسع فى صرف الأموال فى الأوجه المباحة وكالتغالى فى صرف الأوقات فىالعلوم  التى ليست لازمة للآنسان , وكصرف الأوقات فى الملاذ . كل ذلك ليس محرما على المسلم ولكن الله يخفظه عند          هجوم نيران الفتنة والشهوة التى يسعرها الشيطان فيحفظه تعالى لشدة مراقبته لجنابه العلى . قال تعالى : " إِنَّ        عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ "(1)العباد هنا هم الذين يخبرنا الله عنهم فى تلك الآية بقوله تعالى :                                                        " وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ " وقد فصلنا إجمال تلك العداوة وهمم الشيطان التى يسعى لوقوعها منا فيما تقدم من                                           قوله تعالى : ( إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )(2)وجائز أن نؤول هذه الأية                                                                                                                                  بما أولها به أهل العلم  من أن قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) المخاطب به من أمنوا بموسى وعيسى الإيمان الذى                         يرضاه الله من العباد – ويكون قوله تعالى : ( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) أى ادخلوا فى الإسلام جميعاً وهذا                                          التأويل لاينتع ما بيناه فى تأويل الآية من قبل .

 ( فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )

        معنى هذه الآية أن الله يخاطب أهل الإيمان بنبيه محمد صل أو أهل الإيمان بموسى عليه السلام : يقول                      سبحانه إن حصل منكم الزلل وهو مخالفة ماجاء به الرسول صل لأهل الإيمان , أو إن أنكرتم مابينته فى التوراه                                   من صفات رسول الله  صل وجحدتم ذلك افتراء على وتكذيبا له عليه الصلاة والسلام . "  مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ        الْبَيِّنَاتُ  " ومجىء البينات وضوحها وشهودها حسا وعقلاً بالحجج القويمة . فاعلموا أن الله تعالى من بعد جحودكم                           وإنكاركم ياأهل الكتاب , أو بعد مخالفتكم ياأهل الإيمان .. عزيز , أى شديد العقوبة  قهار فى انتقامة .                     حكيم , يعاقبكم بالعدل والحكمة لأنكم بمخالفتكم ماجاءكم ياأهل الإسلام , أوبإنكاركم وجحودكم  ياأهل                                الكتاب , تستحقون شديد العذاب فى يوم لاينفع فيه مال ولابنون ..

( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)

       قبل أن نبين تأويل هذه الآية الشريفة نتكلم مع أهل الإيمان .. كلنا نعتقد أن ذات الله تنزهت وتعالت                    وأسماءه العلية وصفاته االمقدسة  وأفعاله الربانية ليس كمثلها شىء . والواجب علينا أن نسلم أخبار الله فيما يتعلق        يتلك الكمالات العلية لأنها آيايات متشابهات والله تعالى يقول :" هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ                         مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ " إلى أن قال : " وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ              رَبِّنَا " (3)

        والإتيان فى اللغة الانتقال من مكان إلى المكان الذى يستلزم الحركة والسكون وهذا مستحيل عللى الله                 تعالى , فإتيان الله فى هذه الآية يجب أن نسلمه له سبحانه إذ الإتيان معلوم والكيف مجهول والبحث فيه بالعقل                             بدعة والتكلف بالكلام عنه ضلالة . وقد تأوله بعض العلماء بمعنى يأتى أمر الله أوعذابه أو حسابه على حذف            

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الإسراء آية 65                                   (2) سورة البقرة آية 169

(3) سورة آل عمران آية 7

أسرار القرآن

 

 

مضاف و"هَلْ" هنا بمعنى ما . والمعنى ماينظرون بعد تكذيبهم وإنكارهم ومخالفتهم إلا أن يأتيهم الله فى ظلل               من الغمام والملائكة . وهذا كلام مسوق مساق التهديد الشديد والإنذار الأليم من الله تعالى

      قوله ( فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ ) بالرفع عطفا على الأسم الأعظم يعنى أن يأتيهم الله كما يشاء فيما                                             يشاء من ظلل وجمال وجلال وكمال . والملائكة يأتون , وفى رواية : ( إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ                  الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ ) فيكون قوله : ( فِي ظُلَلٍ ) عائداً إلى الملائكة . ولك أن تقول :( وَالْمَلَائِكَةُ ) بالجر ويكون المعنى يأتى                    الله فى ظلل من الغمام وفى الملائكة .

       وهنا إشارة خفية أن الغمام الذى يذكر فى هذه الآية هو الذى ذكر فى قصة التجلى لموسى علي السلام                    حيث كانت تغشاة غمامة النور ولاتكون تلك الغمامة إلا دليلاً على انكشاف حقائق غيبية من كلام الله او من                     صفانه . ولما كان يوم القيامة يوم انكشاف الحقائق كما قال تعالى  مخبرا عن الكفار : " رَبَّنَا أَبْصَرْنَا                   وَسَمِعْنَا "(1)فستنبط من تلك الآية الشريفة أن الغمام الذى فيه الله تعالى يدل على انكشاف الحقائق لكل                                 أهل المحشر , فيرى كل إنسان فى المحشر من مؤمن وكافر ماأخبرت به الرسل عليهم السلام من الغيب المصون                                           الذى وصل إلينا بطريق السماع لا بطريق الحس والعقل , وفى ظهور تلك الحقائق وانبلاحها لأهل المحشر قيام                   الحجة الظاهرة على فرح المؤمن بها وذل الكافر, فإن أهل الإيمان إذا انكشفت عنهم الحجب وأتى الله فى ظلل من                الغمام حتى ظهر بصفاته جمالا وجلالاكما ظهر لموسى بصفة المتكلم تكون تلك الساعة أسعد أوقاتهم , وهنا تتم                      علينا النعمة . وإذا انكشفت تلك الحقائق لأهل الكفر بالله حل بهم السوء وعلاهم الذل والخزى , وتمنوا جميعاً أن            يكونوا ترابا ولم يشهدوا تلك الحقائق التى قامت بها عليهم الحجة أنهم  كانوا فى ضلال وكفر أعاذنا الله وأنجانا من            هذا المشهد , ونعم عيون بصائرنا بهذا النور فى الدنيا قبل الآخرة . والظلل جمع ظله وهى الكمية السميكة من                          الغمام .   

     وهنا أنبه إخوانى حفظنى الله واياهم من أن يقولوا على الله مالايعلمون . فإن الكلام صفة المتكلم وكلام                  الله تعالى صفته العلية , فيجب أن نقف موقف الأدب مع كلامه جل جلاله فنسلم له متشابهه ونفهم محكمه بما               بينه رسول الله صل بقوله وعمله وحاله . ومالم يرد عنه صل يجب علينا أن نبحث عنه فى أقوال وأعمال وأحوال               الصحابة والتابعين من الأئمة الهداه الراسخين فى العلم , وما يتعلق بالأحداث الزمنية التى لم يتكلفوا الكلام عنها                     حتى تحدث فهذه نفهمها بالوسائل التى وضعتها الشريعة , بعد تزكية النفس وتطهير السر وحفظ الجوارح ورعاية جلال الله تعالى . ثم نستفتى قلوبنا بعدطهارتها من الحظ واالهوى والطمع والحسد , بل بعد التبرئة من نزعات                   النفوس الأمارة بالسوءوسوء الطبع وصولة النفس الشهوانية , وبعد أن يكون حرصنا على العمل بما نعلم لدينا               أعظم من تعلم مالانعلم , ورغبتنا فى نجاة أنفسنا أولا وبالذات أكبر من رغبتنا فى نجاة غيرنا , وبعد أن نعلم حق                 العلم أن الله ينفع الناس بعلمنا وعملنا وحالنا , وأنه تعالى ينفعهنا بما وفقنا له وأعاننا عليه , فإن للشيطان دسائس                                     تخفى على أهل المقامات العالية . ومن ذلك إخراج آدم من الجنة , ونزغه بين يوسف وإخوته وتسلطه على بلعام                    ابن باعوراء , وإفساد لقلوب الحواريين أصحاب عيسى عليه السلام حين قال له بطرس لما أن أحيا                      

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة السجدة آية 12

 

 

قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم ...(210)

 

 

( العاذر) أنت الرب . وما فعله بفتى موسى عليه السلام حين قال : " وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ "                 (1)قال رسول الله صل : ( إِنَّ الشِيْطَانَ لَيَجْرِى مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ )

      وكل أخ لايجاهد نفسه فى ذات الله معاديا نفسه وشيطانه هلك مع الهالكين , أعاذنا الله من سوء الطبع                                  وشر النفس الأمارة بالسوء ومن مكائد الشيطان الخفية , ومنحنا الله كمال الأدب فى فهم كلام الله وكلام رسوله          صل ومنحنا دوام الخشية من الله تعالى حتى لانرىلنا حولا ولا قوة , بل نشهد لنا قولاًولاعملاً إلاونخاف                  أن نعاقب عليه , بل ونستغفر الله منه ونتوب إليه كما علمنا الله تعالى بقوله : " إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ        النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا "(2)وفى قوله :( وَاسْتَغْفِرْهُ )                      مكنون العلم الإلهى الذى به معرفة النفس ومعرفة الرب جل جلاله , فإن الاستغفار بعد مجىء نصر الله والفتح                   ودخول الناس فى دين الله دليل على أن الإنسان لا يأمن مكر الله تعالى ولو أن إحدى رجليه فى الجنة , كما أنه لا                      يقنط من رحمة الله ولو أسرف على نفسه كما قال تعالى: " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ       رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " (3)والسعادةوالنجاه فى الدنيا والأخرة سبيلها فى                                                                                           إذا البحر اللجى الأدب مع رسول الله صل وحفظه فى سنته . كان عليه اصلاة والسلام يكثر الاستغفار                 خصوصا عقب الصلاة وعقب مجالس العلم ليجملنا بالجمال الذى يحبه الله ويقبلبه علينا . هذا وإنى أزيد                    إخواننا بيانا فأقول لهم : إن الخشية فى القلوب والخشوع فى الجوارح , فمن خشعت جوارحه تأدباً مع رسول الله                     صل خشى قلبه وخشعت جوارحه مع الله والله ولى المؤمنين .

( قُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)

        أى نفذ الله تعالى قدره على عباده أزلاً من دورة الكون فدورة البرزخ فالبعث فالحشر فالنشر فالمغفرة فالجنة                        فى نعيم مقيم أو العقوبة فى النار فى عذاب أليم " وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ " معلوم أن الأمور كلها بالله ومن الله                                       وعلى الله وإلى الله فى الحقيقة ونفس الأمر وعند أهل الإيمان الكامل بالله ولكن جهلاء المؤمنين وأهل النفاق وأهل              الكفر بالله غافلون عن تلك الحقائق . فمنهم الناسى كجهلاء المؤمنين , ومنهم الغافل كالمنافقين , ومنهم المنكر                           كالكفار بالله فإنهم يشهدون لهم وجودا غير معتمد إلى إيجاد الله تعالى وملكا وحولا وقوة وتصريفاً حتى إذا قامت               القيامة وجاء ربك والملك وأتى الله تعالى فى ظلل من الغمام والملائكة وتجلت الحقائق للأبصار وقعت الواقعة ,                فاطمأنت قلوب المؤمنين بما رأته مما كانت موقنةبه وجزع أهل الجهالة من المؤمنين , وهلع الكفار ويئسوا من                     رحمة الله وتمنوا أن يكونوا ترابا .

      وعندما يكون الأمر كله لله بغير منازع ولا مشارك ولامعارض , وهذا معنى قوله تعالى : " وَإِلَى اللَّهِ           تُرْجَعُ الْأُمُورُ " فإن أمور المؤمنين رجعت إليه فى الدنيا والآخرة , فى الادنيا علما ويقيناً وفى الآخرة عينا وحق            يقين . ورجعت أمور من سواهم فعلاً فآ الآخرة بعد أن كانت راجعة إليهم حكماً فى الدنيا . قال تعالى : " لَا                         ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الكهف آية 63                              (2) سورة النصر

(3) سورة الزمر آية 53

 

 

أسرار القرآن

 

 

" يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا "(1)وفى قوله " أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا               خَيْرًا " إشارة إلى أهل الجهالة من ضعاف الإيمان , وتلك الآيات متصلة بقوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً " إلخ الآية , على تأويل من تأول أن الخطاب لبنى إسرائيل .

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ                             اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

 

      أصل : " سَلْ" إسأل حذفت الهمزة التى عبن الفعل للتخفيف ونقلت حركتها إلى السين قبلها                           فاستغنى عن همزة الوصل فصارت " سَلْ" والخطاب لرسول الله صل وليس المراد أنه عليه الصلاة والسلام                   يسألهم فإنه يعلم تلك الآيات , ولكن المراد زيادة التوبيخ والتقريع والتهديد . و( بَنِي إِسْرَائِيلَ ) هم معاصرو                        رسول الله صل من يهودقريظة والتضير وقينقاع وغيرهم . " كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ " . أما " كَمْ " فقد                                                تأتى للاستغهام وللخبر عن العدد الكثير . و" آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ " أى تفضلنا عليهم بعطايا عامة لخيرى الدنيا                                      والآخرة . فخير الدنيا : المن والسلوى والماء النمير من الحجر , والغمام الذى ظللهم به , ونجاهم من فرعون بعد فلق                  البحر , والعفو عن خطاياهم فى عبادة العجل وفى مخالفة موسى عليه السلام . أما ما يتعلق بالآخرة : فما أنزل الله               على موسى من العقيدة الحقة والعبادة والأخلاق والآداب , مع جدلهم وإنكارهم وشكهم وما توعدهم به بعد                            إنذارهم من العذاب فى الدنيا والآخرة , وما أظهره من عقوبتهم فى الدنيا بتسليط الرومان عليهم و" بختنصر "                وخراب بيت المقدس وتشتيتهم فى الأرض بعد أن أذلهم بالخزى والضعف والمسكنة , مذكراً إياهم ماحل بمن                       سبقهم ممن خالفوا أوامر الله تعالى أن هذا البلاء يحل بهم إذا خالفوا خاتم رسله محمدا صل , بعد أن بين صفاته                  ومحل هجرته ومولده فى التوراه . قوله : " بَيِّنَةٍ " أى ظاهرة للحس والعقل واضحة حججها محسوسة محاجها       

( وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ )

      التبديل هو التغير , ونعمة الله هى محمد رسول الله صل التى يجب أن تقبل من الله وتشكر . والشكر                  عليها الإيمان بما جاء به من عند الله تعالى . وقوله :( مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ ) حجة قاصمة لظهور                                                    اليهود من معاصرى رسول الله صل لأن نعمة الله التى هى محمد عليه الصلاة والسلام جاءت بالفعل , وأيدت بما                 لديهم من أخبار فى التوراه عنها , وبما أظهره الله من المعجزات الباهرات على يده صل التى أعظمها إخباره                      بالغيب الذى لايعلمه عربى ولاعجمى غير أحبار اليهود من تاريخ الرسل والملوك السابقين من لدن آدم إلى زمانه                      صل , الذى كان زمن الجاهلية العمياء الصماء .

      فكان تبديلهم مافى التوراه , وأنكارهم الحجج الناصعة التى أتى بها صل مما يعجز أن يأتى بها إلا رسول                      صادق فإنها فوق طاقة البشر كانشقاق القمر , ونبع الماء من بين أصابعه , ونطق الذراع المسمومة , وسبح الحجر         على الماء , وإدرار الشاه العجفاء , وإطعام الكثيرين من زاد لايكفى اثنين , ومن إبراء الأبرص , ورد العين                        ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنعام آية 158  

 

 

قوله تعالى : زين للذين كفروا الحياة ...(212)

 

 

المفقودة ومن إحياء الموتى كما ورد . وفى المعجزات الأخرى التى شهدوا بأنغسهم . ومن إجابته على أسئلتهم التى                هى من غوامض العلم والتى لايعلمها إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام . كل ذلك أعمى الحسد عيونهم عنه                     وجحدوه , لأنهم قوم بهت لم يأت نبى ولارسول إلا كذبوه وآذوه . 

( فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )

 

     يعنى قوى فى انتقامه , قهار فى تعذيبه أعداءه , ومعنى : (الْعِقَابِ ) المؤاخذة على قدر الجرم . (وهنا                  إشارة ) أن شدة العقاب قد تكون فى الدنيا وفى الآخرة . أما فى الدنيا فهى الحرمان من الانتفاع فى الدنيا وذلك                            أشد من عذاب النار على الروح والسر .. وسرعة ذلهم وإهانتهم فى الدنيا بالجزية ونظر أهل الإيمان إليهم أنهم أعداء                الله وأعداؤهم . ولولا أمر الله بأن نأخذ الجزية منهم لما أبقينا على وجه الأرض من يكذب رسول اللهويكذب                   الله تعالى , خصوصاً أيام أن كان لنا الحول والطول والسلطان . فرسول الله صل نعمة الله حقاً , بعثه اللهبالحق                  بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيراً و سعد السعادتين من لآمن به واتبعه وشقى فى الدنيا والآخرة من                   كذبه وخالفه.

       وأما فى الآخرة بالعذاب الشديد المؤلم , حيث لايكون هناك شفيع ولا ظهير يرد عنهم قدر الله                        تعالى وعذابه الذى توعد به من كفر وكذب رسوله صل .

        قوله تعالى :زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212)

 

       هذه الآية الشريفة مرتبطة بالتى قبلها , وكأنها بيان لسبب كفر الكفار وما سجله الله من القضاء                       عليهم فآ استعدادهم لفبول ما هو شر فى الحقيقة ونفس الأمر وإنكارهم ماهو خير وسعادة ..

 " زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا "تكلم فيه المعتزلة بكلام تقتضيه مذاهبهم , ولو أنهم ذاقوا شميماً من المعرفة لسلموا                                    لله أخباره , وعلموا ختى يعلمهم الله ما لم يكونوا يعلمون – إسناد الفعل إلى غير الفاعل لا                                          يقتضى الحكم من المجسمة أن الله تعالى هو المزين لهم , ولايحمل التجوز عند المعتزلة , وإقامة الحجة لغة                    العرب فآ أنهم يسندون الفعل لغير فاعله فى مخاطبة بعضهم لبعض , والذى يجب أن نفهمه بعد اعتقادنا                     أن الفاعل المختار هو الله تعالى أن نتأدب بأدب الأنبياء والصديقين . قال الخليل عليه السلام ( وَالَّذِي                      هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ) ثم قال : ( وَإِذَا مَرِضْتُ ) فنسب المرض لنفسه . ثم قال : (" فَهُوَ يَشْفِينِ "(1)                              وقال الرجل الصالح الخضر لموسى عليه السلام : " فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا "(2)ثم قال " فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا               أَشُدَّهُمَا " (3)فنسب مايليق بالجناب المقدس إليه سبحانه , ومالايليق إلى نفسه أدباً منه .                                       

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة الشعراء آية 80                                              (2) سورة الكهف آية 79

(3) سورة الكهف آية 82  

 

 

أسرار القرآن

 

 

والله جل جلاله كتب قدره الأزلى فى كتاب أخفاه عنا ولم يطالبنا به , وكتب أمره المحبوب فى كتاب آخر وأنزله إلينا                 وأمرنا باتباعه وتنفيذ أحكامه , فإذا منح سبحانه العبد الاتحد فى الأمر والإرادة كأبى بكر فقد منحه السعادة               القصوى , وإذا قدر نفى الاتحاد فى الأمر والإرادة عن عبد كأبى جهل قدر عليه الكفر والامتناع عن اتباع رسول               الله صل وأمره بالإيمان . وليس لعبد أن يقيم الحجة بقدر الله على الله تعالى , اللهم إلا إذا أطلعه على سر القدر            فإنه يتعبده بما أراد جل جلآله ولوكان فى ذلك مخالفة الأمر الظاهر , وحجة ذلك الخضر وموسى عليهما السلام       فإن موسى أنكر على الخضر ما فعله مما قصه علينا القرآن المجيد . فثبت أن موسى لايسع إلا مامنحه الله الوسعة                  لقبوله فقال الخضر :( هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ )(1)فـ ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) جائز أن يكون زين ذلك                                                                      شياطين الإنس والجن , بوسوسة من شياطين الجن فى قلوب الكفرة وإغراق الكفرة لأهل الجهالة المبعدين عن                     حظيرة الإسلام . ولاشك أن الكفر هو ستر الحقائق التى هى حق , كما أن الغفر هو ستر االحقائق التى هى                     باطل . فغفر وكفر وستر بمعنى واحد . والذين كفروا هم الذين لم يؤمنوا بمحمد صل من أهل الكتاب وغيرهم .                  

( الْحَيَاةُ الدُّنْيَا )

     هى تمتع الإنسان بلوازم الحياه الحيوانية فى تلك الدار من نزوله من بطن أمه إلى يوم موته . وتلك الحياة              الدنيا هى انتفاع الإنسان بالحس والحركة والإرادة وهذه الحياة تزيد عن حياه البهائم السائمة بالإرادة والاختيار اللذين                   يتميز بهما الإنسان عن البهائم . أما حياة أهل الإيمان فى الدنيا لاتسمى بالحياة الدنيا بل تسمى بحياة الإيمان ,                      لأن المؤمن العالم بالكتاب والسنة ليس فى الدنيا بل هو فى سجن هو أحكام الشريعة . أما أهل                                الدنيا فهم فى جنة لآنهم فى إطلاق لايتقيدون بشريعة , وهم كالبهائم السائمة أو الداجنة أو المفترسة بحسب مراتب                   أخلاقهم , متى تمكن خطيئة فعلها , أما المؤمن فإنه إن تمكن لايفعل خوفاً من الله تعالى فحياته ليست                              الحياة الدنيا , قال صل : ( الدُّنْياَ سِجْنُ الْؤُمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ ) ولايمنع الكافر عن فعل أكبر الكبائر بعد                                                           الكفر إلا القوة القاهرة . وهذا خبث نفوسهم ...

( وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا )

     وسبب نزول هذه الآية ماكان يحصل من كفار قريش ومن اليهود فى المدينة , ومن أهل النفاق فيها من                  الاستهانة والاستهزاء والاحتقار لفقراء المسلمين فىمكة كعمار بن ياسر ووالده ياسر وبلال وخبيب وعبد الله بن                  مسعود , وماعمله يهود المدينة ومنافقوها مع الفقراء المهاجرين الذين فروا إلى الله ورسوله من أموالهم وبيوتهم بمكة .      والذين باعوا الدنيا ومافيها ليفوزوا بالسعادة الباقية عند الله يوم القيامة . يشنع الله تعالى فى هذه الآية على الذين                                دعاهم حب الدنيا والجاه والريالسة إلى أن يكذبوا ما جاء به رسول الله صل جحدوا منهم , وجهلا ً بأنفسهم                    وإنكاراً ليوم الحساب وهم مع ذلك يهزاون بمن كاشفهم الله بالغيب المصون الذى ثبت لديهم بخبر الله تعالى                            وبيان رسوله صل , فتحققوا به تحققا يقيناً جعلهم ينظرون إلى الدنيا نظر من علم يقينا حقيقتها وسر لإيجادها              

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الكهف آية 78   

 

قوله تعالى : زين للذين كفروا الحية الدنيا ....(212 )

 

 

 ومالها , ,انها دار الابتلاء وكون الفساد وسفينة الآخرة , فسارعوا إلى النجاة منها بالعمل بما فرضه الله عليهم وبما    رغبهم فيه .. فقوله تعالى : ( مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أى : من الذين صدقوا الله ورسوله .

 

( وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )

       التقوى هى كمال الإيمان . والمعنى أن الله تعالى يقول : والذين عملوا بما علموا مراعين جانب الله تعالى                 والخوف من عقوبته والرغبة فى نيل مرضاته . وفى هذه الآية جذب من الله تعالى لقلوب المؤمنين أن يحافظوا على      تحصيل مقامات التقوى للفوز بما وعد الله به المتقين من الفوقية عنده ــ قوله : ( فَوْقَهُمْ ) أى أن أهل الكفر بالله                          من طغاة قريش وضُلَّال اليهود بالمدينة ومنافقى المدينة الذين كانوا يسخرون من قوم صغَّر الإيمان فى قلوبهم متاع              الحياة الدنيا الزائل , فتخففوا منها بل وقفوا عند الضرورى الواجب شرعاً . وتلك السخرية كانت                          منهم بسبب ما جعله الله لهم من مال ممدود وبنبن شهود استدراجاً لهم . فغرهم ما جعله لهم من زينة الحياة الدنيا           واعتقدوا أن هذا هو السعادة ولا سعادة بعده , وسخروا بالمقبلين بكليتهم على الله وحكموا عليهم أنهم حرموا                السعادة التى يعتقدونها , فكذبهم الله تعالى مبيناً لهم أن تلك السعادة التى جعلتهم فى غرور واستكبار وحملتكم                    على إهانة من عظمهم الله ستنقلب إلى عذاب وذل وهوان , حيث يكون الذين تسخرون منهم فى نعيم وبهجة فوق               النعيم الذى كنتم فى الدنيا , ليزداد المتقون تقوى , ويدخل من هداهم الله من الكفار فى حظيرة الإسلام أو                   يزدادوا بعدا وقطيعة بتكذيب الآيات .

( وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ )

      يتفضل الله على أهل التقوى بما أعده لهم سبحانه يوم القيامة من الرزق الجامع لكل خيرات الروح والعقل             والجسم والحس , فللروح الأنس بالله تعالىوالكلام المقدس , وللجسم النعيم المقيم الذى يلذ له من مأكل ومشرب               وملبس ورياش وفراش وملامسة ومأوى , وللعقل الفرح بما يراه منالحقائق التى كان صدق بها بالحجة الشرعية                                حيث تنبلج أنوار معانى الصفات , وللحس البهجة بالمناظر العلية والسماع الروحانى والشميم العنبرى والمذاق           

الشهى والملبس اللين . وهذا الرزقث الذى يتفضل الله به على خلقه يطمئن قلوبهم به لأنه من غير حساب , إذ إن                    خيرات خزائن الله تعالى لاتنتهى , وبذلك لايكون على تلك العطايا حساب , لأن الحساب إنما يكون عند من                يخاف النفاذ كما يحاسب أهل الأموال المحصورة خوفاً على نفادها .

       ولك أن تقول : إن الله تعالى جمل أهل التقوى بأخلاق التى هى معانى صفاته , فتفضل عليهم بتلك                         الأرزاق العظيمة لمقتضى تلك المعانى الربانية التىتجملوا بها من علم وحلم وصبر وشكر وتوبة وكرم وعفو , وغير                         ذلك من معانى صفات الأسماء الحسنى جميعها , فإن المؤمن ا لتقى صورة الرحمن وهذا معنى قوله تعالى :" وَاللَّهُ      يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " لأن المؤمن التقى متمكن فى مشاهد التوحيد العالية . وبرهان هذا التأويل قوله                                             تعالى : " أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ "(1)وأحسن ماعملوا التحقق                                                                                              ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة الأحقاق آية 16  

 

 

أسرار القرآن

 

 

بمشاهد التوحيد العالية التى يكون فيها التقى موقنا بلا حول ولا قوة إلابالله . وجائز أن يكون المعنى – يرزق الله          من يشاء فى الدنيا قبل الآخرة العوارف والعواطف والتنزلات وشهود الغيب المصون .

        قوله تعالى :كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ                      مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا                                   الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا                               اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(213)

        يخبرنا ربنا جل جلاله أن الناس كانوا أمة واحدة , ولم يأت بيان عن رسول الله صل تقوم به الحجة على                   تعيين الناس . وقد ورد القرآن المجيد آيات كثيرة كهذه الآية , فجائز أن يكون الناس هم آدم وأبناؤه إلى ما                    قبل حادثة هاببيل وقابيل وأن يكون شبيب أول نبى بعث , وجائز أن يكون الناس من آدم إلى نوح , ونوح أول نبى                بعث . والأمة هى المجتمع الذى يكون على دين واحد وملة واحدة , وقد يكنى بالأمة عن الدين . وجائز أن                      يكون : أن الناس كانوا على عادات وأوابد اقتضاها الزمان والمكانوالشأن , والاختلاف فطرة فآ الإنسان لماركب                 فى جلبته من نزعات النفوس ولقس الطبع وميول الحظوظ والأهواء , فبعث الله النبين بالبشائر والإنذار بعد قيام               الحجة ووضوح المحجة , ليهتدى من هداهم الله ممن سبق فى علمه هدايتهم ويهلك من هلك عن بينة , والبشائر                        هى الأخبار بما يسر قبل أن يعلمه المخبر به بفتح الباء , والإنذار هو بيان عواقب المخالفات للشرائع التى تكبح                        نفوس أهل الغواية عن جماحها , وينكرها أهل النفوس التى سجل عليها القرآن سوء العاقبة .

( وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ )

         الإنزال معلوم وهو الهبوط من مكان عال إلى مكان سافل . وليس الأمر هنا كذلك , بل المراد به تفضل              الله على من يشاء من خلقه بأن يوحى إليه من روحه تنزه وتعالى مابه هداية العباد أو إضلالهم , ويكون المراد فى                  النزول أن كلام الله تعالى على عظيم ولما للكلام من العلو والعظمة كان وصوله إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام                  نزولا من على عظيم إلى عبد مضطر مسكين بحسب الكانتين . والكتاب هو المكتوب , والمراد به كل كتاب أنزل                 على الرسل عليهم الصلاة والسلام من لدن نوح إلى رسول الله صل(بِالْحَقِّ )أى مؤيدا بالحق فى نفس الأمر                         ولا يكون كذلك إلا ماكان من الحق سبحانه .

( لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ )

       معنى أن الله خلق الإنسان عاجزا عن أن يقوم بكل ضرورياته فضلا عن كمالياته , فهو محتاج إلى                  عمال كثيرين يقوم له كل واحد منهمك بعمل مخصوص , فهو محتاج إلى مأوى يأويه , ولباس وفراش ومن أنواع                 كثيرة وشراب , وآلات دفاع يدافع بها عن نفسه فلا بد له من معاوضات يتبادل فيها المنافع مع بنى جنسه ,                    وتلك المعاوضات تقتضى معارضات بعد مفاوضات فلابد للمجتمع من كتاب يبين لهم وجوه البر , ويدفع الظالم          

قوله تعالى : كان الناس أمة واحدة ... (213)

 

عن المظلوم , ويعطى كل ذى حق حقه بالعمل به , ثم لابد له أولا وبالذات أن يعرف نفسه وربه , فإذا عرفه             وجب عليه أن يشكره بما يحبه منه, ولاسبيل للإنسان إلى معرفة ربه جل جلاله بما هو عليه بالنسبة للإنسان ولا                            أن يعرف محاب الله ومراضيه إلا بكتاب من عند الله يبينه له رسولب الله إليه , للأن العقل اٌنسانى وإن كمل                           لايمكن أن يصل إلى معرفة نفسه ولا معرفة ربه , بل ولامعرفة مايحبه الله منه ويرضى به عنه .

     هذا سر بعثة الرسل وإلا كانت بعثة الرسل كما أن العقل الكامل لايمكنه أن يعلم ما فوق المادة من                     أسرار الغيب المصون من مراتب الوجود , بل ولايمكنه أن يحصل العلم بالمغيبات عنا كالبرزخ والبعث والحشر           والنشر والحساب والجنة والنار , ولا مافوق ذلك من حظائر رضوان الله الأكبر وجمال تنزلاته لأهل محبته فى الدنيا                 والاخرة حيث يجلسهم على منابر من نور قدام عرشه . وإذا كان كل ذلك ليس للعقل أن يحصله بنفسه , كانت                  بعثة الرسل من أجل نعم الله تعالى علينا . قال سبحانه : " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ "(1) وذلك السلطان الذى ينفذ به الإنسان هو كتاب                                                                                    الله والعمل به .

      ولما كانت الشريعة المطهرة أنزلها الله لمصالح العباد , وكان أجل المصالح نشر العدل بينهم , جعل الله حكمة              إنزال الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه , والمراد هنا بالناس من وهب الله لهم االقابل ليذوقوا حلاوة الإيمان                ولذة التمكين فى الأرض كما كان فى عصر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ومن بعده من عمال الله الذين كانوا يعلمون                 بكتاب الله وسنة رسوله صل . وإنى لعلى يقين أننا جماعة المسلمين إذا رجعنا إلى ماكان عليه سلفنا الصالح                 يمكن الله لنا فى الأرض بالحق , فيكون الدين كله لله بأن تكون أحكام القرآن منفذة على المؤمن والكافر رغم أنفه                             

" فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ "الاختلاف فى العقيدة والعبادة والأخلاق يجب أن يرفع من اختلفوا فيها أمرهم إلى من                                    هو أعلم منهم بالله وبأحكام الله وأيام الله وبحكمة أحكام الله , فإذا قامت الحجة ووضحت المحجة وجب على                 المختلفين أن يسمعوا ويطيعوا . ويكون الآختلاف أيضا فى المعاملات وفى الصناعات وفى التعهدات وفى الأنكحة                والمواريث والخصومات , ولايتكلم فيه إلا أمير أو مأمور حتىإذا تكلم بما أنزل الله فى كتابه أو بما بينه رسول الله                وأئمة الهدى من بعده وجب على ولى الأمر أن ينفذ هذا الحكم رغم أنف المتخاصمين .

 (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)

       والمعنى أن الله يبين لنا أن الذين اختلفوا فى الكتاب الذى أنزله الله على رسله السابقين , هم الذين أنزله                                          عليهم وهم اليهود والنصارى . ولم يكن اختلافهم إلا إنزال الكتاب , لأن الله سبحانه قدر أن ينسخ الشرائع               بموت الرسل , ولم يحفظ شريعة بعد رفع الرسول الذى أنزلت عليه إلا الإسلام , قال تعالى : ( وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ )(2)يعنى محمداً صل . فكان اهتلاف الأمم بعد رسلهم محمولاً على الفترة , ولم يكن                                          

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الرحمن آية 33                                                                     (2) سورة الأحزاب آية 40   

أسرار القرآن

 

الاختلاف معتدا عليه إلا ماوقع فى زمن الرسل عليهم الصلاة والسلام , كاختلاف بنى إسرائيل على                          موسى عليه السلام فى عصره .

       ولما أن بعث الله رسوله محمدا صل أنزل عليه دينه بالحق التام الكامل , الذى جاء به كل الرسل من لدن           نوح إلى عيسى عليهم السلام , فجمع الله فيه ماأنزله فى توراه موسى وإنجيل عيسى ومزامير داود وحكمة                     سليمان , وكان ماأنزله الله فيه مبيناً فى الكتب السالفة . ولكن أهل الكتاب الذين شنع الله عليهم بأنهم أهل                       الفرية غيروا كل ذلك وبدلوه , خصوصاً مايتعلق ببيعة رسول الله صل , لأنهم كانوا يستظهرون على قريش                      والأوس والخزرج ببعثته وأنه قرب ظهوره وأنهم سينصرونه عليهم, فلما بعثه الله حرفوا وبدلوا وغيروا ماكانوا عرفوه                قبل بعثة صل . وجعلوا يو السبت للعكوف على العبادةعند اليهود , وجعلوا يوم الأحد للعبادة عند النصارى .                 واليوم الذى عينه الله لعبادته خاصة هويوم الجمعة .

        واختلفوا فى الصلاة , فكانوا إذا سافروا لايصلون حتى يرجعوا إلى بيت المقدس مع أن فريضة الصلاة                          أوجبها الله على كل مؤمن فى أى أرض نزل بها , وجعلوا الصلاة على غير ما فرضها الله تعالى فآ أفعالها وأقوالها .                   وأختلفوا فى الصيام وكان المفروض عليهم رمضان , فمنهم من يصوم نصف يوم ومنهم من يصوم يوماً ومنهم من                              يصوم ثلاثة أيام . وأما النصارى فقد اختلفوا فى ذلك اختلافاً دل على محاربتهم للحق . واختلفوا – قبحهم الله فى                                             الأنبياء فجعلوا سليمان ساحراً وداود ملكا ظالماً , وجعلوا عيسى ابن الله , واختلفوا فى إبراهيم ولوط وموسى ,                      حتى جاء خاتم الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام فكشف الله به غمة الضلالة وأظهر به الحقائق جلية .            &n