تحذير هاااام

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ... نحيط علم السادة زوار الموقع الكرام بان هذا الموقع لا يتبع اى جهة او جماعة او طريقة بعينها ولكن نشره على شبكة الانترنت ماهى إلا محاولة منا لنشر تراث الامام المجدد السيد محمد ماضى ابو العزائم - طيب الله ثراه ... وأننا لا نتحدث بإسم أحد ولكن نعرف العامة من هو الامام رحمه الله . والموقع إهداء من الاستاذ الدكتور / احمد جمال ماضي ابو العزائم

 

 

تابعنا عالفيس بوك

الموقع من الآن تحت التطوير والمراجعة لنشر التراث بطريقة اكثر سهولة للجميع جارى العمل اخر تحديث يوم السبت 10يونيو 2017

 

الجزء الثالث من اسرار القرآن للامام ابو العزائم

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

اسرار القرآن ( الجزء الثالث)

       قوله تعالى : "تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ"(253).

"تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ"

       الإشارة بـ "تلك" التى من سبق رسول اللهe  من الرسل من لدن آدم إلى عيسى عليهم السلام "فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ" ، أى جعلنا بعضهم فاضلا وبعضهم مفضولا ، ثم بين وجوه التفضيل فقال سبحانه : "مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ" كموسى عليه السلام "وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ" بما آتاهم من الآيات ، وما أظهر على أيديهم من المعجزات ، وبصبرهم على ما أصابهم فى سبيل الدعوة إلى الله ، كنوح والخليل ولوط وغيرهم عليهم السلام.

"وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ"

       يعنى الآيات التى بينت الحقائق "وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ" يعنى بروح الله تعالى ، وقد بينا روح القدس فيما بتقدم ، والذى عليه العلماء أنه جبريل عليه السلام فكان عيسى عليه السلام ممنوحا الآيات البينات فيخبر عن المغيبات ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيى الموتى بإذن الله ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بأذن الله.

       وهنا أشير إليك إشارة خفية : أن أكمل الرسل صلوات الله عليهم هو سيدنا محمد eبل وأفضلهم بوجوه عقلية ، أولها أنهeبعثه الله بالقرآن المجيد الذى استنارت به القلوب واطمأنت ، وسجدت له العقول وسلمت ، وزكت به النفوس ,وإلى ربها سكنت ، وبين كمال عبودية رسول اللهeفتحلم عليه الصلاة والسلام أذية الجاهلية الأولى تحملا لا تتحمله الجبال ، فلم يدع على أحد ، بل ولم يسأل الله الانتقام له من خصمه كما فعل الأنبياء السابقون كنوح ولوط وابراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام - ‍! بل كان كلما أشتد عليه البلاء ، وأحاط به نكبات الجاهلية الأولى رفع طرفه إلى السماء وقال "اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون.!

       فنظرته العيون فى الرؤوس عبدا ذليلا لله تعالى ، ونظرته العيون فى القلوب إنسانا جملة الله ربما يحبه من علم وعمل وحال ، لا يقبل الله عبدا لم يتجمل بجماله ، ولا ينظر الله إلى من خالف سنته نظرة ود وحنان وإحسان ، أكمل الله به الدين وأتم  به النعمة قال تعالى : "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي"([1]).

أما أولوا العزم من الرسل ، فإن الله سبحانه- أكرمهم بمعجزات دعت القلوب إلي الشك ، والعقول إلى الطيش ، حتى اتخذوهم أربابا من دون الله تعالى أو عاداهم أممهم ، فسلط الله على من عاداهم الخسف ، وأهلكهم شر هلاك ، فترى بعضهم يقول : عزير من الله ، والآخر يقول : عيسى بن الله ، أو آله ، وبعضهم يرمى الرسل عليهم السلام- بما لا يليق بمقامهم!!

       أما سيدنا ومولانا محمد eفإن الله أكرمه فحفظ به القلوب من الشرك، والعقول من الطيش ، والأبدان من النفور . ولا أشك أن الكافر إذا تجرد من حظه وهواه ، ونظر إلى ما جاء به رسول الله eليسارع إلى أعتناق الإسلام فرحا مسرورا . ولو أن المسلمين عملوا بوصايا رسول الله eلدام لهم المجد فى الدنيا والآخرة ، كما من الله بذلك على سفلنا الصالح.

       سيدنا محمد eسيد الرسل وخاتمهم وهو الخير العام لجميع بنى الإنسان والرحمة العظمى لجميع الخلق . . قال رسول الله eبسند الإمام ابن جرير : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى : بعثت إلى الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب ، فإن العدو ليرعب من على مسيرة شهر ، وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا . وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لأحد كان قيلى  وقيل لي : سل تعطا فاختبأتها شفاعة لأمتي فهى نائلة منكم إن شاء الله- من لا يشرك بالله شيئا".

       أما ما بينه الله من المقامات العلية لحبيبه ومصطفاه eفى صريح القرآن فأنا نرجئه حتى نفسره فى مواضعه.      

"وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ"

       معنى هذه الآية الشريفة : أن الله تعالى خلق الخلق بإرادته وتقديره ومحض مشيئته ، فكل مخلوق أحاط به العرش مقهور بقهره ، ومظهر لمعاني أسمائه وصفاته ، ليس فى الكون إلا الكون ، وليس فى ذات الله إلا الله وكل ما سواه ومن سواه مخلوق له سبحانه ، فهو خالق الأجسام وخالق الصفات وخالق الأعمال ، قال سبحانه: "وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ"([2]).

       فاختلاف العالم عقيدة ومذهبا وعملا بمشيئة الله تعالى ، ولو شاء الله أن يخلق العالم الإنساني طهرا كالملائكة لفعل ، ولكنه قدر الأقدار بمشيئته ، يهدى من يشاء ، ويضل من يشاء ، وكل ما عليه الكون هو إرادة الله تعالى فيه ، وشد شاء سبحانه أن يكون الناس مختلفين ولا يزالون كذلك ، فالحق والباطل يتغالبان ، فمرة يظهر الحق على الباطل فيوفق أهل الحق لمحابه ومراضية ، ويعزهم فى الدنيا والآخرة ، وتارة يظهر أهل الباطل على أهل الحق فيستدرج أهل الباطن ، ويجمل أهل الحق بالصبر والرضا وكمال اليقين ، فيكونون من المجاهدين فى سبيله.

       وهكذا يفعل الله ما يشاء ، وينفذ ما يريد لا معقب لحكمة ، فاقتتال العالم ونزوع النفوس إلى الباطل وجرأة أهل الضلال على سلب الأنفس والأموال والأعراض سابق فى إرادة الله تعالى ، فينتقم منهم بالخلود فى نار جهنم ، وابتلاء أهل الإيمان بتسليط الأعداء عليهم سابق فى إرادة الله تعالى ليمحصهم ويطهرهم مما جنته أيديهم فى معصية الله ومعصية رسول e، وذلك لأن ما أتى به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء لو أن العالم تمسكوا به لعاشوا كأنهم فى جنة الرضوان ، ولكن مشيئة الله قهارة وقدرته تنفذ مشيئته، قال تعالى : "فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ"([3]).

"وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ"

       "وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا" تنفيذا لمشيئته سبحانه ، "فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ" وهم الذين سبقت لهم منه الحسنى ، "وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ" وهم الذين سبقت لهم منه السوءى.

"وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ"

       ولو شاء الله أن يعصمهم ويهديهم الصراط المستقيم ما اقتتلوا ، ولكنه سبحانه وتعالى وكلهم إلى أنفسهم ، وأنساهم عهده لهم يوم "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ"([4]) وحرمهم التوفيق والهداية فضلوا واقتتلوا ، "وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ" أى يوفق من شاء لما يحب ، ويحجب من شاء عما يحب فيخذله ويضله ، وفى هذه الآية مشهد على من مشاهد التوحيد لا ينتفع به إلا من جعل الله لهم نورا فى قلوبهم.

       أما أهل النفوس العنادية التى خلقها الله فى سجين فأنهم لهم أعين لا يبصرون بها ، وآذان لا يسمعون بها ، وقلوب لا يفقهون بها ، أولئك كالأنعام بل أضل سبيلا.

قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ"(254).

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ"

       يخاطب الله أهل الإيمان فيقول سبحانه : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله تقربوا إلى الله بما فرضه عليكم فى أموالكم من زكاتها ، ومن النفقة على الأصول والفروع الواجبة والزوجية ، ومن النفقة المندوبة التى بها صلة الرحم ، وإغاثة الفقير والغريم وذى القربى واليتامى والمساكين ، وبر الوالدين فى فروعهما لتكون لكم ذخيرة يوم القيامة.

"مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ"

       أي تقربوا إلى الله بالنفقة قبل نزول الموت الذى يكون الإنسان بعده لا عمل له ولا مال ولا بيع ، ولا صحبة تجعل الخليل يساعد خليله بما له ورأيه وشفاعته . يخاطب الله المؤمنين محذرا لهم من الوقوع فى عمل أهل الكفر بالله الذين يؤثرون المال على أمر الله تعالى ، فيمسكونه شحا به عن أن ينفقوه فيما أمر الله به أن ينفق فيه ، فإن الشح صفة الكافرين بالله تعالى وفى قوله تعالى : "وَلَا شَفَاعَةٌ" حكمها عام ، والمرد بها خاص وهم الكفار بالله ، وليست دليلا على منع شفاعة الشافعين يوم القيامة.

       فإن المؤمنين بالله لهم سوق يوم القيامة يربحون فيه الثواب الجميل ، ولهم مال وهو ما قدموه بين أيديهم من عمل الخيرات ، ولهم خلة وهم الأتقياء الذين يشفع الله بعضهم فى بعض ، قال تعالى : "الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ"([5]) ولهم شفعاء ، وسيد الشفعاء رسول الله e، فالمرسلون ، فإبدال الرسل ، فالمتقون .

       وتلك الشفاعة بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ، ولحصول الشفاعة حكمة . هى إكرام الله لأحبابه ليظهرهم أمام الخلق ولهم الجاه العظيم فى التماس الشفاعة من الله لمن يستحقونها من عصاه المؤمنين ، والشفاعة العظمى هى المقام المحمود الذى وعد الله به سيدنا محمد eوإنما ينكرها من سجل عليه القضاء حرمانه منها يوم القيامة.

"وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ"

       هذه الآية الشريفة خير بشرى بشر الله بها عباده المؤمنين حيث قال : "والكافرون هم الظالمون" ولم يقل : والظالمون ، وهذا سر يتذوقه من يعقل عن الله تعالى كلامه ، أى ومن ستر الله عنه حقائق الإيمان فكفر بالله لأن الكفر هو الستر ، والظالم لنفسه الذى أستعمل نعم الله فى إنكار آيات الله تعالى.

قوله تعالى : "اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"(255).

 

"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ"

       بينت لك معنى الاسم "الله" فيما سبق ، وقوله : "لا إله إلا هو" نفى للألوهية عما سواه جل جلاله ، وحصرها فى ذاته جل جلاله. وإلا له بحسب ما يمكنك أن تتعقله هو الغنى عما سواه ، المحتاج إليه كل ما عداه ، فانفرد سبحانه ، وإلا له من ياله إليه الخلق . ففى قوله : "إلا هو" حصر حقيقى بمعناه ، و "هو" هنا ليس ضميرا يرجع إلى الله تعالى ، بل هو اسم من أسماء الله الحسنى ، ولأهل المعرفة مشهد على فى مدلول هذا الاسم لأنه يدل على عظمته الغنية عن الخلق ، وكبرياء النزاهة عن أن تدركه العقول والأرواح ، وعلو التفريد والتقديس عن الشبيه والنظير والند والمثل.

       وتلك الآية الشريفة هى خير آية فى القرآن تكشف أسرار التوحيد العالية لأهل القرب من الله تعالى خاصة ، ولا يشم عبير غيبها إلا أهل الإيمان الكامل ، لأنه سبحانه كشف دلائل التوحيد بالبرهان العقلى لأهل العقول فقال : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"([6]).

       وهنا يخبر أهل اليقين الذين سلموا لرسول الله تسليما فيقول: "الله لا إله إلا هو" يعنى أن الله هو المتفرد بالألوهية دون غيره ، المعبود الذى أظهر للحس مكوناته ، وللعقول آياته ، وللأرواح تجلياته ، ولأهل محبته جماله وجلاله وبهاءه وضياءه ونوره ، وله العالم أجمع إليه ، وجمع أهل محبته فى الدنيا والآخرة عليه ، وقهر أعداءه حتى رجعوا إليه مقهورين بقهره، نادمين على تفريطهم فى جانب الله ، قال سبحانه: "إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا"([7]).

       فإذا فهمت تعريف إلا له الغنى عما سواه ، نزهته عن المكان والزمان ، والولد والوالد ، والصاحب ، والشريك والنظير ، والضد والند تنزه وتعالى . وإذا تحققت أن الخلق جميعا مفتقرون إليه سبحانه شهدت بنور بصيرتك أنه قادر مريد ، واسع عليم ، خلاق رزاق ، وهاب هاد ، إلى أن تحصى تسعة وتسعين اسما قد أدمجت فى هذا التعريف ، وسهل عليك تفصيلها.

       "الحى" أى الحى بذاته لا بصفة زائدة على ذاته ، أو حى بصفة زائدة على ذاته ، أو بتدبير الكون ، والمحققون يعتقدون أنه حى بذاته لا بصفة زائدة على ذاته ، والقائلون بصفة زائدة قاسوا الغائب على الشاهد ن والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شئ فى كل شئ.

       والقائلون أنه حى بتدبير الكون لأن الكون فيه الحياة ولا يفيض الحياة إلا الحى ، وبهذا يدللون على حياة الله بحياة الكون ، ولو فقد الكون هل يكون الله تعالى ميتا ؟ ! تنزه سبحانه وتعالى.

نسأل الله تعالى أن يلقينا التوحيد منه كما تلقى آدم من ربه سبحانه وتعالى . فهو حياة كل حى من غير أن ينفصل من حياته المنزهة شئ ، إذ ليس فى الكون إلا الكون ، وتنزه ربنا أن يحل منه فى الكون شئ ، وليس فى ذات الله إلا الله تعالى.

       "القيوم" القيوم أو القيام أو القوام الذى قامت به الحقائق ، او الذى قامت به كل نفس ما كسبت . هذان الاسمان الشريفان سر الوجود من بدئه لختمه ، وهما الاسم الأعظم ، ومن ذكرهما ملاحظا معناهما ، مستحضرا أسرارهما شهد الغيب المكنون ، وطالع السر المصون ، وأحياه الله حياه أهل الإيقان ، وأقامه فى محابه ومراضيه.

"لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ"

إثبات على أنه سبحانه خلق الكون ، والسموات والأرض ، ويسكها ، فلو  أخذته سنة أو نوم لفسدتا ، وقد خطر على قلب موسى هل الله ينام ؟ فأمر الله ملائكته أن يمنعوا عنه النوم أياما ، ثم أمره أن يمسك بكل يد قارورة ، وتركوه وشأنه ، فغلب عليه النوم فنام ، فضرب بيديه القارورتين فكسرتا ، فتيقن أن الله لا ينام ، لأنه لو نام لترك السماء والأرض من يديه الكريمتين.

وهذا مثل ضربه الله تعالى لأهل المعرفة ، وقسم به ظهور من يحكمون على الغائب بالشاهد ، "والسنة" : النعاس ، وهى النوم الخفيف . والنوم : هو الثقيل الذى يستغرق فيه الإنسان فيفقد حسه فقط.

وفى هذه الآية بيان من الله تعالى كل البيان . كما علمنا الجمع فى قوله تعالى : "وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً"([8]) وكما قال تعالى : "ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ"([9]) ولله الحجة البالغة.

"لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"

أى والسموات والأرض مملوكتان له سبحانه إيجادا وإمدادا وإبداعا وملكا وتصريفا ، لأن ما فى السموات وما فى الأرض له ، فلزم بالضرورة أن تكون له من باب أولى ، لأن الأرض والسموات بما فيهما مملوكة لله مقهورة بقهره ، ومتى كان ما فى السموات والأرض لله ثبت أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد ، وأن من سواه وما سواه عبيد مقهورن وعباد مربوبون ، يهدى من يشاء، ويضل من يشاء ، لأنه الملك يتصرف فى ملكه كيف يشاء ، لا يسأل عما يفعل، وكل همامات النفوس ونزوعها ، وبحث العقل ونظره ، وحركات الأجسام وسكناتها ، بقدرة الله عن إرادته ومشيئته ، إذ لا فاعل إلا الله تعالى.

ومن وقف عند تلك الحقائق باحثا بها عن الحق جل جلاله- ضل وهوى فى هاوية القطيعة عن الله ، ومال العقل والبحث عن الحق جل جلاله؟. وكيف يحكم العقل المقهور المخلوق على الخلاق العظيم القاهر سبحانه ؟ "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ"([10]) وكل علم تلقيته بسمعك وخيالك ، ووهمك ، وذوقك ، ولمسك ، علم الكون ، لا المكون.

أما المكون سبحانه فإنما يتلقى من أخبار الله سبحانه ، ومن بيان رسوله eوهدى أئمة الهدى الذين أستودعهم الله علم كتابه وأسرار تنزيله ، ويتلقى المؤمن هذا العلم مسلما ومعتقدا أو مطمئنا به قلبه ، وعند ذلك يجعل الله له سلطانا على قواه الحسية والعقلية والروحية ينفذ به من هذه الأقطار . قال تعالى : "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ"([11]).

"مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ"

استفهام إنكارى يدحض الله تعالى به حجة أهل العقول الكادحين فى فيافى الظلمات ، من الفلاسفة والمدعين العلم ، ويرد به على الشاطحين الخارجين عن السنة والكتاب التائهين فى فيافي الأوهام ، الذين لم يهتدوا بكتاب الله وسنة نبيه eولم يسلكوا على الصراط المستقيم ، ولم ينهلوا من حوض الله المورود ، ولم يقتدوا بالمنهج القويم ، من المتصوفين الشاطحين الذين يدعون أنهم يشهدون بأجسامهم مالا يجوز أن يشهد إلا للأرواح ن ويعملون بأبدانهم ما يوقع فى نار جهنم من ترك الصلاة والصيام وإباحة المنكرات ، ويشيرون إلى الغيب المصون بغير أدب ، رد الله على هؤلاء جميعهم بقوله تعالى : "مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ".

أى أن الدعاوى من الخائفين على الله تعالىوهم أهل العقول الذين أقاموا أنفسهم فى مقام تأويل كلام الله وكلام رسوله eبحسب عقولهم يؤولون اليد بالقدرة وما أشبهها خوفا على الله تعالى ، ويرد على الشاطحين الذين يدعون أنهم أولياء الله تعالى ، ينفعون ويضرون ويعطون ويمنعون ، اجتراء على الله تعالى ، وسوء أدب معه ، لأنه جل جلاله لا يقبل شفاعة أحد منهم إلا من أرتضى ممن تشبهوا بنبيه محمد eوجاهدوا بأنفسهم فى ذاته ، ووقفوا بين يديه لكمال العبودية ، يشهدون لأهل خلتهم بما عرفوه منهم ، فيأذن لهم سبحانه أن يشفعوا فيشفعون ، ويقبل شفاعتهم فى إخوانهم فى الله.

ومن خالف السنة فى عمل أو قول أو حال ، وطار فى الهواء ، أو مشى على الماء ، فالواجب علينا أن ننكر عليه ونخالفه ، وننهى عن هذا المنكر بما أوتينا من قوة وحجة.

ومن تأول القرآن ، أو قال فيه بغير ما قال السلف ، أو بغير ما علمه من آثارهم رضى الله عنهم ، أو بغير ما علمه الله بالهام مع أدب كامل ، عرض نفسه لغضب الله تعالى ، ولم يقبل منه صرفا ولا عدلا . وقد بينت لك حكم الشفاعة فيما سبق ، وفى هذه الآية حجة قوية فى جواز الشفاعة بدليل قوله تعالى "إِلَّا بِإِذْنِهِ".

 

"يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ"

أى يعلم ما قبلهم وما بعدهم ، ومن بعدهم ومن قبلهم ، والذى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم مما لا يعلمون ولا يعلمه إلا هو سبحانه يعلم ما فى ضمائرهم وما هو أخفى من ذلك.

"وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ"

بين الله لنا فى هذه الآية أنه يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا من الدنيا والآخرة ، أو ما سبق قبلنا وما يأتى بعدنا . وبهذه الآية أنفرد بالعلم دون غيره ، والمنفرد بالعلم سبحانه هو المعبود بحق ، الذى لا تصح ولا تجوز العبادة لغيره ، وكيف يعبد العاقل من لا يعلم شيئا بذاته إلا إذا علمه الله ؟!.

فالعالم المنفرد الذى يعلم الأشياء خفيها وظاهرها ، وماضيها ولا حقها ، وبالعلم الذى يعلم به غيره هو المعبود حقا لا غيره ، وكل معبود سواه باطل وهالك وفى هذه الآية بيان اختصاصه بالعبادة جل جلاله ، وبطلان عبادة كل عابد لغيره من الأناسي والملائكة أو الكواكب ، أو الأصنام.

ففى قوله تعالى : "وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ" إثبات أن الخلق جميعا لا علم لهم بشىء ، ودليل أن الطفل يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئا قال تعالى : "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا"([12]).

فالعلم منه لخلقه ، ومن لدنه جل جلاله لأنبيائه وإبدالهم وورثتهم ، أولاهم بالوحى والإلهام بعد أن خلق فيهم القابل الذى يقبل العلم وهو السمع والبصر والفؤاد ، فلا علم لأحد من الخلق إلا لمن خلق القابل فيه ومنحه التوفيق للتلقى من غيره ممن تلقى قبله العلم ، فهو الذى يعلم من شاء ما شاء سبحانه ، ولو شاء أن يعلم الثرى علوم الغيب لفعل ، بل ولو شاء أن يواجه كل مخلق بوجهه الجميل لفعل ، لأنه سبحانه يقول : "وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ" أى بما شاء أن يحيطهم به أحاطهم ، ولو شاء جل جلاله أن يلفت وجهه الجميل عن كل مخلوق لفعل ، ولا ترى فى مخلوق إقبالا على الله ورغبة فى تحصيل العلم النافع ومسارعة إلى العمل الرافع إلا بمواجهة وجهه الجميل : -جل جلاله- لمن شاء ، ولا حظر على فضل الله تعالى فإنه يقول : "وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ" أن يحيطهم كما قررت ذلك.

ومعلوم أن الله وهب العقول ، ووهب الجوارح المجترحة من سمع وبصر ولسان وفؤاد يعقل ، وأحاط من شاء بما شاء ، أما من لدنه جل جلاله ، أو بواسطة الإلهام ، أو بواسطة التلقى ممن هو أكثر علما منك ، وكل ذلك تعليم الله لعباده ، إذ العالم الذى أحاط بكل العلوم الدنيوية والأخروية خرج من بطن أمه جاهلا لا يعلم شيئا ، وتفضل الله عليه بعد ذلك بالعلم ، وأحاطه بما شاء أن يحيط به.

"وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ"

قبل أن نتكلم فى تأويل هذه الجملة من الآية يجب أن نبين بيانا تطمئن به القلوب ، والله جل جلاله يخبر عن نفسه بما شاء أن يخبر ، وما علينا إلا أن نسلم مع الرعاية بأنه تنزه وتعالى عن أن يحتاج إلى كرسى ، أو إلى مكان وزمان ، لكن الواجب علينا أن نقول : له كرسى لا كالكراسى ، والكرسى معلوم والكيف مجهول ، والاستواء معلوم والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة ، والإيمان به واجب.

وما على العبد المؤمن إلا أن يقول ما قاله الله تعالى : "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا"([13]) فإذا كانت تلك صفة الراسخين فى العلم فنحن أولى بها منهم تسليما لله ولرسوله e، فنقول آمنا به كل من عند ربنا ، وقد ورد عن العلماء فى الكرسي أقوال كثيرة، وروايات بين حسنة وصحيحة ، وكل ما أتى عن الكرسى مما يفيد أنه جسم يجب علينا أن نسلم معتقدين الجهل بالكيف.

والذى يطمئن إليه قلبى أن الكرسى هو علم الله تعالى ، بدليل أن الكتاب الذى يجمع يسمى كراسا ، والعرب تسمى الرجل العالم كرسيا ، ألا حاملا للعلم ، وتسمى أصل الشىء الشريف كرسيا ن وقد وردت شواهد كثيرة على ذلك يعنى وسع علمه السموات والأرض ، والسموات والأرض نهاية ما يتعقله العقل الإنساني الكالم.

وقد ورد أن الكرسي موضع القدمين ، وأنا أسلم وأصدق ذلك فإن السموات والأرض محل قهر الله تعالى ، وإنما يضع الملك قدميه على المقهورين بجلاله ، المربوبين لعظمته ، المكلفين بعبادته سبحانه ، فالكرسى الذى أحاط السموات والأرض وسعهما ويسع أمثال أمثالهما ، أعد لوضع القدمين عليه ، والرب جل جلاله استوي على العرش كما قال سبحانه.

وبهذه الآية وأمثالها يقف العقل حائرا عن تصور تلك العظمة العلياء ، ويتمثل بلطيفته الروحانية هذا الكبرياء وهذا المجد والعزة والجلال ، فيسجد عاجزا ويذل خاشعا مقهورا حسيرا عن أن يحوم حول فناء هذا الجبروت المقدس . قال تعالى : "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ"([14]) فحظر على غير أله العلم أن يعقلوا عن الله شيئا . ونرجع إلى أن نقول : "كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ".

ولما أنزل الله تلك الآية على نبيه eسأله الصحابة إذا كان موضع القدمين وسع السموات والأرض فكيف بالعرش ؟ فطمأن الله قلوبهم بما أنزله من النور عليهم بقوله سبحانه : "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ"([15]) وتلك الآية بينت أن الأرواح والعقول ، فضلا عن الأشباح والحس ، عاجزة عن أن تقدر الله قدره ، والواجب عليها التسليم لخبره سبحانه والعجز عن إدراك الكيف وترك السؤال واجب ، فإنه بدعة ومعلوم أن البدعة فى هذا المقام ضلالة ، وأن الضلالة فى النار ، وبسند الإمام ابن جرير الطبرى قال رسول الله e: "ما السماوات السبع فى الكرسى إلا كدارهم سبعة أليقت فى ترس" ، وبه قال أبو ذر : سمعت رسول الله eيقول : "ما الكرسى فى العرش إلا كحلقة من الحديد ألقين بين ظهري فلاة من الأرض".

وأكثر السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذى لا يحيطون به علما . وفوضوا علمه إلى الله تعالى من القول بالتنزيه والتقديس له تعالى شأنه.

"وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا"

أى ولا يثقله ولا يشق عليه حفظهما ، لأن السموات والأرض أجسام هائلة محمولة فى الجو من غير عمد نراها تحملها ، وأهل المعرفة يرون سريان قدرة الله فى كل كائن ، ومع عظم تلك الأجرام عظما يعجز العقل عن إدراكه ، فهى سابحة فى هذا الجو بنظام مقدر تقديرا فوق مقدار تصور العقول الكاملة وتدبيرها ، وهذا لصالح الخلق جميعا.

ولو نظر أهل الفكر إلى آية ذرة من ذرات التراب ، أو أى جزء من أجزاء الهواء ، أو إلى قدر شعيرة من فسيح السموات وطباقها ، أو من جسم الأرض وما عليها من جبال وماء ، بل ونظر فى تلك الأفلاك السائرات المتسقات والثابتات ، لظهر له فى أقل من الذرة أسرار تحير العقول ، وآيات تسكر الأرواح من إبداع بدائع آيات البديع الخلاق العظيم ، وهذا فى أصغر ذرة مم خلقه الله تعالى ، فكيف تقوى العقول على كشف أسرار تلك الكائنات وسر إبداعها وإيجادها ؟ بل كيف تحوم العقول السليمة من الهوى حول أنوار ما أودعه الله فيها من الحكمة الدالة على الحكيم سبحانه وتعالى ، وأنوار القدرة الباهرة القائمة حجة على قدرة القادر سبحانه ؟ بل كيف تشرف الأرواح الطاهرة الملكوتية على جلال وعظمة القادر الحكيم جل جلاله ؟ اللهم إلا ما من به الله علينا ببيانه على لسان الصادق الأمين eفى صريح القرآن . "وَلَا يَئُودُهُ" ماضية آد ، قال سبحانه وتعالى : "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ"([16]).

"وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"

وهذان الاسمان المقدسان ليس كمثلهما شىء ، فلا يفهم معناهما بما يدل عليه بحثنا ، فإن العلو هو الارتفاع فوق المكان العالى ، ولكن معناه هنا أنه سبحانه هو العلى عن أن يجانسه أو يشاكله أو يدانيه شىء ما ، بل هو العلى سبحانه المنفرد بكمال الفوقية المطلقة ، وهو الظاهر فى كل شىء ، وفوق الفوق وفوق التحت ، فله الفوقية المطلقة ، وبهذا البيان يجب أن نفهم أسماء الله تعالى وصفاته ، فإن كل اسم من أسمائه وضع لغة لحقيقة من الحقائق ، تنزه الله وتعالى عن أن تشابهه تلك الحقائق.

وأسماؤه وصفاته وأفعاله وكلامه ليس كمثلها شىء ، فى كل شئ ، ومن لم يجعل الله له نورا يفقه به تلك الآيات فالواجب عليه أن يسعى إلى أن يحصل علمها عند من هو أعلم بها منه ، وفى هذه الآية دليل على أن السموات والأرض مما خلق الله تعالى ، وهو أصفر عوالم الله تعالى.

ومن أحاطه الله علما من علوم الغيب المصون أو من أسرار القدر قال : سبحانه الله والحمد لله ، سبحان من لا يعلم قدره غيره ، ولا يبلغ والواصفون صفته ، ثم صدق موقنا بقوله تعالى : "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ"([17]) لأنه عجز عن الحيطة بعلم ما خلقه الله تعالى ، فكيف يقدر الله تعالى حق قدره تنزهت ذاته؟.

قوله تعالى : "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"(256).

"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"

سبب نزول هذه الآية الشريفة أن رجلا من الأنصار كان له أولاد تنصروا قبل بعثة النبى eفدعاهم إلى الإسلام فأبوا عليه ، فتوجه إلى رسول الله eوقال : هى ترضى أن يكون بعضنا فى النار ؟ فنزلت الآية "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" أى لا تكرهوا أبناءكم ولا إخوانكم على الإسلام ، فإن نور الإسلام لا تشهده إلا أعين القلوب التى جعل الله لها نورا ، ولكن الإكراه الذى يلجئ المكره الى الإسلام لا يجعله مسلما عند الله تعالى.

وقد بين الله للقلوب الممنوحة هذا النور دلائل الحق ، وأقام حججه المسلمة التى سارعت إليها قلوب من سبقت لهم الحسنى فهشت لها وبشت ، فتبين الرشد من الغي أى ظهر لتلك القلوب الرشد نورا عليا جليا ، فظهر الغى ظلمة تنكرها القلوب الطاهرة.

والذين يؤمنون بتلك الآيات والحجج هم المؤمنون حقا ، والذين يترددون فى قبولها أو ينكرونها هم الذين أضلهم الله تعالى من سابق الأزل . ولو أكرهوا على الإسلام وأسلموا لأفسدوا المسلمين وكانوا خبالا فيهم . وهذه الآية الشريفة منسوخة بالآيات التى نزلت بعدها.

" فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا"

هذه الآية الفاء فيها فاء الجواب لشرط مقدر تقدره إذا تقرر حكم هذه الآية السابقة من ترك إكراه أهل الكفر بالله على الإسلام "فمن يكفر بالطاغوت" أى يكفر بمعبوه الذى كان يعبده غير الله تعالى ، ويؤمن بالله أى يصدق الله ورسوله ، "فقد استمسك بالعروة الوثقى" والفاء هنا رابضة لجواب الشرط ، مثل الله تعالى حال من آمن بالله وكفر بالطاغوت بحال من تمسك بعروة قوية عاصمة له من كل ضرر وخطر ، والعروة الوثقى هى العقيدة الحقة التى بينها القرآن وهى الإيمان والإسلام ، ومعنى "وثقى" أن وثيقة تقوى بها نفسه المتمسك "لا انفصام لها" صفة للعروة أى عروة وثقى لا تنفصم.

"وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"

أى سميع يسمع كلام نفوسكم ، وكلام ألسنتكم ، عليم بخواطركم ، وارداتكم ، وأحوالكم ، وحركاتكم ، ومكناتهم ، فى جميع أعمالكم ، فيتفضل على من كفر بالطاغوت وآمن بالله بالتوفيق والهداية والعناية فى الدنيا ، وبالمغفرة والنعيم المقيم يوم القيامة.

قوله تعالى : "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"(257).

"اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ"

الولاية معلومة وهذا خبر من الله تعالى ، بين لنا سبحانه فيه أنه تولى من قدر لهم الإيمان أزلا ، وأنه يخرجهم لها من ظلمات الكفر الذى كانوا عليه أولاً ، إلى نور الإيمان والهداية والتوفيق الذى قدره لهم سبحانه . أو من ظلمة المعصية والغفلة والنسيان إلى نور التوبة والإنابة . أو من ظلمة النفس الأمارة بالسوء ومن سوء الطبع إلى نور النظر بالفكر إلى الدلائل الواضحة ، والحجج القائمة على ما فى الكون من الآيات الدالات على تفريد الله تعالى بالألوهية ، والإيجاد ، والإمداد ، أو من ظلمة وحلة التوحيد إلى صفاء التنزيه والتفريد ، أو من ظلمة بادية الإلحاد إلى نور كمال مشاهد التوحيد.

لأن السالك كلما وصل إلى مقام من المقامات العالية إذا وقف عنده وقع فى الظلمة ، والسالك إلى الله لا يقف ، فإذا جذبته العناية ورفعه الله إلى مقام أعلى من مقامه تاب إلى الله مما كان آنسا به من المقامات ، ولو أن السالك عكف على الله ألف سنة ووقف نفسا فإنه ما فاز به فى سلوكه أضاع بقدر ما عكف عليه . قال تعالى : "وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ"([18]).

"وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ"

سبب نزول هذه الآية أن قوما من المشركين تنصروا وآخرون تهودوا ، فلما جاء الإسلام سارع من كانوا على دين الجاهلية إلى الإسلام ، وامتنع من كانوا تهودوا وتنصروا ، فبين الله لنا أو أولياء الذين كفروا الذين هم ساداتهم وكبراؤهم منعوهم عن الدخول فى الإسلام فأخرجوهم من النور الذى قامت الحجة على صحته ، وكان الأولى بهم بعد انكشاف الحقائق واستبانة الرشد من الغى أن يسارعوا للإسلام.

وجائز أن يكون معنى هذه الآية ما تقدم ولها معنى آخر وهو دلالتها على الغيب ، لأن كثيرا ممن أسلموا ارتدوا بعد أن ارتفع رسول الله eإلى الرفيق الأعلى ، فتكون تلك الآية من معجزاته e.

والطاغوت اسم يدل على الواحد والجمع ،بدليل قوله: "يخرجونهم" وطاغوت كل إنسان هو ما يحبه ويعمل فى مرضاته من شياطين الجن والأنس، وما يدعو إليه الحظ والهوى ، والمسلم الذى لم يكفر بطاغوته ويؤمن بالله إيمانا حقا لا يخلوا من شرك ، وفى قوله تعالى : "يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ" يعنى من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر بالله تعالى.

"أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"

الإشارة إلى الذين كفروا بالله وآمنوا بالطاغوت ، ولكمة أصحاب النار لملازمتهم لها إلى ما نهاية . فكانوا كأنهم أصحابها . فهو تهديد ووعيد شديد "هم فيها خالدون" تأكيد لمعنى قوله تعالى : "أصحاب" وفيها من التخويف الشديد ما يفزع قلوب أهل الإيمان بالله خوفا من السابقة والخاتمة ، ولذلك كان أصحاب رسول الله eيكثرون البكاء خوفا من سلب الإيمان بسبب خاطر أو وارد أو فتنة ، أعاذنا الله وإخواننا المؤمنين من سلب الإيمان.

 

قوله تعالى : "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"(258).

افتتح الله الآية بالاستفهام "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي" وسيقت للتعجب ، والخطاب لرسول الله eوالمعنى ألم تر بقلبك وما أعلمناك به "إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه" وهو نمروذ بن كنعان ، وكان بصرح بابل ، وسبب المحاجة أن نمروذ طلب إبراهيم عليه السلام بعد أن خرج من النار فقال له : من ربك ؟ قال : "ربى الذى يحى ويميت". فقال النمروذ : "أنا أحى وأميت" . ثم أحضر رجلين فقتل أحدهما وترك الآخر فقال الخليل عليه السلام "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ، فبهت الذى كفر" أى قامت عليه الحجة ، وكاد يذل أمام قومه.

"وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"

يعنى أن الحجة القوية قصمت ظهر النمروذ ، وكان الأولى به أن يؤمن بالله بعد هذه الحجة ولكن الله قدر أزلا ضلاله وبقاءه على الكفر ، فلم يؤمن بالله تعالى.

قوله تعالى : "أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(259).

الجملة معطوفة على التى قبلها لأنها مما يتعجب منه وإن كانت للاستفهام ، والذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها هو عزير أو أرميا ، واختلف المؤرخون فى هذه الحادثة ، فمنهم من قال : أن أرميا كان فى بلاد مصر فأمره الله أن يسافر إلى بيت المقدس وقد كان فارقها إلى مصر وهى آهلة عامرة ، فلما طغى أهلها وبغوا وخالفوا كتاب الله وسنن أنبيائه سلط عليهم بختنصر فهدم بيت المقدس ، وخرب المدينة وأسر ذراريهم ، وسلب أموالهم حتى قيل أنه أخذ تسعين ألفا من أبنائهم.

فلما أمر من الله تعالى أو يتوجه إلى بيت المقدس وجده بحالة تحزن فأخذه العجب كل مأخذ وقال : "أنى يحى هذه الله بعد موتها" فألقى الله عليه النوم فنام وسلب منه الحس والحركة وحفظه وكان معه سلة من التين والعنب وقربة ماء على حماره فوضع السلة وربط الحمار وعلق القربة بشجرة هناك ، فأماته الله مائة عام ، وقدر أن يقوم ملك عظيم من ملوك فارس يقال له "يوسك" أرسل الله  إليه ملكا فقال له : أن الله يأمرك أن تنفر فتعمر بيت المقدس وايليا وأرضها حتى تعود أعمر مما كانت فقال الملك : أنظرنى ثلاثة أيام حتى أتأهب للعمل ، وبعد ثلاثة أيام قام ذلك الملك بعمال وجنود فقدر الله عمارتها كما كانت وأكمل ، فلما مضى على أرميا عليه السلام سبعون سنة أحيا الله بصره ، فرأى حالة البلد فعجب ، وبعد أن أتم الله مائة سنة عليه قام وهو عظام بالية مكسوة جلدا فأنبت الله عليها لحما ودما.

"قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ"

والقائل "كم لبثت" هو الله تعالى أوحى إليه مستفهما منه عن قدر المدة التى نامها . ولما كان آميا أو عزير رأى بعينيه الماء الذى معه والتين والعنب على ما هم عليه ، ورأى حماره مربوطا محله حكم بأن المدة لا تتجاوز اليوم أو بعض اليوم ، فأخبر بما علم فقال : "لبثت يوما أو بعض يوم" قال : "بل لبثت مائة عام".

والعام مأخوذ من العوم ، لأن الشمس تعوم فى كل بروجها من السنة وتسمى عاما ، وقال له أنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ، أى لم يتغير بمضى المائة عام فقامت الحجة على قدرة الله أن يحيى أهل تلك المدينة بعد موتهم كما أحياه بعد موته ، وانكشفت له الحقائق وأمره بأن ينظر إلى حماره الذى مضى عليه مائة عام وهو مربوط لا يأكل ولا يشرب ، وحوله الوحوش الضارية فحفظه الله منها وأعاد عليه حياته الحيوانية كما أعد لأرميا أو عزير حياته الإنسانية ، بعقله وقواه كاملة.

"وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ"

يعنى حجة قائمة على قدرة الله على إيجاد الحياة بعد الموت ، وعلى نشر العالم بعد فنائه ، وعلى إحياء الميت بعد مائة سنة ، وحفظ الفاكهة من التين والعنب اللذين كانا معه . وفى هذه الآية حجة على قدرة الله صالحة لنشر العالم بعد فنائه ، وإعادته بعد العدم.

"وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا"

أمره الله تعالى فى هذه الآية بالنظر أيضا إلى العظام النخرة كيف نشزها ، أى أحياها وفى رواية "ننشرها" وهو من الطى والنشر أو أوجدها حية بعد أن فقدت الحياة ، وكساها سبحانه وتعالى لحما بعد أن كانت يابسة لا لحم عليها ، فلما ظهرت له تلك الدلائل الجلية الواضحة اطمأن قلبه بالعلم اليقينى الذى يشوبه تردد ، لأن العلم فوق العقدية ، فإن العقيدة المسلمة قد يشوبها الريب والشك ، فإذا أيدها العلم اليقينى رخصت فى جانبها النفوس ، والفلوس ، والعروس ، تعظيما للقدوس سبحانه ، وكل عقيدة سلمت من غير علم يؤيدها ، ولكنها سلمت بأوهام وآمال وأطماع ، فإنها لا تثبت إلا ريثما تتغير وتنقلب عداوة وأعراضا.

"فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"

وفى رواية فلما بين بالبناء للمجهول . والمعنى فلما تبين له بالشهود البصرى المحسوس أن قدرة الله تعالى تحيى الموتى بعد مائة سنة كما أحيته ، وأنها تحيى القرية وأهلها ، قال بقلبه ولسانه أعلم العلم اليقينى الذى لا يشوبه شك ولا ريب ، أن الله على كل شئ قدير ، أى أن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شئ من إحياء وإماته ، وإيجاد وإمداد ، مما يراه العقل مستحيلا لقصوره.

وفى هذه الآية رد على من يشبه الغائب بالمشهود ، ويحكم على الله بما تنزه وتعالى عنه ، بل الواجب علينا أن نعتقد أن الله وأسماءه وصفاته وأفعاله وكلامه ليس كمثله شئ فى كل شئ ، كما سبق بيان ذلك ، وإننا يجب أن نتلقى العلم بالحقائق الغائبة عنا من كلام الله ، وكلام رسول الله eبدون أن نجعل لعقولنا دخلا فى هذا فإنما العقول خلقت لتحكم على ما هو تحت حسنا.

وقول عزير أو أرميا "أنى يحى هذه الله بعد موتها" إذا جعلنا "أنى" بمعنى متى ليس بتعجيز وإنكاره على قدرة الله ، ولكن سؤال من يريد أن يطمئن قلبه كما قال زكريا عليه السلام : "أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا"([19]) ، وكان يسال ليطمئن الله قلبه بإيجاد ولد له يكون مزيدا فى كمال إيمانه بقدره الله . وأن فسرنا "أنى" بمعنى كيف ان الرد أقوى على المخالفين ، لأن المراد يكون أن السائل يحب أن يشهد كيفية إحياء الموتى ليزداد إيمانا بطمأنينة قلبه.

والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أكمل الناس أدبا مع الله ، وأعلم الناس به سبحانه . فلا بد لنا أن نزن كلامهم على قدرهم لا على قدرنا ، وقد ورد أن الذى سأل هذا السؤال كافر ، وإذا ثبت ذلك كان سؤاله ليخرج من الكفر إلى الإيمان.

والذى عليه الإجماع أن تلك الآية كلها ثابتة لعزير أو أرميا ، وقيل : أن أرميا هذا هو الخضر الذى أطال الله عره ، ولما كان إيراد هذه الآية الشريفة لتقوية إيماننا وبيان آثار قدرة الله وعجائبها فى خلقه لتطمئن قلوبنا بسماع ذلك عن الله تعالى ، ناسب أن نذكر ما حصل لأرميا بعد قيامه م رقدته.

قام أرميا فدخل المدينة ونادى قائلا أنا عزير فلم ير م يعرفه ، وأنكره أهله ونفروا منه ، وكان ملك الفرس الذى عمر المدينة أرجع معه بقية بنى إسرائيل لتعميرها فبحث عزير فى بيته حتى استدل عليه فدخله ، وكان به جارية من جواريه هرمت وعميت ، فقال لها : أنا عزير فبكت وقالت دعنى وعزيرا فإنه غاب عنا غيبة لم نعد نعلم بحاله ، فبين لها نفسه وكانت بلغت من العمر مائة وعشرين عاما وقد فقدت عزيرا وهى فى العشرين من عمرها ، وقالت له : أن كنت عزيرا فاسأل الله أن يرد على بصرى لأعرفك فسأل الله فأعاد لها بصرها وشبابها كما تركها ، فخرجت مسرعة إلى أندية القوم ونادت أن عزيرا أرجعه الله إلينا ، فأنكره القوم وكان فيهم ولد له وأولاد وكان ولده ابن مائة وثمانية عشر سنة فلما أقسمت أنه هو أسرعوا إليه ، وقال له ابنه أن أبى كان على ظهره شعر أسود فكشفوا ظهره فوجوده ، وكان بختنصر قد أحرق التوراة فقالوا أن عزيرا يحفظ التوراة وقد فقدناها فإن كانت هو فأملها علينا فأملاها.

وذكر رجل منهم أن أباه لما رأى بختنصر يحرق التوراة أخذ نسخة ودفنها فى مكان كذا فتوجهوا إلى المكان وأخرجوها بعد أن أكلت الأرض بعضها ، وراجعوا ما فيها على أملاه عزير فلم يجدوا به اختلافا ولا فى حرف ، فصدقوه وأقام بينهم يدعو إلى الله تعالى ، ولكن شياطينهم دعوه بأنه ابن الله تعالى كفرا وجحودا.

وهذا كما بينت آنفا أن المعجزات المحسوسة تفسد عقائد البسطاء فتجعل من أجرى الله المعجزة على يديه الها أو ابن الاله كما فعل اليهود والنصارى بعزير وعيسى ، وأنا لنشكر الله على نعمته علينا بمحمد eومعجزته الكبرى التى هى القرآن المجيد ، لأن القرآن نزه الذات عن الشبيه والنظير والولد والوالد ، وأقام محمدا eعبدا لذاته بصريح الآيات ومحكمها ، ونسأل الله أن لا يخلى الأرض من قائم له بحجة من الميراث العلى لرسول الله eحفظا لآيات الله وبيناته.

 

قوله تعالى : "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"(260).

قبل أن نشرح هذه الآية الشريفة ، نبين لإخواننا أيدنا الله وإياهم بروح منه معنى النبى والولى ليحفظنا الله سبحانه من سوء الأدب مع رسله عليهم السلام - ، فيما ورد عنهم فى القرآن المجيد من مثل تلك الآيات التى نحن بصددها مثل قوله تعالى : "أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا" وقوله : "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى"وقوله : "أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ " حتى نسلم لرسل الله ما لم نعمله . ونقول : الله أعلم ، ونفهم كلام رسل الله على مقاديرهم من غير أن نضع ميزانا ، لأن كلام الرسل عليهم الصلاة والسلام يوزن بميزان له كفة واحدة ، إذ ليس هناك ما يوضع أمامه للتشبيه والتقدير إذ أنهم صفوة الله ، وأقرب إلى الله ، وأعلم بالله ، وأكمل أدبا مع الله.

فقول الخليل  : "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى" لأنه رسول مكلف أن يدعو الخلق إلى الحق ، ولا بد فى سبيل تلك الدعوة من وجود معارض ومعاند ومكذب ، ولا بد أن يتحمل الرسل عليهم السلام من أممهم من فادح المجاهدة ، والمحاربة والمعاندة ما لا تطيقه الجبال . . قال تعالى : "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا"([20]) ، يعنى ثقيلة الدعوة إليه ، أما الأولياء فليسوا مكلفين بذلك ، فما يلزم الرسل من البيان كل البيان بكشف الحقائق حتى تقوى قلوبهم على إقامة الحجة ، بإقدام وشجاعة ، لا يلزم الأولياء ، لأن الأولياء يبينون ما خفى من الشرائع للمسلمين بها.

إذا تقرر ذلك ظهر لنا معنى قول أمير المؤمنين على بن أبى طالب: لو كشف الحجاب ما إزددت يقينا . كأنه يقول يقينى كمل بما تلقيته عن رسول الله eوبلغت من العلم مبلغا انكشفت لى به حقائق ما تلقيته ، حتى أيقنت يقينا اطمأن به قلبى حتى لو كشف الحجاب لرأيت ما تصورته بعلمى هو الحقيقة بعينها ، وذلك لأنه عليه السلام لم يكلف بأن يدعو الناس إلى شريعة جديدة فيحتاج إلى كشف الحقائق قبل دعوته مع يقينه بها ، ليقيم الحجة بعزيمة كما يلزم الرسل عليهم الصلاة والسلام فى تقوية دعوتهم بالحجج التى تنكشف لهم.

وكذلك ما يقوله الشاطحون الذين اختطفت عقولهم سواطع أنوار الجمال الذى ظهر لهم بعد المعرفة ، وما نحا إليه الرافضة وبعض أصحاب من فنوا عن وجودهم الباطل بالوجود الحق مما قالوه ، وهم فى حالة استغراق  حيث لا يفهمون له معنى ، فيفهمونه بقدر عقولهم فيكون ضلالا وخزيا وبهتانا ، ودليل ذلك ما ورد عن رسول الله eمن قوله : "نحن أولى بالشك من إبراهيم" فكأنه ينفى الشك عنه eوذلك تواضع من رسول الله eإذ لا يتصور عقل مسلم أن الشك يحصل من أحد من الرسل.

وهنا أشرح لك شيئا من الحقيقة . . أن الله تعالى أوحى إلى ابراهيم عليه السلام- فقال له أنت خليلى ، ومعلوم أن الخليل يطيع خليله ، فنظر ابراهيم عليه السلام فى نفسه وقال : كيف أكون خليل الله وهو العلى العظيم ؟ ، وأحب أن يطمئن قلبه بأنه خليل الله وهو يعلم أن الخليل يطيع خليله فسأل الله أن يقيم الحجة على أنه خليله بقوله : "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى" فقال له : "أَوَلَمْ تُؤْمِنْ" أى أو لم تصدق إنك خليلى "قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي"أى أنا مصدق تصديقا حقا ولكن مقام الخلة يطمعنى فى أن يطمئن قلبى عليه فطمأن الله قلبه على الخلة ، فقال سبحانه : "فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ" أى ضمهن إليك ، فأخذ من كل نوع طائرا وضمها إليه فقال له تعالى : "ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا" فقطعهن ورمى على كل جبل جزءا ، قل سبحانه : "ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا"فدعاهن فالتأمت أجزاء كل طائر حتى عاد كما كان ، وطارت إليه جميعا "وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" يعنى واعتقد أن الله ينفذ ما أراده بقهر وقوة ، وتدبير وحكمة فهو العزيز الحكيم سبحانه فى إبراز ما أراده من جمال ، وهداية وإضلال ، وإعطاء ومنع.

فقوله تعالى : "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى" الآية . يعنى اذكر يا محمد حين قال ابراهيم لربه : "رَبِّ أَرِنِي" ، وكلمة رب يفتتح به الدعاء لسرعة الاستجابة ، ولاستجداء عواطف الله وإحسانه " ، "أرني" أى بعين بصرى "كيف تحى الموتى" الجملة مفعول ثان ز أى أرنى كيفية إحيائك الموتى ، "قال أو لم تؤمن" استفهام من الله تعالى وهو اعلم بسره وجهره تنزلا منه سبحانه ليؤنس خليله : "قال بلى ولكن ليطمئن قلبى" أى قال بلى أنا مؤمن مصدق ، ولكنى أحب المزيد وهو طمأنينة القلب باليقين الحق الذى يكون عن رؤية البصر ، فأمره الله بما سبق بيانه أن يعلم أن الله عزيز حكيم.

وقد سبق فى الآية السابقة أن عزيرا قال : "أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" وإن ورد فى رواية "أعلم أن الله على كل شىء قدير" بصيغة الأمر إلا أن العلم بالقدرة شىء ، والعلم بأن الله عزيز حكيم شىء أخر ، ولذلك فقد أمر الله خليله بأن يعلم أن الله عزيز حكيم.

وقال عن عزير : "أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ، فإن مقام عزير كان استفهاما من احياء الله تعالى أهل المدينة وعمارتها الأمر المتعلق بالقدرة الجائز وقوعه فى الحال ويوم القيامة.

وأما استفهام الخليل عليه السلام فكان عن أمر وإن كان تعلقه بالقدرة أمس إلا أنه يقتضي أن يكون نيله من الله عن عزة وحكمة ، ولذلك كان الأمر لابراهيم عليه السلام بلفظ الأمر "وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

ولما كان المقام لإظهار عجائب قدرة الله وغرائب حكمته سبحانه ، اتصلت آية الخليل بآية عزير أو آرميا لأن الغرض منها تقوية الإيمان فى قلوبنا، وهذه الآية الشريفة أخبار من الله تعالى لنبيه محمدا eوأمته ، تقوية لإيمانهم وأثباتا لنبوته eوقصما لظهور اليهود ، لأن تلك الآيات معجزة باهرة، ولأن رسول الله eكما سق أن بينا نشأ بين جاهلية عمياء صماء لا تكتب ولا تقرأ ، ولا علم لها بأخبار الأنبياء والملوك ، فكان اليهود والنصارى أشد الناس عداوة له.

وقد قامت الحجة على اليهود والنصارى ، ولكن الله لم يشأ أن يهديهم صراطه المستقيم وله فى ذلك حكمة لا يعلمها إلا الله ، ومن يعلمهم بها من أولى العزم من الرسل.

وقامت الحجة على منكرى البعث بما بينه الله تعالى فى قصة من خرجوا الوفا حذر الموت ثم أحياهم الله ، وبما حدثنا به عن عزير وإحيائه بعد موته مائة عام ، وأقام الحجة للمؤمنين الذين يقاتلون فى سبيل الله بأن الله ينصر من ينصره ، بدليل ما أخبرنا به عن قصة طالوت وجالوت . فالآيات متسقات مرتبطات مبينات للحقائق التى بها كمال الإيمان ، وصحة التوكل على الله والثقة بما عنده.

قوله تعالى : "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"(261).

"مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ"

هذه الآية الشريفة مرتبطة بقوله تعالى : "مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا"([21]) لأن الله تعالى يحثنا على النفقة فى الجهاد بالمال والنفس ، وضرب لنا مثلا فى ذلك برجل غرس حبة بر أو شعير أو غير ذلك ، ونسبة الانبات إلى الحبة مجازا ، والزارع والمنبت هو الله تعالى . أنبتت تلك الحبة سبع فروع فى كل فرع سنبلة ، وفى كل سنبلة مائة حبة.

وهذا المثل جائز أن يكون ، فإن كثيرا من الأراضي الخصبة قد تنبت الحبة فتحمل سبع سنابل ، وقد يكون فى السنبلة مائة حبة ، وهذا إحسان الله لمن يبذل ماله فى سبيله ، وقد يتفضل بالمزيد إذا وافق ذلك البذل فرح القلب ، وأنس النفس بما يحصل من الآلام فى سبيله ، فيضاعف له أضعافا كثيرة . لأن الذي يبذل المال والنفس وقلبه مطمئن بذكر الله ونفسه ساكنة إلى نفسها ، وروحه آنسة بمشاهدة إقامة الله له ناصرا له سبحانه ، ومجاهدا فى سبيله ، وخيالة يتمثل ما يناله من رضوان الله الأكبر ، ذو همة يتصور ظهور معانى الصفات فى نفسه ، قائما لله مسارعا إلى تنفيذ أمره وإعلاء كلمته ، فيكون مجموع ذلك مما يضاعف الله عليه الأجر الجميل ، والخير الجزيل.

"وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ"

أى يزيد العطايا زيادة لا يحصرها العقل الكامل "لمن يشاء" أن يمنحه ذلك الخير ، والسبب هو ما أقام فيه قواه الإنسانية جهادا فى سبيل الله تعالى، وفى تلك الآية برهان قوى على كمال التوحيد . لأن الذى أقام العبد مجاهدا بماله ونفسه وعقله وقلبه وروحه هو الله تعالى ، إذ ليس للعبد حول ولا قوة ، وفضل الله عليه بتلك الإقامة وشهود تلك المعانى أحب إلى العبد المؤمن الكامل من أعلى رياض الفردوس الأعلى ، لأن أنس الروح ومسرة العقل وطمأنينة القلب فوق كل لذة أخرى.

"وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"

يزيد الله العبد إيمانا ومسارعة إليه سبحانه ، وإقبالا على حضرته بما بينه من الوسعة التى تدل على أن الله يعطى المؤمن الكامل عطايا فوق آماله ، وتمنياته ، فإنه سبحانه إذا أعطى فإنه يعطى على قدرة جل جلاله ، والعبد إذا تمنى فإنه يتمنى على قدر نفسه ، وشتان بين قدر العبد وقدر الرب ، ومن تذوق تلك الإشارات فهم قوله تعالى : "وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ" وقوله سبحانه "وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" يعنى يعلم تصريف النوايا فى القلوب ، ويعلم أخفى من ذلك ، ويعلم أعمال الجوارح فى الجهاد.

قوله تعالى : "الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"(262).

"الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى. . ."

أراد الله سبحانه أن يجلى حقيقة ما عليه من مدحهم ، وأثنى عليهم ، ووعدهم بهذا الخير العظيم ، فقال سبحانه : ""الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ" أى يصرفونها "فِي سَبِيلِ اللَّهِ" أى الجهاد ، ولإعلاء كلمة الله ، ودفع الشر عن المسلمين فى دينهم ، وأعراضهم ، وأموالهم وأبدانهم "ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى" أى لا يصحبون نفقتهم التى ينفقونها فى سبيل الله "منا" يثبت ضعف إيمانهم.

فإن المؤمن الكامل الذى بذل نفسه وماله فى سبيل الله كأنه وفى بالبيعة التى بايع الله عليها ، فإذا إيمانه أو نسى إيمانه وظن أنه هو المالك لماله ونفسه من بما أنفق على من أخذه منه من أمير أو خليفة . جهلا منه أن الذى أخذ منه هو الله تعالى ، معتقدا أن الذى أخذه أمي المؤمنين أو وليه فيمن عليه وفى منه هذا إحباط لعمله ، وبرهان على شركه الخفى ، وجهله بروح الإسلام.

فإذا كان الذى يمن يحبط عمله . فكيف بالذى يؤذى المسلمين بما أعطاه بأن يعين الأعداء ، أو يسعى فى تفرقة الأمة ، أو ينشر القبيح فى ولاة الأمور الذين أقامهم الله خلفاء لرسوله e.

قال الشاعر العربي:

       سيان عندي من أسدى صنيعه           ومن منع عني نواله وضــــــن

وقال آخر :

       إن الذى أســــدي صـنـيـعـــــه          وذكرنيــــــــه أنـــــــه للئيـــم

وهذا فى معاملة الخلق للخلق ، فكيف بمعاملة الحق ، والله تعالى يقول : "بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ"([22]) ولا يمن بما أعطاه فى سبيل الله إلا ضعيف الإيمان ، ولا يؤذى بما أعطاه إلا منافق يتوارى ، وهذا كله إذا كن الجهاد فى سبيل الله حقا ، وفى إعلاء كلمته صدقا.

أما إذا كان الجهاد ما يعمله أهل الجهالة بالدين طلبا للعلو فى الأرض بغير الحق ، فيؤذى بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا ليمكنوا أعداء الله من المسلمين بسبب اجحاف بعضهم بعضا ، وبسبب تقرقتهم فليس هذا جهاد ، وإنما هو حرب لله ولرسوله eوعلى المؤمن أن يعمل بما أمر الله فى قوله : "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا"([23]).

فإذا كانت القوة بيد أهل الحق أعانوا من أهتدى على من لم يهتد ، وقاتلوهم جميعا ، وأن كانت القوة مع أهل الباطل ، نصحوا ووعظوا وتبرأوا وهو اضعف الإيمان . قال عليه الصلاة والسلام "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرىء ما نوى" ولم نعلم أن رسول الله eقبل من كافر أن يعينه على الجهاد . والواجب على المسلمين فى الجهاد المشروع إلا يجمعوا عليهم فى مشورتهم وسياستهم من يكذب الله ورسوله.

"لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ"

بشرى من الله تعالى لمن جملهم الله بالصفات السابقة ، وطهرهم من الرجس ومن الشك والريب ، لأن الله جعل لهم فضلا منه حقا عليه يوفيه لهم يوم القيامة فإن الأجر لا يقال إلا لمن له حق على من يعطيه الأجر وما هو الحق الذى لنا ولم نكن شيئا ؟ فسبحان من يهدى ، ويعين على طاعته ، ويقيم فى محبه ومراضيه ، ثم ينسب ذلك فضلا منه إلى العبد ، ثم يتفضل فيعطيه أجرا على نسبته إليه ، ثم يتفضل فيجعل هذا الأجر غير ممنون عليه ، ثم يتفضل فيتكلم مع العبد كلاما يشرح صدره ويطمئن قلبه ويؤنس روحه ، اللهم أنا عجزنا أن نحصر نعماك فكيف نقوى على شكرك ؟ فتفضل بشكر نفسك عنا فأنت الشكور ، ووفقنا لما تحبه منا مع الشكر على ما تفضلت به علينا.

"وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"

نفى الله عن أحبابه الخوف والحزن ، وهنا أبين لك مواطن الخوف والحزن التى تعترى المؤمن الكامل : أن المؤمن عند موته يحصل له الحزن الأليم والخوف الشديد ، أما الخوف فعلى أولاده وأهله الذين أقامه الله لهم حصنا وكفيلا ، وأما حزنه فلما فرط فى جنب الله تعالى ، فيأتيه ملك من الملائكة وهو فى النزع فيقول : ما خوفك يا عبد الله ؟ فيقول : أخاف على أهلي وأولادي من بعدى ، فيقول له : أني أبشرك أن الله وليك ووكيلك عليهم من بعدك ، فيذهب الخوف وتحصل البهجة والطمأنينة ، ثم يقول له : ما أحزنك يا عبد الله ؟ فيقول : أحزن لتفريطي فى جنب الله ، وأجهل العاقبة . فيقول له الملك : أن الله أبدلك حسنات من عنده ، وأمنك يوم القيامة ، فيزول حزنه بفرح وبهجة . فهذا معنى قوله : "وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".

وجائز أن تقول : "وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ" من الفتنة عند الموت ، وفى القبر ، وفى الحساب يوم القيامة ، "وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" برؤية الشر فيمن يحبونه بل يكرمهم الله بأن يشهدهم الخير فى أقاربهم وأهلهم وأحبابهم . قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ"([24]) الآية.

وفى حديث الشفاعة الطويل بسند الإمام ابن مسعود البغوى فى كتاب "مصابيح السنة" يأمر رسول الله eالعلماء والأتقياء أن يشفعوا عند الله تعالى لإخوانهم ، فيدخلون على الله ويقولون : يا ربنا إخواننا !! فيقول لهم سبحانه: أنهم لم يعملوا كعملكم ، فيقولون : إنهم كانوا يعملون لنا ولهم ، وكنا نعمل لنا ولهم . ومعنى هذا أن أهل الدنيا كانوا مشغولين بعملهم فى الدنيا بعد المحافظة على الواجبات ، وأن العلماء والأتقياء كانوا مشغولين بالفرض ، وبنوافل البر ، فكان أهل الدنيا يشاركونهم فى أعمال البر التى وفقهم الله لها، وأهل التقوى يشاركونهم فى أموالهم التى يعملون فيها ، فيأمر الله بإخراجهم من النار . وهذا من كمال عناية الله بأوليائه إدخالا للسرور عليهم حتى لا يخافون ولا يحزنوا ، وتتحقق لهم البشرى التى وعدهم الله سبحانه بها فى قوله تعالى : "يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ"([25]).

قوله تعالى : "قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ"(263).

"قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى"

هذه الآية درة شريفة فى عقد من النفائس ، فهى مرتبطة بما قبلها تمام الارتباط من قوله تعالى : "مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا" الآية . وقوله : "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" الآية . والمعنى رد جميل ، وعفو عن المسيء ، خير عند الله تعالى من صدقة يتبعها أذى ، فالصدقة لا يأخذها الله بيده إلا إذا كانت خالصة لوجهه ، مصحوبة ببشاشة وتذلل على الأخذ بالحال والقال ، حتى يظن الأخذ أنه الذى أعطى ، لأن الحقيقة أن الذى أعطى هو الذى أخذ والذى أخذ هو الذى أعطى وإليك البيان:

نعلم جميعا أن التاجر الكيس إذا ربح فى المائة دينار خمسة دنانير يسعده حظه ويفرح فرحا كبيرا ، فكيف بمن يربح فى الدينار سبعمائة دينار وأكثر . هل يظن أنه أعطى ؟ أو يتحقق أنه أخذ وأخذ وأخذ !!! ، وقليل ما هم . ولولا الفقير الذى يعطى هذا المال ، ولولا الجهاد الذى يقتضى الإنفاق. لحرم المتصدق هذا الفضل العظيم ، فكأن الفقير والجهاد بهما نال المتصدق الفضل الأكبر . إذن من الذى أعطى ومن الذى أخذ ؟ والواجب على من أغناهم الله أن يكون فرحهم بالصدقة أكثر من فرحهم بالمال ووفرته ، فإن المال إذا حفظه الرجل حتى يموت كان عذابا عليه يوم القيامة ، ولو كان من حلال ، لأنه يسأل عنه يوم القيامة ، مم كسبه ؟ وفيم أنفقه ؟ ولم حبسه ؟ وقد يعذب به أبناءه من بعده حيث يحارب بعضهم بعضا عليه ، أو ينفقونه فى معصية الله فيكون أعانهم على المعصية ، وخير الناس من جعل له ذخيرة عند الله يجدها فى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

"وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ"

يعنى تعالى ذكره أن الله غنى قادر أن يغنى الفقراء عن سؤال الأغنياء ، ويحرم الأغنياء أجر ما يأخذه الفقراء ، ويجعل ما لهم فى الدنيا عذابا عليهم يوم القيامة لبخلهم به عن أن ينفقوه فى سبيل الله تعالى ، "حليم" سبحانه يحلم على الأغنياء الذين يحبسون أموالهم عن أن يتقربوا بها إلى الله فى سبيله ، ولولا حلمه لخسف بهم الأرض ، ولكنه حليم صبور ، وهذان الاسمان بعد هذه الآية الشريفة بشرى للمؤمنين المنفقين ، وللمؤمنين الفقراء ، وإنذار من الله تعالى لمن أغناهم الله بالمال وبخلوا به ، وقد كان رسول الله eإذا بايع الناس على الإسلام قال للمبايعين كلمة بصوت خافت : "وعلى أن لا تسألوا الناس شيئا" . . اللهم إلا إذا دعت الضرورة الفادحة.

قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ"(264).

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى"

قبل أن نفسر هذه الآية نبين هذا الموضوع بيانا تطمئن به القلوب : كلنا نعلم أن أعمال القلوب هى التى يقبلها الله ، وتقبل بها أعمال الجوارح قال : "إنما الأعمال بالنيات" الحديث المشهور . وفى رواية أبى حنيفة "إنما العمل بالنية" ، فكل عمل لا يصدر عن نية خالصة لله ولرسوله ، ولابتغاء مرضاته سبحانه ، بل شابته شائبة الرياء أو الحظ أو الطمع أو الشهوة أو الهوى هو عمل لغير الله تعالى ، لا يقبله الله ولا يثيب عليه.

ولما كان الخطاب للمؤمنين وكان المؤمن هو المصدق الذى لا تصدر أعماله إلا عن إخلاص لله تعالى : "أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ"([26]) كان الحكم بعد هذا الخطاب يناسب مقامات المؤمنين . فقوله : "لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ" التى فرضها الله عليكم ، ولا صدقاتكم التى هى من نوافل البر ، أى لا تحرموا أجرها بسبب المن بها على من أخذها سواء كان أميرا أو مأمورا أو كان فقيرا دعته الضرورة أن يسأل الناس ، بسبب نزوع نفوسكم إلى المن عليه بما أعطيتموه ، أو بسبب أذيته بأن تسيئوا إليه كما يفعل أهل اليسار فيقولون للسائل : أنت قوى سوى ، أشتغل أو ما أشبه ذلك مما يؤذى السائل.

والمن ها هنا كما قدمت لك دليل على أن الغنى ظن أنه هو الذى أغنى نفسه ، وأن المال ماله . بحيلته وقوته ؟ . وفى الأذى بلاء آخر وهو الكبرياء والفخر على الفقراء مما يذل السائلين . وهذا المن والأذى يبطل الصدقات.

فإذا قال قائل : إذا كان المتصدق تصدق فله أجر ، فإذا من أو آذى فعليه وزر ، فكيف يكون المن والأذى يبطل الصدقات ؟ نقول له : إنك ما فهمت كلام الله ، لأنى قدمت لك أن الله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم . قد تقدم قول الله تعالى : "قول معروف" للسائل ، ومغفرة لذنوبه التى تدعوه إليها الضرورة إلى أن يتكلم بها مع الغنى ، لأن القول المعروف والمغفرة تجعل الفقير يطمئن قلبه ، وينشرح صدره ، أما المن والأذى فإنه فضلا عن أنه يدل على شائبة الشرك ، فإنه يؤلم الفقير ويحزنه.

ونحن عبيد مربوبون ، وعباد مقهورن ، فما علينا إلا أن نسمع ونطيع ونسلم تسليما ، وليس علينا أن نجعل العقل يبحث فى مثل تلك الآيات المحكمة . جعلها سبحانه صدقة وجعل المن والأذى يبطلها فأخبرنا سبحانه بذلك . فما هو العقل الذى يتردد فى كلام الله ، ويتأول فيه تأويلا يخالف الأدب مع الله تعالى ؟ وفى قوله تعالى : "يأيها الذين أمنوا" خطاب من الله تعالى تنزلا منه وعطفا على المؤمنين وقوله تعالى : "لا تبطلوا" أى لا تضيعوا ثواب صدقاتكم ، والمن والأذى تقدم الكلام عليهما.

"كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ"

مثل الله حال من يمن على الفقراء أو يؤذيهم بحال المنافقين الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ، وتؤويل هذه الآية : كعمل الذى ينفق ماله رئاء الناس على حذف مضاف.

والرياء معلوم وهو العمل لأجل الناس لينال بذلك الشهرة والسمعة ، وينال أغراضه الفانية من رياسة أو سودد أو زواج أو مال أو انتقام من عدو : "وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" أى لا يصدق بالله تصديقا يجعله يراقب عظمته فيخشاه سبحانه ، ولا يصدق باليوم الآخر ، ولا بما أعده الله فيه من النعيم المقيم لأهل الإيمان به ، ولا بما أعده فيه لأهل الكفر به سبحانه ، ولا تجمع تلك الصفات إلا لأهل الكفر ، لأن إنكار يوم القيامة كفر ، ونسيانه كبيرة ، فإن الذى يوقع المسلمين فى الكبائر والصغائر هو نسيان يوم القيامة.

فإن المسلم إذا نسى يوم القيامة أرتكب أكبر الكبائر بعد الشرك : من القتل والزنا وشرب الخمور والفسق والخيانة والعقوق والقطيعة ، غير مبال بشئ إلا إذا رد عنها قهرا بسوط السلطان . أو بأذية الناس له ، ولكنه متى خلا بنفسه أرتكب أفظع الكبائر غير هياب من عذاب الله ، ولا وجل من لقائه . أعاذنا الله من إنكار يوم القيامة ، ومن نسيانه ، فإن الدنيا غرارة ضرارة مرارة.

"فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا"

مثل الله تعالى حال المنافق والكافر بحجر ، ومثل الأعمال الخيرية التى يعملها بتراب على وجه الحجر من رآه قال : هذا صالح للزراعة ، فإذا أنزل عليه المطر انكشفت الحقائق ، وزال التراب من على وجهه ، وتركه حجرا صلدا وكذلك المنافقون الذين يعملون بجوارحهم أمام المؤمنين . مثل عملهم من صلاة ، وصيام ، وحج ، وصدقات . وقلوبهم قد عقدت على الكفر ، نعوذ بالله تعالى . بتلك الصخرة ، وجعل تلك الأعمال كما بينت لك- وأن رآها المؤمنون ليس لها فى الحقيقة أثر ولا وجود ، كالتراب على وجه الصخرة فإن المطر يزيله.

نسأل الله الستار أن يستر علينا فى الدنيا والآخرة ، وأن يطهر قلوبنا من سوء الظن ، ومن نسيان يوم القيامة ، والوابل هو المطر الغزير الذى لا يبقى على الحجر ترابا ، والصلد هو الحجر الصلد الأملس الذى لا يلتصق به التراب.

"لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ"

جعلهم الله كهذا الحجر الذى عند انزال الوابل عليه أزال طبقة التراب عنه ، فكذلك المنافق الذى ينفق ماله رئاء الناس ، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ، إذا انكشفت الحقائق يوم القيامة ظهر أن أعماله كانت لغير الله، وزالت بكشف الحجاب ، وعجز عن أن ينال ثوابها لأن الله قدر عليه ذلك لصدور الأعمال منه مشوبة بالنفاق ، والكفر ، فكانت أعمالهم التى اكتسبوها بحسب نواياهم الخبيثة سببا فى خلودهم فى جهنم ، فضلا عن حرمانهم م ثوابها "والله لا يهدي القوم الكفرين" أى لا يوفق للخير من سبق فى أزله سبحانه الحكم عليهم بالكفر ، وفى هذه الآية مشهد من مشاهد التوحيد العالية يتذوقه أهل المعرفة بالله تعالى.

قوله تعالى : "وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"(265).

بعد أن أنذر اله تعالى عباده بكشف الحقائق عن عيون قلوبهم ، بالبيان الصريح الذى بين فيه ما يناله المسارع إلى محاب الله ومراضيه ، خصوصا فى الانفاق على الفقراء من مال الله الذى فرضه على الأغنياء ، وفى نفقة التطوع ، وبين ما يناله المخالف الذى يمنع الزكاة المفروضة والصدقة المندوبة من العذاب الأليم ، بين ذلك بالمثل الكاشفة للغيب الذى لا يراه الإنسان الآن، وسيكون محققا يوم القيامة ، يبين سبحانه كعادته فى التخويف والتبشير فبشر أهل الإيمان به المسارعين إلى القيام بما أوجبه عليهم وما رغبهم فيه قال تعالى : "وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ" الآية.

"وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ "

أى لابتغاء مرضاة الله ، فيكون مبتغاه ببذل المال الذى هو كروحه رضوان الله تعالى . والناس فى تصاريف نواياهم عند القيام بالقربات إلى الله تعالى على ثلاثة أنواع:

1-              نوع يتقرب إلى الله تعالى ليقوم بالواجب عليه ويفوز بما وعده الله من نعيم مقيم.

2-    وقوم يتقربون إلى الله بمجاهدة نفوسهم ليقهروها على ترك جنة الدنيا من شهى الطعام ، ووطئ الفراش ، وبهي الثياب ، يبتغون بذلك الفوز برضوانه الأكبر ، لأنهم تركوا الجنة فى الدنيا وهم أحوج ما يكونون إليها ، فكيف تشغلهم جنة الآخرة بعد أن شهدوا بعيون القلوب جمال الرضوان ، وبهجة الأنس به ؟

3-    ونوع عملوا بما علموا استجابة لله فعلمهم الله تعالى علم ما لم يكونوا يعلمون ، قال تعالى : "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ"([27]).

والعلم الذى يعلمه الله لأهل التقوى هو أن يعلمهم سبحانه غيبه المكنون ، وسره المصون الذى لا يعلمه إلا هو سبحانه أو من يعلمهم ، قال تعالى : "عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى"([28]) وهم ضنائن الله فى خلقه أفناهم عنهم حتى جذبهم إليه ، وتفضل عليهم برحمة من عنده ، وبعلم من لدنه ، وهم الذين رضى الله عنهم فى الدنيا ، ورضوا عنه ، فليس لهم بغية سواه ، ولا مقصد إلا أياه ، وبدايتهم بيع النفس والمال لله ، ونهايتهم الفرار بالكلية إلى الله ، قال تعالى : "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ"([29]) فلما أن سلموا السلعة بإنفاق النفس والمال فى سبيل الله ، قبل الله منهم وجعلهم عنده ، وسقاهم من مشاهد التوحيد العلية شرابا طهروا.

"وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ"

يعنى سبحانه أنهم بلغوا من مقامات التصديق واليقين والتمكين مقاما ثبتت فيه نفوسهم على بذل بعضها وهو المال ، مبلغا به يبذلون النفس والمال لأن فى قوله : "مِنْ أَنْفُسِهِمْ" جائز أن تكون "مِنْ" تبعيضية ويكون المعنى أنهم تثبتوا حتى بذلوا بعض النفس وهو المال.

وجائز أن تكون لابتداء الغاية ، والمعنى أن التثبيت من أنفسهم هنا ابتدأ ببذل النفس وهو المال ، لأن المال شقيق النفس ، وله المحل الأعلى فى القربات ، فبذله مع اليقين الحق بنيل ما وعدنا الله به فوق الصوم والصلاة، بل وفوق الحج ، فإن الإنسان قد يحج بعافيته ماشيا وخادما ، ويبخل أن يبذل مال فإذا حصل له التثبيت ابتدأ ببذل المال ثم انتهى ببذل المال والنفس ، وقد وردت الآيات بأن الله يعطى بدل النفقة فى سبيله سبعمائة مثلها ويزيد لمن يشاء.

فإذا بذل المؤمن ماله ونفسه ، هنا نمسك القلم عجزا منا ععن أن نبين ما يتفضل الله به على من أنفق نفسه وماله فى سبيل الله تعالى الذى وعد المنفق بقوله : "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ"([30]) ، وقوله تعالى فى هذه الآية : "كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ".

"كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ"

الجنة : هى البستان الملتف الأشجار الذى لا يرى الخارج عنه ما فيه لإلتفاف أشجاره ، والربوة : هى المرتفع من الأرض البعيد عن برد الهواء ، وعن الرطوبة الكامنة بسبب احتجاب أشعة الشمس عن الأرض المنخفضة بما ارتفع عنها ، فتكون الربوة ممتعة بالهواء الصافى النقى ، وبأشعة الشمس المطهرة ، ولها خصوصية أخرى وهى أنها إذا نزل الوابل ابتدأ بالنزول عليها، فتهتز وتربو ، وينمو شجرها ، ويكثر ثمرها ، وإذا لم ينزل الوابل نزل الطل وهو الماء الذى يتشبع به الهواء ليلا ، ويمر عليها فيتساقط ، وقل أن يصل إلى المنخفض من الأرض.

وفى هذه الآية إشارة إلى أن ما يتقدمه المؤمن من النفقة فى سبيل الله يقبله الله تعالى بحسب نية العامل ، فإن بذل ماله فقط مبتغيا النعيم يوم القيامة تفضل الله عليه به ، وأن بذله مبتغيا رضوان الله من الله به عليه ، وهذا هو الطل والوابل ، وكلاها بتقدير الله وإحسانه ، وأن فر إلى الله تعالى فانيا عن أن يلحظ إلا مشهد التوحيد العلى أحسن الله إليه بما لا نتصوره بعقولنا من خير الجزاء ، قال الله تعالى : " لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"([31]) ، وقال تعالى : "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ"([32]) ، قال بعض العارفين : يعلمكم الله لأن التقوى لا تكون إلا بعلم ، والتقوى هى تحصيل العلم والعمل بما علم . فإذا حصل العلم الذى يمكن أن يحصله ، وعمل به مبتغيا رضوان الله تعالى ببذل ماله ونفسه ، علمه الله تعالى مضنون غيبه ، ومكنون علمه ، وسر جماله ، وجلاله ، وبهائه ، وضيائه ، ونوره ، وكماله.

"أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ"

"وابل" أى مصر غزير ، وفيه الإشارة إلى إحسان الله على العبد "فإن لم يصبها وابل فطل".

أى يصيبها طل ، وهو إشارة إلى الماء المتخلل فى الهواء كالندى ، وفيه إشارة إلى من بذل ماله فقط.

"وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"

فى هذه الآية إنذار من الله تعالى ، وبشرى منه سبحانه ، فبشرى لأهل الإيمان به الذين يشهدون أن الله يرى أعمالهم ، ونواياهم ، وهممهم ولمهم ، فيفرحون بفضل الله وبرحمته ، وهى تخويف لأهل الكفر بالله والغافلين لأنهم إذا علموا أن أعمالهم ونواياهم يراها الله تعالى بعد أن توعد من وقع فى شئ منها بعذاب النار تقوم الحجة عليهم ، فإن قدر الله لهم الهداية تابوا ورجعوا ، وإن لم تسبق عاندوا وأنكروا.

قوله تعالى : "أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ"(266).

"أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ"

هذه الآية مثل أزعج الله به قلوب أهل الإيمان . لأن الله كشف بها حقائق تراها محسوسة ملموسة بين ظهرانينا ، وصدق الله العظيم ، فأنا نرى الأغنياء وأصحاب الحرث والنسل والماشية والقصور العاليات ، إذ كبر الرجل منهم ما بيده ، ويقع فى آلام الكبر والضعف ، ومضار الفقر والحاجة ، وفساد الأولاد والأتباع ، فإذا بحثنا عن سبب ذلك تقوم الحجة أن ذلك السبب هو البخل بمال الله على عياله قال الله تعالى فى حديثه القدسي : "الأغنياء وكلائي والفقراء عيالى ، فمن يبخل بمالى على عيالى أذقته نكالى ولا أبالى"، وكذلك ظلم العباد فى تحصيل عرض الدنيا وتنميته ، وبذل ما أعطاه الله تعالى فى أن يملأ المراحيض بما أكل ، ويسرف في لباسه وأثاثه ومسكنه ، حتى إذا جاءه الموت خرج من الدنيا مثقلا بالديون لله بمعاصيه سبحانه ، وللخلق بظلمه إياهم ، فيقف يتمنى أن تكون له حسنة عند الله أو عند خلقه ، ويقف خصومه يطالبونه بحقوقهم فيرد الله عليه سيئاتهم حتى يكبل فى نار جهنم ، حيث لا ينفعه مال ولا بنون ، ولا ملك ، ولا عزة ، ولا شهرة ، فيتمنى المنافق والكافر أن يكونا ترابا لا يملك ترابا ، ولات حين مندم.

كم رأينا من فقير فى شبابه لا يملك قوت يومه ، وله أولاد يبكون من الجوع ، ولما كبر سنة وضعفت قوته حيزت له الدنيا بحذافيرها فأعانه الله بها على نيل رضائه سبحانه ، ولم ينس ما كان فيه فى شبابه . فإذا بحثنا عن ذلك يظهر لنا أن تقوى الله تعالى ، ومجاهدة النفس فى الشباب تنيل المؤمن خيرا عند كبره ، ويكون الخير أكمل وأتم وأجمل يوم القيامة ، يقول الله تعالى فى سورة الضحى مخاطبا حبيبه ومصطفاه e: "وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى"([33])، أى واللحظة المتأخرة من المتقدمة ، وهذه سنة الله فى خلقه فمن بخل بما أتاه الله ، واستعان بنعم الله على معاصيه ، وأحب نفسه وآثرها على من أوجب الله عليه برهم وصلتهم ، ومن فرض الله عليه النفقة عليهم من المجاهدين ، والغارمين ، وابن السبيل ، والجار ذى القربى ، والجار الجنب ، وبقية وجوه الصدقة سلب منه النعمة فى كبره وأذاقه مرارة الذل والجوع وآلام رؤية أولاده حوله فى فقر.

ومن آثر الله تعالى ورسوله eوالدار الآخرة فرض فى الدنيا بالقليل ، وبذل منها الكثير ، ونظر إلى خلق الله بالعين التى ينظر بها إلى نفسه وزوجته وأولاده حتى كأنه كما قال الله تعالى : "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ"([34]) ، وكما قال e: "أحب لأخيك ما تحب لنفسك" تولاه الله بولايته الخاصة عند كبر سنة ، وضعف قوته ، وأغدق عليه نعماه ، وتوالت عليه تلك النعمى عند حلول الموت به فتحفه ملائكة الرحمة ، وترفع روحه إلى عليين ، ويكرمه الله ، ويحفظه من عذاب القبر الذى لا ينكره العقل ، وأن أنكره من لا عقل له يعقل عن الله.

"أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ" أى أيتمنى أحدكم أن يكون له بستان جمع الله فيه أنواع الفواكه  والحبوب فى شبابه وهذا البستان ينمو وتكثر غلته ، والإنسان قوى غنى لا يخالف الله تعالى ورسوله ، ويبخل بحق الله تعالى فى بستانه ناسيا عقوبة الله فى الدنيا والآخرة ، وبعد ذلك حل به الهم فأضعفه عن العمل، وحوله أولاد ضعفاء ، وأصابه ما يصيب أهل سلب النعمة ، أو فى هذا الوقت العصيب من حلول الهرم ، وكثرة الأولاد ، وشدة الضرورة الى اللوازم، ويصيب جنته زوابع من الهواء المحموم فيحرقها فلا يبقى فيها نجم ولا شجر كما نرى بأعيننا من المصائب فى أهل المعاصى . يحصل هذا البلاء للعصاة لا فرق بين ملك وسوقة ، ولا غنى وفقير ، وكبير وصغير ، وعظيم وحقير . أسأل الله تعالى أن يعيذنا بجماله من جلاله ، وبرضاه من سخطه ، وبمعافاته من عقوبته ، أنه مجيب الدعاء . . .

ومن فقه هذه الآية ورآها واقعة بمن توعدهم الله تعالى ، تضاءلت الدنيا فى عينه ، وسارع إلى القيام بأوامر الله تعالى . والنخيل والأعناب معلومة "تجرى من تحتها الأنهار" أى من تحت أشجارها ، والإعصار هو الزوابع الشديدة التى تقتلع الأشجار والمنازل ، وقد أنزلها الله على أعدائه الظالمين الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين فى هذه الأيام انتقاما منهم على ظلمهم لعباده المسلمين.

"كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ"

يعنى أن الله سبحانه وتعالى بين لنا الآيات فيما سبق بيانا قبلته العقول التى تعقل عنه سبحانه ، وبيانه الأول إحسان منه إلينا ، ولا يزال سبحانه يبين لنا كما بين . فقوله تعالى : "كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ" أى كما بين لقوم يتفكرون من أهل النظر والبصيرة الذين يتفكرون فى أمور الدنيا والآخرة فيعلمون فى الدنيا بما ينالون به الفوز بالجنة ، أو نيل رضوان الله تعالى . و "لعل" هنا بمعنى لام الحكمة لا لام التعليل ، أى لتفكروا فيما أبدعت فيكم ولكم مما ترونه حولكم . قال سبحانه : "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"([35]). . .

قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ"(267).

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ"

يخاطب الله المؤمنين فى هذه الآيات فيناديهم نداء القريب ، عطفا منه سبحانه ورحمة ، وجذبا لقلوبهم ليسارعوا إلى تلبيته والاستجابة له سبحانه، وقلب مؤمن يسمع الله تعالى يناديه بيا أيها الذين آمنوا يسارع إلى تلبية الله تعالى صاغيا إلى ما يحكم به بعد النداء . فإذا مع الله تعالى قوله : "أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ"وعلم أن ما اكتسبناه هو الحلال الذى لا تشوبه الشبه ، ولا يمازجه المكروه فضلا عن الحرام.

ومعلوم أن النفقة هى الصدقة للعبد سواء كانت النفقة فرضا أو نفلا ، فإذا كان الله يأمرنا بأن نتصدق من طيبات ما كسبنا فكيف يكون الحال فيما تقوى به أبداننا من المطعم والمشرب ؟ وما نسترها به من اللباس ، وما نقيها به من الأثاث والمسكن ؟ يجب أن يكون أطيب الطيبات ، ولا يكون ذلك إلا بالورع الشديد الذى يتحرى فيه الإنسان أن يكون ما يتقوى به جسمه مما تطمئن به القلوب من الحلال الطيب. . إذا علمت ذلك فالطيبات التى تكسبها هى ما تملكه من حلال ، وذلك الحلال هو الذى نكتسبه من تجارة أو زراعة أو صناعة أو حراثة مما يخرجه الله لنا فى الأرض.

وإن فسرنا الآية بسبب نزولها فإن سبب نزولها : أن الأنصار كان يتصدق بعضهم بالحشف من التمر والردى ء منه ويجعلونه عند أهل الصفة ، فلما رآه eكره ذلك فأنزل الله تعالى قوله : "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم" أى قدموا إلى الفقراء أجود ما كسبتم وأجود ما أخرج الله لكم من الأرض . وهذا التفسير لا يمنع أيضا أن الطيب هو الحلال الذى لا يشوبه حرام والطيب أيضا هو الجيد من كل شىء.

"وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ"

والخبيث هنا الردىء من كل شىء ، أو هو الحرام من مغصوب ، أو من ربا ، أو من مال يتيم ، فإن أحكام القرآن لا تخصصها أسبابها "ولا تيمموا" أى لا تقصدوا.

"وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ"

أى أنكم لا ترضون بأخذه فى البيع والشراء والهدية إلا إذا تساهلتم فنقص البائع ثمنه عن الجيد ، وقبله المشترى لرخصه ، والإغماض هو التساهل من الطرفين ، أو من طرف واحد ، وقوله تعالى : "فيه" أى فى أخذه واستلامه.

"وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ"

يكشف الحجاب عمن لهم بصائر ليحصل لهم اليقين والطمأنينة ، لأنه غنى عن الخلق قادر أن يغنى الفقراء ويفقر الأغنياء . وإنما كلف ليفوز الفقراء بجمال صبرهم ، ويفوز الأغنياء بجمال الرحمة والشكر ليجمعهم جميعا فى فردوسه الأعلى ، ويرفع الفقراء يوم القيامة حتى تكون لهم الدولة فيشفعون فيمن شاءوا ممن شاركهم فيما أعطاه الله. قال e: "اتخذوا عند الفقراء أيادى فإن لهم الدولة يوم القيامة". "غنى حميد" أى أنه سبحانه مختص بالأسماء المفيضة للنعم التى يحمد عليها.

ومن أنفق من طيبات ما رزقه الله جمله الله باسم من أسمائه وهو الحميد ، أى أن الناس يحمدون من أنفق عليهم ، وفى هذا الاسم إشارة إلى أنه لا يحمد إلا الله تعالى لأن الحمد هو الثناء الجميل على جميل اختيارا ، ولا يكون إلا باللسان ، ولا يمنح الجميل اختيارا وفضلا إلا الله تعالى . أما ما يمنحه الخلق من الجميل فلا يكون إلا لباعث أو غرض أو داع . فالحميد هو الله تعالى لا يشاركه فيه أحد من خلقه ، وإنما ذكر هذا الاسم فى هذه الآية ليعلم الخلق أن الله ما أمرنا بالإنفاق من الطيبات إلا لأنه حميد يحب الخير ، والإحسان لعباده ، ويمنحهم من فضله ، وهو الغنى عنهم الحميد سبحانه عز وجل.

قوله تعالى : "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"(268).

"الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ"

الشيطان مأخوذ من شاط أو شطن ، وهو الحقيقة التى خلقها الله من النار ، وقدر أن تكون فتنة ابتلى بها الملائكة والإنسان ، وقد حفظ الله من شره الملائكة ، وسلطه على بنى الإنسان ، ولكن لم يجعل له سلطانا على من اجتباهم واصطفاهم.

قال سبحانه : "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ"([36]) وقال تعالى : "إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"([37]) وقد أخبرنا الله تعالى عنه بقوله سبحانه : "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ"([38]) .

حكمة الله فى إيجاد الشيطان لا يعلمها إلا الراسخون فى العلم ، وقد بين الله تعالى لنا فى هذه الآية أنه عدو للإنسان من أول نشأته ، والواجب علينا أن نتحفظ منه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ، ومنفذه الذى يدخل منه النفس الأمارة بالسوء التى هى من النار ، وأبوابها التى تفتح له هى الطمع والحسد والحرص ، وهى أصول الكبائر فدخل على آدم عليه السلام من باب الطمع فى الخلود فى الجنة ، ودخل على قابيل من باب الحرص ، ودخل على العلماء الدنيا وجهلة النساك من باب الحسد ، أعاذنا الله من شره ومن شر أنفسنا الأمارة بالسوء.

"يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ"

خلق الله الإنسان من قوى متضادة قابلة للتزكية وللتردية ، قال تعالى : "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا"([39]) فهو مفطور على الشر حتى تتبين له الفضائل الإسلامية بالحجة التى يهتدى به إلى صراط الله المستقيم فى أهم شئون حياته ، وهو المال الذى هو بمنزلة الروح عند الإنسان ، ولذلك كان للإنسان بالمال منفذ ينفذ منه الشيطان إلى قلبه فيحفظ الله الإنسان من وسوسة الشيطان فى هذا الشأن لقوله تعالى : "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ" أى يعدكم على نفقتك الفقر فيقول لكم: أن أنفقتم تلك النفقة نقص ما لكم فاحتجتم إلى الناس ، وفى ذلك ما فيه من الشك ومن سوء الظن بالله ومن فقط التوكل على الله ، وفيه دليل على ضعف الإيمان ، فإن القلب الذى يتأثر بوسوسة الشيطان بعد خبر الله تعالى خلو من نور الإيمان.

"وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ" الفحشاء فى سياق هذه الآية هو الشح والبخل . والبخل هو أن ينفق الإنسان ماله على زوجته وأولاده ويبخل على غيرهم ، والشح هو أن يحبس المال فلا ينفقه على نفسه ولا على أولاده ، وأن كانت الفحشاء فى غير سياق هذه الآية معناها الزنا وفعل قوم لوط . وجائز أن تكون الفحشاء كل ما فحش عقلا وشرعا.

"وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا"

أى والله يعدكم على النفقة فريضة كانت أو نافلة ، مغفرة لذنوبكم ووسعة لأرزاقكم من حيث لا تعلمون ، لأن الفضل الذى يعدنا الله به يتفضل به علينا من غير أن يكون لنا عمل نستحقه به ، فقد بارك فى تجارتنا وزراعتنا وصناعتنا وفى عافيتنا ، وفى أولادنا من حيث لا نعلم ذلك . قال تعالى : "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"([40]).

"وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"

يعنى يتفضل على من يشاء ممن وفقهم للنفقة بواسع فضله ، الذى لو شاء أن يعطى كل إنسان بمفرده قدر الأرض ملكا ، وقدر أوراق الأشجار خيرا، ما نقص من خزائنه شئ ، فإنه يعطى بقدر وسعته سبحانه لمن لا يستحق خردلة ، فإنه جل جلاله منح الإنسان فى جسمه من الخيرات والنعم التى لا تحصى.

أنظر إلى الشرايين والعروق وإلى كثرتها ، وإلى أنه سبحانه سكنها سليمة نافعة ، ولو حرك شريانا صغيرا لآلم الجسم كله ، بل وخلق له السموات والأرض وما فيها مسخرة له ، فالإنسان ينسى هذا الفضل ، ويغفل عن تلك النعم ، ويتهاون فى شكر الله على نعمة ويبخل بنعمته على عباده ، والله تعالى حليم صبور لا يعجل النقمة للعبد.

"عليم" أى يعلم أسرار القلوب وعلانية الشخص فلا يخفى عليه شئ فى السموات ولا فى الأرض ، ولا فى الأجواء والأرجاء ، فإذا وفق العبد للخير كان ذلك من فضله ، ثم يتفضل بفضل على فضل فيجازيه بالخير وهو الموفق المعين.

وإذا أضل الله العبد فجعل المال الهه المعبود وسلب منه التوفيق والعناية فبخل به على مستحقيه ، أو اغتصب حقوق غيره حلم عليه سبحانه وصبر ، فأما أن يلهمه التوبة والرجوع إلى الله فيغفر له ويتفضل عليه سبحانه ، وأما أن يستدرجه فتقوى محبته فى المال ، وبذلك يبغض أن ينفقه لمن يستحقه ، ولمن لا يستحقه ، فتصيبه المصائب من حيث لا يعلم.

أسأل الله أن يعيننا على ما يحبه بما أعطانا من النعم من مال وعافية وأولاد ، وأن يحفظنا من أن نستعمل نعمه علينا فيما يكره.

قوله تعالى : "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ"(269).

"يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ"

بينت لك فيما سبق أن الإيتاء إعطاء النعم للمعطي له ينتفع بها هو وغيره ، بخلاف الإعطاء كما قال تعالى : "يؤتى الحكمة من يشاء" أى يهب الحكمة لمن يشاء لينتفع هو ومن يشاء الله أن يمنحهم الحكمة ، والحكمة هى استكمال النفس الإنسانية لتحصل ما عليه الوجود فى نفسه ، وما عليه الموجد جل جلاله ، حتى يكمل العبد بالحكمة فى يعمل إلا ما ينبغى ، ويترك ما لا ينبغى لتصير كاملة مضاهية للعالم الروحانى ، وتفوز بذلك بالسعادة القصوى الأخروية بحسب الطاقة البشرية ، وهى تنقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين:

1-    حال تعلقها بالأمور التى نصدق بها ونسلم بها وليس لنا أن نعملها سميت حكمة نظرية ، كالعلم بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وبسر إيجاد الخلق وإمدادهم ، وبسر القدرة والنبوة والرسالة والولاية ، وبالمؤمن به من المغيبات عنا وأخبار يوم القيامة.

2-              حال تعلقها بالأمور التى لنا أن نعملها سميت حكمة عملية.

وكل من الحكمتين منحصر فى أقسام ثلاثة:

بالنسبة للحكمة النظرية فإن ما لا يتعلق بأعمالنا أما أن لا تكون مخالطة المادة شرطا ، وحينئذ أما أن لا تكون تلك المخالطة شرعا لتعقله أو تكون.

فالأول : وهو ما لا تكون مخالطة المادة شرطا لوجوده ، هو العلم الألهى وهو العلم الأعلى.

والثانى : وهو أن تكون المخالطة شرطا لوجوده دون تعقله وهو العلم الرياضى وهو العلم الأوسط.

والثالث : وهو أن تكون المخالطة شرطا لوجوده وتعقله ، وهو الطبيعى كعلم المعادن والنباتات والحيوانات والطب والفلك والصنائع وهو العلم الأسفل.

بالنسبة للحكمة العملية فإن ما يتعلق بأعمالنا : قد يكون علما بالتدبير الذى يختص بالشخص الواحد فهو علم الأخلاق ، وإلا فهو علم تدبير المنزل أن كان علما بم لا يتم إلا بالاجتماع المنزلي ، ويكون علما للسياسة أن كان علما بما لا يتم إلا بالاجتماع المدني ، ومبادئ هذه الثلاثة من جهة الشريعة الإلهية.

وفائدة الحكمة الخلقية أن نعلم الفضائل ، وكيفية اقتنائها ، لتتزكى بها النفوس ، وأن نعلم الرذائل وكيفية الوقاية منها لتطهر منها النفس.

وفائدة المنزلية أن يعلم المشاركة التى ينبغى أن تكون بين أهل منزل واحد لتنتظم بها المصلحة المنزلية التى تتم بين زوج وزوجة ، ووالد ومولد ، ومالك ومملوك.

وفائدة المدنية أن يعلم كيفية المشاركة التى تقع بين أشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح الأبدان ، ومصالح بقاء نوع الإنسان.

والمدنية قد قسمت قسمين:

1-    كل ما يتعلق بالملك والسلطنة ، ويسمى علم السياسة.

2-    كل ما يتعلق بالنبوة والشريعة ، ويسمى علم النواميس.

لهذا جعل بعضهم أقسام الحكمة العلمية أربعة وليس ذلك بمناقضة لمن جعلها ثلاثة لدخول قسمين منها تحت قسم واحد ، ومنهم من جعل أقسام النظرية أربعة بحسب انقسام المعلومات.

فإن المعلوم أما أن يفتقر إلى مقارنة المادة الجسمية فى الوجود العينى أولا . ويكون على صورتين:

أولهما : أن لم يتجرد عنها فى الذهن فهو الطبيعى ، وإلا فهو الرياضى.

وثانيهما : أن لم يقارنها البتة كذات الحق سبحانه وأسمائه وصفاته سبحانه فهو الإلهي ، وإلا فهو العلم الكلى.

والحكمة الأولى كالعلم بالوحدة ، والكثرة ، والسبب ، والمسبب ، وأمثالها مما يعرض للمجردات تارة ، والأجسام أخرى ، ولكن بالعرض لا بالذات ، إذ لو افتقر بالذات إلى المادة الجسمية لما أنفكت عنها ، ولما وصفت المجردات بها . ولا منافاة بين التقسيمين كما عرفت فهذه جملة أقسام الحكمة . ومن استكمل نفسه بها فقد أوتى خير كثيرا.

وجائز أن تكون الحكمة هنا الإصابة فى الرأى أو النبوة أو القرآن أو السنة أو العلم ، فإن لفظة الحكمة وردت فى آيات كثيرة فى القرآن بمعنى السنة ، أو بمعنى العلم ، أو بمعنى الإصابة فى الرأى ، أو بمعنى وضع الشىء فى موضعه.

وجائز أن تكون الحكمة بكل تلك المعانى يمنحها الله لمن يشاء فيكون سيد العالمين ، فإنها بكل تلك المعانى منحت لرسول الله eوقد تفضل الله فمنح كل عبد أحبه قسطا منها ، وقد يجمعها سبحانه لأهل الاصطفاء من خاصة خلقه ، فتنطوى الرسالة والنبوة بين جنبيه ، إلا أنه لا يوحى إليه ، ويحاسب يوم القيامة حساب الأنبياء.

"وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا"

معلوم أن الله تعالى قال : "قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ"([41]) ، والمتاع ما يتمتع به الإنسان من ضرورى وكمالي ، فإذا كان متاع الدنيا قليلا ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، فإذا نسبنا الدنيا إلى الحكمة ظهر لنا ما للحكمة عند الله من المكانة العالية التى كانت الدنيا بحذافيرها قليلا فى جانبها ، وإذا كانت الحكمة هى العلم ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا والله يقول : "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"([42]) فتكون الحكمة التى هى خير كثير فى جانب علم الله شيئا قليلا.

فإذا نظر العقل الكامل سجد لله عجزا عن تصور علم الله تعالى ، لأن ما أوتيه الإنسان والملائكة والإنس والجن من العلم قليل بالنسبة لعلم الله تعالى، فسبحان من لا يعلم قدره غيره ، ولا يبلغ الواصفون صفته.

وهنا يجب أن نعلم أن خير ما آتاه الله تعالى فى تلك الدار الدنيا بعد الإيمان به وبنبيه eوبما أنزل سبحانه هو العلم ، الذى بينه لنا بأنه الحكمة.

ومتى منح الله العبد الحكمة جذبته بما كشفت له من الغيب المصون الى العمل بمحاب الله ومراضيه ، وليس للعقل وأن كمل أن يحصر ذلك الخير الكثير الذى أخبرنا الله عنه فى تلك الآية ، ومن منحه الله الحكمة منا وأخبرنا الله أنه آتاه



([1]) سورة المائدة آية : 3.

([2]) سورة الصافات آية : 96.

([3]) سورة الشورى آية : 7.

([4]) سورة الأعراف آية : 172.

([5]) سورة الزخرف آية : 67.

([6]) سورة البقرة آية : 21.

([7]) سورة مريم آية : 93 94.

([8]) سورة الأعراف آية : 142.

([9]) سورة البقرة آية : 196.

([10]) سورة البقرة آية : 282.

([11]) سورة الرحمن آية : 33.

([12]) سورة النحل آية : 78.

([13]) سورة آل عمران آية : 7.

([14]) سورة العنكبوت آية : 43.

([15]) سورة الزمر آية : 67.

([16]) سورة الملك آية : 3.

([17]) سورة الزمر آية : 67.

([18]) سورة ق آية : 35.

([19]) سورة مريم آية : 8.

([20]) سورة المزمل آية : 5.

([21]) سورة البقرة آية : 245.

([22]) سورة الحجرات آية : 17.

([23]) سورة الحجرات آية : 9.

([24]) سورة الطور آية : 21.

([25]) سورة التحريم آية : 8.

([26]) سورة الزمر آية : 3.

([27]) سورة البقرة آية: 282.

([28]) سورة الجن آية 26-27.

([29]) سورة التوبة آية : 111.

([30]) سورة البقرة آية : 261.

([31]) سورة التين : 6.

([32]) سورة البقرة آية : 282.

([33]) سورة الضحى آية : 4.

([34]) سورة الحجرات : 10.

([35]) سورة لقمان آية : 20.

([36]) سورة الحجر آية : 42.

([37]) سورة النحل آية : 99.

([38]) سورة الأعراف الآيتين : 16 17.

([39]) سورة الشمس الآيات : 7 8 9 10.

([40]) سورة الطلاق آية : 2 3.

([41]) سورة النساء آية : 77.

([42]) سورة الإسراء الآية : 85.

خيرا كثيرا ، ويجب أن نسارع فى أن ندخل قلبه بالوسائل التى تمكننا من ذلك ، حتى نحصل من هذا الخير الكثير ما يجعلنا من أهل الخير.

"وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ"

أى ولا تحصل تلك الذكرى التى تعيد لنا صورة البدء ، وتكشف لنا الحقائق ، ويحصل لنا الحضور ، أو الاستحضار إلا لمن منحهم الله غامض علمه المكنون ، وسر غيبه المصون ، وهم أولوا الألباب الذين منحوا لب اللباب ، ولا يتفضل الله بهذا اللب إلا لمن جعل له نورا وهو القلب الرحمانى الذى هو عرش الرحمن ، وليس هو تلك اللحمة الصنوبرية التى هى مستودع دورة الدم ، فإن الحمار والقرد والخنزير له قلب حيوانى مثله ، ولكن القلب الذى مدحه الله وأثنى عليه فى القرآن هو الحقيقية الإنسانية التى هى صورة الرحمن ، وهى عرشه ومحل تنزلاته ، وخزانة تعظيمه وعلمه سبحانه.

وأهل هذا المقام هم الذين تجذبهم الذكرى الى استحضار بدئهم ونهايتهم ، وما يجب عليهم القيام به لمن أبدعهم وأمدهم فيما بين البدء والنهاية حتى يحصلوا ما به يكونون فى جواره فى مقعد صدق عند مليك مقتدر.

أما من جهل نفسه وجهل إيجاد الله له وإمداده فأنساه الحظ والهوى بدءه ونهايته فهو أضل من البهيم السائم . وإن كانت صورته صورة الأناسي إلا أن حقيقته دون ذلك بمراحل ، قال تعالى : "إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ"([1]) فيعمل فى الدنيا علم البهائم ، ويحاسب فى الآخرة حساب الإنسان المكلف . حفظنا الله من الحجاب فى تلك الدنيا ، وجعلنا ممن آتاهم الحكمة التى هى الخير الكثير.

قوله تعالى : "وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ"(270).

"وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ"

ومعنى هذه الآية الشريفة أن الله يقول : "وما أنفقتم من نفقة" فى سبيل الله ، أو فى سبيل الشيطان الذى يعدكم الفقر ، ويأمركم بالفحشاء ، وما نذرتم من نذر فى سبيل الله ، أو فى سبيل الشيطان ، فإن الله يعلمه مهما أخفى من عامل الله بالإخلاص أو أظهر ، ومهما راءي متبع الشيطان الناس فى عمله ، وأخفى عنهم ذلك مظهرا أنه يعمل لله فإنه لا يخفى على الله بل يعلمه جل جلاله ، ويتفضل على المخلص بأضعاف أضعاف ما أنفق وما نذر ، ويعاقب المخالف بعذاب جهنم أو يغفر له.

"وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ"

"وما للظالمين" الذين ظلموا أنفسهم بمخالفة أوامر الله تعالى ، والوقوع فى نواهيه ، والعمل بوسوسة الشيطان وإغوائه ، "من أنصار" يوم القيامة ينصرونهم بشفاعة ، أو بإعانة ، لأن كل إنسان فى يوم القيامة يحصل له الفزع الأكبر عندما يتجلى الحق باسم الحكم العدل ، ويدعو الخلائق للحساب ، فإن هذا الحال يجعل أولى العزم من الرسل يقول كل واحد منهم: نفسى نفسي كما قال تعالى : "يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ"([2]) ، ومن كان هذا حاله كيف يشتغل بغيره ؟!

قوله تعالى : "إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ"(271).

"إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ"

سبب نزول هذه الآية أن الصحابة سألوا رسول الله eعندما أمرهم بقوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ" الآية ، فقالوا : يا رسول الله هل نخرج الصدقة سرا أو علانية ؟

فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعناها أن الله تعالى بين لنا أننا إذا أبدينا الصدقة أى أظهرناها وأعطيناها لمستحقيها علنا أمام الناس يكون هذا العمل محمودا عند الله تعالى ، وإن أخفيناها وأعطيناها الفقراء سرا فهو خير لنا.

وقد فهم العلماء من هذه الآية أن صدقة الفريضة الأولى تعطى جهرا أمام الناس ، لما روى فى ذلك من الأحاديث وفى قوله : "وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ" حكمة لأن الذى يأخذ الصدقة هم الفقراء هنا.

ذلك أن بعض المتصدقين يخرج الصدقة لمن لا يستحقها ، فيبين الله لنا أن الصدقة إنما تعطى للفقراء ، ومتى أخفينا الصدقة المندوبة كانت خيرا للمتصدق عند الله تعالى ، "ويكفر عنكم من سيئاتكم" تكفير السيئات هو سترها حتى عن الملائكة الحفظة ، لأن السيئة لا تنمحى لإحاطة علم الله بها ، ولكن الله تعالى يتفضل فيسترها كما قال e"أنسى الله الحفظة ذنوبه وأنسى كذلك معالمه وجوارحه من الأرض حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب".

وقوله : "من" للتبغيض لأن الصدقات تكفر نوعا من المعاصى وأن فسر بعضهم "من" بأنها زائدة مراعيا فى ذلك أن الصدقات تكفر جميع الذنوب ، ولكنى أكره القول بزيادة حرف فى القرآن ، لأن الذى يفهم أن الصدقات تفكر جميع الذنوب يجعل بقية القربات عاطلة ، بل الواجب على أهل العلم التحقق بأن كل قربة فرضها الله تعالى أو ندب إليها تكفر نوعا من الذنوب ، لأن البخل والمن والأذى واختيار الردى ء من الصدقة مرض من أمراض النفوس ناتج عن ضعف الإيمان بالله تعالى .

"وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ"

يعنى جل جلاله أن الله عليم بما يعتور القلوب من الهمم واللمم التى تشوب النوايا يحجب الصدقات والقربات من أن تكون مقبولة عند الله تعالى ، وفى هذه الآية تخويف لأهل النفوس اللقسة ، وبشرى لمن صاغ الله نفوسهم من نور الجمال العلى.

قوله تعالى : "لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ"(272).

"معلوم أن الله تعالى جمل حبيبه ومصطفاه eباسمين من أسمائه العلية ، ولهذين الاسمين وسعة لا تطيقها الأرواح ولا العقول . قال تعالى : "بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"([3]) وتلك الرأفة والرحمة فى محمد eتكاد تذهب نفسه حسرات رأفة ورحمة بالناس ، وكان يشتد حزنه حتى يكاد لا يتحمل ما يقوله أهله وبنو عمه من المشركين ، حتى عتب الله عليه فى آيات كثيرة رحمة وعناية منه سبحانه وتعالى به : قال سبحانه وتعالى : "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ"([4]) .

"لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ"

وتأويل هذه الآية أن الله تعالى يثبت حبيبه محمدا eويبين له أنه سبحانه أقامه لهداية البيان لا لهداية الإحسان ، وجعله حجة لمن آمن به وعلى من كذبه ، فإن سبحانه يقول : "لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ" وقال فى آية أخرى "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"([5]) .

والواجب علينا أن نجمع بين هاتين الآيتين فقوله تعالى : "لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" أى تهدى هداية البيان وقوله تعالى : "لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ" أى ليس عليك هداية الإحسان لأن هداية الإحسان عمل من أعمال الله تعالى بدليل قوله "وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ"أى يهدى من سبق علمه هدايته بسبب بيانك لهم حيث أكرمهم بالقابل وهو النور الذى يجعله الله فى القلوب.

ومتى سبق فى العلم هداية قوم أقام فيهم مبينا لمحاب الله ومراضية ، فقبل من سبقت لهم الحسنى ، وكذب من سبقت لهم السوءى ، وفى ذلك طمأنينة لقلب رسول الله eلأن الرحمة التى منحها الله له eجعلته يحب هداية العالم أجمع فكان eيقول فى نفسه أنى قصرت فى الدعوة ، أو لم أدع القوم بما تميل إليه نفوسهم ، حتى كان eيتمنى أن الله تعالى ينزل فى القرآن ما يتألف به قلوب المشركين قال تعالى : "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ"([6]) وذلك طمأنينة لقلبه eوأنس له عليه الصلاة والسلام .

 ولو أننا نظرنا إلى ما عملته الرسل من قبله عليهم الصلاة والسلام لعلمنا رذاذا من هاطل الرحمة التى جمله الله تعالى بها ، فإن نوحا أغرق قومه ، وابراهيم عليه السلام أهلك الله به نمروذ وقومه ، وموسى أغرق الله به فرعون وقومه ، وعيس فرق الله به بنى إسرائيل ، وهذا الرءوف الرحيم eكان إذا أشتد عليه البلاء من قومه قريش رفع أكفه إلى السماء وقال : "رب أهد قومى فأنهم لا يعلمون".

"وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ"

قبل أن نكتب عن هذه الآية نلمع إلى غيب مكنون ، وهو أن الله تعالى قد يضع نفائس التوحيد فى سوط عقود آيات الأحكام ليفقه سر التوحيد المتعطشون إلى مشاهدة العلية ، وأسراره التى تلوح فى تلك الكلمات جلية وفى قوله : "ليس عليك هداهم" الآية بين آيات النفقة وما يترتب عليها جوهرة من جواهر التوحيد "وما تنفقوا من خير فلأنفسكم" ، يعنى تنزهت ذاته ، أن الصدقة التى يتقرب بها المتصدق إلى الله تعالى بإعطائها للفقير لا تكون خير إلا إذا صحت النية فى إخراجها ، وكانت من أجود ما يعطى ، وحفظ الله المتصدق من المن والأذى وبذلك تكون خيرا ويتحقق للمتصدق نيل الجزاء من الله مضاعفا أضعافا كثيرة.

ويكون الذى قبل الصدقة هو الذى أعطى للمتصدق ، وكيف لا ؟ والمتصدق أعطى دينارا للفقير والله تعالى أعطى للمتصدق سبعمائة دينار بسبب قبول الفقير صدقته ، وعلى هذا فيكون الذى أخرج الصدقة من  ماله هو أخذها مضاعفة ، ويكون الفقير هو الذى أعطى وتكون يده هى العليا بحسب الحقيقة ونفس الأمر.

"وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ"

والمعنى أن النفقة المقبولة عند الله هى النفقة التى يتقرب بها المتصدق ابتغاء وجه الله ، لأن هذا الاستثناء أظهر أن الذى ينفق ماله رياء أو منا به أو أن يؤذى الفقير لا يقبل الله منه الصدقة ، وتكون حسرة عليه . وأن الله لا يقبل إلا صدقة حسنت فيها نية المتقرب بها أن تكون لوجه الله تعالى ، أى أن لا يقصد بها شهرة ولا سمعة ، ولا انتقاما من عدو ، ولا الفوز بشهرة أو طمع أو رياسة ، بل تنحصر نيته فى ابتغاء وجه الله تعالى .

"وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ"

أى والنفقة التى تنفقونها ابتغاء وجه الله تعالى ، وهى من خير ما ينفق مما قدمت لك ، يجازيكم الله عليها بخير منها فى الدنيا برفعة الذكر ، وبنسيئة العمر ، ووسعه الرزق ، وإلقاء المحبة على المتصدق من الله تعالى ، وفى الآخرة بغفران الذنوب ، وبالفوز برضوان الله الأكبر ، بمعنى أنها ترد عليه وافية وفاء يليق بوسعة الواسع العليم.

وسبب نزول "ليس عليك هداهم" خاص لأن الصحابة – رضى الله عنهم – بلغ بهم الحب فى الله والبغض فى الله مبلغا جعلهم لا يتصدقون على أهل الضرورة من أقربائهم الكافرين غيره منهم للدين ، فأمرهم الله تعالى بالنفقة عليهم بقوله سبحانه : "ليس عليك هداهم" بمنع النفقة عليهم ، وبين لهم الباعث على النفقة بقوله سبحانه : "وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله" وإذا كان المنفق يبتغى وجه الله تعالى فنقته للؤمن والكافر سواء إذا صحت النية ، وبذلك اتصلت الآية بما قبلها وما بعدها . وخصوص السبب لا يمنع أن يشهد أهل المعرفة فيما مشهدا من أعلى مشاهد التوحيد.

"وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ"

المعنى أن الله تعالى أمرهم أن ينفقوا إلى أهل قرابتهم فى حالة احتياجهم ، وأعلمهم أنهم لا يظلمون شيئا مما يتقربون به إلى الفقراء ابتغاء وجه الله تعالى . وهذه بشرى من الله سبحانه للمنفقين من خير ما لديهم ، ما أوجبه الله عليهم ، وما ندبهم الله إليه للمستحقين شرعا ولو مشركا.

قوله تعالى : "لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ"(273).

"لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ"

والفقراء الذين احصروا في سبيل الله هو أهل الصفة الذين أحصرهم الجهاد ، وطلب العلم من رسول الله eعن السعى فى تحصيل مالا بد لهم منه لمعاشهم ، وكانوا يبلغون تسعمائة صحابى من المهاجرين أو يقلون ، وهم الذين كان يبعثهم رسول الله eفى سراياه ، والذين جملهم الله تعالى بالصبر والرضا ،وكان يبلغ بهم الجوع ، مبلغا حتى يسقط بعضهم على الأرض وهو واقف فى الصلاة من الجوع ، وكان يبلغ بهم العرى إلى أن يضع الرجل على قبله ودبره الخرق ، حتى كان الواحد منهم يموت فيكفنونه بالأذخر وهو نبات يشبه "السعد" فى بلاد مصر يلف فيه الميت ، أو يكون له الثوب الخلق تستر به عورتاه عند موته . فأوجب الله تعالى على أهل اليسار أن يخصوا نفقتهم بهؤلاء القوم ، والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله.

"لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ"

أى سعيا لطلب المعاش لاشتغالهم بالجهاد وطلب العلم كما تقدم . ولأن جميع الناس كانوا كفارا أعداء للمهاجرين ، فكانوا إذا لم يكونوا فى سرية لا يفارقون الصفة.

"يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا"

أثنى الله على أهل الصفة بهذه الآية ثناء جعلهم يفوزون برضوان الله الأكبر ، حتى كانوا مع فاقتهم وشدة ضرورتهم لفقدهم ما لا بد لهم منه من الطعام والشراب واللباس والمأوى والفراش قد جملهم الله تعالى بالصبر ، والرضا ، والأنس ، جمالا جعل كل من رآهم يحسبهم أغنياء من التعفف عما فى أيدى الناس ، وما جملهم الله تعالى به من الأنس ، والبشاشة وإنشراح الصدر ، حتى بلغ بهم التجمل والفرح بما أقامهم سبحانه فيه أنهم لم يسألوا الناس شيئا . بدليل قوله سبحانه : "لا يسلون الناس إلحافا" لأن السائل لابد وأن يلحف فى سؤاله ، وإلا لم يكن سائلا فنفى الله عنهم السؤال بنفي الإلحاف ، فإن الإلحاف هو طلب الفضل من المال ، يقال : الحفنى فلان أى أعطاني من فضل ماله ، وإن كان فى معنى الإلحاف والإلحاح فإن السائل لا يخلو من الإلحاح "تعرفهم بسيماهم" أى تعرفهم بما وسمهم الله به من جمال الخشوع ، والتقوى ، والزهد عما فى أيدى الناس ، والورع.

"وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ"

يؤيد الله تعالى أهل الإيمان به الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله بقوله : "وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم" من خير : أى من خيار أموالكم ومن طيب ما أنبت الله لكم من الأرض ومما ينفع الناس من العلم الذى علمكموه الله تعالى والأخلاق التى جملكم الله بها "فإن الله به عليم" الفاء هنا رابطة الشرط و "وعليم" أى محيط به علما لا يخفى عليه شئ منه ، والله تعالى يعلم كل شئ من نفقة وغيرها ، ولكن هنا يبين أنه يعلمها علما خصوصيا يقتضي إكرام المنفق فضلا من الله تعالى.

قوله تعالى : "الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"(274).

ثناء من الله تعالى ، والثناء من الله هو الثناء حقا . يقول الله تعالى : "الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً".

وسبب نزول هذه الآية : أبو بكر وعلى وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، فإن أبا بكر انفق أربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار وعشرة سرا وعشرة علانية ، وكان عند على أربعة دراهم فانفق درهما بالليل ودرهما بالنهار ودرهما سرا ودرهما علانية ، وكذا فعل عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف.

وقد قدم الله الليل على النهار والسر على الجهر بيانا لفضل صدقة الليل وصدقة السر ، على صدقة النهار وصدقة الجهر ، وفى ذلك يظهر أن تلك النفقة التى قدمها أثنى الله عليها وذكر أنها فى الليل والسر كانت من نوافل البر.

هذه الآية ختام آيات النفقة لأن الله تعالى بين فيها ما يحبه من المنفقين : "وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" الفاء هنا رابطة لجواب الشرط الذى أشار إليه قوله تعالى : "الذين ينفقون" فإن الذين هنا فيها معنى الشرط لأن قوله تعالى : "لهم أجرهم عند ربهم" جزاء على ما وفقهم الله له من النفقة ليلا ونهارا وسرا وجهرا.

وفى قوله : "عند ربهم" دليل على ما فضلهم الله به من الخصوصية التى جعلتهم عند ربهم ، بخلاف ما لو قال لهم سبحانه : "لهم أجرهم" فقط فقد يفهم منها فى الجنة أو فى الفردوس ، فلما قال سبحانه : "عند ربهم" أعلمنا أن لهم المقام الأعلى فى مقام العندية سر قوله تعالى : "إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ"([7]) وقال سبحانه : "لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ"([8]) وقال تعالى : "فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ"([9]) ، "وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" تقدم تأويل هذه الآية.

قوله تعالى : "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"(275).

"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا"

يأكلون الربا أى يستعملون مالهم فى الربا لينتج لهم ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم . والربا مأخوذ من النمو وهو الزيادة وأربى فلان يربى أى زاد ومنه الربوة وهى الأرض المرتفعة عن مسطح ما حولها.

"لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ"

أى لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس، والتخبط هو الضرب على غير استواء ، والمتخبط هو الذى يضرب منه البدن والشيطان عرفناه فيما سبق ،ومس الشيطان تسليطه على من أضلهم الله فحرمهم من القابل ، فإن الإنسان الذى اختلفت عناصره المكون منها تراه ينزعج لأقل حركة وصوت ، فينزعج انزعاج من فوجئ بصدمة فادحة وكذلك يكون من مسه الشيطان ، فأنا نرى من غلبت عليهم السواى يتخبطون مما يمثله لهم الخيال فيقول : ادفعوا عنى عدوى أو القوم هجموا على ليقتلونى ، من غير أن يكون ثم شئ ، ولما كان الشيطان جسما ناريا لا تقوى البشرية على ملاقاته كان مسه للإنسان موجبا للتخبط ،وكذلك آكله الربا إذا قاموا يوم القيامة وشهدوا ما أعد لهم من أليم العذاب وشديد العذاب تذهب أنفسهم ارتياعا.

"وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا"

هذه الآية محكمة أبطلت القياس فى كل حكم صريح وفى قوله : "وحرم الربا" عام على كل الربا نسيئة كان أن نقدا ، وإن كان بعض العلماء أخذ بالقياس فى ربا النقد فقال أن التاجر له أن يبيع السلعة التى اشتراها بخمسة دراهم بعشرة دراهم من غير غضاضة فى نفس المشترى ، فلذلك له أن يبيع دراهم النقد بضعفها لأنه بيع.

وبذلك أفتى ابن عباس ثم رجع بعد ذلك عن حكمه ، لأنه كان يفرق بين ربا النسيئة وربا النقد ، والربا هو بيع النوع بالنوع زيادة وقدرا ، وذلك لأن المسلم يجب عليه أن يحسن إلى اخوته ، ومن الإحسان أن لا يزيد عليهم زيادة معلومة حتى كأنه اغتصب مالهم بدون عوض.

أما البيع فإن التاجر إذا ضاعف الثمن على المشترى فقد يظن المشترى أن البائع أكرمه ورخص له الثمن ، فلا يجد عليه فى نفسه غضاضة ، هذه حكمة تظهر للعقول.

وحكم تحريم الربا كثيرة لا يتذوق سرها إلا العارفون بالله تعالى من الراسخين فى العلم ، فإنه سبحانه وتعالى أنزل أحكامه العلية ليتعبد بها خلقه ، فمن عرف الله تعالى عظمه سبحانه فى أحاكمه ، فأسرع إليها ونفذها ، ومنجهل الله تعالى استهان بأحكامه فكان فى طى تلك الاستهانة بالله تعالى ، والمستهين بربه كافر ، خصوصا إذا كانت نفسه خبيثة كنفوس من قالوا : "إنما البيع مثل الربا" ولذلك يقول تعالى : "فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ".

 

"فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ"

يعنى أن المسلم الذى منه الله النور والرشاد بموعظة الله تعالى التى بينت له الحلال والحرام ، فسارع مطيعا وأقبل سميعا ، ونفذ أوامر الله تعالى على نفسه مجاهدا لها ، مع حبها للمال وزيادته ، منتهيا عن طاعة نفسه الأمارة بالسوء ، وعن نزوعه إلى خبث طبعه "فله ما سلف" أى غفر الله له ما اكتسبه من الربا فيما مضى من الزمان مما انتهت فيه المعاملة بينه وبين من عامله بالربا ، لتعذر رد المظالم إلى أهلها من وجهه ، ولجهله بحكم الله وموعظته من وجه آخر.

"وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ"

يعنى أن ينال من الله تعالى الجزاء الحسن إذا هو قبل وأقبل ، وهذا الجزاء يكون فى الدنيا بالبركة فى النفس والأولاد ، وبالرفعة بين الخلق وإقبالهم عليه ، وفى الآخرة بمجاورة الأخيار من الأبرار والصديقين.

"وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ"

"ومن عاد" أى رجع لأكل الربا بعد الموعظة من الله تعالى "فأولئك" ، الفاء رابطة لجواب الشرط والإشارة هنا عائدة إلى من خالف أمر الله تعالى وأكل الربا "أصحاب النار" حكم على مستعمل الربا بالكفر لن لفظة "أصحاب" تدل على دوام الإقامة فى جهنم ، لأنهم يصاحبونها وتصاحبهم ، وذلك كما تقدم فى قوله تعالى : "ومن كفر" فى حكم الحج أى ومن لم يحج ، وفى هذا الحكم تهديد ووعيد شديد ، وذلك لأن من خالف الله وأطاع شحه وهواه وحرصه على المال ؛ فقد بخل على الله تعالى ، وتكبر على أمره عز وجل ،ولأن البخل أختبار من الله لعباده ويكون فى المال لأنه شقيق الروح ، وما جاد امرؤ بماله  فى سبيل الله إلا عوض الله عنه بكل درهم سبعمائة درهم ، وضاعف هذا المزيد من فضله لأن الله تعالى يعلم شح النفوس بالمال، ومن جاهد نفسه فى هذا السبيل فبذل ماله لوجه الله تعالى كتب عند الله تعالى من خير المجاهدين فى سبيله كما تقدم فى قوله تعالى : "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ".

"هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"

هذه الآية الشريفة أذابت قلوب أهل الورع ، حتى جعلتهم لا يتناولون طعاما ولا شرابا إلا بعد أن يحتاطوا لأنفسهم من الوقوع فى هذا البلاء _أعاذنا الله منه- لأن الخلود فى النار لا يكون إلا لأهل الكفر بالله تعالى ، وهل بعد قوله تعالى ك "أصحاب النار" وتأكيد ذلك بقوله : "هم فيها خالدون" بالجملة الاسمية التى تفيد الاختصاص ، يشك عالم بأساليب اللغة فى أن الله حكم عليه بالكفر حكما صريحا.

قوله تعالى : "يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ"(276).

"يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا"

هذه الآية كقوله تعالى : "لا تأكلوا الربا" والربا لا يؤكل كما أن الربا هنا لا يمحق ، والمعنى أن الله تعالى يسلب البركة والنمو والأجر والثواب ، بل يسلب الإيمان ، فكأن الربا ما حق ممحوق ، وذلك لأن مراد المرابى الزيادة فيحرم الزيادة فى عافيته وأولاده ، وفى ماله أيضا ، وفى دينه ، وكفى المرابى تعسة أن الله تعالى حكم عليه بما يحكم به على الكافرين . لأن الجحود بالله والاستهانة بأحكامه سواء عند الله سبحانه.

"وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ"

قدمت لك أن الربا هو النمو والزيادة ، "ويربي الصدقات" أى ينميها زيادة مضاعفة بمقدار لا تتصوره العقول فى الربح والبركة ، لأن أكيس تاجر يربح عشرة فى المائة ، ولكن الصدقة يربح فيها المتصدق سبعمائة ضعف ، وقد يضاعف أكثر من ذلك كما قال سبحانه : "والله يضاعف لمن يشاء" فأى إنسان يعقل عن الله تعالى يرى تجارة تعطيه فى الدرهم آلافا ولا يسارع إليها؟!! أكل الحكم فى هذه النظرية إليك ، ولكن المربى لا يجعل الله له نورا يتبين به حكمة أحكام الله ولا بصيرة يشهد بها ما أعده الله لأوليائه وأحبائه .

"وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ"

نفى الله محبته لكل كفار أثيم ، وبهذه الآية يثبت عندنا أن الله يحب ولا يحب ، وقد أنكر بعض من لا رسوخ لهم فى العلم محبة الله للعبد وتأولها بأنها إغداق النعم عليه التى تكون فى الآخرة ، فإن إغداق نعم الدنيا يسمونها رحمة ، وقد جراهم على هذا تعريفهم المحبة أنها لا تكون إلا بسبب قائم كالأبوة والبنوة والزوجية والمنفعة ، وما أشبه ذلك ، وقال بعض من لهم علم : المحبة لا تكون إلا بمشاكله ، وليس بيننا وبين الله تعالى مشاكله تنزه وتعالى ، فلا ينبغى أن تؤول محبة الله تعالى بمحبتنا ، بل يجب أن نفهمها فهما غير ذلك.

وعندى أن المحبة جلت عن أن تعرف بحد أو رسم ، والمحبة هى الإرادة ، فإذا تعلقت إرادة الله تعالى برحمة عبد وفقه لما ينال به السعادة فى الدنيا والآخرة ، وإذا تعلقت إرادته بمحبة عبد أقامه سبحانه فى مقام العلم به ، ومشاهدة أسراره العلية من مشاهد التوحيد ، ومن مقامات التنزيه والتفريد ، وهذه تسمى محبة ، وكل المخالفين لنا يسلمون بها ، فكان الأولى لهم أن يقولوا أن الله يحب حقا ومحبته أرادته ، كما قالوا أن الله رحيم والرحمة عاطفة فى القلب تميل به إلى نفع المرحوم ، فهل الله له قلب ؟ ولم يقل أحدهم أن الرحمة مؤولة بل سلموا هذا الاسم تسليما ، فمن يسلم باسم لله هو بالنسبة لنا رقة فى القلب تقتضي العطف على الآخر ، ولم يعارض فى تسمية الله بهذا الاسم ، فليس له أن يعارض فى تسمية الله بأنه محب ، وإنما خالفنا فى هذا الموضوع من حرم ذوق المحبة.

وإليك بيانا كنت أكره أن أسطره على الورق فسلمه أن شئت وأقبله ، أو رده إلى أهله ، وذلك أن رسول الله eقال : "تخلقوا بأخلاق الله تعالى" وأخلاقه سبحانه هى صفاته العلية ، وقد أمرنا eبالتخلق بها ، فالله عليم ونحن نتخلق بالعلم ، وهو صفته ، والله كريم ورءوف وحليم وصبور إلى آخر الأسماء ، ومتى جمل الله العبد بخلق من أخلاقه أو أكثر أحب أخلاقه سبحانه فى العبد ، والظرف تابع للمظروف وإنما أحب صفاته العلية لاستجلائها فى هيكل الإنسان.

وعلى ذلك فلا اعتراض على من فهم لفظ المحبة بمعناها الحقيقى ، وقد قدمت لك أن المحبة أجل من أن تعرف بحد أو برسم لأنها سر بين الحبيب والمحبوب ، ولا يعلم الله إلا الله ، ومن جمله الله بهذا الجمال ، فنفى المحبة عن آكل الربا دليل على أنه حرم كل عطف ورحمة من الله ، وأهله لعذابه وشديد نقمه بدليل قوله تعالى : "كل كفار أثيم" فجعل آكل الربا أى مستحله عالما به كافرا مبالغة بمعناها الحقيقى فى الكفر ، وحظر على العقول أن تفهم أن مثل هؤلاء إذا ماتوا على ما هم عليه يفوزون بمغفرة الله ، بدليل قوله تعالى : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ"([10]) من الكبائر الأخرى التى لم يهدد الله عليها بالخلود فى النار ، فالكفر وترك الحج مع الاستطاعة ، وأكل الربا ، وقتل المؤمن الذى لا يستحق القتل ، هدد الله عليه بالخلود فى النار أعاذنا الله.

"أثيم" على وزن فعليل وقد تأتى من صيغ المبالغة ، وفعيل بمعنى فاعل أو مفعول ، فتكون بمعنى أثيم من تعدى حدود الله تعالى ، وقد ورد أن لفظة أثام هو الدرك الأسفل من النار بدليل قوله تعالى : "يَلْقَ أَثَامًا"([11]) وأثام هذا محل الأثيم يلقى الرجل من فوق جهنم العلياء على رأسه ، فيمكث سبعين سنة حتى يصل إلى أثام.

قوله تعالى : "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"(277).

"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"

تأويل هذه الآية المفتتحة بحرف التوكيد أنها خبر من الله تعالى ؛ جعل القلوب تتشوق إلى حكم فى تمام هذا الخبر . فهو سبحانه يقول أن الذين صدقوني فيما أنزلته على حبيبي محمد e، وسارعوا فى تنفيذ ما أمرتهم به بعلم الصالحات ، و "الصالحات" كل عمل أو قول أو حال بالقلب أو بالجوارح ، فرضه الله تعالى ، أو رغب إليه ، أو سنة رسول الله eبقوله ، أو بعمله ، أو بحاله ، أو بها جميعا.

"وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ"

لم يرد فى القرآن الأمر بالصلاة أو الخبر عنها إلا وافتتحه الله بالإقامة ، ولم تذكر الصلاة مجردة عن لفظ الإقامة إلا شنع الله وذم ، قال تعالى : "فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ"([12]) ، وعلى ذلك تكون الصلاة فى الحقيقة هى الإقامة ، ومن لم يقم الصلاة فهو ساه ، والواجب أن نهتم كل الهمة فى تعليم إقامة الصلاة للمصلى صلاة يقبلها الله تعالى مجملة بإقامتها.

فلفظة إقامة مأخوذة من أقام وقام بمعنى كمل وراج ، يقال : السوق قائمة أى رائجة كثيرة البيع ، وكذلك إقامة الصلاة وهى أن تصلى بكل قوة فيك ، فعليك صلاة العقل وصلاة النفس ، وصلاة الروح ، وصلاة الحس والجسم ، وذلك بأن كل قوة يجب عليها أن تشكر الله.

والصلاة شكر فإذا تحرك لسان العبد تحرك جسمه ، ومن لم يصل بكل تلك القوى لم يقبل الله منه الصلاة ، لأن القلب محل نظر الرب ، فللقلب صلاة هى النية واستحضار عظمة الله وحقارة المصلى نفسه ، وللروح صلاة وهى استحضار من المصلى ذلا ومسكنة ، ومن المصلى له تعظيما وإجلالا ، وبمن صلاته ؟ ومن الذى يصلى مطابقا لعمله ؟ وما هى الصلاة ؟ ومن لم يجمع تلك الحقائق عند صلاته فنسى الله الذى يصلى له ، ونسى رسوله eالذى يصلى مثله وجهل نفسه فى الصلاة ومكانته فيها ، وجهل مشهد التوحيد الذى يجعله يعتقد أن الفاعل المختار هو الله ، فيشكره على أن وفقه وهداه وعلمه معتقدا أن كل ذلك من الله ، ضرب الملك بصلاته عرض الحائط ، وقد أعاد صلاة سنين طويلة بعض العلماء الذين كاشفهم الله تعالى بتلك الأسرار العلية ، لاعتقاده أن صلاته التى مضت لم تكن كاملة كما يقبلها الله تعالى .

ونحن نعلم أن الصانع إذا تهاون فى صنعته لم يقبلها المشترى ، وكما أن الله تعالى خلق لنا الحقائق التى بها قوتنا ونفعنا جميلة صالحة للاستعمال ، يجب علينا أن نقدم له ما يحبه منا كاملا جميلا صالحا للقبول ، لأن الله لو خلق فى اللبن فرثا أو دما لعافه الشارب وهو عبد مقهور ومضطر واللبن خلقه الله من بين فرث ودم ، وجعله خالصا سائغا للشاربين ، فكيف نقدم لله عملا مشوبا بالشرك فى قلوبنا ، وبالطمع والعلل فى نوايانا ، وبالغفلة فى نفوسنا ، والنجاسة فى أبداننا ، ويقبله الله وهو الغنى؟

وذكر الصلاة بعد تقديم عمل الصالحات أى أقامتها من باب ذكر الخاص بعد العام لمزية فيه ، وفى هذا إشارة إلى أن الصلاة خير ما يتقرب به إلى الله تعالى ، لأن كل فرائض الدين غير الصلاة كالزكاة والحج والنفقة والجهاد والصيام قد يكون فيه شهوة خفية من حب العلو والشهرة ، إلا الصلاة فإنها عبودية خالصة ، فمن لم يشعر فى صلاته بذل العبودية ، وخشوع التواضع ، وتمييز الحضريتين بين عبد ورب ، فما صلى . .

"وَآتَوُا الزَّكَاةَ"

الزكاة لغة : هى الطهرة والنمو ، وهى نوعان : زكاة النفس ، وزكاة المال ، فزكاة النفس : ذكرها الله تعالى كما ورد فى غير هذه الآية فى قوله تعالى : "وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ"([13]) فإن إيتاء الزكاة وفعلها مختلفان ، ففعل الزكاة لا يكون إلا فى تزكية النفوس ، وأما الإيتاء فلا يكون إلا فى زكاة المال.

وزكاة المال : تكون فى العين والحرث والماشية والركاز ، وقد فصلت ذلك فى كتاب : "أصول الأصول" فراجعه أن شئت ، ولما كان المقام متصلا بآيات النفقة أعاد الله البيان جذبا لقلوب من جعل الله لهم نورا ليستبين لهم المنهج المستقيم ، وقد قدمت لك أن الإيتاء والإعطاء وإن كان مدلولها واحدا إلا أن الإعطاء يكون خاصا للمعطى له ، والإيتاء يكون عاما كما قال تعالى : "وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ"([14]) أى لك ولأمتك ، وقال : "إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ"([15]) أى خاصا لك تتفضل على من تشاء من أمتك بما فيه ، وذكر إيتاء الزكاة هنا بعد إجمالها فى عمل الصالحات لمزية خاصة كما قال تعالى : "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى"([16]).

"لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"

الجار والمجرور هنا متعلق بمحذوف خبر مقدم ، وأجرهم مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر أن ، وقد تقدم الكلام على قوله تعالى : "عِنْدَ رَبِّهِمْ" ، "وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" تقدم الكلام عليها أيضا.

قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"(278).

يقول الله تعالى يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، وخافوا وعيد الله الذى هدد به آكلة الربا ذروا : أى دعوا ما بقى من الربا الذى هو الزائد على رءوس أموالكم من الذين عليهم الدين أن كنتم صدقتم الله تعالى ورسوله eوسلمتم له تسليما . فلما نزلت هذه الآية قال العباس ابن عبد المطلب : تنازلت عن مالى من الربا إجابة لأمر الله تعالى ، وترك كثير من الصحابة ما كان لهم من الربا.

قوله تعالى : "فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ"(279).

"فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"

"فإن لم تفعلوا" أى أن لم تتركوا ما بقى من الربا ، أى أصررتم على أخذ الربا مخالفة لأمره سبحانه ، "فأذنوا" أى أعلموا بحرب من الله تعالى ، وفى هذه الآية شديد التهديد وعظيم الوعيد ، ولا تجد مؤمنا يسمع الله يقول: "فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" إلا ويسارع إلى الاستجابة لله ، والفاء فى "فأذنوا" رابطة لجواب الشرط.

"وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ"

"وإن تبتم" عن أكل الربا وتركتم ما على الناس من الربا وأخذتم رءوس أموالكم بدليل قوله : "فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ" أى فالحق الذى لكم أن تأخذوا رءوس أموالكم "لا تظلمون" الناس بأخذ ما لا عوض فيه مما حرمه الله ، "لَا تَظْلِمُونَ " الناس بأخذ ما لا عوض فيه مما حرمه الله ، "وَلَا تُظْلَمُونَ"بأن يمتنع الناس عن إعطائكم مالكم ، بل ولا تظلمون يوم القيامة لأن الله يغفر لمن تاب فضلا ، ويعاقب من خالف أمره عدلا قال تعالى : "وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا"([17]) وقد تقدم الكلام على التوبة فيما سبق.

وسبب نزول قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" أن ناسا أسلموا ولهم ربا عند غيرهم ، وكذلك كان للعباس بن عبد المطلب ولرجل من بنى المغيرة أموال كثيرة من الربا فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقيل : لما كان الفتح أقام رسول الله eعتاب بن أسيد أميرا على مكة فجاءه قوم يسألونه فى أخذ مالهم من الربا عند غيرهم ؛ فرع الأمر إلى رسول الله eفأنزل الله هذه الآية ، فكتب بها رسول الله eإلى عتاب ، وقال له أن لم يدعوا الربا فأذنهم بحرب من الله ورسوله.

قوله تعالى : "وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ"(280).

 

"وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ"

بين الله تعالى لمن كانوا يأكلون الربا قبل الإسلام فى الآية المتقدمة ما يجب عليهم ، وأباح لهم أن يأخذوا رءوس أموالهم ، ورحمة بالفقراء بين لأصحاب رءوس الأموال ما يحبه سبحانه بقوله : :وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" ، و "ذو" اسم كان على أنه مرفوع وتكون كان تامة بمعنى وجد ، وخبرها محذوف وبتقدير الاسم على رواية نصب ذو ، ولما كان سياق الكلام فى الربا وأكلته كان الحكم خاصا بأهل الربا.

وعلى هذا التأويل يكون المرابي ليس له حق أن يقهر المدين ، وليس للحاكم أن يعينه على قهره بل يجب على الحاكم أن يحكم بإرجاء دفع الدين حتى يتيسر ، بخلاف ما إذا كان دينا على غير ربا ، فإن الحاكم له أن يحبس المدين وأن يهدده ، وأن يرغمه على الدفع.

وقال بعض العلماء سبب هذا الحكم خاص بالربا ، وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم بل على صاحب الذين أن حصلت العسرة للمدين أن يرجئه إلى اليسار ، وقد أخذ بها أهل العلم بحسب اجتهادهم.

"وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ"

أى وتصدقكم برءوس أموالكم على المدينين خير لكم عند الله تعالى ، فإن فى الصدقة عليهم نجاة لهم من الفاقة ، وسرورا لقلوبهم ، وتخلقا بأخلاق الله الرءوف الرحيم الكريم العفو سبحانه ، وفى ذلك الفوز برضوان الله وغفران السيئات ، والفرح بتبديل الله السيئات حسنات.

"إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" أى تعلمون محاب الله ومراضيه ، وحسابه يوم القيامة ، وما يفوز به المتصدق برأس ماله على المدين من النعيم المقيم فى جوار م نجملهم الله بأخلاقه العلية.

قوله تعالى : "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"(281).

"وَاتَّقُوا يَوْمًا"

هذه الآية الشريفة آخر آية نزلت على رسول الله e، ورفع بعدها إلى الرفيق الأعلى ، على خلاف بين العلماء ، قيل : بعد سبعة أيام ، وقيل : بعد سبعين يوما ، وهى خاتمه الدين . وهى الآية التى أجمل الله فيها كنز حقائق الإيمان ، والمراقبة ، والرغبة ، والرهبة ، وقد بينت لك فيما سبق أن التقوى أربعة أنواع : تقوى اليوم بدليل هذه الآية ، وتقوى النار بدليل قول الله تعالى : "وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ"([18]) وتقوى الرب ، قال سبحانه : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ"([19]) وتقوى الله تعالى ، قال سبحانه : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ"([20]).

والتقوى مقام من مقامات كمال أهل الإحسان الذين قال فيهم رسول الله eكما ورد فى البخارى عندما سأله جبريل قائلا له : ما الإحسان ؟ بعد سؤاله عن الإسلام والإيمان ، فقال e: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

وأهل مقام الإحسان أرقاهم من كان كأنه يرى الله تعالى ، وراقيهم من يكون على حق اليقين بأن الله يراه ، فيتمثله فلا يغيب عنه ولا يحجب ، وهذا هو مقام التقوى.

ولفظة "تقوى" مأخوذة من وقى ، وتصريفها معلوم فى متون اللغة ، وهى الوقاية بحصون العلم الذى رسم على جوهر النفس ، لأن العلم الحقيقى هو تصور النفس رسوم المعلوم ، وأما العلم الذى يفهم بطول الممارسة والمذاكرة فإنه لا يرسم على جوهر النفس.

ولذلك فإنك ترى أكثرى من حصل العلم بالمذاكرة والمدارسة لا يستحضر معانية عند حضور سلطان الشهوات ، أو صولة الغضب ، أو باعث الطمع ، ولكن أهل التقوى ، مهما قهرتهم البواعث لا يغيبون عما تتمثله جواهر نفوسهم من هيبة مذيبة للقلوب ، وخشية جاذبة للأرواح إلى حضرة الفتاح ، وتقوى يحصنهم الله بما من الوقوع فيما يغضبه جل جلاله ، بل ويبعدهم عما يكرهه من التوسع فى المباحات ، وهذا مقام الزهاد. . .

وقوله تعالى : "واتقوا يوما" أى تصوروا ذلك اليوم وما يكون فيه مما بينه الله لكم فى آيات الوعيد ، ومن نعيم مقيم يبتدئ بالجنة ، وينتهى إلى الجلوس على منبر من نور قدام عرش الرحمن ، والفوز بالرضوان الأكبر لأهل الذكر الأكبر.

هذا ما وعد الله به أولياءه ، ومن تمثل تلك المنازلات الرحمانية والعواطف الربانية اضمحلت فى عينه الدنيا وما فيها ، ولو حيزت إليه بحذافيرها ، بل تضاءل هذا النعيم الموهوم ، والحظ الزائل المزعوم.

أما ما توعد الله به أعداءه وأهل الكفر به من آلام فى الدنيا أنتجتها المعاصى بسلب العافية فى أبانها ، وسلب النعمة أعاذنا الله من ذلك وسلب الإيمان ، والتوكل على الله ، والثقة به ، ومن عداوة أهل التقوى والعارفين بالله ، ثم من تسليط الظلمة ، ثم من سوء الخاتمة عند الموت ، ثم ما يناله الكافر والمنافق والمذنب من عذاب القبر ، مما يصدق به أهل الإيمان ، وينكره أهل الكفر بالله ، ثم بعد ذلك من بعث ونشر ، ثم ما بعده من حشر وصراط وميزان ، ثم الهوى فى الهاوية.

 حفظنا الله وإخواننا المسلمين من هذه الشرور . وهذا تفصيل ما أجمل فى لفظة تقوى اليوم . وبعيشك ، هل لو تصور المسلم تلك الحقائق موقنا بحدوثها ووقوعها ، هل ينسى تقوى اليوم فضلا عن تقوى النار ، وتقوى الله تعالى ؟!! اللهم زدنا علما.

"تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ"

بينت لك التقوى ، وبينت لك اليوم ، وهذا الخطاب لأهل مقام الإسلام ، وأما أهل مقام الإيمان فالتقوى عندهم من النار المحققة لديهم ، وأهل مقام الإحسان تقواهم من ربنا سبحانه ، وأهل مقام اليقين الحق يتقون الله تعالى ، قال سبحانه : "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ"([21]).

فأهل مقام الإيقان لهم كمال شهود المغيبات عنا مما ورد به الشرع ، والرجوع : الانتقال من مكان إلى مكان ، أى تنتقلون من دار الدنيا إلى البرزخ ، ومنه إلى الدار الآخرة حيث تحلون فى الأماكن التى ذكرناها ، ثم يكون الرجوع إلى الله تعالى لأهل مقام الإيقان الكامل ، لأن غيرهم لا يرجع إلى الله تعالى بل إلى النار أو إلى الجنة ، قال تعالى : "كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ"([22]) .

وجائز أن يكون معنى : "ترجعون فيه إلى الله" بمشاهدة مقامات التوحيد العالية شهودا يجعل الإنسان فى فناء عن الوجود بواجب الوجود ، ويكون فى مقام ربه عنده ، أو أعلى من ذلك أن يكون مع الله ، أو يكون الله تعالى معه قال سبحانه : "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ"([23]) وكفى بمعية الله تعالى للعبد شرفا وتلك المعية فى الدنيا والآخرة ، ومن حرمها فى الدنيا فقد حرمها فى الآخرة.

قال سبحانه مخبرا عن حبيبه e: "إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا"([24]) حين حزن أبو بكر وهو مع رسول الله eفى الغار عندما رأى المشركين على شفير الغار وقال : يا رسول الله لو ألقى أحدهم بصره تحت قدمه لرآنا ، فقال : [يا أبا بكر لا تحزن أن الله معنا] ، وخبر الصادق الأمين حقيقة ثابتة وما نقول فى اثنين الله ثالثهما ، فإذا كان الله مع رسول الله eومع أبى بكر ، فما جاز أن يكون لأبى بكر مع رسول الله eجاز أن يكون لأي مسلم جمله الله بما جمل به أبا بكر من يقين وعمل ، وعزم وهمة ، فى إعلاء الكلمة وحفظ رسول الله eولا حرج على فضل الله تعالى .

وإنى أعتقد أن الله تعالى يمنح معية الإحسان لأفراد من أمة محمد eإلى يوم القيامة ، وهذا يسمى رجوعا بالمعنى ، وإذا فكثير من أفراد الوجود كورثة رسول الله eوكإبدال الرسل والصديقين وكالعلماء العاملين هم مع اله والله معهم قال تعالى : "فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ"([25]).

إذا فالرجوع محقق ، والارتحال من الدنيا حق يقين ، وكيف لا ونحن نشيع فى كل يوم نظراءنا من الأناسى قهرا عنا ؟ !! ولو أن الواحد منهم يفدى بالمال والأولاد لقدمت الأموال والأولاد فداء له ، ولكن الله قاهر فوق عباده جعل الموت عبر للمعتبر.

وأنى لأري الناس يبكون على الموتى حزنا وأسفا ، وكان الأولى أن يبكوا على أنفسهم عند نزول هذه الصدمة القهرمانية ، وقد يمشى الناس خلف الجنازة وهم يتحدثون فى الدنيا أو يطمعون فى مال الميت كأنهم لن يموتوا ، وكفى بهذا نسيانا لهذا اليوم العظيم حفظنا الله تعالى.

"ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ"

أتى سبحانه بثم هنا للدلالة على أن تلك التوفية لا تكون إلا فى يوم القيامة ، والتوفية هى إعطاء الحقوق وافية غير منقوصة ، وهذا متحقق بالمعاصى ، فإن الله يجازى المسيء على قدر إساءته ، ولكنها غير متحققة فى الطاعات فإن الله يعطى على الحسنة أضعاف أمثالها ، ولك هنا ان تقول : هذه خاصة بأهل المعاصى بدليل قوله تعالى : "ما كسبت" فإن شهود العبد أن له كسبا دليل على أنه لم يبلغ مقام الإحسان . قال تعالى : "وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ"([26]).

وجائز أن تكون عامة ، ويكون جزاء المحسنين بقدر إحسانهم ، وما زاد على ذلك يكون بفضل الله تعالى ، ويكون الكسب هو العمل الذى عمله كل إنسان ، وإذا كان كذلك فما ورد من الآيات التى تنسب للإنسان عملا كقوله تعالى : "وَقُلِ اعْمَلُوا"([27]) وقوله تعالى : "بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"([28]) وغير ذلك إحسان من الله تعالى على إحسان ، وذلك بخلق الأعمال بقدرته أولا ، ونسبتها إلى العبد ثانيا ، ويجعلها له ثالثا ، ثم يتفضل رابعا بإعطائه أجرا عليها ، وليس له فيها شئ فسبحان من بيده الفضل.

ولأهل مشاهد التوحيد فى تلك المعانى مشاهد خاصة بهم ، ومن حرمه الله من تلك المشاهد فأولى له أن يسلم بها لينال قسط من أجر المسلمين لله ولرسوله eوللعلماء الربانيين . أما من حرمه الله منها وأنكرها ، فهذا سجل الله عليه الحرمان يوم القيامة.

"وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"

نفى الله الظلم عن نفسه لمعنيين عظيمين ، الأول : أنه هو الذى خلق الأجسام والأرواح والأعمال ، فهو يملكها ملكا مطلقا ، وله أن يتصرف فيما شاء بما شاء ، ولذلك تكون أعماله مبرأة من الظلم ، ويستحيل عليه سبحانه الظلم لكمال ذاته وأسمائه وصفاته.

والمعنى الثانى الذى نجارى به المعقول : أنه سبحانه حكم وعدل ، فيجازى على السيئة بسيئة مثلها فانتفى الظلم ، ويجازى على الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ، فثبت الفضل ومعنى قوله تعالى : "وهم لا يظلمون" ، على التأويل الأول هؤلاء المخالفون لأحكام الله تعالى لا يظلمون أى لا يعاقبون إلا عقوبة على قدر أعمالهم ، وعلى التأويل الثانى فالعاملون من أهل الإيمان بالله أو الكفر لا يظلمون ، فالمحسن يرد إليه إحسانه مزيدا عليه بما يتفضل الله به ، والمسيء ترد إليه إساءته بقدرها ، والله يغفر لمن يشاء . فثبت أن الله ذو الفضل العظيم ، وأنه الحكم العدل ، تنزه وتعالى . ولا يظلم ربك أحدا.

 

قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى"(282).

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"

أى صدقوا الله ورسوله ، يناديهم الله تعالى نداء القريب للقريب لتنجذب قلوبهم بنداء الله لهم ، وما من مؤمن يسمع الله تعالى يناديه إلا سرى نور الشوق فى قلبه إلى الله سبحانه ، وصغى إلى نداء الله بسمع قلبه تلبية لله تعالى.

"إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ"

بعد أن بين الله حكمه فى الربا أتى بحكم الدين حثا على إغاثة الملهوف ، وقضاء حوائج السائلين حفظا لأموال الناس – أى إذا حصل منكم تداين – وتداين على وزن تفاعل ، وهى تفيد التآخذ والتعامل والتعاطى ، فبين مراده سبحانه بهذه الآية ، وقوله : "بدين" بيان أو تأكيد ، وحالة المجتمع الإسلامي لا تخلو من التداين لأن الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، فأباح الله لنا الدين ، وحثنا عليه ، وبين لنا الحكم فيه لشدة الضرورة إليه ، وجعل من يغيث الملهوف فيفرج كربته له بكل حسنة سبعمائة حسنة ، بخلاف الصدقة فإن الحسنة فيها بعشر ، وذلك لأن طالب الدين واقع فى ضرورة ، وأما طالب الصدقة فقد يطلبها وهو غنى ، فكان أجر الدين أكثر من أجر الصدقة "إلى أجل مسمى" أى إلى وقت معلوم ، ومدة معروفة بينكم ، وقد لا تكون هناك مدة مضروبة بين الطرفين ، ويكون دفع الدين مرهونا بمشيئة الدائن ، وذلك جائز حسب اتفاق الطرفين على ذلك ، لأن العقد شريعة المتعاقدين . قوله سبحانه : "فاكتبوه" أى قيدوه فى ورق مبينا بالكتابة قدرة ووقته المحدد لوفائه ، ليكون أضمن للوفاء وعدم الزيادة والنقص.

"وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ"

لما كانت الكتابة برهانا على أن الإنسان قابل للتثقيف ، وتزكية النفس ، وكان السواد الأعظم من بنى الإنسان أكثره غير قابل لذلك ، بين الله كل البيان لاحتياج المتداينين إلى من يكتب إذا جهلا الكتابة ، وإلا لو كان كل الناس يكتبون لما بين ما يحتاج إليه الناس فى كثير من شئونهم حتى لا يجعل المتداينين عذرا يمنعهم عن الكتابة فقال آمرا :

"وليكتب بينكم كاتب بالعدل" ، أى أن الكتابة فريضة بحسب لفظ الأمر ، وهو الذى عليه أكثر العلماء . وقد قال بعضهم : أنه مندوب بدليل قوله: "فإن أمن بعضكم بعضا" الآية ، هذه الآية منسوخة بالأخرى على شرط طمأنينة قلب الدائن على نيل ماله . وقوله تعالى :

"بالعدل " موعظة من الله للكاتب حتى لا يتعدى العدل فيزيد فى الكتابة للدائن ، أو ينقص منها للمدين ، وهذه الآية تدل على أن الكاتب عليه حقوق مقدسة هى مراعاة العدل فيها يؤمر به بين المتعاملين.

"وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ"

أى لا يمتنع أى كاتب إذا طلب منه الكتابة فى الدين ، ولا يمتنع عن الكتابة ، شكرا لله على ما علمه فإن نعم الله على العبد يجب أن يشكره عليها بأن يستعملها فى مراضيه ، ومن أنعم الله عليه نعمة وأبى أن يشكره عليها بأن ينفع بها الناس كفر بنعمة الله فيسلبها الله منه. "فليكتب" أى فليسارع إلى طاعة الدائن والمدين ، فيكتب لهما ما يأمره به من عليه الدين.

"وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ"

هذا أمر من الله تعالى فى الظاهر لمن عليه الدين ، وفى الحقيقة ونفس الأمر للدائن ؛ يعنى على الدائن أن يترك من عليه أن يملى على الكاتب ، وهو يسمع منه ليكون ذلك أضبط للدين ، وأروح للمدين ، وأحسن للدائن لأنه ترك أخاه يملى ما عليه.

"وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ"

هنا اسمان من أسمائه العلية ؛ الأول وهو الله ، والثانى ربه ، ليكون الخطاب لأهل المقامات كلهم فأهل مقام الإيقان يتقون الله ، وأهل مقام الإحسان والإيمان يتقون ربهم ، لتحصل المشاهد التى تفزع القلب فلا يأمر اللسان إلا بالحق والعدل ، وقد قدمت لك معنى التقوى فراجعه أن شئت.

"وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا"

نهى الله المدين الذى يملل على الكاتب أن  يملل إلا الحق كما هو ، من غير أن ينقص منه شيئا ، فيبين عدده أن كان نقدا ، وقدره أن كان مكيلا أو موزونا ، وقيمته أن كان مقوما . وقوله : "يبخس" أى ينقص وبخسه أى نقصه قدره وكمه وكيفه للضرر به.

"فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ"

السفاهة هى الجهل وقلة العقل ، وما اجتمعت هاتان الخصلتان على رجل إلا وكان شرا على نفسه ، وعلى من معه ، لأنه لا يحسن المعاملة ، والسفه لغة : الجهل وهو وضع الشئ فى غير محله ضد الحكمة والحلم ، وكل متجاوز الوسط سفيه ، والسفيه لا يحسن أن يمل ، والضعف هنا يؤول بالسقم المانع أو بالغي والفهاهة ، أو بالضعف عن الإملاء "أولا يستطيع أن يمل" لخرس أو عى أو جهل بيان العبارة.

وجائز أن يكون السفيه هو الصغير الذى لم يبلغ سن الرشد والمعرفة ، "فليملل وليه بالعدل" الولى هو الوالد ، أو وصى الوالد أو من هو أولى به من غيره ، كذى رحم ماسة يتبرع بالولاية مساعدة له ، و "بالعدل" تقدم الكلام عليها.

"وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ"

الإشهاد هو رؤية الرجل الحادثة عند المبايعة أو التسليم ، لأن الشهادة لا تكون إلا بالعيان ، ولذلك فأخوة يوسف – عليهم السلام – قالوا : "ما شهدنا إلا بما علمنا"([29]) لأنهم لو شهدوا الحادثة لقالوا شهدناها ، والمسلم لا يقول أشهد إلا بما رآه . . قوله : "شهيدين" أى رجلين من رجالكم ، ليكونا أقوى للحجة وإثبات الدين عند الحاجة ، لأن المسلمين لا يتواطأن على ضلال ، وقد ينسى أحدهما فيذكره الآخر.

"فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ"

أقام الله المرأتين مقام رجل ، لأن النساء ناقصات عقلا ودينا ، أما نقصان دينهن فترك الصلاة عند الحيض من غير أن يعدنها ، وأما نقصان عقلهن فلما ركبه الله فيهن من الشهوة التى تشغل العقل بدواعيها ، وهى الحمل والوضع والملامسة ، فكان لابد للمرآة من أخرى حتى تقوما مقام الرجل من حيث تذكير إحداهما الأخرى ، ولذلك وجب على الرجل أن يتسامح مع المرأة بقدر الاستطاعة فيما لا يضر بدين ولا عرض ، لأن المرأة خلقت من ضلع أعوج لا تقومه إلا إذا كسرته ، ولذلك لا تستقيم المرأة لك بحال من الأحوال حتى تطلق.

ومعنى الآية أن رجلا وامرأتين يشهدان ، وقوله : "فرجل وامرأتان" مبتدأ معطوف عليه ، ويشهدان خبر محذوف.

"مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ"

الخطاب للحكام أو للأولياء أو لمن يقام هذا المقام ، وترضون أى يرضيكم عدالتهم ،وحفظهم ورعايتهم من الشهداء الذين تختارون منهم نصاب الشهادة.

"أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا"

يقال ضل يعنى ضاع ، وفى هذه الآية أن تضيع إحداهما بنسيانها لضعفها عن حفظ الحوادث ، ولم يعين الأولى أو الثانية للإطلاق.

"فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى"

أى تعرض عليها الحادثة فتتصورها.

قوله تعالى : "وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"(282).

"وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا"

أى لا يمتنع الشهداء إذا ما دعوا لتأدية الشهادة أو لحملها ، والظاهر أن هذه الآية يراد بها تأدية الشهادة عند الخصومة ، وأن قرر بعض العلماء أنها نزلت لتحمل الشهادة ، فإن بعض من يحتاجون إلى الشهداء كان يدعو ليشهدوا له على حادثة ما فيأبى الناس تحمل الشهادة ، فنهاهم الله عن الامتناع عن تحملها أو أدائها.

"وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ"

أن الله سبحانه وتعالى أنزل الشريعة لمصالح الأمة ، ومن خير مصالحها حفظ القلوب من الضغائن والصدور من السخائم ، وشر ما يدفع النفوس إلى الخروج عن الاعتدال الشرعى المعاملة بالمال ، فإنه مفسدة للأخلاق لما أودعه الله فيه من النفع ، فترى ضعاف الإيمان يحرصون على جمعه من حل أو حرام معتقدين أنه ينفعهم.

ولما كانت المعاملة هى ميزان الأخلاق بين الله فيها كل البيان ، فإن الدائن قد يتساهل مع المدين فيعطيه الدين واثقا به أو محترما له ، فيأخذه المدين وينكره فتحصل المفسدة بينهما ، وقد تقع بسبب ذلك شرور تغضب الله تعالى وهو أعلم بنفوس خلقه ، فنهاهم الله تعالى عن التساهل فى هذا الأمر لرؤيتهم صعوبته فيسأمون العمل ، ثم يحصل ما يحرج النفوس ويدفع الإنسان إلى الخصومة بعد الصفاء والوفاء ، وذلك من عمل الشيطان ليفرق بين جماعة المسلمين ، فنهاهم الله عن الوقوع فيما يوقع فى الهرج والمرج.

وقد بينت لك أن الكتابة واجبة وأن قوله تعالى : "فإن أمن بعضكم بعضا" لم تنسخ الكتابة لأن الدائن قد يعطى دينا لمن يأمنه ويأخذ عليه الكتابة ضمانا له ، وقد يأمنه ثقة عنده من وفاء الدين ، ومن حيث الشهرة الطيبة فلا يكتب وهذه الكتابة أمر بها سواء كان الدين قليلا أو كثيرا.

"ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ"

الإشارة إلى ما أمر الله تعالى به من أحكام الربا والدين ، والكاف والميم للمخاطبين . و "أقسط" أعدل عند الله ، وفى قوله : "عند الله" إشارة إلى أن المخاطبين يريدون وجه الله تعالى بخلاف غيرهم ممن يريدون الجنة ونعيمها ، وفيها بشرى لمن يتبع أوامر الله تعالى بأن يفوز برضوان الله الأكبر.

"وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ"

أى وأحفظ للشهادة حتى تكون قائمة مقبولة عند الله تعالى منتجة للمقصود منها ، وهو رد الدين إلى الدائن.

"وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ"

أى وأقرب ألا يحصل لكم الريب فى ضياع أموالكم . "إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم" ، استثنى الله تعالى من هذا الحكم الشركاء الذين يتجرون فى سلعة يديرون العمل فيها بأنفسهم ، فلا حرج على كل واحد منهم أن يتسلم أموالا لاستعمالها فى مصلحة الاتجار من غير أن تكتب عليه كتابة ، أو يستلم سلعا من التجارة لنفسه أو بتصريفه ما دام يعلم بها شريكه أو يقيد بسجل الشركة.

"فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا"

رفع الله الجناح أى الأثم عن الشركاء المديرين إذا استولى أحدهم على بعض المال ولم يكتب وثيقة به لأن ذلك مما يتعذر ، ولكن الشريك إذا قصد الخيانة كان أثمه أثم السارق وزيادة لأنه أؤتمن فخان.

"وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ"

يعنى يأمر الله سبحانه وتعالى أن نشهد حال البيع أن تلك السلعة خرجت من يد المالك لها إي غيره ، وذلك بعد أن أباح الله لنا ترك الكتابة إذا كانت الشركة بين مديريها ، ولكن هنا حظر الله تعالى علينا أن نبيع أو نشترى بدون إشهاد ، وحكمة ذلك أن البائع ينكر أنه باع للمشترى ويتهمة أنه سرق وليس له شهود فيقسم اليمين فيضيع حق المشترى ، ويتهم بالسرقة فتقطع يده لإثبات السرقة عليه ، أو أن يكون المشترى لم يدفع الثمن فيطالبه البائع فينكر عليه أن اشترى منه فيحلف اليمين فيضيع مال البائع ، وى ذلك من التفرقة بين المسلمين والعداوة ما فيه . وقد جعل هارون – عليه السلام – الصبر على بنى إسرائيل وهم يعبدون العجل أقل من شر التفرقة بينهم حفظا لتوحيد الكلمة ، بدليل قوله لموسى – عليه السلام – "إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ"([30]) فحكم أن التفرقة شر من عبادة العجل ، لأن الله تعالى يقول : "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ"([31]).

"وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ"

أن الله تعالى ماشدد إلا يسر . أوجب على الكاتب والشهيد أن يقوم كل واحد منهما بما عليه ، ثم جعل لهما حيطة ليحفظها بها من المضارة التى تحصل من إنكار الخصمين أو من تعدى الحاكم ، والمضارة مفاعلة تكون بين اثنين "كاتب ولا شهيد" أى الذى كتب الوثيقة ، والذى شهد عليها ، وهذا كله بعد أن يظهر للحاكم عدم قصد السوء من واحد منهما.

"وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ"

أى يحصل منكم المضارة للكاتب والشاهد ، "فإنه" أى فهذا الفعل "فسوق" ، أى خروج عن حدود الله تعالى وأحكامه.

"وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ"

قدمت لك معنى التقوى ، وقوله تعالى : "واتقوا الله" هنا أى خافوا مخالفة أمره فى الدين والربا ، فانكم إذا راعيتم أحكام الله تعالى فى كل أمر رعاية من جمله الله سبحانه بالسمع والطاعة ، يعلمكم الله تعالى علم مالم تكونوا تعلمون ، فإن التقوى لا تكون إلا بعلم الأحكام ، وفوق علم الأحكام علم الحاكم الذى تتمثل النفس عظمته وكبرياءه سبحانه وتعالى ، وجلاله وجماله ، فتقهر النفس الجوارح على دوام المراقبة والمحاسبة ، وعلى الجهاد الأكبر فى ذات الله بالمسارعة إلى القيام بمحابه ومراضيه سبحانه وتعالى.

وإذا كانت التقوى لا تكون إلا بالعلم ، فما هذا العلم الذى يعلمه الله لأهل التقوى ؟ لا نشك أنه هو العلم بالله تعالى ، وبأيام الله وبأحكام الله ، وبحكمة أحكام الله تعالى ، ومن جهل الحاكم وأيامه وعلم أحكامه وحكمة أحكامه ولم يعمل بها يكون ممن قال الله فيهم : "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ"([32]) .

وقد قال e: [طلب العلم فريضة على كل مسلم] ومعلوم أن الأحكام الشرعية ليست علما فقط بل هى علم وعمل ، والعلم حقا هو ما تصورت النفس رسوم المعلوم فيه ، فيرسم على جوهر النفس ، وذلك هو العلم بالله تعالى ، وهو العلم النافع ، قال تعالى : "وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ"([33]) مع ما حصلوا من العلم الذى هو كأمثال الجبال ، وإنا لا نرى الفتنة إلا ممن حصلوا على الأحكام وتركوا على الحاكم ، قال على – كرم الله وجه - : "إنما قصم ظهرى رجلان : عالم متهتك وجاهل متنسك". وذلك لأن العالم المتهتك يوقع العامة فى معصية الله تعالى والجاهل المتنسك يضر العامة.

"وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"

أعقب تلك الآية بقوله تعالى : "والله بكل شئ عليم" لتنزعج قلوب أهل الغفلة عن الله ، الناسين اليوم الآخر ، وليقوى إيمان أهل الإيمان بالله ، فإن الغافلين إذا علموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأخفى من ذلك وكانت فيهم بقية من الإيمان أقلعوا عما يخالف الله تعالى ، وإذا تحقق أهل الإيمان أن الله تعالى يعلم ما يتقربون به إليه من الفرائض ونوافل البر فرحوا بذلك وأقبلوا.

قوله تعالى : "وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ"(283).

"وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ"

معلوم أن الإنسان لا يكون على سفر ولكنه يكون فى سفر ، فإتيانه تعالى بعلى هنا دليل على المتمكن فى السفر حتى كأنه علاه ، أى وأن كنتم على سفر واقتراض بعضكم من بعض ولم تجدوا كاتبا للقيام بالواجب عليكم فرهان تعطى من المدين للدائن أمانة له على ماله.

"فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ"

أى أن حصلت الثقة من الدائن للمدين وأقرضه ما يطلبه وجب على المدين أن يرد له ماله وافيا ليحسن إلى دائنه كما أحسن إليه ، ولينال بذلك مغفرة الله تعالى ووسعة الرزق ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية "فليؤد الذى أؤتمن أمانته" أمر الله المدين أن يرجع المال الذى ائتمنه عليه الدائن إليه، فجعلها الله أمانة فى عنقه وهى قرض أو سلف حثا من الله تعالى للمدين أن يسارع إلى رد الدين لصاحبه ، حفظا للقلوب من الشحناء ، وللمجتمع من التفرقة.

"وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ"

تقدم الكلام عليها ولكنى أزيدك علما بتفصيلها : بينت لك أنواع التقوى ، فأهل مقامات الإيقان والإحسان يتقون الله تعالى ، لأن أهل الإحسان يعبدون الله كأنهم يرونه ، وأهل مقام الإيقان كشف الله عنهم الحجاب حتى شهدوا عوالم الملكوت واللاهوت والجبروت ، شهادة سكنت بها نفوسهم إلى منفسها واطمأنت بها قلوبهم إلى ذكر مقلبها فقوله : "وليتق الله" خطاب لأهل هذين المقامين . وقوله تعالى : "ربه" خطاب لأهل مقام الإيمان والإسلام الذين لم يقع بهم العلم على عين اليقين ممن أحبوا المنعم لنعماه ، ورغبوا فيه لخيره وبره فى الدنيا والآخرة.

"وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ"

ينهانا ربنا عن أن نكتم الشهادة التى شهدناها إذا طلبت منا ، ويبين لنا أن كتمها دليل على أن القلوب آثمة ، وهنا أشير إليك:

تعلم أن جواهر النفوس متفاوتة ، فمنها نفوس صيغت من جمال الله : وهى نفوس الرسل الكرام ، ومنها نفوس صيغت من بهاء الله : وهى نفوس عليين ، ومنها نفوس صيغت من جلال الله : وهى نفوس حملة العرش ، وعمار السموات ، والموكلين بالأقدار والأرزاق ، قال سبحانه : " لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"([34]) ، وأكمل النفوس نفس رسول الله eوقد صيغت من جمال الكمال الذاتى ، ومن نورها المحمدى صيغت نفوس الرسل الكرام ، فنفوس إبدال الرسل ، فنفوس الورثة والصديقين.

أما نفوس الكون الأسفل فإن منها نفوس صيغت من السفل ، ثم من سجين ثم من طينة الخبال من نار جهنم ، أما النفوس التى صيغت من السفل: فنفوس البهائم ، أما التى صيغت من سجين : فنفوس الوحوش الكاسرة ، ونفوس الأناسي الذين هم أضر من الوحوش الكاسرة وشر من الشياطين ، أما النفوس التى صيغت من طينة الخبال : فنفس إبليس وجنوده ، قال عز وجل : "وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ"([35]) وكل نفس تؤدى مقتضى حقيقتها ولو شئت أن تغير الحقائق ما استطعت.

وقد اختلف علماء الأخلاق فقال بعضهم : أن الأناسي صالحون أن يتثقفوا ويتهذبوا بالعلم ، ولذلك بعث الله الرسل إلى أممهم ولم يرسلهم الله إلا وهو يعلم أن النفوس قابلة ، لا عبثا . وقال بعضهم : أن الله خلق النفوس لتؤدى مقتضى حقائقها وإنما بعث الله الرسل والأنبياء ليكونوا حجة على من سجل الله عليهم الخلود فى جهنم أو التعذيب فيها.

ولذلك فإنك ترى أهل النفوس الخبيثة تقوم عليهم الحجة حتى تتضح المحجة ، وهم على ما هم عليه من الكفر بالله ومحاربة رسله ، وترى أهل النفوس الطاهرة يعيشون فى سوط الجاهلية أو في بيئة خبيثة أو بين أسرة شريرة فيظهرون كالنجم الزاهر ، مقبلين على التقوى والصلاح ، متخلقين بأجمال الأخلاق حتى لو ألقوا فى النار لكانت بردا وسلاما ، والخلاف بين علماء الأخلاق لفظي.

"وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ"

تأويل هذه الآية الشريفة أن الله سبحانه وتعالى خصص بمشيئته ما شاء أن يخلقه من أرواح عاليات مجردات من المادة ولوازمها ، ومن أجسام نورانية هم عمار سمواته ، ومن أناسي خلقهم باليدين وجمع فيهم الروح والجسم ، ومن حيوانات ونباتات وجمادات ومعادن ، كل تلك الحقائق أنشأها وأبدعها البديع جل جلاله بتقدير ، ومشيئة ، وحكمة ، وقدر أعمارها ، وأنفاسها ، وأعمالها ، وتنقلاتها قبل إيجادها وإمدادها.

ومن تعلقت قدرته العلية بما خصصته إرادته القدسية ، وأبرز بتصاريف قدرته العجيبة وبتدبير حكمته الغريبة ، لابد وأن يكون محيطا بتلك الحقائق فى أطوارها وأدوارها قبل إيجادها لقوله تعالى : "وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ"([36]) وأن تأول البعض : "ما" فى قوله : "ما تعملون" إلى غير مراد الله تعالى لينسب خلق الأعمال إلى العبد.

ولكن عيون الكشف مطلعة بأسرار القدر ، لأنه محظور على العقل أن يحيط بها فكيف يحيط بها الحس ، فالله جل جلاله يخبرنا أنه عليم بكل شئ مما أحاط به العرش بل وبالعرش وبما فوق العرش ، بل عليم بذاته تقدست ، وبأسمائه وصفاته تنزهت ، فعلم الله يتعلق كشفا وحيطة بالواجب والجائز والمستحيل ، وهذه الآية الشريفة جملت القلوب بمزيد اليقين ، وكاشفت الأرواح بالغيب المصون.

قوله تعالى : "لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(284).

"لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"

ملكا وإيجادا وإمدادا ، لا فرق بين عالين وأعلى عليين وما دون ذلك إلى ذرات الجمادات وقطرات البحار وأجزاء الهواء ، لأن "ما" هنا للعموم وفيها معنى التغليب فدلت على كل ما تقدم ، والآية الشريفة مساقة هنا علة وبرهانا لما قبلها من الشهادة والدين والربا ، وان كان الخبر فيها عاما.

والمعنى أن الله تعالى يقول : "لله ما فى السموات وما فى الأرض" وحيث له ما فى السموات وما فى الأرض فتكون السموات له ملكا وإيجادا وإمدادا ، وإذا تحقق الإنسان بذلك سارع إلى منع استعمال الربا ، وإلى وفاء الدين وإلى تحمل الشهادة وتأديتها ابتغاء مرضاة الله تعالى.

"وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ"

هذه الآية أذابت قلوب أهل المعرفة حتى أن الصحابة رضى الله عنهم لشدة وقعها عليهم جثوا أمام رسول الله eوقالوا : "يا رسول الله أن الله كلفنا بما نطيق من صلاة وصوم وحج وزكاة وجهاد ، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها" فكيف نطيق أن الله يحاسبنا على ما نخفيه فى أنفسنا؟ ومعلوم أن ما تخفيه النفوس لا يعد ولا يحصر ، فقد يخفى الإنسان فى نفسه الميل إلى النساء ، أو الرغبة إلى ما فى أيدى الناس ، أو الرغبة فى عمل الفحشاء والمنكر أو القتل ، أو يرد على النفس واردات إبليسية وخواطر شيطانية وهى تستتر فى هذه الواردات جميعها ، فإذا كان الله يحاسبنا على كل همة ولمة وخاطر هلك الإنسان.

وبعد أن سمع رسول الله كلام الصحابة الذى انتهى إلى قولهم : وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها قال e: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتات من قبلكم : "سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا"([37]) ؟ بل قولوا : "سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما قرأها القوم وتحركت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى فى أثرها : "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ" الخ الآية ، فلما فعلوا نسخها الله تعالى فأنزل سبحانه : "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا".

وقد ورد عن رسول الله e: [أن الله تجاوز عن أمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم] قال تعالى : "وأن تبدوا" اى تظهروا بالقول أو العمل أو الحال "أو تخفوه" أى تبطنوه عن الناس ، وتغيبوه بجعله لا يتجاوز قلوبكم . "يحاسبكم به الله" أى يأخذكم به أن خيرا فخير وأن شرا فشر ، وفى ذلك ما فيه مما أوقع العلماء فى الحيرة فمنهم من جوز تكليف الله الإنسان ما لا يطيق ، ومنهم من منع ذلك ، حتى قال بعض المفسرين ما فى أنفسكم أى ما فى فطركم وطباعكم مما تظهرونه علنا ، أو تعلمونه خفية ، وأراد بالنفس مطلق النفس وهى الهيكل الإنساني بما حواه ليخرج من القول بتكليف مالا يطاق ، والله تعالى له أن يكلفنا بما نطيق ومالا نطيق وبفضله يتفضل فيغفر ، كما كلف الإنسان بالصلاة والصيام والزكاة والحج ، وعفا عنه ذلك عند المرض والسفر وعند الفقر والضرورة.

"فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ"

معلوم أن المغفرة هى الستر ، فالله تعالى يستر عيوب الإنسان وذنوبه عن جوارحه المجترحة ، وعم معالمه من الأرض ، وعن الملائكة ، وقد قيد بعضهم ذلك بالتوبة ، وحضرة الإطلاق الإلهي لا تتقيد بتوبة ولا بغيرها فقد يغفر للتائب وغير التائب ، وهذا ما يليق بكمال عطفه ورحمته ومغفرته، لأنا نرى التائب استحق المغفرة بتوبته والمقام مقام إظهار كمال التوحيد ، لأنه يقول سبحانه : "لمن يشاء" فلا تقيد مشيئته ، وأن كان جائز أن نفهم قوله : من يشاء . بتقدير التوبة قبل الموت لمن يشاء أن يغفر له.

وعندى أن الطمع فى هذا الجانب من غير أدب مع الله تعالى ذنب آخر يضاف إلى المعصية ، والواجب على أهل المعاصى الذين أطمع أن يغفر الله لى ولهم أن يديموا النظر إلى أنفسهم بمقتها ، وبالغضب عليها ، وباعتبارها مخطئة مسيئة ، ويكون بعد ذلك الطمع ، أما ما يقوله بعض أهل الغفلة إذا سمعوا موعظة أو ذكرا مثل : "إن الله غفور رحيم" أو : "وقتها يحلها الله " أو "حتى يريد الله" أو "ربنا ما أراد" هذه الألفاظ صادرة عن قلب غافل عن الله، والواجب أن يقول المذنب سمعنا وأطعنا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

"وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ"

أى ويعذب الله من يشاء أن يعذبه بالذنوب التى غفرها لمن يشاء أن يغفر له ، ولو تاب كما تاب فرعون عند نزول الخطر به ، وشر العذاب حرمان النفس من بهجتها ولذتها يوم القيامة ، وهذا العذاب أشد من عذاب الجسم فى نار جهنم.

"وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"

بين الله تعالى لعباده عجائب قدرته عند إبرازه ما يشاء إبرازه ، من العجائب التى تعجز العقول عن تصورها فى الدنيا والآخرة ، فهو سبحانه قدير أن يمنح الكافر كمال الإيمان ، ومقام الصديقية ، وحقيقة السمع والطاعة والتسليم ، كما منح أبا بكر الذى مضى فى الجاهلية أربعين سنة تقريبا ، وعمر، وعثمان رضى الله عنهم . وقادر سبحانه أن يضل من يشاء ولو كان طاووس الملائكة ، وخير أولياء وقته ، كما أضل إبليس وبلعام بن باعوراء وبرصيصا الراهب . ولا يسأل عما يفعل ، قال تعالى : "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"([38]).

قوله تعالى : "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"(285).

سبب نزول هذه الآية الشريفة أن الله تعالى لما أنزل "وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفون يحاسبكم به الله" حصل للصحابة هلع من خوف تلك الآية، وأسرعوا إلى رسول الله eكما بينت لك ، فلما أن أمرهم رسول اللهeبالسمع والطاعة قالوا "سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فبشرهم الله بتلك الآية بقوله:

"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ" الخ . . .

وقبل أن أشرح لك هذه الآية أبين لك الإيمان وشرائطه ، ونتائجه والفرق بين الإيمان والعلم لتكون على بصيرة منه ، لأنه قد التبس على كثير من أهل العلم حتى صار يكفر بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا بغير علم ولا بيان ، وذلك أن كثيرا من المتكلمين يسمون الإيمان علما ويقولون : هو علم من طريق السمع ، وما يعلم بالقياس فهو علم من طريق العقل فأر يد أن أبين حقيقة العلم . .

لما كان المعلوم لا يكون علما للنفس إلا إذا تصورت النفس رسوم هذا المعلوم فى ذاتها  ، . . فالعلم هو تصور النفس رسوم المعلوم فى ذاتها ، ولما كانت أخبرا الرسل عليم الصلاة والسلام عن الله تعالى بما يجب على الناس أن يصدقوا به من معانى الكمالات الإلهية وتنزيه ذاته العلية ، وما وصف به نفسه سبحانه وتعالى لا يمكن للنفوس أن تتصور رسومه ، وتتبين معانيه قبل الإقرار والتصديق ، وتزكية النفس وتطهيرها من كثافة الجهل وظلمات العقائد الباطلة ، والآراء الفاسدة ، والآمال المبعدة والحظوظ والأهواء ، لذلك كان الإيمان هو الإقرار والتصديق بدون تصور المعلوم فى ذات النفس ، وبذلك يظهر التفاوت بين العلم والإيمان.

ومن أجل هذا دعت الأنبياء أممهم إلى الإقرار أولا ، ثم طالبوهم بالتصديق بعد الإقرار ، ثم حثوهم على طلب المعارف الحقيقية بدليل قوله تعالى : "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ"([39]) ولم يقل يؤمنون بالمشهود ، ثم حثهم على طلب العلم بقوله تعالى : "إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ"([40]) " فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ"([41]) ثم مدح فقال : " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"([42]) . وقال تعالى : "الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ"([43]) مما تقدم أن العلم هو صورة المعلوم فى نفس العالم . والإيمان هو التصديق لمن هو أعلم منك بما يخبرك به عما لا تعلم ، وكفى بهذا فرقا بين العلم والإيمان.

ومن نتائج الإيمان أنه يورث العلم لأنه متقدم الوجود على العلم ، ومن أجل هذا دعت الأنبياء عليهم السلام الأمم إلى الإقرار بما أخبرتهم ، والتصديق بما كان غائبا عنهم وعن إدراك حواسهم وتصور أوهامهم ، فإذا أقروا بألسنتهم سموهم عند ذلك : "المؤمنين" ثم طالبوهم بتصديق القلب كما ذكر الله تعالى : "وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ" فإذا وقع التصديق بالقلب سموهم الصديقين كما ذكر الله تعالى : "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ"([44]).

ومن أكمل شرائط الإيمان قوله تعالى : "وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"([45]) ، وقال لنبيه e: "وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ"([46]) وقد شرحت مقام التوكل فى كتابى : "أصول الوصول" و : "معارج المقربين" ومن شرائطه "الإخلاص" أيضا لأنه برهان على أن المؤمن كامل الإيمان ذائقا حلاوته ، قال تعالى : "فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ"([47]) وقال سبحانه: "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ"([48]) وقد بينت هذا المقام فى : "معارج المقربين" وغيره من الكتب ، ومن شرائطه : "الصبر" وهو الصفة التى يتجمل بها من عرف الله ، ويتحلى بها من يرجو ثوابه ، وهى علامة اليقين وحصن المتقين ، قال الله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا"([49]) وقال تعالى : "وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ"([50]).

ومن شرائطه أيضا : "الرضا بالقضاء والقدر" ، والرضا هو طمأنينة النفس ما يجرى على الإنسان من المقادير ، وجريان المقادير بالقضاء هو علم الله السابق بما رتبته القدرة ، وخصصته الإرادة فيما كان وما يكون ، وإبراز ذلك فى زمانه ومكانه ، والرضا هو صفة الرسل وورثتهم من الصديقين والشهداء وقليل ما هم ، أما شرط الإيمان الأساسي فالعمل بسنة رسول الله eوأتباع ما يأمر به صلوات الله عليه من الطاعات ، والانتهاء عما نهى عنه من المعاصى ، وهو السمع والطاعة له ، وقد وفيت شرح هذه المقامات فى مواضعها من كتبي فراجعها أن أحببت المزيد . . .

"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ"

ومعنى قوله تعالى : "آمن الرسول" أى صدق الرسول e"بما أنزل إليه من ربه" وهو القرآن المجيد الذى بين العقدية الحقة بالحجة البالغة والعبادة الخالصة مفصلة ، والأخلاق الجميلة متممة ، والمعاملة الحسنة ضامنة لصفاء المجتمع وسعادته ، مع بيان ما حرمه الله تعالى علينا ونهانا عن الوقوع فيه وكره منا عمله.

وقول الله تعالى : "آمن الرسول بما أنزل من ربه" لا يقتضي عدم إيمانه قبل نزول الكتاب ، ولكن يقتضي الإيمان بالأحكام الشرعية مما أمرنا به وما نهانا عنه ولم يكن معلوما لأحد ولا لرسول الله e.

وأما الإيمان الذى هو عقد القلب على كمال تفريد الله بالألوهية وعلى كمال توحيده الذاتى والأسمائى والصفاتى وعلى العجز عن إدراك حقيقة ، وعلى الإيمان بقضائه وقدره فقد كان رسول الله eكامل الإيمان فيه مذ كان نورا وآدم بين الماء والطين ، وكيف لا وعيسى ابن مريم قال يوم ولد : " إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا"([51]) وقال e: [كنت نبيا وآدم بين الماء والطين] أى لا وجود له.

"من ربه" لأن هذا الإيمان الذى أخبرنا الله به هو الإيمان بما أنزله الله تعالى من الأحكام الشرعية وهذا يقتضي أن يكون من ربنا سبحانه وتعالى، أما ما يتعلق بذاته القدسية خاصا به سبحانه من غير أن يتجاوزه إلى غيره فهذا من الله تعالى وهو المسمى بالقرآن الدال على ذات الله وأسمائه وصفاته كمالا وجلالا وجمالا ، وقد ورد عنه eأنه قال : [ إنى أوتيت القرآن وأكثر من القرآن ] ، ومعنى القرآن ما بينت ل ، وأكثر منه الأحكام الشرعية التى نزل بها جبريل علي قلبه e.

"وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ"

"والمؤمنون" يعنى والذين صدقوا الله ورسوله وما أنزله الله عليه "كل" أى كل واحد منهم على حذف المضاف المعوض عنه بالتنوين . "آمن بالله" أى كل واحد منهم صدق بالله أى يتفريده بالألوهية وبالإيجاد والإمداد وخلق الأعمال.

"وملائكته" الملائكة هم أجساد نورانية وهم أنواع منهم حملة العرش ، ومنهم عمار السموات الذين " لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"([52]) ، ومنهم السفرة البررة ، ومنهم أمناء الله على وحيه ، ومنهم الذين أقامهم الله لتصريف أقداره فى الإعطاء والمنع ، ومنهم من أقامهم الله حفظة على بنى آدم ، ومنهم الذين يكتبون السيئات والحسنات ، ومنهم الذين يحاسبون الموتى فى البرزخ ، ومنهم ومنهم ، وما يعلم جنود ربك إلا هو ، أما ما فوق ذلك من عالين وعليين وأعلى عليين بل ومن الأعلين فأرواح ، منها الهائمون الآلهون والكروبيون المحترقون من جلال الله تعالى ، وما فوق ذلك من عالم اللاهوت والجبروت ، وما فوقهم مما عجزت العقول عن معرفته بحد أو برسم فكيف تصل الأرواح الطاهرة إلى فناء عظمة القدس الأعلى ؟!! سبحانك ما عرفناك حق معرفتك ، قال تعالى : "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ"([53]) والذى وجب علينا الإيمان به على قدر تسليمنا هم الملائكة فقط ، فإذا منحنا الله التوفيق وساحت أرواحنا فى فضاء محيط العرش ، ومنحنا الله العمل بالتقوى علمنا من آيات الله وأسراره ما لم نكن نعلم.

أما من لم تسبح روحه فى هذا الفضاء الواسع ، ولم تهاجر نفسه وعقله وحسه من كون الفناء إلى كون الحياة والبقاء ، بهجر ما حرم الله تعالى فهو ممن أخلد إلى الأرض وأتبع هواه.

"وكتبه" وفى رواية "وكتابه" وقد وردت تلك الرواية عن أبن عباس رضى الله عنهما- أى هذا القرآن الكريم ، وأما الرواية الأولى وهى "وكتبه" فالمراد بها جميع ما أنزله الله على رسله السابقين ، ولما كان القرآن المجيد مهيمنا على الكتب بل ناسخا لهما أغنانا الله به عن ذكر سواه فلا حاجة بنا إلى ذكر تلك الكتب هنا ، ومن قرأ القرآن فقد قرأ جميع كتب الله المنزلة وزاد عليها.

قال تعالى : "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"([54]) فالقرآن هو دين الله الكامل ونعمته التى أتمها بمحمدe، ومن طلب البحر استقل السواقيا ، وقد ورد أن عمر بن الخطاب كان متوجها إلى مزرعته فمر على رهط من أحبار اليهود فوجدهم يتدارسون فى ورق معهم ، فسمع فيه كلاما يشبه كلام رسول اللهeحتى سمع نعت رسول الله فيه فطلب إليهم أن يعيروه له يوما ، وأسرع به إلى رسول اللهeفقال : يا رسول الله أنى سمعت نعتك فى كتب اليهود ، فقبض رسول اللهeعلى الورق بيده وقبض على عنق عمر بيده الثانية وجذبه وقال : [ أى عمر لو أدركني موسى وعيسى ما وسعهما إلا إتباعي].

وذلك دليل على أن المسلم قد أغناه الله بالقرآن ، ودليل آخر هو أن الله أخبرنا أنهم غيروا فى التوراة وبدلوا فيها والواجب علينا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم ، وأن نهجر كتبهم والكلام معهم إلا إذا دعوناهم بأسلوب الحكيم إلى الدين ، فإن قبلوا فبها ونعمت ولا فالجزية ، فإن امتنعوا فالسيف . أعاد الله مجد سلفنا الصالح وأعز دينه وكتابه . "ورسله" جمع رسول.

والرسول هو الرجل البالغ العاقل الذى أوحى الله إليه بشرع يعمل به ويبلغه ، والرسل معصومون من مخالفة الله عند التبليغ والعبادة لأنهم جائز عليهم الأعراض البشرية التى لا تؤدى إلى نقص فى مقاماتهم العلية ، والرسل يغضبون ، ولكن لله ، ويضحكون فى الله ، ويرضون لله ، وكل أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم فى مختلف الشئون هى علم وهى فى مرضاة الله ومحابه ، ومن تنزه عن عمل أو قول أو حال بلغه عن رسول اللهeفهو جاهل بمقامات الرسالة ، ومن ظن أنه يبلغ هذا المقام ، أو يساوى رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم ولو أحاطه الله علما حتى بما لم يحط به الأنبياء من أسرار التصريف وغيوب الأقدار وخواص الجواهر الكونية ومعرفة الآثار والتمكين فى علم سيما الخلق ، بل والبراعة فى الفراسة فقد جهل ما يجب عليه أن يعمله ، فإن الرسالة من الله تعالى أعلى مقامات العطايا الإلهية.

فقد يعطى الله كل شئ للعبد ولا يعطيه الرسالة فلا يكون رسولا أبدا ، وقد يظهر من كلام بعض الشاطحين التائهين فى بيداء الجهالة بمكانة أنفسهم وقدرها مما يشير إلى أنهم ساووا الرسل أو بلغوا مقاماتهم العلية ، هذا مؤول إلى تأويلين : الأول أنه ضلال وكفر والعياذ بالله لأنهم أساءوا الأدب مع الرسل وسوء الأدب مع الرسل سوء أدب مع الله الذى أرسلهم ، وقليل من سوء الأدب مع الرسل كفر ، لأن الأدب إعطاء المتأدب له حقه الذى يقوم بقدره . وأكمل الرسل عليهم الصلاة والسلام عجزوا عن أن يتأدبوا مع الله بهذا المعنى فكيف بغيرهم ؟ فإذا نحن عجزنا عن الأدب مع الله وتأدبنا له على قدرنا يكون ذلك كمال الأدب مع الله تعالى ، قال تعالى : "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"([55]).

ولو طالبنا الله بالقيام لذاته العلية على قدره العلى لكانت النار أقل ما نستحقه ، فإن رسول اللهeبشر تجوز عليه الأعراض البشرية وقد أظهر الله لنا على يديه ما نطيقه ، فأكل وشرب وتزوج النساء ونام وضحك ومازح وفعل كل ما نفعله لتكون تلك الحقائق ماثلة أمام أعيننا فلا نتحرك ولا نسكن ولا نأكل ولا نشرب ولا ننام إلا كما فعل عليه والصلاة والسلام ومن جهل شيئا فليسأل من هو أعلم به منه ليكون صورة كاملة لرسول اللهe.

والتأويل الثانى هو الذى كنت لا أحب أن أبينه خوفا من أدعياء الطريق ، الذين يخفون فى أنفسهم ما لا يبدون ، ولا يرعون حرمة لله ولا لرسول اللهeويتجملون كالقرد الذى يتشبه بالأناسي فى عمله ، وكم من فتانين جالسوا العارفين بالله وسمعوا أقوالهم وشهدوا أحوالهم فأدعوها لأنفسهم وأضلوا بها أهل التسليم ، وإنى أنصح لمن جالس أهل المعرفة أو صحبهم ألا يقلدهم فى هذا الشأن فإن التقليد فيه كفر.

وهذا التأويل الثانى : أن تشرق أنوار التجلى على روح السالك المخلص فيدرك طور هيكله وتصعق نفسه وتبقى الروح الجوهرة الربانية اللطيفة النورانية ، فتشهد الحق وهى حق ، ولديها يتجمل بجمال الله فيكون الله تعالى بصره الذى يبصر به ، وسمعه الذى يسمع به ، ولسانه الذى ينطق به ، كما ورد فى الحديث الصحيح بسند البخارى خبرا عن الله تعالى الذى منه [ فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ] الخ . .

وبعيشك يا أخي رجل يتكلم بالله ويسمع ويبصر بالله ، ماذا يكون حاله إذا أخبر عن الله كما أخبر الله تعالى عنه ، وقد أخبر الله تعالى عن رسله بما قصه علينا فى القرآن ، فهل خبر الله عن رسله جعله عبدا تنزه وتعالى فكذلك خبر أهل هذا المقام عن الله لا يجعلهم ملائكة ولا أرواحا عالية-.

وأمثال هؤلاء يحب أن يتباعد عنهم أهل التسليم السالكون ، حتى يتذوقوا طعم التوحيد الكامل بعد تمييز الحضرتين ، ويكون نفس واحد مع الرجل منهم خيرا من عبادة سبعين سنة ، وفى الحديث الطويل قالe: [العلماء سرج الدنيا ومصابيح الآخرة].

"لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ"

بين الله فى هذه الآية أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إنما بعثهم الله بالهدى ودين الحق ، وأرسلهم قبل محمدeفى كل زمان وفى كل مان بحسب ما تقتضيه حالة المجتمعات ، ليعدوا العالم لبعثة خاتم الرسلعليه الصلاة والسلاموكلهم جاءوا أولا وبالذات لتقرير عقائد التوحيد وبيان التنزيه والتفريد ، وثانيا وبالذات لتهذيب بنى الإنسان.

جاء نوح لتقرير عقائد التوحيد وجاء الخليل ليقيم الحجة على أن الله ليس له شريك ولا نظير ، وقام فى زمان لوط ليطهر قومه من قبيح الفحشاء ، وجاء صالح ليعلمهم المساواة ، وجاء موسى ليقيم الحجة على افتراء فرعون وليعلمهم العدل بين الرعية ، ويبطل السحر الذى فشا فى عصر الفراعنة فأفسد العقائد ، وجاء عيسى ليرجع يهود بنى إسرائيل إلى أصول التوراة وليعلم الأطباء أنهم ما أوتوا من علم الطب إلا قليلا بما أقامه من المعجزات الخارقة فى إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص.

وكل ذلك تكميل لدين الله الحق الذى خص به خاتم الأنبياء قال تعالى : "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" وقال سبحانه : "وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ"([56]) وحكمة بعثه الرسل أن يرفع الإنسان من أسفل سافلين الذى أهبط إليه ليعيده إلى عالين الذى أهبط منه وهو الجنة التى كان فيها.

فالرسل عليهم الصلاة والسلام خلفاء الله فى أرضه ، أرسلهم الله وعلى كل فرد منهم واجب لله يقوم به لعباد الله ، وكلهم جاءوا بالحق للحق ، وقد جمع الله كتبهم وعلومهم وأسرارهم فى القرآن ، ومن قرأ القرآن حفظ مقامات الرسل فلم يفرق بين أحد ، وليست عظمة الرسل المقتضية لتعظيمهم هى ذواتهم أو أنساب آبائهم وإنما ذلك أن الله اصطفاهم لنفسه ، و ائتمنهم على وحيه ، وأمرهم بتبليغ كتبه إلى عباده ، فقاموا بما أمر الله وكلهم وفوا بما عاهدوا الله عليه ، وكم قتل منهم رسل فى أثناء دعوتهم إلى الله تعالى.

والواجب علينا أن نصدق أنهم كلهم رسل الله وأن الله فضل من شاء منهم ، فنؤمن بذلك من أنفسنا بل يجب علينا الأدب لله ولرسوله ، فنسلم لله تعالى فى أحكامه ونسمع ونطيع لرسله.

أما تفضيل بعضهم على بعض تفضيلا يخرجهم عن مقام العبودية ، فذلك مروق من الدين كمروق السهم من الرمية ، وذلك كما فرق النصارى بين رسل الله فجعلوا عيسى عليه السلام ابن الله ، وكما فرق اليهود فجعلوا شمويل أو عزيا ابن الله ، وما يحصل بين أهل الجهالة من النساك أو أهل الهوى المدعين العلم فى تفضيل بعض الرسل على بعض فهو ضلال.

وقد دخل رسول الله eالمسجد مرة فوجد أصحابه يتكلمون وهو يسمع . فقال أحدهم : آدم نفخ الله فيه من روحه وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته ، وقال آخر : نوح اصطفاه الله وأجرى له الفلك على الماء وأنجا به من اختارهم من خلقه وأهلك أعداءه بالغرق ، وقال آخرون : ابراهيم أشهده الله ملكوته الأعلى وأقام به الحجة على عدو الله وجعل له النار بردا وسلاما ، وقال آخرون : موسى كلمه الله وأعطاه سره العلى فى العصا ففعل بها ما فعل وتجلى له تجليا شهوديا . وقال آخرون : بل عيسى روح الله وكلمته وأحيا به الميت وأبرا الأكمة والأبرص وأخبر عن المغيبات وأنزل عليه الإنجيل.

فخرج عليهم رسول اللهeفقال : أنى "سمعت قولكم آدم خلقه الله بيديه ونعم ، ونوح أكرمه الله بالسفينة تجرى على الماء نعم ، وابراهيم أشهده الله ملكوته الأعلى ونعم ، وموسى كلمه  الله تكليما ونعم ، وعيسى أحيا الله به الموتى وأبرا الأكمة والأبرص ونعم . إلا وإنى حبيب الله وأول شافع وأول مشفع ، وبيدى لواء الحمد يوم القيامة ، آدم ومن بعده تحت لوائى وأنا أول من يدق حلق الجنة فيفتح لى". وما ورد فى الكتاب والسنة من أنواع فضائلهeلا يحصى وقد بين القرآن تلك الفضائل مجملة ومفصلة فى آيات كثيرة نشرحها عند ذكرها أن شاء الله تعالى.

ورواية النون فى "نفرق" تدل على أن هنا محذوفا هو وقالوا ، وعلى رواية الياء فتكون "يفرق" ويكون المضمر كل واحد منا ، والذى عليه أكثر العلماء "نفرق" بالنون من هنا يظهر أن الذى جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم- مقصد واحد هو الدعوة إلى توحيد الله وإلى العمل بشرائعه التى بها مصالح العالم ، ومن تلك الناحية لا ينبغي أن نفرق بين أحد من رسله ، أما تفضيل بعضهم على بعض بما فضلهم الله به ، فذلك من ناحية خصوصياتهم العلية التى بها عمت رحمة الله ونعمته جميع العالم.

وقد أخبرنا الله أن محمداeأمد الله به الأنبياء والرسل وأقامهم رسلا بعد مواثقتهم الله تعالى أن يكونوا تبعا له وأمة لحضرته قال تعالى : "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ"([57]) الآية فإن قوله تعالى : "ثم جاءكم" خطاب لجميع الرسل والذى جاءهم بعد تمام دورتهم الكلية هو سيدنا رسول اللهeخاتم الرسل ، فثبت أن الرسول الذى واثق الله لأجله الرسل هو محمدeفهو أمام الرسل ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : [ العلماء ورثة الأنبياء] وقد أقام الله رجالا أمناء لحفظ شريعته بعد حبيبه هم إبدال الرسل الصديقين من علماء الأمة وأفرادها كما قال على عليه السلام : اللهم لا تخل الأرض من قائم لك بحجة أما ظاهرا مشهورا باطنا مستورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته.

"وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا"

الواو عطفت الجملة على الجملة التى قبلها وهى قالوا "لا نفرق" وقالوا أيضا "سمعنا" أى سماع قبول ما جاءنا منك يا ربنا تنزهت على لسان حبيبك محمدeبما تحبه وترضاه أمرا ونهيا . "وأطعنا" أمرك ونهيك وبتوفيقك وعنايتك سارعنا إلى القيام بما أمرتنا معتقدين أنك لا تضرك معاصينا ولا تنفعك طاعتنا ومعتقدين تقصيرنا فى هذا الجانب.

"غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"

أن غفران هذه مفعول مطلق دل على فعل أمر ملحوظ ، أى أغفر لنا تقصيرنا فى مسارعتنا إلى القيام بأمرك وتباعدك عن نهيك ، فأنا قد نسهوا فى عملنا فننسيه لنا وأنت الموفق المعين . فالمؤمنون رضى الله عنهم يستغفرون الله تعالى من فعل القربات خوفا من أن يشوبها شوب الغفلة أو النسيان ، ومن أن يمازجها رؤية النفس فى العمل أو الغرور به وصفة المؤمنين الكاملين هى التجرد من شهود الحول والطول لأنفسهم ، قال الله تعالى : "وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"([58]) ، بعد أن أخبرهم بالبشرى عن نيل الخير بما يقدمونه أمرهم بالاستغفار ، لأن المقصد فوق العظمة ونيله لا ينال إلا لكمال الفناء فيه عما سواه ، ومن شهد أسرار "لا حول ولا قوة إلا بالله" كان له الأمن من الله . . . "ربنا" أى نحن نعتقد أن قدرك فوق كل شئ ، وما ينبغي لحضرتك منا فوق كل شئ ، ومهما تقدمنا وتقربنا إلى حضرتك بمعونتك وتوفيقك ، وشهود تلك القربات لنا شرك خفى فنرجو ونبغي الغفران يا ربنا.

"وإليك المصير" هذه الآية دلت على أن أهل الإيمان لهم حظوة فى تلك الدار الدنيا ، يتنزل لنا ربنا فيها تنزلا تضمحل به الحقائق التى تحجبنا عن شهود جماله ؛ حتى نكون كأننا معه سبحانه نواجهه فنخاطبه خطاب القريب للقريب ، وهو مقام الأنس بالله ، فقوله : "وإليك المصير" دليل على المقام الذى وصلوا إليه بعد السمع والطاعة ، وفيها من البشائر الدالة على أن الله يتنزل على من أقبل عليه فيقبل سبحانه عليه ، ولمن تقرب إليه فتيقرب جل جلاله إليه.

قال : eفى حديث قدسى صحيح عن الله تعالى : "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه ، إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته فى ملأ خير منه ، وأن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا ، وأن تقرب إلى ذراعا تقربت منه باعا ، وأن أتاني سعيا أتيته هرولة . . ." "وإليك المصير" يعنى أننا نعتقد كمال الاعتقاد أنك كما بدأتنا تعيدنا وبدأنا منك وعودتنا إليك ، فإليك نرجع.

والرجوع هنا نوعان : رجوع أهل مقام الإيقان فى الدنيا والآخرة ، ورجوع أهل مقام الإسلام والإيمان فى الآخرة ، أما رجوع أهل مقام الإيقان أن يوفقهم الله تعالى للإقبال عليه بعد العلم والإخلاص ، فيقبلون عليه جل جلاله ، ويقبل عليهم سبحانه حتى يزول البين ، من البين ، وينمحى الرين ، فتقع العين على العين ، فيفنيهم جل جلاله عن وجودهم الباطل ، ويجعلهم تنزهت ذاته فيكونون حقا ، والحق يشهد الحق ، وهذا رجوع أهل محبة الله.

أما رجوع أهل المقامات الأخرى فبالموتة العزرائيلية حيث تنكشف الحقائق والغيوب ، فمنهم من يرجع إلى الحشر والنشر والحساب . . ومنهم من يرجع إلى الجنة بغير حساب . . ومنهم من يفر طائرا بأجنحة الى العلي تعالى حيث مقعد صدق ، أو الرضوان الأكبر أو مشاهدة الوجه العلى العظيم . قالe: [أن الله تعالى يخلق لطائفة من أمتى أجنحة يطيرون بها من قبورهم، فتتلقاهم الملائكة فيسألونهم : هل وردتم النار ؟ فيقولون : ما رأينا نارا . فيقولون لهم : هل مررتم على الصراط ؟ فيقولن : ما رأينا صراطا . فيقولون : من أمة من أنتم ؟ فيقولون : من أمة محمدeفيقولون : ما كانت أعمالكم ؟ فيقولون : ما كانت لنا أعمال . فيقسمون بالله إلا ما أخبروهم . فيقولون : كان لنا خصلتان من الأعمال . كنا إذا خلونا لا نعصى الله تعالى ، وكنا نرضي من الله بالقليل ، فتقول الملائكة : بخ بخ ] ، قال تعالى : "إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ"([59]) والمصير يعنى الإياب والرجوع والعودة.

 

قوله تعالى : "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"(286).

"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"

ورد أن جبريل قال لرسول الله eأن الله أعطاك هذا الخير الكثير فارعه . فقالe: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ" جوابا لجبريل . . . وقال عليه الصلاة والسلام سائلا الله : "ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا" الخ السورة.

ومعنى هذه الآية أن الله تعالى يكشف عنا حجابا كنا فى غفلة عما وراءه ، وهو أنه فتح لنا باب الدعاء منه ، ليجملنا بكمال التبتل والتضرع والتملق لحضرته العلية ، وهو العمل الذى ينبغى أن يكون العبد عليه أمام سيده ومولاه جل جلاله وهو مخ العبادة.

"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" هذه الآية جاءت شفاء لم ألم بالقلوب من الفزع الذى ألم بها عند سماع قوله تعالى : "وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ" ، وهذه الآية قد طمأنت القلب ، فإن القلب كثير التقلب فيما يلائمه ، كثير الحرص على نيل شهواته ، حتى لا يكاد يفارقه هذا الشغل ، فإذا كان الله يؤاخذنا على تلك الهمم واللمم والخواطر والوردات هلكنا ولا مناص ، حيث رفع الحرج ومنحنا الوسعة فى دينة فعفا عنا فيما لا طاقة لنا على الخلاص منه ، مما يلم بنفوسنا وجعل تكليفه الذى يكلفنا به على قدر ما نطيق من الأعمال والأقوال مما نقوى عليه ، فذلك فضل من الله عظيم.

"لَهَا مَا كَسَبَتْ"

لها ما عملت جوارحها من البر والتقوى والأعمال الصالحات.

"وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ"

أى عليها علم جوارحها من السوء والفحشاء والمنكر ، ولا يقع ذلك إلا بإختبار . أما غير ذلك عفا الله عنه من واردات النفوس وخواطرها ، ومما أكرهنا عليه ، ومما يقع منا فى سهو ونسيان ، كمن أكل فى نهار رمضان ناسيا أو ساهيا فإنه لا أثم عليه ، ولذلك يقول سبحانه : "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" . أى لا توقعنا فى المؤاخذة بأعمالنا التى نعملها نسيانا.

والنسيان نوعان : نسيان إهمال وتساهل وفقد مراقبة ، وفيه شهوة دافعة، وهذا نؤاخذ عليه ولا شك ، ونسيان عجز عن القيام بالعمل ، أو نسيان للحكم مع تمكن العادة ، أو اعتقاده بأن هذا العمل مباح أو مندوب أو حلال فعلمه وظهر أنه غير ذلك من غير أن يكون متساهلا ولا مدفوعا بعامل شهوة أو حظ أو هوى ، فهذا مما لا يؤاخذ الله فيه لأن الله جعله عفوا.

والخطأ نوعان : نوع خطأ مخالفة للصواب مع إهمال وتساهل وحرص على عمله وهذا نؤاخذ عليه ولا مناص ، ونوع خطأ يحصل للإنسان مخطئا فى عمله غير قاصد الخطأ ولا متساهل ولا مهمل ؛ وهذا لا يحتاج إلى مؤاخذة عليه أيضا.

والمعنى ربنا لا تؤاخذنا أن وقعنا فى المخالفة ناسين أو مخطئين ، أما الوقوع فى المخالفة بنسيان حقيقى وخطأ حقيقى كما بينت لك فليس هذا بإثم وهو مما يعفى عنه.

"رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا" هذه الآية دعاء لابتغاء دفع ما يكون عليهم بعد ، كما أن الآية السابقة دعاء لمغفرة ما وقع . ومعناها أننا نسأل الله تعالى إلا يحملنا ما لا نقوى على تحمله من العهود والأحكام ، فإن أصرا بكسر الألف معناه لغة : الثقل والعبء والعهد والأحكام والمواثيق.

       "كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا" هم اليهود والنصارى ، فإن الله حمل اليهود عبئا ثقيلا فكان الرجل إذا سرق سرقة كتب على بابه أن فلانا سرق وعليه أن تقطع يده ، فلا يمحى حتى تقطع يده ، وإذا تنجس ثوبه أو جسمه لا يطهر حتى يحرق المتنجس بالنار أو يقطعه ولو من جسمه ، وحملهم أن لا يأكلوا الشحم ولا الحوايا ولا ما اتصل بعظم ، وحملهم أن لا يصلوا إلا فى معابدهم ، وإلا يعملوا يوم السبت عملا ، وحمل النصارى مثل ذلك ، فحظر عليهم أمورا كثيرة وأمرهم بتكاليف شاقة تقربا إلى الله تعالى ، ولكنهم أهلكهم الله تعالى جميعا لمخالفتهم ، وقد أخبرنا الله تعالى عنهم بذلك ، فنحن نلجأ إلى الله تعالى فى أن يدفع عنا الحرج ، وأن يمنحنا الوسعة فى ديننا ، وأن يعيننا حتى نقوم له بما يحبه ويرضاه.

"رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ" أى لا تكلفنا بعمل أو ترك لا تطيقه نفوسنا.

"وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا" أى امنحنا العفو ؛ وهو الفضل الذى تبدل به سيئاتنا حسنات ، "واغفر لنا" أى أستر ذنوبنا ، وعيوبنا عن جوارحنا ومعالمنا من الأرض ، وعن الملائكة حتى نلقاك يوم القيامة وليس علينا شاهد بذنب ، ولا يعلم خطايانا وسيئاتنا إلا أنت ، وأنت الغفور الرحيم الذى ستر علينا فى الدنيا وما سترتها علينا فى الدنيا إلا ونحن على يقين أنك تغفرها يوم القيامة.

"وَارْحَمْنَا" والرحمة اسم جامع لكل الخيرات ، أى امنحنا التوفيق لطاعتك ، والمسارعة إلى الإقبال عليك ، والوسعة فى أرزاقنا حتى تغنينا عن شرار خلقك ، والصحة فى أبداننا حتى تسكن نفوسنا إليك ، يا منفسها غير مشغولة بالآلام ، والأمن فى أوطاننا حتى لا يلفتنا عنك ظلم ظالم ، ولا قهر قاهر ، ولا خوف معتد.

"أَنْتَ مَوْلَانَا" والمولى هو السيد الذى بيده ملكوت السموات والأرض، ملجأ الخلق ، الغنى عن سواه ، المفتقر إلي كل من عداه وهم يقولون أنت ولى أمورنا تتولانا بما شئت من فضل وجمال وإحسان ، ونحن نسألك كل شئ حتى ملح قدورنا ، وشسع نعلنا ، كما نسألك رضوانك الأكبر.

"فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" أى أظهرنا عليهم وأقهرهم لنا ، وتفضل علينا بأن يكون قهرهم بنا ، وفى الآية إشارة بأن القوم  الكافرين هم الطبع الخبيث والنفس والأمارة بالسوء والحظ والشهوة وهم أكفر الكافرين ، قالe: [ أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك ] ، وقال عليه الصلاة والسلام- : [رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس] وقد ورد فى هذه الآية أحاديث كثيرة نورد بعضها هنا عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" الخ الآية قال : قرأها رسول الله eفلما أنتهى إلى قوله : "غفرانك ربنا" ، قال الله عز وجل: قد غفرت لكم فلما قرأ: "ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا" ، قال الله عز وجل : لا أحملكم ، فلما قرا قوله : "وأغفر لنا" قال الله تبارك وتعالى : "قد غفرت لكم ، فلما قرأ : "وارحمنا" قال الله عز وجل : قد رحمتكم ، فلما قرأ : "فانصرنا على القوم الكافرين" ، قال تعالى قد نصرتكم عليهم.

وفى رواية أخرى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى : "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" إلى قوله : "غفرانك" قال : قد غفرت لكم . "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" إلى قوله "لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا"، وقال : لا أؤاخذكم "ربنا ولا تحمل علينا أصرا كما حملته على الذين من قبلنا" قال : لا أحمل عليكم إلى قوله : "واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا" الخ السورة ، قال : عفوت عنكم ، وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين.

* * *
ســــــورة آل عمــــــــــــران

 

قوله تعالى : "الم(1)اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2).

 

"الـــــــــم"

       تقدم الكلام عليها فى أول سورة البقرة ولكنا لا نخليها فى هذا الموضوع من فائدة ، معلوم أن آيات القرآن فيها المحكم والمتشابه ، وقد أخبرنا الله أن المتشابه لا يعلمه إلا الله على الوقف عند لفظ الجلالة والابتداء بقوله : "والراسخون فى العلم" ، فحظر الله على العلماء الراسخين أن يعلموا تأويل المتشابه من القرآن ، وللعلماء الحق فى قولهم عند تفسير تلك الآيات "الله أعلم".

       ولكن الصحابة فتحوا لنا باب الفهم فى هذا المتشابه ، فصح أن تموح الروح فيها يمكن أن يعمله الإنسان بالهام من الله فيها ، وقد بينت لك أنها مقسم بها ، وأن كل حرف منها دال على اسم من أسماء الله تعالى . فالألف دلت على "أنا" ، واللام دلت على "الله" ، والميم دلت على "الملك" ، فكأن الله يقول أقسم بى أنا الله الملك . . . والمقسم عليه "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" بدليل ما ورد عن على عليه السلام أنه كان يقول : كهيعص ، ويا حمعسق . عند الدعاء . كما يقول : يا الله ويارب.

ولك أن تقول أن الله أراد أن يعجز العقول عن إدراك الآيات المتشابهات وهى ألفاظ عربية ليقف خاسئا وحسيرا عن أن يبحث عن ذات الله ، أو عن أسمائه وصفاته كنها وحقيقة ، فإن العاجز عن أن يعلم كلاما غريبا لمتكلم . كيف يعلم حقيقته وكنهه.

وعندى أنها رموز لكنوز الغيب المصون ، وأن تعلم أن الألوهية سرا لو ظهر لا نمحق الكون ، فكذلك للقرآن سر على قد يليح الله منه نورا يسطع على من اصطفاهم لحضرته العلية ؛ فيشهدون ما يفرون به من أنفسهم ومن كونهم إلى الله تعالى كما قال سبحانه : "ففروا إلى الله".

"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ"

سبب نزول هذه الآية أن وفدا من نصارى نجران وفدوا على رسول الله eليناظروا فى الدين ، فلما جلسوا مع رسول اللهeذكروا المسيح وقدموا حججهم الواهية على أن المسيح هو أبن الله تعالى ، أو هو الله ، أو هو أقنوم من الأقانيم الثلاثة بأدلة أنه كان يحيى الموتى ، ويبرىء الأكمة والأبرص ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ، ويخبر عن المغيبات من الأمور التى لاي يفعلها إلى الله تعالى.

فقال لهم رسول اللهeما أقام به الحجة عليهم وهو قوله – عليه الصلاة والسلام - : [ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا : بلى ، قال : فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علمه الله ؟ قالوا : لا. قال : فإن ربنا صور عيسى فى الرحم كيف شاء ، وربنا لا يأكل ولا يشرب ، قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، وغذى كما يغذى الصبى ، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث ؟ قالوا : بلى ، قال : وكيف يكون هذا كما زعمتهم ؟ فسكتوا] ، فأنزل الله تعالى إقامة للحجة عليهم من أول هذه السورة إلى بضع وثمانين آية كلها حجج قاطعة تقصم ظهور أهل النصرانية.

"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ"

تقدم الكلام على الاسم الأعظم . وقوله : "لا إله إلا هو" أفراد ذاته –تنزه وتعالى – بالألوهة دون غيره ، وأنفرد – سبحانه وتعالى بالإيجاد والإمداد والخلق والرزق ، وجعل من سواه وما سواه عبيدا مقهورين ، وعبادا مربوبين ، أقام دلائل الوهته واضحة جلية بما أنفرد به من الغنى المطلق عما سواه ، وعمن سواه ، وبنزاهة ذاته العلية عن والشبية والنظير والضد والند والولد والوالد ،وقصم ظهور الخلق بما أقامه من الحجج عليهم أنهم يتغيرون ، وتجرى عليهم المثنوية فى أنفسهم وأناتهم وأطوارهم ، فترى الإنسان بين غنى وفقير ، وشاب وشيب ، وصحة ومرض ، وحزن وفرح ، وعسر ويسر ، وحياة وموت ، وقوة وضعف ، فلا تفارقهم المثنوية نفسا ، وترى الواحد منا تؤلمه البقية ، وتقتله الشرقة ، وتنتنه العرقة ، ويرى أوله نطفة مذرة ، وأخره جيفة قذرة ، وهو فيها بين ذلك يحمل العذرة.

كل تلك الحجج القوية رغم أنفه أن يكون عبدا لرب البرية ، فانفرد كل مخلوق بالعبودية والقهر ، وأنفرد سبحانه بالربوبية والنزاهة ، قال سبحانه: "إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"([60]) فثبت بالحجة البالغة فى قوله تعالى : "اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ" لا أقول حجة يحتاج العقل إلى البحث عنها ، بل حجة محسوسة ملموسة ، توقع الإنسان فى الضرورة التى عند إحاطة الضرورة به يلجأ بقوة إلى الله ، لا أقول الإنسان بل والحيوان.

وأقام الحجة العقلية الصريحة الجلية بقوله سبحانه : "الحى القيوم" . والحى الذى يدوم بقاؤه فلا ينقطع ، ويمنح الحياة لكل كائن بعد أن لم تكن له حياة ، بل وبالحياة يجب الاعتراف باتصافه بما يترتب على الحياة من سمع وبصر ، وكلام وعلم ، وإعطاء ومنع.

"القيوم" يعنى القائم بنفسه الغنى عن المكان والزمان ، والوكيل والمعين القائم به كل شئ . من قام به الكون منتسقا منتظما من العرش إلى الفرش ، وما حواه من الأنواع التى لا تحصى ولا تعد ، بل لو أن العقل بذل نهاية جهده ، وغاية مجاهدته ، وأعظم رياضته لتنكشف له حقائق ذرة من الثرى كيف كونت ، ومما كونت ، وما فيها من الخواص العجز.

فكيف به إذا نظر إلى الأجواء والأرجاء وما فيها من الهواء البليل العليل ، والحيوانات التى لا تحصى ، بل وإلى الحيوانات الصغيرة التى تقل عن سن الإبرة . وقد جمع الله لها أعينا وفما وأنفا وآذانا وأرجلا وبطنا ومعدة ، وجعل لها رزقا تتناوله وهى أصغر من سن الإبرة لا تكاد ترى إلا بالنظارة المعظمة ، ويعجز الإنسان عن أن يدرك حكمة إيجاد تلك الحقائق ، وكيف تولاها جل جلاله ، وأقامها بقيوميته ، فكيف إذا نظر العقل إلى ما فوق ذلك من أفلاك ثابتات ، وأخرى جاريات ، وأفلاك مكبرات مهللات ، أو إلى ما فوق ذلك من أرواح آلهة هائمة فى جلال الله ، وإلى ما فوق ذلك من كرسى محيط بالعالم ، وعرش الكرسى فيه كحلقة أو كحصاة صغيرة فى صحراء ، ولو نظر إلى ما فوق العرش حيث  خلاء ولا ملاء من عالم الصفا لارتد خاسئا وحسيرا ، وهذا منتهى حدود الكون الذى خلقه الله . فكيف لو نظرنا إلى تجليات الأسماء ، وإلى ظهرو الصفات فى طى الآيات ، فسبحان من لا إله إلا هو الحى القيوم . وفى ذلك قصم ظهر للنصارى الذين يقولون المسيح ابن الله ، تنزه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.

قوله تعالى : "نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ"(3).

"نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ"

فقوله "نزل" دليل على أن القرآن نزل نجوما بحسب الأحداث التى تحدث ، لأن "نزل" على وزن فعل مشدد العين يقتضي نزوله شيئا فشيئا ، بخلاف قوله تعالى : "وأنزل التوراة والإنجيل" فإن الإنزال يكون دفعة واحدة . والكتاب هنا القرآن المجيد.

و "بالحق" خير من الله تعالى أنه نزل بالحق ، فلم تشبه شائبة اختلاف فى عقيدته ، ولا فيها ورد فيه من العبادة والمعاملة والأخلاق والقصص والأخبار ، والدليل على ذلك قوله تعالى : "مصدقا لما بين يديه" لأن رسول الله e  ولد فى جاهلية عمياء صماء ، لا علم لها بالكتب ولا بالدراسة ، وكونه أتى بكتاب مصدق لما نزل من الكتب السابقة ، وهو فى تلك الجاهلية العمياء الصماء التى لا عهد لها بدراسة علم ، ولا بيان خبر من الكتب السماوية؛ دليل قاطع أنه من عند الله ، لأنه لو لم يكن من عند الله كيف يأتى به رجل عاش بين الجاهلية ، ولا عمل له إلا أنه كان يرعى غنما لبنى هاشم بملء بطنه خبرا ، وما خرج من مكة إلا مع عمه أبى طالب فى تجارة له إلى الشام ، فكان يخدم رواحلهم ، ويعد أكلهم وشربهم ، ثم خرج وكيلا لخديجة فى تجارة لها إلى الشام ، وهو مشغول الجسم والقلب فى عمل التجارة ، فرجل يمضى عمره بين راع للغنم ، ووكيل فى تجارة ، وهو فى حاجة إلى القوت الضروري ، كيف يأتي بهذا الكتاب الذى كله غيب من غيب فى غيب، ويخبرنا بما كان من آدم إلى حينهe  وما يأتى بعد إلى اليوم القيامة ، وكم فى القرآن من خبر عن المغيبات فى الحاضر والمستقبل وفى قوله تعالى: "مصدقا لما بين يديه" أى من الكتب الموجودة فى أيدي اليهود والنصارى التى أنزلها الله على موسى وعيسى ، وهى بأيدي معاصرى رسول اللهe.

"وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ"

أتى هنا بقوله : "أنزل" أى فيما سبق ؛ لأن التوراة والإنجيل "نزلا" دفعة واحدة ، قال تعالى : "وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ"([61]) ، والتوراة بحسب لغة العبرانيين يعنى الضياء على لغة طيىء فإن التوراة ما يلمع من الزند إذا ضرب بالحجر ، والإنجيل باللغة السريانية الأصل.

قوله تعالى : "مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ"(4).

"مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ"

"من قبل" أى من قبل إنزال الكتاب على رسول اللهe، جائز أن يكون هدى للناس خبرا عن التوراة والإنجيل ، ويكون المراد تأليف نصارى نجران ، لأنهم يعتقدون التوراة والإنجيل هدى ، وهى الحكمة التى يجب أن يكون عليها الأنبياء وورثتهم ، حتى لا ينفروا من يدعونهم إلى الله ، وجائز أن يكون "هدى" خبرا عن التوراة والإنجيل والقرآن ، ورعاية النظم أولى ، فإن قوله : "بالحق" كفاية على أن يدل على أنه هدى وزيادة.

"وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ"

والفرقان ما يفرق بين الحق والباطل ، ولك أن تقول التوراة والإنجيل والقرآن ، ولك أن تقول الفرقان هو القرآن ، وأعاد ذكره هنا ليبين لنصارى نجران أن الذى من عادته إنزال الكتب ليس مستحيلا عليه إنزال ما أنزل ، فأنزل الفرقان هداية كما أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى ، وهو الذى اصطفاهما لنفسه وهو القادر أن يصطفى محمداeوينزل عليه كتابا مهيمنا على التوراة والإنجيل ، ويخصه بما لم يخص به موسى وعيسى –عليهما السلام- ، وكل هذه الآيات حجج قاصمة لظهور نصارى نجران ، وأن كانت تلك الآيات خاصة لنصارى نجران إلا أن أحكامها عامة لقصم ظهور اليهود والنصارى.

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ"

افتتح الله عز وجل الآية بحرف التوكيد ، تقوية للخبر ، وجعل الجملة اسمية توكيدا بعد توكيد ، و "كفروا" أى ستروا عن قبول آيات الله التى كشفت الحجاب عن الحقائق ، وأعجزت العقول عن ردها ، أو دفعها بحجة أخرى ، وكان الواجب عليهم بعد سماع تلك الآيات أن يؤمنوا برسوله وبكتابه ، ولكن الله تعالى سجل عليهم الخلود فى النار ، فلم يقبلوا بعد قيام الحجة ، ووضوح الحجة ، ولذلك يخبرهم – جل جلاله – بقوله : "أن الذين كفروا" أى نصارى نجران ومن والاهم ، ويهود خيبر وقريظة وقينقاع والنضير الذين عاصروا رسول اللهeفكفروا بالله ورسوله بعد بيان الآيات ، وآيات الله هى الحجج القرآنية ، وبيانات رسول اللهeلتلك الحجج التى يعلمها أكثرهم من الأحبار والرهبان ، ويمنعهم عن الإيمان بها حرصهم على الأعراض الفانية ، والسيادة الكاذبة.

"لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ" خبر أن وهو الحكم عليهم . وفى قوله "لهم" إشارة إلى الخلود ، لأن العذاب صار كأنه ملازمهم ومصاحبهم لا يفارقهم ، كما أن الإنسان لا يفارق ما له من جارحة ومال وعقار . و "شديد" من الله تعالى كلمة تذيب الأحشاء ، وتدل الجبال الراسية ، لأن "شديد" من العبد القادر مؤلم جدا فكيف بها من الله ؟ لا تفى عبارتي ببيان هذا العذاب الشديد ، ولكنى أقول : أن الأمر فوق أن يتصوره العقل ، ومؤمن يسمع الله يهدد من كفر باله بهذا العذاب الشديد كيف يتذوق الطعام متلذذا ؟ أو النوم مستريحا ؟ اللهم أنا نعوذ بك من الوقوع فيما يوجب عذابك الشديد.

"وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ"

أى ذو قوة بطش فى انتقامه ، فالعزة هى تنفيذ الأقدار بجبروت وقهر وقوة وبطش ، وقوله : "ذو انتقام" أى ذى نقمة لنه المنتقم. وفى الآية أشد التهديد ، والمراد بها نصارى نجران الذين أبوا قبول بيان رسول اللهeفى المسيح ومكانته.

قوله تعالى : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ"(5).

لما كان خبر الله تعالى عن الغيب المصون مما يتعسر على العقول قبوله، ناسب أن يفتحه بالمؤكدات ليتشوق العقل إلى ما بعد التوكيد ، فيستقبله مهما صعب عليه قبوله ، فقال : "أن الله" وقد تقدم لك معنى الاسم الأعظم.

وقوله : "لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ" ، الكون كله ألواح سطرت الحقائق فيها آيات مقتضى الأسماء والصفات ، ولكل اسم من الأسماء الالهية كمال ومقتضى ، فكماله حقيقة لا يعلمها إلا الله ، ومقتضاه ظهروه فى المظاهر ، فاسم الله "العليم" له الحيطة العلمية بالواجب والجائز والمستحيل كليا وجزئيا ، وأن أنكر بعض من لم تنفتق منهم عين البصيرة من العلماء فأنكروا أن الله لا يعلم الجزئيات إلا بعد أحداثها ، وبذلك حكموا أن علم الله حادث وقديم ، وكذبوا ، فإن علم الله تعالى أحاط بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه ، وأحاط بالأكوان قبل إيجادها وإمدادها ، حيطة انكشاف فى الأزل الأول على ما هى عليه فى الأبد الآن ، حتى صرح بعض العارفين أن الأزل أنطوى فى الأبد ، فلا يراهما إلا واحدا ، وعلى ذلك فصدق الله العظيم فى قوله : "لا يخفى عليه شىء" دق أو جل ، صغر أو كبر فيما دون العرش من الكون العالى فالأعلى فالوسط فالسافل فالأسفل ، فهم يعلم –جل جلاله– دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة السوداء ، ويعلم ما أخفى من ذلك ، بل يعلم ما توسوس به النفوس ، ويعلم الحركات والسكنات والارادات والهمات . ومن أنكر أو أرتاب فى شئ من ذلك ضعف إيمانه.

وقد بينت لك أن الكون مقتضى الأسماء والصفات ، فما من مقدور كان أزلا أو حدث من ظاهر الأعيان إلا وهو معلوم لله قبل إبرازه على ما هو عليه ، فهو يعلم سبحانه مجلسنا هذا الآن ، كما يعلمه على ما هو عليه فى الأزل لم تتغير الحقائق.

والوجود بأسره صورة الحقائق التى فى علمه تعالى ، وجهل مراقبة العلم الإلهي حجاب كثف يوقع السالكين فى مهاوى الهلكة ، وقد بين الله بقوله : "مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ"([62]).

ومن شم شذا عبير المعية يطمئن قلبه ، وينشرح صدره ، ويخنس منه الشيطان الرجيم ، قال تعالى : "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ"([63]) . والمراد من الأرض العالم السفلى ، لا فرق بين جماده ونباته وحيوانه ، أو أناسيه وشياطينه ، والمراد بالسماء العالم العلوى ، لا فرق بين الكواكب وأنواعها ، والأملاك بجموعها ، وتبتلها ، والأرواح العالية من الآلهين والكروبيين والحائرين فى جلال الله تعالى ، وما فوق ذلك من عوالم الأرواح النورانية ، والجواهر الربانية ، وما فوق ذلك من سواطع أنوار الجمال والجلال ، وقهرمان الجبروت واللاهوت ، وأنوار مجلى كمال الذات ، وإلى هنا وقفت عيون الكشف ، وسبحان من لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون صفته.

 

قوله تعالى : "هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"(6).

"هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ"

جملة منفصلة لفظا مرتبطة بها معنى ، لأنها حجة قاصمة لظهور نصارى نجران ، وقوله تعالى : "يصوركم" أى يجعلكم فى صورة بعد صورة ، حتى تقوموا فى أحسن تصوير ، صورة له سبحانه ، فمن نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام ، ثم كسا العظام لحما ، بيانا لعجائب قيوميته التى قومت تلك الأطوار – عيسى بن مريم كان كذلك – ومن تصور تلك الصور فى رحم أمه كيف يكون ألها ؟ وإنما إلا له الحق من صورة فى رحم أمه وقلبه تلك التقلبات:

"فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ" ، الجار والمجرور متعلق بـ "يصور" . والأرحام جمع رحم ، والرحم معلوم ، وهو مأخوذ من الرحمة ، لأن به يحصل التعاطف والتراحم والتواد ، "كيف" ظرف للتصوير ، أو حال منه ، أى أن تصوير العبد فى يطن أمه معلوم للمشيئة ، فقد يشاء أن يكون أبيض أو أسود أو أحمر حسنا أو قبيحا أو شقيا أو سعيدا أو غنيا أو فقيرا بحسب مشيئة الله ، كما خصصته إرادته فى حضرة علمه.

وقد ورد أن الملك يقبض النطفة فى يده وينادى ربه فيقول مخلق أو غير مخلق ، ما عمره ؟ وما رزقه ؟ أذكر أم أنثى ؟ فيقضى الله تعالى فيه بما يشاء.

وفى تلك الآية إشارة إلى أن العبد يجب عليه أن يجاهد نفسه كمال المجاهدة ، لينال رضا الله عنه برضاه عن الله فإن أعظم مقام عند الله تعالى هو مقام الرضا عن الله.

ومتى رضى العبد عن الله أعطاه أول عطية وهى كلمة "كن" ، ثم أفرده سبحانه بالقرب دون غيره ، ومتى قرب الله عبدا وخاطبه أعانه على ما يحبه الله منه ، فكان فردا من أفراد الوجود ، أو بدلا من إبدال الرسل –عليهم الصلاة والسلام – أو صديقا.

وقد قصمت هذه الآية ظهور وفد نجران الذين كانوا يجادلون رسول اللهeبعد أن بين لهم تلك الحقائق ولم يرد الله تعالى أن يهديهم للإسلام : "وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي"([64]) "لا إله إلا هو العزيز الحكيم" حجة تلو حجة ، قاصمة لظهور من جحد بالله ، أو جعل له شريكا أو ولدا وهى وأن أتت فى سياق الحجة على وفد نجران لكن حكمها عام لا يخصص بسبب . "لا إله إلا هو" نفى الألوهة عن غيره سبحانه نفيا بصفة القصر الحقيقى ، ليكمل إيمان أهل الإيمان أن الألوهة خالصة بالله تعالى لا تتعداه إلى غيره.

وقد بينت لك فى الآية السابقة معنى : "لا إله إلا هو" فثبت أن كل مخلوق فى العالم من العرش إلى الفرش أبدعه سبحانه من العدم ثم كثره بالتوالد أو بالفقس أو بالفصل أو بما شاء إلى أن تصل الحقائق إلى كلمة "كن" من قوله سبحانه : "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"([65]) ، وقوله تعالى : "وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ"([66]) ، فإن قوله " لا إله إلا هو" من قصر الصفة على الموصوف . منحنا الله اليقين الحق . "العزيز الحكيم" أى القوى القهار فى تنفيذ مشيئته ، فإن العزة هى القوة والقهر كما بينت لك ، و "الحكيم" الذى يبدع الأشياء بحكمة قد يعلمها الخلق ، وقد لا يعلمها ، يعنى أن ألوهيته سبحانه التى هى خاصة به دون غيره لا ينازعه فيها سواه ، لعزته تعالى وحكمته.

قوله تعالى : "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ"(7).

"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ"

جمله مستأنفة مفصولة ، وهى فى نسق الاحتجاج على وفد نجران ، وفي قوله : "أنزل" بيان للاحتجاج بأنه eجاءه كتاب من عند الله ، وفي الآية الأخرى التى قبلها قوله تعالى : "نزل" كما بينت لك يبين سبحانه- أنه نزل الكتاب نجوما بحسب مقتضيات الأحداث . . . "أنزل عليك الكتاب" أى أنه سبحانه من عادته أن ينزل الكتب فلا حرج عليه أن ينزل على محمدeكتابا ، وما هو العجب الذي يكون فى إنزاله الكتاب على حبيبه ومصطفاه ؟! eوقد أنزل على موسى وعيسى التوراة والإنجيل.

"مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ"

"منه" جار ومجرور خبر مقدم و "آيات" مبتدأ مؤخرا ، وفى الآية ما يلقت القوى المفكرة إلى البحث فى حكمتها ليصل بها إلى مقصد يناسب الآية بحسب منزلتها ، "محكمات" أى بينة الحكم لا تحتاج إلى تأويل ، متى أنزلت وتليت على السامع وكان محيطا بعلوم تأويل اللغة ومتنها وأساليب فطاحلها ، ظهر له جليا من غير تردد ولا شك "هن" هذا الضمير يعود إلى الآيات و "وأم" الشىء أصله.

وفى قوله : "أم" خلاف بين العلماء فمنهم من قال حكمة تفريدها مع جمع الآيات جميعها ، بل وكتب الله المنزلة كلها "أم" أى أصل لجميع العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق ، بل وأصل شامل لأخبار الأنبياء والملوك والأمم ، ومبين للغيب المصون من يوم القيامة وما بعدها ، ومفصل لمجمل المعاملات والأخلاق والأحكام الشرعية ، وغير ذلك من الآداب الفاضلة ، ولذلك أتى بلفظة "أم" أى أصل شامل لكل تكل الكتب ، ولو كان المراد بيان كل كتاب وكل آية لقال : "هن" أى المحكمات من الآيات "أمهات" ، فظهر أن المحكم إنما أنزله الله تعالى أصلا لما به صلاح العالم فى الدنيا والآخرة ، وأن كانت الآيات المحكمات بعض كل كتاب . . . "الكتاب" اللام هنا جائزا أن تكون للجنس فيكون الموصوف بها كل كتاب أنزله الله تعالى ، أو تكون للعهد ويكون المعهود هو القرآن الكريم.

"وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ"

"وأخر" مع أخرى للمؤنث التى مذكرها آخر ، ولا يؤتى بهذا اللفظ إلا لما أتحد نوعا ، فلا يقال جاء زيد وحمار آخر ، ولكن يقال جاء ورجل آخر ، وقوله : "أخر" يعنى وآيات أخر ، "متشابهات يعنى أنهن متحدات فى اللفظ ، مختلفات فى المعنى.

والمتشابه من الآيات هو المنسوخ ،والمحكمات هى الناسخ ، والمنسوخ قد ينسخ لفظا وحكما ، وقد ينسخ حكما ، ويثبت لفظا فيتلى . وجائز أن يكون المتشابه ما كان معناه فوق مقدار العقول البشرية كأوائل السور وما أشبهها ،مما يستحيل أن يكون معناها ما دلت عليه ظاهرا ، فإن ذلك لا يقبله العقل كما فى قوله تعالى : "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى"([67]) أو " يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ"([68]) ، أو معنى المعية أو سر العندية وما يتصل بذلك مما يتذوقه أهل مقام الإيقان ، شميما مع كمال الأدب فى مقام العبودية أو العبادة أو العبودة ، فإن لكل مقام أدبا مخصوصا من تجاوزه هلك ، والمقام مقام نجاة وفوز برضوان الله الأكبر وهذا المتشابه على القول بالوقوف عند قوله تعالى :

"وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ" ـ وتكون جملة : "والراسخون فى العلم" مستأنفة ، ولك أن تقول : المتشابه ما خفى معناه عن مقدار العقول ، فلا يلوح إلا لأعين الأرواح وآذانها ، ولا يكون ذلك إلا بعد التزكية ، قال تعالى : "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى"([69]) ، وقال تعالى : "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا"([70]) ، وعلى ذلك تكون جملة : "الراسخون فى العلم" معطوفة على قوله : "وما يعلم تأويله إلا الله" ، ويكون الرسوخ فى العلم هو المسارعة إلى الجهاد الأكبر فى ذات الله تعالى ، حتى يزول البين من البين وينمحى من على جوهر النفس سحاب الرين ، فتقع العين على العين.

لأن الإنسان يكون بتطهيره من شوب هذا الوجود كائنا حقا ، والحق يشهد الحق ، فإنه لا يشهد الحق سبحانه باطل كما لا يشهد الباطل حق . وإنك تعلم أن الله خلق الدنيا ولم ينظر إليها ، كما أنه سبحانه لا يعلم أن عبدا ذليلا أسمه فرعون آله فى الأرض . ولكنه يعلم أن فرعون أضل من البهائم وأذل من التراب ، وأن أدعى الربوبية فليس لدعوته حقيقة.

"فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ"

قوله تعالى : "فأما" تقتضي تفصيلا وحكما على أنواع ، وهو كذلك ، لأن الله بين أن الآيات قسمان : قسم محكم ، وقسم متشابه ، فبدأ بالمتشابه فقال : "فأما الذين فى قلوبهم زيغ" والزيغ هو الميل عن الحق والعدول عنه، والزوال عنه ، وهم أهل النفاق ، أو أهل الباطل . وزاغ ومال بمعنى واحد ، ولكن امتازت زاغ بأنها إلى الباطل والميل عن الحق.

"فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ"

ومعنى يتبعون أى يلازمون ويهتمون به دون غيره ، والمتشابه منه كما قررت لك يستحيل أن يؤخذ بظاهرة ، لأن ظاهره خلاف ما يريده الله تعالى ، والآخذ به إنما يريد الفتنة ، وأهم الفتن المال ، فهو يستعمل علمه لنيل شهوات الدنيا وأموالها ونيل الشهرة والسيادة . ورجل جاهل بآداب العلم والعلماء وهذا يتخبط خبط عشواء لم يقع به العلم على عين اليقين ، ولم تجذبه العناية فيلزم الأدب بعد شهود الحضرة . . وكلا الرجلين فى قلبه زيغ أى ميل عن الحق ، والضمير فى "منه" راجع إلى الكتاب.

"ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ"

"ابتغاء الفتنة أى يطلبون فتنه الناس فى أموالهم ، فيبذلونها لهم بعد حسن الظن بهم ، أو فيما لديهم من التأييد والنصرة ، "وابتغاء تأويله" أى مبتغين تأويله إلى ما يلائم هواهم وحظهم ، غير مبالين بمراد الله الذى وعدهم الله فيه بنيل رضوانه الأكبر ، والفوز بالفردوس الأعلى ، "يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ"([71]) وتأويل هو التفسير الحق . ولك أن تقول مأخوذ من الأول يعنى رجوعه إلى حقيقته.

"وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ"

جمله تفيد القصر وهو قصر الصفة على الموصوف فلا تتعداه إلى غيره ، وأن تعداها الموصوف إلى غيرها فهو يعلم تأويل كتابه المتشابه ، ويخلق ويرزق ويحيى ويميت ويهدى ويضل . ويجب الوقوف على قوله "إلا الله".

إذا قررنا أن المتشابه آيات أنزلها الله ليقيم الحجة على العقول أنها عاجزة عن فهم كلمات ركبت من حروف عربية ، فإذا عجزت العقول عن فهم كلمات ركبت من حروف عربية كيف تنفذ من أقطار السموات والأرض حتى تدرك رب البرية؟

فما علينا إلا أن نقول سبحانك ما عرفناك حق معرفتك ، ونقول : "وما يعلم تأويله إلا الله" والله تعالى يختبر عباده . فأما الراسخون فى العلم فيقولون آمنا به أى بالكتاب كله ناسخه ومنسوخة محكمة ومتشابهة ، وأما أهل الزيغ الذين زاغت قلوبهم أى مالت إلى الباطل فأن أنفسهم الأمارة بالسوء وطباعهم الخبيثة تدعوهم إلى النزوع إلى ما تشتهيه تلك النفوس اللقسة ، وتميل إليه تلك الطباع الخبيثة ، فيتأولون كلام الله بما لا يليق بمراد الله فيه، كما قال تعالى : "يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا"([72]) . والراسخون فى العلم هم الذين صدقت ألسنتهم وعفت بطونهم وفروجهم ، وهم أهل الوفاء بعهودهم.

والعلم هنا هو العلم الشرعى الذى يمكن فيه الرسوخ لأنه دليل على عناية الله بالعبد من حيث العقيدة الحقة والعبادة والمعاملة والأخلاق الجميلة ، وكل حقيقة من تلك الحقائق لا يستطيع المسلم أن يقوم ألا بعد تحصيل العلم ، لأن العقول لا يمكنها أن تنفذ من أقطار السموات والأرض لكى تصل إلى حضرة العليم فتتعلم ، حتى تتجرد من البشرية ومن مقتضياتها ، وذلك لا يكون إلا بسابق العناية الالهية التى لا يطيقها الإنسان ، ومعلوم أن النبوة لا يمكن أن تنال بجهاد ولا بعلم ولا بعمل ، وأن أدعى ذلك من لإخلاق لهم من فلاسفة اليونان ومتفلسفى المسلمين.

قلت لك المراد بالعلم هو العلم الشرعى الذى يمكن الرسوخ فيه ليعمل به المسلم ، وليفوز بعد العمل به بعلم ما لم يكن يعلم تلقينا لا رواية ، قال :e[من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم] ، وقال سبحانه : "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ"([73]) ، ولا تكون التقوى إلا بالعلم الشرعى الذى يحصله المسلم ، أما ما يعلمه الله من بعد التقوى فذلك هو العلم الإلهى الذى يكون تلقينا أو بالتجلى أو بإشراق الأنوار الغيبية على جواهر النفوس بعد صقلها حتى يتمثل فيها العالم الأعلى ، فتنكشف له غيوب عوالم الله الكبرى التى إذا وقعت العين فيها على العين اضمحلت فى عينه الدنيا ، وتضاءلت الآخرة فرارا إلى الله تعالى .

"والراسخون فى العلم"

الجملة مستأنفة منفصلة عما قبلها ، وهنا يجب الوقف على قوله : "إلا الله" ، وإن جاز العطف ، ويكون المعنى وما يعلم تأويله من جميع أنحائه إلا الله ، والراسخون فى العلم يعلمون بعض تأويله ، وتكون جملة "والراسخون فى العلم" معطوفة على جملة "وما يعلم تأويله".

والذى أعلمه فى هذا الموضوع أن تأويله انكشاف حقائقه جلية لعيون الأرواح بعد تلقيه استظهارا من منزله الفتاح سبحانه ، وهذه هو التأويل حقا ، ولكن الذين يتلقون هكذا وقد منحهم الله حقيقة تأويله ضنائن الله فى خلقه لا يعلمهم إلا من جذبه الله إليه ليسعده بصحبتهم ، وفى سبيل هؤلاء الرجل عقبات شديدة أهمها عقبة النفس الأمارة بالسوء ، ثم الهوى ثم الحظ ثم الأمل.

فإذا نجا السالك منها وقف له إبليس كما أخبرنا الله تعالى عنه : "لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ"([74]) ، فالنجاة فى هذا السبيل خطر على من لم يتمكن فى مقام العبادة والعبودية ، تمكنا يجعله فى حصن أمن الله بدليل قوله تعالى : "أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ"([75]) ، وقوله تعالى : "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ"([76]) ، هؤلاء العباد الذين لا سلطان له عليهم هم الذين اصطعنهم الله لنفسه ، وزكى أنفسهم حتى تصورت جواهر نفوسهم جمال وجلال وبهاء العالم الأعلى ، وأشرقت عليهم لوامع جبروت الله تعالى ، فغيبتهم عن الوجود الباطل بالجود الحق.

"يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا"

أى صدقنا به تصديق من ايقنوا أن الكتاب الذى أنزله الله على محمدeمتشابهه ومحكمه "كل من عند ربنا" لا فرق بين المتشابه والحكم ، أى وصدقنا أن المحكم أنزله الله للعمل به ، وأن المتشابه أنزله الله للإيمان به من غير عمل ، فأثنى الله تعالى عليهم ومدحهم بأجل الثناء قائلا : "وما يذكر إلا أولوا الألباب".

"وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ"

أى ولا تحصل تلك الذكرى التى تنتج استحضار عظمة الله تعالى ، فيحصل التسليم بها تسليما يجعل النفس تتصور وتتمثل معانى كلام الله تعالى إلا لأولى الألباب ، الذين لهم اللب وهم الراسخون فى العلم ، واللب هو خلاصة الشىء وروحه ، وأولوا الألباب أصحابها ومالكوها.

وجائز أن يكون قوله : "وما يذكر إلا أولوا الألباب" من مقول الراسخين فى العلم . وقد بينت لك أن الرسوخ فى العلم جماع أربع صفات : هى بر القسم ، وصدق الحديث ، وعفة البطن والفرج ، والوفاء بالعهد ، وهى خصال الراسخين فى العلم ، لأن كل خصلة منها تدل على صفاء وجهة من وجه جوهر النفس ، ولا تتم تزكية النفس ألا بتحصيل العلم النافع الذى تتمثل به النفس عظمة هذا الجناب المقدس ، وما تقول فى من رسم على جوهر نفسه صورة المعلوم حتى كان معالم بين عينيه كما قالeفى الحديث القدسي الطويل : [ حتى أكون معالم بين عينيه لا يغيب إذا غاب الناس ولا يحجب إذ غفل الغافلون . . . ].

قوله تعالى : "رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ"(8).

"رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا"

قبل أن نتكلم عن تأويل هذه الآية أشير لك إشارة . تعلم أنه ورد فى الحديث الشريف قولهe: [من عرف نفسه فقد عرف ربه] ، وأهل هذه المقامات يتفاضلون ، فأقل مقام من هذه المقامات أن يعلم أن نفسه مكونة من ضد أسماء وصفات الربوبية ، فما من أسم من أسماء الله إلا والعبد يسمى بضده ، ولكن ذلك قد يكون علما وقد يكون شهودا وقد يتجاوز الشهود حتى يكون وجودا وقد يكون حضورا ومثولا ، ونحن الآن نتكلم عن العلم الآية مفتتحة بالراسخين فى العلم ، وهذا الدعاء دعاء أهل العلم.

وإذا علمت نفسك بمقام العلم أنها مكونة من أضداد الأسماء والصفات، فالله القوى وأنا الضعيف ، والغنى وأنا الفقير ، والقادر وأنا العاجز إلى آخر الأسماء والصفات ، وقد بلغت مقام اليقين فى العلم الذى عرفته قبلا وهو تصور النفس رسوم المعلوم ، ولا يكون علما حقيقيا إلا إذا تصورت النفس رسوم المعلوم ، أما ما عدا ذلك من فهم أو حفظ أو حكم بالعقل فليس ذلك بعلم لأن الذى يدركه الحس من المادة مهما كانت المادة سافلة أو عالية يشترك فيه الكافر والمؤمن ، فعلم الرياضة الذى يجب أن يكون له . مادة ف الذهن وأن لم يكن له مادة فى الخارج تقتضي تحصيله ، وعلم النجوم الذى له مادة عالية عن المادة السافلة ، وعلم ما فوق المادة مما عظمة أهل الجهالة ممن خرجوا عن الأدب مع الله ورسوله ، وتلقوه عن فلاسفة الرومان واليونان والأشوريين والبابليين الذين يسمونه العلم الإلهي وليس بعلم إلهي.

كل تلك العلوم لها مصائد هى الحواس الخمس ، وكل إنسان روض نفسه فى أى نوع من أنواع الرياضة يحصل تلك العلوم ، أما العلم الذى أثنى الله على أهله فأخبر عنهم أنهم راسخون فى العلم فهو العلم الذى لا يشترك فيه معهم إلا إبدال الرسل ، وإبدال الصديقين ، وكل ورثة رسول اللهe، وهو العلم الذى أخبرنا الله أنه يتفضل به على من عمل بعلمه الذى تلقاه عن الرسل عليهم الصلاة والسلام.

إذا تقرر هذا فالراسخون فى العالم علي يقين كامل أن الله فوق كلمته بل فوق وعده ووعيده ، حتى لو قال للراسخ فى العلم : أنت حبيبى أجلس فوق عرشى منحتك كلمة "كن" تصرف فى ملكى وملكوتى ما ازداد إلا خشية من الله ، لأن الله فوق كلمته لا شريك له فى ملكه.

فقول الراسخين فى العلم : "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا" الآية برهان على قربهم من الله الذى دل عليه النداء ، وفى قولهم : "لا تزغ" الزيغ كما بينت لك هو الميل والنزوع إلى الباطل ، أى لا تزغ قلوبنا عن الحق ، بمعنى احفظنا من أن تنزع قلوبنا إلى الباطل عملا او قولا أو حالا ، وذلك يا ربنا بعد إذ هديتنا.

وقد بينت لك أنواع الهداية فيما تقدم ، وفى قولهم "بعد إذ هديتنا" دليل على أنهم منحوا هداية الإحسان التى يتفضل الله بها على أهل محبته الذين أختصهم من بريته ، وهو أكمل مقام يصل إليه السالك ، وليس فوقه إلا الفناء من المقامات ، وهو رضوان الله الأكبر ، ثم مقام الاتحاد بالأمر والمشيئة.

ومن منح الاتحاد فى الأمر والمشيئة كان صديقا أكبر ، وهو الذى شاء الله أن يكون هاديا مهديا راضيا مرضيا ، وأمره بذلك ، فكانت إرادة الله وأمره متحدين فى ذات الرجل ، كما تفضل الله على أبى بكر رض الله عنه ونعوذ بالله من اختلاف الأمر والإرادة فى شخص ، كما قدر الله ذلك على أبى جهل ، وهناك مقام فى الاتحاد العلى وهو أن يجلى الله تعالى للعبد الراسخ فى العلم معانى صفاته العلية ، من جمال وجلال فى هيكله الإنساني حتى يتجمل بكل معانى الصفات ، فيكون سدرة منتهى علوم الخلائق ، يغشى بظلال الأسماء وهذا يكون الاتحاد الشهودى ، وقد تغلب المشاهد على النفس المطمئنة فتصول عليها صولة تمحو من أمامها الكون عالية وسافله حتى تشرق أنوار وجه الله حيث ولى الفرد وجهه.

هذا العلم الذى رسمت صورته على جوهر النفس يجعل العالم به دائم الخشية ، طويل الحزن ، يراه الجاهل آنسا فرحا راضيا عن الله مستبشرا وعين روحه تشاهده عظمة وجلالا وكبرياء لأنه فصل القوة الروحانية عن الجسمانية وقامت كل قوة بواجبها ، ويكون هذا الشأن أظهر وأجمل عند الملامتية ، وهم كمل مقام أهل الإحسان ، وأول ملامتى هو رسول اللهe، وهو أمامنا فى طريق الله تعالى ، وكيف لا وقد تحمل فى الملامة مالا يطيقه أولو العزم من الرسل ، وفى كل دور كان يقول : [رب أهد قومى فأهم لا يعلمون] بخلاف غيره ممن أهلك قومه أو خسف بهم الأرض أو مسخهم قردة وخنازير ، وهنا تتجلى لك وسعة رسول اللهe.وصدق الله حيث سماه باسمين من أسمائه فقال "رَءُوفٌ رَحِيمٌ"([77]).

"وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً"

أقاموا الحجة على كمال علمهم بالله فأثبتوا أن فضل الله موهبة منه لا لعلة ولا لغرض ، وبينوا أن المعية والعندية واللدنية مقامات متفاوتة ، فطلبوا رحمة اللدنية التى هى فوق العندية ، وهذا مقام فوق مقام خضر موسى لأن الله أخبر عنه بقوله : " آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا"([78]) وهؤلاء رضى الله عنهميطلبون الرحمة من لدنه سبحانه ، وإذا طلبوا الرحمة من لدنه فينبغي أن يكونوا قد بلغوا من العلم فوق العندية.

والرحمة هى جماع الخيرات كلها التى تكون للنفس والعقل والجسم والحس ، ما عدا الروح فإن عطاياها تسمى محبة ، وكل عطايا القوى الأخرى تسمى رحمة ، فمنها التوفيق لطاعة الله ، ونيل الفضل منه سبحانه ، والوسعة فى الأرزاق وكثرة الأولاد والبركة فيهم ، والعافية فى البدن والأولاد والأموال ورفعة المقام فى الدنيا ، والوفاة على الإسلام ، وكون البرزخ روضة من رياض الجنة وقيامه يوم القيامة مع السابقين ، كل تلك الحقائق وما شابهها ينطوى فى الرحمة ، أما مواجهتهم وجه الله الكريم والأنس بالله ، والفناء عما سوى الله ، وما شابهها فمحبته سبحانه.

"إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ"

إقرار بيقين حق ثبت لديهم شهودا أو وجودا ، أى إنك انفردت بالألوهية وبالإعطاء والمنع والإيجاد هذا هو العلم اللدنى الذى لا يعلمه إلا العلماء بالله قالe: [أن من العلم كهية المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا ذكروه أنكره أهل الغرة بالله] فى تلك الآية الشريفة أشار إلى أن الأنسان يجب عليه أن يتشبه بمن اقتطعهم الله لذاته ، واصطفاهم لنفسه ، وأختطفهم إليه سبحانه ، حتى جعلهم ضنائنه فى خلقه.

والعلماء الراسخون يعلمون الناس بأعمالهم أكثر مما يعلمونهم بأقوالهم ، ويعلمونهم بأحوالهم أكثر مما يعلمونهم بأعمالهم ، فهم يقولون قليلا ويعملون كثيرا ، وكذلك كان أصحاب رسول اللهeمجاهدين أنفسهم أن يتشبهوا به ف أعماله حتى بلغ بهم الأمر أن يتساهلوا فى أقواله خشية أن يكونeرحمهم وتلطف بهم ، ولذلك كانوا يرسلون نساءهم إلى أمهات المؤمنين يسألنهن عن عمل رسول اللهeليلا ونهارا ، وكم تركوا العمل بقوله حرصا على أن يعملوا بعمله ، ومن ذلك أنهeأمرهم فى غزوة الحديبية بحلق رءوسهم أمر صريحا ودخل الحجرة وخرج فلم يجد أحد نحر ولا حلق فدخل إلى أم سلمة رضى اله عنها يتململ ، فقالت : مالك يا رسول الله ، لا أراعك الله ، فقال : [كيف لا وقد خالفني أصحابي ؟ ] ، فقالت : أخرج إليهم يا رسول اله فاحلق رأسك وأنحر هديك وانظر . فخرج وفعل ، فحلقوا كلهم ونحروا حتى سالت دماء الهدى فملأت الوادي ، حتى كان القصاص بأخذ من المسلم ما يرضيه حرصا على أن يساوى رسول اللهeفى زمان عمله ومكانه.

قوله تعالى : "رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ"(9).

"رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ"

مقول الراسخين فى العلم الذين قالوا : "ربنا لا تزغ قلوبنا" ، كما زاغت قلوب بنى إسرائيل وقلوب المنافقين ممن أسلموا بظاهرهم فى المدينة ، وقلوب كفار قريش بتأويلهم ما تشابه من القرآن ، فإن يهود بنى إسرائيل كحيى بن أخطب ومن معه لما سمعوا فاتحة سورة آل عمران قالوا : قد علمنا عمر محمد وعمر دنيه ، فأولوها فى الجمل إلى عمر رسول الله ، فقالوا عمر دينه سبعون سنة ، الألف بواحد واللام بثلاثين ، والميم بأربعين ، ثم جاءوا إلى رسول الله فقالوا : أو أنزلت عليك هذه الآية ؟ قال : نعم . فعجبوا وقالوا : قد علمنا عمر أمتك ، فأنزل عيك غيرها ؟ قال : نعم "ألمص" قالوا : هذا أكثر : فأنزل عليك غيرها ؟ قال نعم "المر" . قالوا هذه أكثر ، فغيرها ؟ قال : "الر" . فاختلفوا ونشروا رأيهم هذا زاغت قلوبهم لأنهم تأولوا ما تشابه من القرآن . "وما يعلم تأويله إلا الله".

وقد تأوله نصارى نجران الذين وفدوا على رسول اللهeوكانوا سبعين رجلا منهم عبد المسيح رئيسهم الروحانى ، وفى هذه الآية قول الراسخين : "ربنا أنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه" تهديد شديد يزعج قلوب من لم يؤمنوا بما أنزل الله من الكتب ، وجامع الناس على تقدير جامع الناس كلهم، واللام هنا بمعنى فى ، وجائز أن تكون بمعنى اللام أى لأجل يوم.

وتمام الكلام إذ قدرنا المحذوف الملحوظ يكون التقدير ليوم القيامة "لا ريب فيه" جملة توكيدية ليوم أو تكون حالا من يوم ، أى لا شك فيه بحسب الحقائق المقتضية خلق جميع الخلق مسخرا للإنسان ليبتليه الله فى عهد يوم "ألست" هل يتذكر أم ينسى ، لأنه سبحانه كشف الحجاب عن بديع جماله ، وخاطبهم مستفهما استفهاما تقريريا بقوله : "ألست بربكم" فسمعوا كلام ربهم وشهدوا جماله فلبوا مذعنين بقوله : "بلى" تقريرا للاستفهام المفتتح بالنفى ، أى أنت ربنا ، فأبقى رفع الحجاب حتى عاهدهم بالحجة القائمة والمحجة الواضحة ، فإنهم بعد أن شهدوا على ما شهدوه حق ويقينا لنهم كانوا أرواحا مجردة من عناصر المادة ودواعي الحيوانية ولوازم البشرية. قال سبحانه لهم بتقدير المحذوف احذروا بعد أن أظهركم فى الهياكل البشرية : "أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ"([79]) .

فقولهم : "ربنا أنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه " بيان من أنفسهم أنهم على كمال اليقين بيوم القيامة ، ومن كمل علمه بيوم القيامة نظر إلى الدنيا نظرة استهانة ، فقلل منها كما تقلل المسيح عليه السلام والأنبياء من قبله ، وكان سيد الورعين سيد الزهاد سيد الرسل محمدeيبلغ به الجهد أنه كان يربط الحجر على بطنه من الجوع ، وهو يملك خزائن الأرض ، والاعتراف بيوم القيامة علما تتمثل حقيقته على جوهر النفس بالمراقبة كمن رآه بعينى رأسه.

"إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ"

أى بحرف التوكيد تقريرا للحقيقة فى نفس السامع ، وأتى بالاسم بيانا لأهل القلوب الواعية ، فإن اسم "الله" له الهيمنة الكبرى على جميع الأسماء، والميعاد وزن مفعال من الوعد لا يدل على مكان ولا زمان . وقد أخذ الوعديون من هذه الآية بأن الله يجب عليه أن لا يخلف وعده ، وهذا سوء أدب منهم لأن الميعاد هنا بمعنى الوعد ، وقد يكون من مقول الراسخين فى العلم فلا يكون دليلا لهم على دعواهم.

وعندى أنهم لو ألهمهم الله فقه القرآن المجيد لعلموا الحقيقة الصريحة ، وهى أن الأسماء لها مقتضيات ، فمن وفقه الله لما يحب بسابقة الحسنى وبمقتضى أسماء جماله وفى له فضلا منه وكرما ، فأحله دار الكرامة فى الآخرة، كما أقامه فى محابه ومراضيه فى الدنيا.

ومن سبقت لهم السوءى بمقتضى أسماء جلاله فسلب منهم سبحانه هداية الإحسان بعد إقامة الحجة بهداية البيان ألقي بهم فى الهاوية حيث نار جهنم ، وهو سبحانه قد يخلف وعيده ولا يخلف وعده ، لأن خلف الوعيد فضيلة فى بنى الإنسان وهى من أخلاق الرحمن ، فقد يقع العبد فى المعاصى كبيرها وصغيرها فتسبق له عناية الحسنى من الله فيوفقه للتوبة قبل موته أو يموت على الإسلام وهو مرتكب كل ما عدا الشرك فيعفو عنه الله ، ويغفر له ويكرمه ، ولا يسأل عما يفعل.

أما من حارب الله ورسوله ، وعبد هواه وحظه ، فهو ممن خلق الله نفوسهم من أرادا الجواهر من سجين ، وهؤلاء أخوان الشياطين ، وهم شياطين الأنس الذين تسلط عليهم إبليس وجنوده ، فقبلوا منه وأقبلوا عليه . وهؤلاء هم الذين سبق فى قدر الله لهم الخلود فى نار جهنم ، ولا توبة ولا إنابة إلا ف تلك الدار الدنيا.

أما يوم القيامة فلا توبة هناك ولا عمل ، يقول الله مخبرا عن إبراهيم فى الدنيا : "فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"([80]) ويقول مخبرا عن عيسى عليه السلام - : " تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"([81]) وبين الكلمتين ما بينهما من الفرق الظاهر لأهل الذوق بعلم القرآن.

فقول إبراهيم كان فى الدنيا حيث الطمع فى الفضل والمغفرة ، وقول عيسى كان فى الآخرة حيث لا عمل ولا مغفرة بحيث لو قال غفور رحيم لنظر إلى ربه بعين الصغار وهو من أولى العزم فتأدب مع الله وقال : "فإنك أنت العزيز" ، القهار ،شديد النقمة ، "الحكيم" الذي يضع الشيء فى موضعه.

قوله تعال : "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ"(10).

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا"

هذه الآية من أول "أن الله لا يخلف الميعاد" سياق للغيبة بعد الخطاب لحكمة عليه . وأن كان السياق بحسب ما تقدم يقتضى "أنك لا تخلف الميعاد". فأتى بالاسم الأعظم مكان ضمير الخطاب العائد على قوله تعالى "ربنا أنك جامع الناس" إظهارا لكمال الأدب مع اله وإعظاما وإجلالا وأكبارا لحضرته العلية أن يدانى أو يجانس واسم الجلالة أكمل الأدب فإنه فى قولهم : "ربنا" وصل ومداناة ومؤانسة فلما جاء اختصاص الله بصفة لازمة لا تفارقه انتقلوا من سياق الخطاب إلى سياق الغيبة لبعد ما بين الحضرتين.

وقوله : "أن الذين كفروا" مساقة هذا السياق ، والمعنى أن الذين كفروا من يهود بنى إسرائيل معاصرى رسول اللهeومن منافقى ومشركى العرب ، ومن نصارى نجران الذين منعهم عن الإيمان حرصهم على أموالهم وأولادهم ووظائفهم ومقاماتهم بين أهل قبائلهم حسدا من أنفسهم أن يكونوا اتباعا بعد أن كانوا متبوعين.

والكلام وأن كان خاصا بأكابر مجرميهم إلا أن الحكم فيه عام لهم ولمن أبتعهم إلى يوم القيامة . "لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم" نفى مؤبد ، أى لن تنفعهم يوم القيامة أموالهم التى يفارقونها بمفارقتهم لكون الفساد ، ولا أولادهم الذين هم فتنة لهم فى الدنيا وعذاب لهم يوم القيامة "من الله شيئا" لأن الله غنى عن العالم أجمع ، والعالم كله من العرش إلى الفرش مضطر إلى إحسانه وفضله ، مفتقر بالذات إليه جل جلاله.

ولو تصور أهل العقل معنى الآية لفهموا أن الله على عظيم من أن يتأثر بملك فى الأرض ، أو بجاه أو بأولاد ، حيث لا تجلى بجلاله لأصعق آدم ومن بعده من الأنباء والمرسلين إلى عيسى ومحمدe. وأن أكمل بنى مرسل إذا جاء يوم القيامة كاد أن يذوب خوف من جلال الله وعظمته ، حتى يقول عيسى عليه السلام- : "اللهم أنى لا أسألك أمتى ولكنى أسألك نفسى".

وكذلك يقول موسى وإبراهيم وجميع الأنبياء عليهم السلام ولكن محمداeمنفردا يقول : [ يا رب أمتي ] لما له عند الله من على المكانة ، لأن الله سماه باسمين من أسمائه العظمى كما بينت لك فقال : "بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" وتلك الرأفة والرحمة تتجليان بمعناهما الكمالى يوم القيامة . ومعنى قوله "كفروا" لغة أى ستروا عن الحقائق الحقة وفى الاصطلاح : جحدوا ربهم واتخذوا له أندادا ونظراء وأشباها وأولادا ، وتنزه وتعالى أن يكون له أنداد ونظراء وأشباه وأولاد وما هم الأشباه والأولاد وقد كانوا يأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق ويتغوطون ويبولون وينامون ويضربون؟!. ومن كانت تجرى عليه تلك الأحداث والتغيرات فهو مخلوق مقهور لا رب معبود ، ولكن التعصب وتقليد الأباء أعمى البصائر عن البحث عن الحق.

"وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ"

معنى هذه الآية أن النار موجود متقدة مستعرة ، ولكن الله تعالى يصليهم تلك النار فيكونون وقودا لها لا لتزيد وأنما ليذوقوا العذاب ، والمعنى أولئك هم خطب النار ، وهذا دليل على أن النار تمحق ما فيهم من الحقائق التى أغضبت الله ، حتى لا تبقى إلا الحقيقة الإنسانية التى يجعل الله لها واديا أقل من لهيب النار ، يكون غذاؤهم فيها الجرجير ، كما ورد : "أن الجبار ليضع قدمه فى النار فينبت فيها الجرجير" ، فالنار مطهرة لا تفقد الحقائق ، فإن الحقائق دائمة أبدية.

وقد سألنى رجل من كبار علما النصارى أمريكى الأصل وأنا بالخرطوم فقال : أنكم تتهمون ربنا بالظلم فى العقاب يوم القيامة ، يعيش الرجل منكم سبعين سنة فيعصى اله ويتوب فيدخله الجنة أبديا ، وكان العدل أن يدخله الجنة سبعين سنة ، ويعيش الرجل النصراني أو اليهودي أو المجوسى سبعين سنة فيدخله النار أبديا ، وكان العدل أن يقيم ف النار سبعين سنة مدة كفره بالله ومعصيته ، وكنت فى مجتمع من أهل السودان والهند واليمن فخشيت أن تقوى هذه الشبهة فى نفوسهم فقلت يا أخى : أن الخلاق العظيم خلق حقائق الأناسي من جواهر معلومة لديه ، فمنها جواهر نورانية وجواهر بين نورانية وظلمانية ثم جواهر ظلمانية من أسفل سافلين ، ولو أنه ترك من نفوسهم من النور مخلدين فى الدنيا لداموا على عبادته وطاعته أبدا ، ولو ترك النفوس المخلوقة من سجين لداموا على كفره وعصيانه أبدا ، فهو ينظر إلى ما قدره على تلك النفوس أزلا ، ويعاملهم بما يعلم فيهم ، فكبر القوم وسلم هذا السائل.

وقد سألنى سؤالا آخر فقال : أن القسس والرهبان والأحبار يمضون عشرات السنين فى عبادة وتسبيح وترتيل ، وأنتم تقولون أنهم يخلدون فى جهنم ، وأنتم المسلمون أكثركم عصاة تخالفون الله وتعصون أحكامه وتدخلون الجنة ، فأجبته على الفور بعد أن ظهر لى أنه مبشر يريد أحداث الفتنة فى الدين : أنا كما تقول جوارحنا تعصى الله فإذا تكاثفت الظلمات عليها ظهر نور توحيد الله وتفريده بالألوهية الذى أنعقدت عليه قلوبنا فطهر تلك الجوارح ، وأنتم تعبدون اله ليلا ونهارا فإذا أنزلت أنوار الرحمة عليكم من السماء ظهرت ظلمات الشرك واعتقاد أن لله ولد ، فمحت تلك الأنوار ، فكبر المسلمون . وما كنت مستعدا أن أجيبه على هذه الأسئلة . والضمير الذى هو "هم" جائز أن يكون ضمير فصل وجائز أن يكون مبتدأ ثانيا و "وقود" خبره.

قوله تعالى : "كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ"(11).

"كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ"

الداب هو العادة والسنة وبذل الجهد فى نيل المقصد ، وهنا أن كان "وقود" مصدرا لن الرواية فيها بضم الواو وفتحها فالجار والمجرور متعلق على سبيل النصب ، وأن كان اسما يكون الجار والمجرور متعلقا بـ "تغنى" . وآل فرعون هم أنصاره ، ومن كانوا على ما كان عليه م الضلال والكفر ، ولا يقال إلا لمن يقتدى بهم ويعتنى.

وفرعون علم على كل ملك للأقباط فى القرون القديمة قبل أن يتغلب الرومان على بلاد مصر ، كما يسمى قيصر بملك الروم لملوك أوربا ن وكسرى لملوك العجم ، وآل فرعون كانوا على كفر بالله وجحد به سبحانه وتكذيب لأنبيائه – عليهم السلام – "والذين من قبلهم" كملوك العجم والعرب ممن ذكرهم التاريخ كالآشوريين والبابليين والكنعانيين وغيرهم.

"كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا"

أى جحدوا وأنكروا دلائل التوحيد وعلامات النبوة ، والآيات جمع آية، وتلك الآيات أنواع مختلفة منها ما أنزل الله من الكتب ، ومنها ما أجراه الله على أيدى الرسول من المعجزات الباهرات ، ومنها ما أظهره فى الكائنات من أسرار الحكمة فى الإيجاد والإمداد ، وهى الآيات التى لا يشم عبيرها إلا أهل النفوس الطاهرة ، فإن العربى قال : البعرة تدل على البعير.

وإذا كانت البعرة بلغت أن تعتبر أثرا يدل على أن بعيرا مر مكانها ، فكيف إذا نظر أهل الفهم عن الله فى تلك الأجرام الهائلة المتسقة المنتظمة المرتبطة ببعضها ، ونظروا إلى ما فيها من الخصوصيات المتفاوتة ، والمميزات الظاهرة ، واستنبطوا منها آثار عجائب القدرة ، وغرائب الحكمة ، لما وسعهم إلا أن يسجدوا لله مؤمنين بجميع أسمائه ، وصفاته ، متحققين كأنهم يرونه ، بل موقنين إيقان من بلغ به اليقين إلى ما فوق الرؤية.

وقد قال على – عليه السلام – لسائل سأله : أو ترى ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أو أعبد من لم أري ؟ وقال الإمام عبد الله بن عمر : كنا نتراءى ربنا ليلة عرفة . . . قالe: [ من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين ] . وشتان بين خزائن العلوم وخزائن المفهوم.

وقد زار سيدنا أنس بن مالك البصرة ولم يكن ثم من الصحابة سواه ، لأنهم استشهدوا فى الجهاد جميعا ، فلم تسعه الدور ولا المساجد حتى كان يخرج من الصحراء وحوله عشرات الألوف من طلبة العلم يقولون أسمعنا كلام رسول الله يا خادم رسول الله ، وكان الحسن البصرى مرشدا لجماعة من كبار أهل العلم وهو تابعى فقالوا له : أنا نحب أن نزور خادم رسول الله لنسمع كلام رسول الله منه ، فقال : حبا وكرامة ، وتوجهوا إليه فى وقت صفاء من وجود الناس ، واستأذنوا فأذن لهم ، فجلسوا بين يديه وهو على وسادة ، وكان على فراش الشيخوخة ، وقولوا : يا خادم رسول الله أسمعنا كلام رسول الله ، فقال : لكم ذلك . وجلس فحدثهم ثلاثة عشر حديثا ، فقال له الحسن البصرى : يا خادم رسول الله فهمنا كلام رسول الله ، فقال يا بنى : إنما أنا خزانة علم . فقال : تسمح لى أن أشرح لك كلام رسول الله . فقال : أشرح يا بنى . ثم نزل أنس بن مالك فجلس على الأرض ، وأمر الحسن البصرى أن يجلس على الوسادة ، وكان غلاما مولى بالنسبة لأنس ، فلما تكلم الحسن التفت أنس إلى أهل البصرة وقال : يا أهل البصرة بين ظهرانيكم هذا البحر وتردون على.

فدل ذلك على أن الله يهب أفرادا من أمة محمد علما لو أدركه بعض الصحابة لسمعوه منهم حفظا للرسالة فى الأمة ، قال على عليه السلام : اللهم لا تخل الأرض من قائم لك بحجة أما ظاهرا مشهورا أو باطنا مستورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته.

وتلك الآيات لا يتعقلها إلا من وهب الله لهم القابل ، وأسعدهم بوجود الفيض ، من عارف ربانى عالم روحانى ، يجدد به الله ما أندرس من معالم الدين ، ومن آثار السنن ، وأن وجد القابل ولم يوجد الفيض أو وجد الفيض ولم يوجد القابل دل على أن القدر لم تسبق فيه سعادة لأهل ذلك الزمان.

"فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ"

هذه الآية وأمثالها حجبت أهل الظاهر عن أن يكاشفوا بغيب سر القدر، ليعلموا وحدة الأفعال ، ويتذوقوا مضنون حلاوة التوحيد فى مشهد من مشاهدة ، لأنهم يفهمون من ظاهر الآية أن الله إنما عذبهم لأنهم كذبوا فى هذا الكون بآياته وكفروا به.

والحقيقة التى يجب أن يسلم بها أهل العقل الذين يعقلون عن الله أن الفاعل المختار هو الله ، وأنه سجل فى سجل قدرة أعمال كل فئة قلبا وقالبا ، وأنى أقول كما قال أهل المعرفة : "أنا لا أعبد ربا تغضبه المعاصى وترضيه الطاعات" وأنا نرى كثيرين مضوا أعمارهم فى كفر بالله ومحاربة لرسل الله ثم آل أمرهم إلى أن كانوا فى مقامات الفاروقية والصديقية ، ونرى كثيرا من الناس مضوا أعمارهم فى طاعة الله وعبادته حتى كان يتبرك بهم أهل زمانهم، وسبق عليهم القدر بالسوء.

والحقيقة أن الله أحب قوما فى أزل فاقامهم فى الكون مقام المحبوبين لحضرته ، فلم تضرهم معاصيهم وأن جلت ، وسبقت عنايته بهم فختم أعمارهم بجهاد فادح وإقبال صادق وعزم أكيد ، وقدر على قوم بغضه وكراهته ، وإقامتهم فى الكون مقام أعدائه ولو أقبلوا عليه بكليتهم ، فإنه سبحانه يختم أعمارهم بما يكره من نية وعمل وقول فيكونون حيث قدر لهم أزلا.

ولذلك فلا أمان لمكر الله ، ولا قنوط من رحمة الله "فأخذهم الله بذنوبهم" يعنى عاملهم بما قدره عليهم وأقامهم فيه ، فإن أهل محبته السابقة يقول سبحانه فيهم : "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ"([82]).

فقوله نتقبل عنهم أحسن ما عملوا وهو أن يعلموا ويشهدوا مشهد التوحيد العلى ، فيكون العامل فى الحقيقة هو الله ، وذلك أحسن ما علموا ، فإذا جاء يوم القيامة أنزل نفسه – سبحانه – منزلة العامل وقدر لنفسه –جل جلاله – جزاء على علمه ، ومنحه أحبابه فيكون جزاؤهم يناسب العالم – سبحانه – بقدره ، وقد تبلغ العطية مبلغها الأكمل فيعطيهم فيتنعمون بشهود جماله على منابر من نور ، قدام عرش الرحمن ، والأخذ بمعنى المؤاخذة . والباء فى قوله سبحانه : "بذنوبهم" سببية.

"وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ"

يعنى أنه سبحانه إذا ظهر بجلاله استحال على أن كائن من كان أن يتقرب منه بشفاعة أو وسيلة ، وأبرز قدره بقهر وشدة متناهيتين ، ومن يقوى على جلال الله تعالى والعالم كله مقهور بقهره ؟! ، قال سبحانه : "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ"([83]) وأتت الجملة اسمية لتوكيدها فى معناها وأتت بصيغة فعيل لن شديد بمعنى فعيل تأتى مشربة معنى المبالغة.

قوله تعالى : "قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ"(12).

"قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ"

سبب نزول هذه الآية ، أن الله تعالى لما نصر نبيهeفى غزوة بدر وكان المسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا وقريش ألف فارس مدججون بالسلاح ، وبعد هزيمة قريش وقفول رسول اللهe إلى المدينة خرج إلى اليهود قريظة وقينقاع والنضير ، فى أرض واسعة لبنى قينقاع ، وقال لهم  : [اسلموا فأنكم رأيتم ما فعل الله بأعدائه من قريش] ، فقالوا : يا محمد غرك أن قتلت شيوخا صلعا من قريش ، وإنا قوم أقوياء كثير عددنا وعددنا ، وأبوا أن يسلموا وكان كعب بن الأشرف داهيتهم ، ولكنهم لما رجعوا تذكروا فى هذا فقال بعضهم : والله أنه النبي الأمي الذى بشر به موسى وخبرنا الله به فى توارته ، وأن الواجب علينا أن نسلم ، فقال كعب ومن معه : انتظروا حتى يغزو غزوة ثانية فإن كان هذا هو النبى لا تنكسر له راية ، وأن لم يكن فلا حاجة بنا إلى الإسلام.

فلما حدثت واقعة أحد وحصل للمسلمين الهزيمة ووقف رسول اللهeراكبا على بغلته ينادى بأعلى صوته : "أنا النبى لا كذب أنا أبن عبد المطلب" وأنزل الله الملائكة فهزمت قريشا في أحد قال اليهود ليس هو النبى الأمي ، وركب كعب بن الأشرف مع ستين راكبا منهم إلى قريش بمكة ، وتعاهدوا أن يكونوا جميعا على رسول اللهeفأنزل الله تلك الآية على محمدeيقول له : "قل للذين كفروا" من يهود بنى إسرائيل وخيبر وقينقاع والنضير وقريظة "ستغلبون" أى تقهرون بعجائب قدرة الله التى قهرت وهزمت ألف فارس من قريش أمام ثلثمائة رجل من فقراء المسلمين ، فقد كان جيش بدر به سبعون مهاجرا ومئتان وثلاثة وأربعون أنصاريا ، وكان جيش قريش ألف فارس فهزمهم الله تعالى وحشرهم إلى جهنم ، فكذلك أنتم أيها الكفار الجاحدون بالله المكذبون لآياته ستغلبون كما غلبوا "وتحشون" يوم القيامة "إلى جهنم" ، أى تساقون إليها بمقامع من حديد فيسوقكم ملائكة العذاب.

"وبئس المهاد" أى وبئس الفراش والغطاء ، فإن المهاد هو الفراش وزنا ومعنى لجعله مهادا لأنهم يخلدون فيها ، فهى فراشهم وغطاؤهم كالأرض لعمارها المقيمين عليها لا يفارقونها ، وكالسماء لمن تظلهم.

قوله تعالى : "قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ"(13).

"قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا"

أنزل الله تلك الآية بيانا لمعاصرى رسول اللهeمن يهود بنى إسرائيل ، وحجة على تأييد الله له ، "كان" هنا ناقصة و "الآية" أسمها و "فى فئتين" خبرها ، والآية هنا هى العلامة والدليل والحجة والأثر الظاهر للحس الذى لا يحتاج إلى تأويل ، ولا إلى تصوير كما ترى الشمس فى رابعة النهار ، "فى فئتين" رسول اللهeوالصحابة معه يوم بدر ، وأبو جهل وأبو سفيان وكفار قريش معهما ، و "التقتا" نعت للفئتين أى تقابلا فى ميدان الحرب.

"فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"

"فئة" هم رسول اللهeوأصحابه ، "تقاتل فى سبيل الله" : أى تبذل نفسها ونفيسها نصرة لله ورسوله ، وقهرا لأعدائه بإعلاء كلمته ، "والسبيل" هو الطريق الموصل إلى الغاية ، لأن لفظة سبيل وطريق ومنهج وشارع ومشرعة وشرعة ألفاظ مترادفة ، تدل على الطريق الموصل إلى الغاية فقد يكون طريقا حسيا كما تعلم من حيث طرق الأرض وفجاجها ومسالكها ، ومعنويا من حيث ما يوصل إلى الجنة أو إلى مقعد صدق أو إلى رضوان الله الأكبر أو إلى مواجهة وجه الله العظيم ، وكلها طرق موصلة للغاية المقصودة بحسب همم آل العزائم فى ذلك ، وقد أفرد الله السبيل وجمعه فقال سبحانه : "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ"([84]) ، وقال سبحانه : "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا"([85]) ، وقال جل جلاله : "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" . وف كل كلمة من كلامه سبحانه معان ليس هنا محل تفصيلها.

وفى قوله : "سبيل الله" بالاسم الأعظم دليل على كاف على أن أصحاب رسول اللهeتجاوزوا المقامات العليا فأفردوا الله بالعبادة والقصد ، فلم يكونوا يقاتلون لنيل غنيمة أو جنة ، وقاية من نار أو حظ من حظوظ الأرواح الطاهرة ، لا ولكن كانوا يقاتلون فى سبيل الله أى مقصودهم الذات المقدسة.

وهذا المقصد فوق كل مقام وكيف لا والقوم تركوا نعيم الجنة فى الدنيا ، بل بذلوا أرواحهم الطاهرة شوقا إلى الفوز بحظوة القدس الأعلى ، فهل يكون هذا مقامهم فى الدنيا ومحبوبهم فى غيب غيبه العلى سبحانه ، وفى الآخرة يظهر لهم جليا ويلتفتون عن وجهه إلى الجنة ؟ هذا مالا يتعقله عاقل يعقل عن الله تعالى ، فقد يقول بعضهم وهو يجر بالسلاسل إلى الجنة أنى تركت الجنة وأنا أحوج ما أكون إليها فكيف وأنا أمام حبيبى ألتفت عنه.

"وَأُخْرَى كَافِرَةٌ"

أى وفئة أخرى ، ولك أن تنصبها . "فئة تقاتل" وفئة أخرى ، الأولي على المدح ، والثانية على الذم "وأخرى كافرة" لم يقل تقاتل ، لانحطاط قدرهم عن أن يعتبروا مقاتلين وكفاهم تعسة قول الله عنهم : "كافرة" أى جاحدة بالله محجوبة عن شهود جمال آياته المنزلة ، وآياته المتجلية فى الآفاق وف أنفسهم.

"يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ"

أى يرى المسلمون الكافرين قدرهم مرتين . الأمر الذى يفزع القلوب لتتبين عزيمة أصحاب رسول الله على الإقدام مع العلم بأن أعداءهم أكثر منهم عددا وعددا شوقا للقاء الله ومحبة للاستشهاد فى سبيله ، "رأى العين" يعنى حسا ملموسا.

"وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ"

معنى هذه الآية أن الله تعالى يخبرنا أن الصحابة وأن كانوا رأوا أعداءهم إضعافهم إلا أن الله تعالى وضع فى قلوبهم نورا استبانت به لهم الحقائق التى أعدهم لها يوم القيامة ، فعظم شوقهم إلى الفوز بتلك الخيرات التى ليس لها شبيه فى الدنيا ، فصغر فى أعينهم عدد الأعداء وأقدموا أقدام من رأى حبيبه أمامه ففر إليه ، وهذا هو التأييد الذى أيدهم الله به.

ونوع آخر هو أن الله سلب السكينة من قلوب أعدائهم حتى حصل لهم الفزع والهلع ، ودليل ذلك أن الصحابة رض الله عنهم لم يستشهد منهم إلا ثمانية رجال ، وقتل الله صناديد قريش مثل أبي جهل رأس المشركين ، وأمية بن خلف الذى كان يعذب بلالا ف الجاهلية ، فإن بلالا مر فوجد أمية بن خلف ومعه أبنه فنادى : يا أنصر الله هذا عدو الله وعدو رسول الله ، فتبادر إليه الأنصار وكان صديقا لسعد رضى الله عنه ففر إليه وقل أقلنى يا سعد فمنعه من القوم فأخذ بلال حربة وقال : من لم يقتل هذا عذبه الله ، فتنحى سعد عنه وعن أبنه ، فصار بلالا يطعنه فى خاصرته والصحابة يطعنونه لا يخالفون سعدا حتى مزقوا جلده وجلد ابنه ، ورجع بل يهلل ويكبر فرحا بهذا الانتصار ، وجائز أن الذين رأوا أصحاب رسول اللهeمثليهم هم المشركون نصرة من الله تعالى ، وتأييدا لرسولهe.

"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ"

يخبرنا الله تعالى أن هذا الحادث الذي أظهره الله بنصرة محمدeهو وأصحابه من الأحداث العظيمة التى تكون داعية لانزعاج قلوب يهود بنى إسرائيل معاصرى رسول اللهe، وقلوب نصارى نجران ، وبقية العرب من غير أهل مكة ، فتحصل لهم العبرة ويسارعون إلى الإسلام وهم وإن كانوا من أهل البصر النافذ والعقل الصحيح ولكنهم بعد أن أخبرنا الله عنهم بقوله: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا" ، تحققنا أنه من المستحيل عليهم بعد هذ الخبر أن يسلموا ويقبلوا على عبادة الله وطاعته.

وهذا الخبر من الله تعالى خاص بمن قدر عليهم سو الخاتمة ، ولم يكن هذا الخبر موجها لمن سبقت لهم الحسنى من الله ، وأن حكم بعض العلماء باستحالة إيمانهم وبأنهم لو آمنوا لكان إيمانهم مخالفا لهذا الخبر ، والحقيقة أن الله تعالى يخاطب أعيانا مخصوصين ، علم ما قدره عليهم ، وليس الخطاب موجها إلى جميع اليهود والمشركين والنصارى ، لأن الله تعالى هدى منهم خلقا كثيرين ، وعلى هذا التقدير نفهم إطلاق قدرة الله تعالى لأنه لا يتقيد بما تدل عليه الآيات ظاهرا فى خبر ، ولا فى إنشاء ، فهو يخاطب من شاء ، بما شاء وليس لنا أن نحكم على الله تعالى.

قوله تعالى : "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ"(14).

"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ"

قبل أن نتكلم على هذه الآية الشريفة اكشف لك سرا يستبين لك به أن الخلاف بين العلماء لفظى ف مثل هذه الآيات الشريفة ، يقول الله تعالى : "زين للناس حب الشهوات" ، ومعنى هذا التزين أن الله خلق الإنسان مكونا من حقائق مختلفة تدعو إلى ضروريات وكماليات ، وخلق أنواعا كثيرة لا غنى لتلك الحقائق عنها ، فالإنسان مضطر إليها اضطرارا طبيعيا ، وهذا عندى هو التزين ، والذى زين هذا هو الله تعالى ، وقد أباح لنا منا نضطر إليه ولو كان لحم الميتة ، وأباح للضيف إذا نزل محلة قوم ومنعوا القرى عنه حتى دعته الضرورة فأخذ متاعا من أمتعتهم ليقتات به لا يكون عليه حرج فى ذلك ، لأن الضرورة قضت عليه ، قال تعالى : "إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ"([86]).

وذلك لأن الله تعالى زين تلك الأنواع التى خلقها للإنسان لتنكشف أسرار الآيات لمن يستعملها ، فإن الإنسان إذا تناول ما خلقه الله وكان له نظر ثاقب ، شهد من آيات البديع وأسرار القادر وحكمة الحكيم ما يجعل قلبه يطمئن بذكر الله ، ويندفع بعامل نيل شهواته المباحة إلى شكر الله ، وذلك هو المقصود من إيجاد الخلق ، قال تعالى : "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"([87]).

إذا فالله هو الذ زين حب الشهوات للناس ، ولكنه سبحانه حظر عليهم استعمال ما حرمه مما يضر الأجسام ، ويفسد العقول ، كالمسكرات والمخدرات، وما يفسد الأخلاق ويوقع فى الشحناء كالربا ، ومالا ضرورة إليه كالمغصوب والمسروق ، وأباح لنا ما عدا ذلك مما تدعو إليه الضرورة من طعام وشراب وملبس يقي الحر والبرد ، ومأوى يحفظ الإنسان من ضرر اللصوص والوحوش وقسوة البرد والحر ، وعلى ذلك فالذي زين للناس حب الشهوات المباحة وجعل الإنسان يصرف أنفس أوقاته فى طلبها هو الله تعالى لحكمة عالية اقتضتها صحته الروحانية وصحته الجسمانية ، فإذا تعدى الإنسان إلى حب الشهوات التى حظرها الله عليه ، وأمره أن لا يقع فيها كان ذلك سببه الشيطان الذى وسوس إليه فزينها له ، وإن كان ذلك كله بإرادة الله تعالى وتقديره.

"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ" أى حب النساء وما بعدها ، ولكنه ذكر الشهوات بمعنى المشتهيات لأن الشهوة بمعنى المشتهاة والحب قد يكون للشهوة ، ولكن العبد يكره أن يقع فيها ، فلا يدعوه ذلك الحب إلى الوقوع فى الشهوة ، وقد يحب الوقوع ، والنوع الأول هم عامة المسلمين الذين يحبون الشهوات مطلقا ، ولكن تمسكا بالدين يكرهون الوقوع فيها ، وأما الذين يحبون الشهوات والوقوع فيها فهم المنافقون والمشركون بالله تعالى.

وأما أهل الإيمان الكامل فأنهم لا يحبون الشهوات ولكن يحبون المنعم بالنعمة ، فإذا استعملوا الشهوات فيما أباحه الله لهم شهدوا مشهدين: شهدوا المنعم جل جلاله ، وشهدوا الأمر باستعمالها ليذكروه ويشكروه ، فكان محبوبهم المنعم جل جلاله ومن أمر ونهى سبحانه لا الشهوات من حيث هى مشتهيات ، لأن الحكمة فى تزيين الله الشهوات بينتها لك . والقوم أقرب مشهد لهم شهود الحكمة فيما يرون أنفسهم فى حاجة إليه.

"مِنَ النِّسَاءِ"

"من" هنا للبيان ، و "النساء" تفصيل لمجمل الشهوات أو بدل ، وإنما بدا فى الشهوات بذكر النساء لما لهن ف القلوب من المكانة التى تجعل الإنسان قد يشتغل عن واجب الدين بهن ، وبما لهن من التأثير القوى على قلوب الرجال فكان لهم حق الابتداء ، وقد يملك الرجل الأرض ومن عليها ويعجز عن أن يملك المرأة ، ولا يكون الإنسان رجلا عند الحكماء إلا إذا ملك المرأة ومن قال أنني رجل وتملكه زوجته فليس برجل.

وكان بعض الصالحين إذا دعي إلى الزواج قال : أنى لا أملك نفسي فكيف أقويها بنفس أخرى ، دعوني أجاهد نفسي حتى تكون طوعي ثم أتزوج ، والباعث الذى جعل المرأة أول المشتهيات معلوم لكل إنسان.

"وَالْبَنِينَ"

معطوف على النساء ، وهم الأولاد ، ولهم أعظم قسط من شغل القلب ، وللشيطان نفثات من ناحية الأولاد يكاد يجعل الرجل يقتل أباه وأمه أو يفرقهما طوعا لداعى شهوته قالe: [الولد مجبنة مبخلة مفسدة] ، وفى آية أخرى يقول الله تعالى : "إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ"([88]) ويقول سبحانه : "إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ"([89]).

"وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ"

القناطير جمع قنطار ، والقنطار هو نهاية القدر الذى يوزن من الشئ ، وهو عند قوم من القدماء ملء جلد عجل من الذهب والفضة ، وعند آخرين مائة رطل ، وعند بعضهم ألف دينار ، والمقنطرة الكثيرة ، فالقناطير ثلاثة ، والمقنطرة ثلاثة فى ثلاثة "من الذهب والفضة" الذهب والفضة أنفس ذخائر الإنسان ، لأن من يملكها ملك كل شئ يشتهيه من مشتهيات الدنيا.

والذهب معدن نفيس من المعادن التى لا تتركب ، وكم أفسد الناس فيه أعمارهم وأموالهم ليركبوه من حقائقه التى يظنون أنه منها ، فلم ينالوا سوى الخيبة ،وهم الذين يصنعون الكيميا.

والفضة معدن أقل من معدن الذهب جودة ونفاسة ، ولكل منهما خصوصيات طيبة زيادة عن خصوصياتهما فى المعاملات ، وقد نجح قوم فى إنجاح مقصدهم فى هذين المعدنين ، وهم من منحهم الله الروح العلية التى يقوى الرجل بها على تنويع الحقائق ولا حرج ، فإن الله منح موسى عصا تنقلب إلى ثعبان فتعمل أعمالا تعجز البشر ، ومنح عيسى كلمة يحدث اله بها ما شاء من أحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ومن خلق الطير من الطين ، وكما منح اله رسله الكرام كلمته ف عصا أو بغير عصا ، فإنه تنزه وتعالى يعطى تلك الآيات لمن أحبهم من خيرة خلقه لا فرق بين الرسول والنبى والوالي.

والمحظور عن أن ينال هو الرسالة ، أما ما زاد عن الرسالة من المعجزات والباهرات فإن الله قد يظهرها على أيدي أوليائه بصفتها كرامات منه لهم ، ولكنها لا تظهر إلا على أيدي الأتقياء من أمة سيدنا محمدe، فإذا ظهرت على أيدي المنافقين أو الكافرين كانت استدراجا من الله تعالى ، وقد ظهرت على أيدي سحرة فرعون لتقوم الحجة عليهم بعصا موسى ، وإنى أبين لك شيئا فى الكرامة : من أظهرها ليظهر بين الناس ، أو لينال بها خيرا وقع فى النفاق من حيث لا يشعر ، فإن الله أمر الأنبياء بإظهار المعجزة دعوة للخلق إلى الحق ، وأخذ العهد على الأولياء أن يخفوا الكرامة حتى يظهرها سبحانه تأييدا لمن يحبهم ، ومن راض نفسه لتظهر له كرامة فقد عبد غير الله.

"وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ"

الخيل جمع لا واحد له من لفظه ، والمسومة المعلمة بالغرة فى وجوهها والتحجل فى أطرافها ، أو الخيل البلق أو التى فى جسمها ألوان ، ومسومة من السيما وهى العلامة كما قال تعالى : "سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ"([90]) ، وهى جياد الخيل.

وللخيل فى القلوب شهوة عند رجال تبلغ عندهم مبلغا حتى يكون الجواد أغلى على الواحد منهم من والده ، وهى شهوة مخصوصين من الخلق ، لذلك أخرها الله عن الحقائق التى هى مشتهيات الخلق جميعا كالنساء والبنين والذهب والفضة.

"وَالْأَنْعَامِ"

كلمة خاصة بالإبل إذا أطلقت ، وغذ لم تطلق كما فى هذا الموضع كانت للإبل والبقر والغنم ، لأن الله تعالى لما ذكر الخيل أجمل فيها البغال والحمير وذكر أكملها لمناسبة الشهوة.

"وَالْحَرْثِ"

هو الزراعة لأن الإنسان إنما يحرث الأرض لزرعها ، وقد أصبح الحرث خيرا من الذهب والفضة والأنعام بعد أن سكن الإنسان المدن استراح ، أما فى العصور القديمة فكان الحرث لا قيمة له ، لأن العالم كان يرحل من مكان إلى مكان لرعي ما يملكه من الحيوانات فقط ، وكان طعامهم إذ ذاك الألبان واللحوم ، ولباسهم وبيوتهم من الجلود . ولا يزال منهم بقية فى السودان الجنوبي ، وفى المغارات والجبال فى بلاد أمريكا ، وللحرث شهوة فى القلوب تجعل الإنسان حريصا عليه يقتل أباه وأمه وولده وجاره فى سبيل سقياه أو حفظه من الأيدي الأثيمة.

"ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"

دليل على أن المزين هو الله تعالى لأنه خلق تلك الأشياء ، وجعلها متعة فى الحياة بتمتع بها الناس لداعى الضرورة التى خلقها الله فيهم من احتياج إلى الغذاء واللباس والمأوى والدواء ، إذ بغيرها يفقد بنو الإنسان الحياة ، ومعنى "متاع الحياة الدنيا" أى تتمتع به الناس ثم لا يبقى . فقد يكون التمتع به سببا فى فقده كالذى يتغذى به الإنسان فإنه يفقد فورا ، وقد يفقد بعد حين كاللباس والفراش والمسكن.

إذا فكل متعة تفنى ، وكما أنها تفنى باستعمالها فهى قليلة جدا حقيرة لا يجعلها مقصده الأعظم إلا الجاهل ،والإنسان مع غفلته أقل من الحيوانات التى خلقت لتتمتع ثم تموت فتكون ترابا ، فإن الحيوان إذا ملأ بطنه أستراح من عناء طلب قوت غده ، ولكن هذا الإنسان ما أكفره ! يكون فى بيته ما يكفيه اليوم والشهر والسنة ولا يستريح ليلة من هم المعاش ، والنملة خير منه فى هذا ، فإنها تمكث شهورا طويلة ساكنة فى بيتها مطمئنة لا تشتغل بطلب رزق ، فهى خير من الملوك . والإنسان أقل من النملة راحة ولذا فالأولي له أن يتمنى أن يكون ترابا.

وبعيشك أخبرني : متى استراح الإنسان وهو مطلوب للإنسان ، عالم بأنه سيقف بين يدى الله يحاسب على الصغيرة والكبيرة ، ويعتقد أنه أما إلى جنة وأما إلى النار ! ومع ذلك ينسى كل ذلك ويقبل على مشتهياته فيضيع أنفاسه الغالية فى غفلة وجهالة ومنازعة ومعارضة وعناد وعداوة فى طلب مالا يبقى ، فإذا جاءه رسول به أى الموت ندم ولات حين مندم ، وقال : "رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا"([91]) ومن أين له الرجعة والمسكين قد كان فى بحبوحة الوسعة وجاءه النذير.

"وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ"

المآب هو المرجع ، مأخوذ من آب يؤوب ، أى رجع يرجع ، و "حسن المآب" يعنى خيره ، وهو يوم القيامة الذى تكون فيه مشتهيات الأرواح العالية من شهود جمال الله العلي ، وسماع كلامه المقدس ، والأنس بحضرته جل جلاله ، ولذات العقول من شهود أنوار القدرة والحكمة فى حظائر الملكوت الأعلى ، ولذات الجسم من مأكل شهى ومشرب لذيذ وملبس بهى ، وملاذ الحس من منظر الجنة التى تعجز العبارة عن بيانها.

فإن الإنسان الأول كان فى الجنة فكان يغذى جسمه بمناظر الجنة من أزهار وأنهار وجمالات تسكر الأرواح ، ويغذى جسمه بأنواع الملاذ من مأكل ومشرب من ثمار الجنة وطيرها ومائها وفاكهتها ، وكان يغذى عقله بالنظر إلى إبداع البديع جل جلاله ، وكان غذاء نفسه الطيب والحب والأنس بالله تعالى.

فلما أهبط إلى الأرض غذى حسه بالنظر إلى أهوال ما يراه من المناظر البشعة ، وغذى جسمه بقديد الثمار وغيرها وبعد الجهد الجهيد والعناء الفادح ، وغذى عقله بالبحث عما يدفع به عن نفسه شر العاديات من وحوش البر وعناء البحر وخوف حيوانات الأرض ، وفقد غذاء الروح الطاهرة ، وأشهد الله الإنسان الأول نعيم الجنة وأشهده عناء الأرض ليخبر أولاده فيشتاقون إلى الجنة ويعملون لها ، وأخرجه من الجنة بذنب واحد ليذكر أبناءه أن الساكن فى الجنة أخرج منها بذنب فيحذرهم من عمل الذنوب.

وهنا أشير إليك إشارة تعلم أن أهل محبة الله فى الدنيا هم عند ربهم ، وهم فوق التراب وتحت السماء ، لأن محل نظر الله تعالى هو القلب ، فإذا تعلقت همم العبد وعزائمه بربه ، واستحضر حكمة إيجاده وسر إمداده تمثل هذا الجانب العلى بما يقدر عليه من التمثيل بحسب ما وهب الله من القوة المتصورة فإذا كمل يقينه فى هذا المشهد كان وهو يمشى على الأرض عند ربه سبحانه من حيث عناية الله به وإقباله عليه بعواطفه وعوارفه ، ومن كان عند ربه فى الدنيا رفعه الله فى الآخرة فجعله عنده فى مقام الأنس به على بساط منادمته ولما لم يكن هناك ألفاظ خاصة تدل على الله بلفظها ومعناها خاطبنا سبحانه بما نعلم من الألفاظ بحسب مقدارنا العقلى ومنحنا نورا نستبين به روح تلك الألفاظ فنسلمها لله تسليما ، فنقول العندية معلومة والكيف مجهول.

قوله تعالى : "قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ"(15).

"قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ"

يأمر الله حبيبه محمداeبقوله : "قل" للناس عامة بدليل قوله سبحانه: "زين للناس" "أؤنبئكم" والاستفهام لتقرير الحقائق وتثبيتها فى قلوب السامعين ن و "أؤنبئكم" أخبركم خبرا جديدا فى قوة البشرى "بخير" أفعل تفضيل يعنى بأجمل وأكمل مما نزعت إليه نفوسكم ومالت إليه طباعكم المفطورة على حب الشهوات من النساء والبنين إلى آخره ، والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله واسم الإشارة عائد إلى أنواع طيبات الحياة الدنيا المذكورة قبل.

"لِلَّذِينَ اتَّقَوْا" الجار والمجرور متعلق بخبر التى هى اسم التفضيل.

"عِنْدَ رَبِّهِمْ" أى من الخير لهم أو معه لهم يوم القيامة . وفى هذه الآية إشارة إلى أن الذين اتقوا قدر الله لهم التقوى والنعيم المقيم من الأزل وحتى لو أنهم عاشوا فى المعاصى وقد سبق لهم هذا الخير العظيم لنالوه ف تأثير للأسباب . وإنما جعلت الأسباب ابتلاء من الله تعالى لحكمة عليه لا يعلمها إلا الراسخون فى العلم لتظهر معانى الصفات جلية ، وأن الله قد يؤاخذ العبد على طاعته فيدخله النار إذا عامله بالعدل.

وقد يقدر أرقى مقام لأهل الكفر به الذين عاشوا فى الكفر عشرات السنن ، فيهديهم ويفوقهم قبل موتهم ، ليظهر جل جلاله قهارا منتقما غفورا رحيما . "جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ" "جنات بدل من خير ، ولك أن تقول جنت على النصب للاختصاص ، وعلى الرفع على القطع فتفيد المدح ، وكان سائلا سأل ما هو الخير الذى أعده الله للذين اتقوا ؟ فقال : هو جنات ، فظن أهل الدنيا أن فيها عناء السقيا والتعب في تحصيل الماء فيطمئن الله قلوبهم بقوله "تجر من تحتها الأنهار" فلما أخبرنا الله تعالى بالجنة وبالماء الذى يجرى تحت أشجارها تذكرنا الموت وانزعاج القلوب من وقوعه أو تذكره فقال سبحانه :

"خَالِدِينَ فِيهَا"

أى مقيمين فيها لا يخافون موتا ولا فوتا فحصلت البهجة للنفس ، ولكنا تذكرنا الوحشة فيها حيث لا أنيس يؤنسنا.

لأن الإنسان شديد الطمع حريص على حسن مستقبله فقال تعالى "وأزواج مطهرة" فحصل الأنس والسكون إلى الله تعالى ، ولكنهم علي يقين من إطلاق حضرة الربوبية ، فيخشون منه سبحانه أن يلتفت بوجهه الجميل عنهم فتكون وحشة الروح منه سبحانه أن يلتفت "ورضوان من الله" الذى هو طلبة الأرواح بدليل قوله تعالى "ورضوان من الله أكبر" يعنى أكبر من الجنة وما فيها ، لأن بهجة الأرواح فوق أشهى ملاذ الأشباح.

وكم من مبتهج بروحه جائع عار ومتألم بآلام من الأسقام ، وهو فى بهجة وأنس بالله تعالى لا يتأثر بشئ من ذلك ، وكم من متمتع بكلمة "كن" وقلبه يذوب خوفا من حرمان الرضوان ، فأنس الأرواح خير وأبقى من جنة الأشباح.

"وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ" أى محيط علمه بما هم عليه قلبا وقالبا ،  فيهب لمن أقبل عليه محقرا الدنيا ومستصغرا الآخرة فى جانب رضوانه الأكبر ، فإنما بمجاهدة نفسه حتى يتجمل بالذكر الأكبر فيهب له ما لا عين رأت فى جنة الرضوان على بساط الأنس وموائد الكرامة من الله التى تتغذى بها الأرواح غذاءها الخالص ، وهى جنة من حبهم الله واصطنعهم لنفسه ، ويعلم أيضا إنكار هل النفاق والكفر الله وجحودهم ، فيحشرهم إلى دار العذاب الجسماني والألم الروحاني فى نار مؤصدة على الأجسام ، تطلع على الأفئدة بعذاب الأرواح والضمائر.

قوله تعالى : "الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"(16).

"الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا"

"الذين يقولون" بدل من الذين الأولي ، ويقولون وما يتعلق به صلة . "أننا أمنا" ينادون ربهم القريب منهم بقدرته وحكمته وإحسانه وفضله نداء من يرونه بعيون بصائرهم ويشهدونه سميعا بصير مجيبا "أننا آمنا" خبر منهم والإيمان عقد اللقب على ما جاء به رسول اللهeمن عند الله تعالى.

والمعنى أننا صدقنا محمداeفيما جاءنا به من عندك سبحانك تصديقا جعلنا نعلم رتبتنا من الوجود ، وعجزنا عن القيام بشكرك على نعمتى الإيجاد والإمداد ، وتقصيرنا عن المسارعة إلى القيام بما أمرتنا به ونهيتنا عنه ، وذلك لما نعلمه من فطر أنفسنا المهملة ، ومن جوانب طبعنا الخبيث ، وميلنا إلى الحظ والهوى ، مما يقتضي التماس العفو والمغفرة منك سبحانك.

"فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"

أى أستر بسترك صغائرنا وكبائرنا عنا وعن معالمنا من الأرض وعم ملائكتك الحفظة علينا حتى نلقاك وليس علينا شاهد بذنب ، "ذنوبنا" أى ما اجترحته جوارحنا مما يخالف الكتاب والسنة ، أجعل غفرانك لنا وقاية تقينا بها من عذاب النار ، بل ومن عذاب حسيسها ، حتى نكون مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وفى هذه الآية إشارة أن أهل الإيمان الكامل يعتقدون أن كمال الإيمان لا يجعل العبد يأمن جانب الله تعالى ، ولكن يجعله وسطا بين الخشية والرجاء يطمع ف مغفرته وعفوه.

وجائز أن يكون المعنى فأعفر لنا همنا وخواطرنا وإرادتنا التى تجعل أنفاسنا غير مستغرقة فيما تحبه وترضاه ، لأن أهل الإيمان الكامل تمثلوا قوله : "وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ"([92]) ومن تمثل تلك الآية كيف يقوى أن يفعل ويرتكب صغيرة أو كبيرة ؟ وهؤلاء شغلهم بمعاصى القربات لا بمعاصى الجوارح ، فقد يتقرب الرجل منهم إلى الله طول ليله ثم يسيء الظن بنفسه ، فيقول : أن أعملي هذه ليست خالصة لوجه الله ولكنها لعلة وغرض خفيين عنى ، فيستغفر الله ويسأله الوقاية من عذاب النار وهو يبيت لربه قائما ساجدا ثم يستغفر الله فيسأله الحفظ من النار ، وبين من يبيت وهو يتقلب فى الصغائر والكبائر ويستغفر الله.

وجائز أن تكون النار التى يسألون الله الوقاية منها هى نار النفس الأمارة بالسوء ، ونار الطبع الخبيث ، ونار الهوى والحظ التى تدفع الإنسان إلى ما يغضب اله تعالى وهى شر من نار القيامة ، لأن تلك النار أبعدت عن الله وحجبت العبد عن مطالعته الغيب المصون وأوبقته فى نار جهنم ، فكانت عذابا للروح وعذابا للجسم.

وشر أوقات أهل جهنم : إذا تذكروا ما كانوا عليه من موجبات غضب الله ، وخير أوقات أهل الجنة : إذا تذكروا مجالس العلم وأوقات المجالسة فى الله تعالى ، فتكون تلك الذكرى ألذ عندهم من الجنة ، كما أن ذكرى أهل جهنم تكون أشد عندهم ألما من النار . يقول تعالى مخبرا عن أهل النار "رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا"([93]) ويقول عن أهل الجنة "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ"([94]).

قوله تعالى : "الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ"(17).

"الصابرين" الصبر لغة ثبات جند فى مقاومة عدو لهم ، والصبر هنا هو ثبات جند الروح والعقل والنفس والمطمئنة اللوامة ف مجاهدة النفس الأمارة بالسوء والحظ والهوى والطمع والحسد وكل الرذائل ، فإذا ثبت جيش الحق أمام جيش الباطل وصف الإنسان بأنه صابر.

والصبر يحسن فى مواطنين : صبر على طاعة الله ، وصبر على ترك معاصيه سبحانهفالصبر يكون فى القيام بالمأمورات والانتهاء عن المنهيات . أما فى الأقدار فليس للصبر مقام على فيها وإنما المقام العلى لأهل الرضا عن الله فيها.

والصبر هو حبس النفس عن عمل ما أمر الله به وعلى ترك ما نهى الله ، فالصابرون هم الذين جملهم الله بتلك المعانى جمالا نفذت به نفوسهم المطمئنة من أقطار السموات والأرض بسلطان اليقين الحق ، حتى شهدوا ما فوق ذلك من جمال وجلال وبهاء الله تعالى ، وقد يبلغ بالصابرين المقام حتى يكون الله تعالى معهم . وفى الحديث عن على بن أبى طالب قالe: [الصبر نصف الإيمان] وذلك لأن الإيمان تخلية وتحلية فالصبر تحمل مضض المجاهدة فى تزكية النفس وتخليتها عن رذائلها ، فإذا تجردت النفس وصفا جوهرها واجهت عالم الغيب العلي فتمثلته وكانت بحالة من الكمال بحيث ترى أن الله تعالى معها.

"والصادقين" والصدق يكون فى القول والحال والعمل والنوايا : أما الصدق فى القول فمعلوم وهو أن يخبر المتكلم خبر مطابقا ، أما الصدق فى الحال فإنه الانفعالات التى تظهر على الهيكل عند تأدية الخبر أو عند سماع ما يفهم من الانفعالات التى تعترى الشخص عند إقامته الحجة والدلائل على صدق ما يخبر به . أما الصدق فى العمل فهو قيام الإنسان فى عمله بعامل يؤثر لى قلوب الشاهدين له.

أما الصدق فى النوايا والمقصود : فهو انبلاج الحقائق لروح الإنسان انبلاجا يجعله صادقا فى نيته عند الله تعالى وعند الخلق.

ولما كان الصدق كائنا فى كل الأعمال والأقوال والأحوال والنوايا ناسب أن يكون بعد الصبر ، لأن الصبر مقدم بالحقيقة ولولاه ما قام لإنسان بعظائم الأمور وصغائرها . وقد ثبت لك أن الصبر يكون لله وفى الله وبالله ، ولكن لا يكون عن الله إلا عند الكفار به سبحانه وتعالى.

وبعد الصبر يلزم أن يكون الصدق ، فإن العالم لا يعمل إلا ليفوز بالخير المقصود ، فإذا لم يكن ثم صدق اعتورته الشكوك والريب ، فإن أدى العمل مع تلك الشكوك والريب حرم أجره ،وقد يتوانى ويتلهى عنه بما يقوم بالقلب من علامات الشك والريب والتكذيب الذى يعتريه.

وقد ورد فى القرآن الثناء الجميل على الصادقين ،حتى أخبر أن الصادقين جملهم الله بتلك الصفة منه جل جلاله بقوله تعالى : "وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا"([95]) و "أصدق" أفعل تفضيل يدل على أن هناك صادقين والله أصدقهم . فوضع نفسه مع الصادقين فى مقام الفوقية ثناء منه سبحانه على أهل الصدق ، والواو هنا واو المدح لأن تلك الصفات السبع كلها لفرد واحد ، وليست واو العطف لأنها لو كانت واو العطف للزم التغاير كما تقول جاء زيد وعمرو وأكلت اللبن وشربت الماء.

"والقانتين" تقدم شرح القانتين ، ولكنى لا أخلى الموضوع من مزيد لك . لما كان الصبر كما قدمت لك حبس النفس على محاب الله ومراضيه، والله جل جلاله ينعم علينا فى كل نفس نعما لا تحصى ، لزم أن يكون ذلك الحبس مستديما ليصلح من الصابر الشكر على نعماه ، ويكون القانت هنا المستديم على الإقامة فى محاب الله ومراضيه.

ولكن القنوت الذى اصطلح عليه الفقهاء : هو الدعاء بعد الركوع أو قبله فى صلاة المغرب أو الوتر ، وهو مشهور فى الفقه ويسمى القنوت ، وهذه التسمية اصطلاحا عند الفقهاء ، وكانeإذا حزبه أمر قنت فى الصبح وفى المغرب وفى الوتر ، وكان يترك هذا القنوت كثيرا إذا لم يكن هناك ما يدعو إليه ، وقد كان يقنت بالدعاء على من قتلوا الحفاظ من أكابر قريش بعد غزوة أحد : [اللهم العن فلانا وفلانا] . فأنزل الله عليه : "لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ"([96]) فتركeالدعاء عليهم.

فالقانتون هم الذين كشف الله عن عيون بصائرهم سحب الجهالة والغفلة والهوى والطمع والحظ ، حتى شهدوا الدنيا على ما هى عليه والآخرة على ما هى عليه ، وشهدوا كمال الله تعالى وجلاله وجماله ، فأفردوه سبحانه- بالعبادة دائمين عيها محافظين على أدائها بشروطها وآدابها وأناتها.

والقنوت هو دوام رعاية واجب الوقت ، ولا يراعى واجب الوقت إلا أهل العلم بالله ، فإن للوقت واجبا وحكما ، وواجب الوقت يقدم شرعا على حكم الوقت ، ودليل ذلك بسيط جدا لأن المسلم إذا وقف يصلى العصر عند غروب الشمس بحيث لا يسع الوقت إلا قدر ركعة ويخرج العصر من الأداء إلى القضاء ، فرأى رجلا أعمى يخشى عليه أن يتردى فى بئر ترك الصلاة وأسرع لينجيه لأن ذلك واجب الوقت ، فيكونون فى كبائر وهم فى عمل القربات لجهلهم ذلك الواجب المقدس.

"والمنفقين" لما كان الصبر والصدق مما يجب على الإنسان أن يحصل العلم بهما حتى تتكون منهما فطرة النفس بعد نقش علمهما على جوهرها ، ويكون بذلك مؤهلا للمسارعة الى محاب الله ومراضيه فى نفسه وماله وأهله وولده وكان المال شقيق النفس وقد قدم الله فى النفقة آيات كثيرة فى سورة البقرة وبين وجوهها وفضلها وجزاءها ، حتى بلغ الجزاء في النفقة أن ضرب الله به مثلا ، فقال : "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ"([97]) وزاد على ذلك بقوله : "وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ".

فالنفقة هى بذل الفضل للمحتاج مطلقا ولو كان عاصيا ، وفيها فريضة وهى إخراج زكاة الأموال وإعطاؤها لأصحابها الذين بينهم الله تعالى ، ثم بر الوالدين فصلة الرحم ، فإكرام الضيف والجار حتى ينال بذلك أنواعا من الجمال الإلهي.

النوع الأول : أنه تخلق بخلق الله من حيث الكرم فهو الكريم وصفته الكرم.

النوع الثاني : أنه وثق بما فى يد الله بعد التوكل عليه.

النوع الثالث: أن ملىء قلبه رحمة بإخوانه المسلمين.

"وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ"

ما كانت النفقة دالة على كمال التوكل والثقة بالله تعالى وهو القسم المالى ناسب أن يذكر تعظيم الله وإجلاله بعدها فذكر المستغفرين بالأسحار. والسحر : هو آخر الليل قبل طلوع الفجر الصادق ، وهو الوقت الذى يتسلط فيه الشيطان على الإنسان فيقهره بالنوم.

فإذا استيقظ فى هذا الوقت فكأنه حارب نفسه الأمارة بالسوء وطبعة الخبيث وقهر شيطانه ، لأن هذا الوقت تقوى فيه الشهوة للنوم فلا يقوم فيه إلا من عظم أمر الله واشتاق إلى أن يشهد القريب المجيب سميعا لدعائه مجيبا له كما قالe: [أن الله ينزل فى كل ليلة قبل طلوع الفجر إلى سماء الدنيا ، فيقول : هل من سائل فأعطيه ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من داع فأستجيب له].

حتى إذا طلع الفجر أشرقت أنوار انفجار الحقائق الإلهية بانفجار أنوار الصباح فشهد أنوار التنزل الإلهي ، قال تعالى : "المستغفرون بالأسحار هم الذين يصلون الفجر والعشاء فى جماعة" وقد ورد فى الأثر : [من صلى العشاء والفجر فى جماعة فقد قام الليل كله] تفسيرا لقوله تعالى : "وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا"([98]) أى يصلون العشاء والفجر فى جماعة فيكتب الله لهم قيام الليل.

وكان ابن مسعود يقوم فى الثلث الأخير من الليل ويجلس فيصلى ثم يقول لغلامه : يا نافع اسحرنا ؟ فيقول : لا ، فيقوم فيصلى . فإذا قال اسحرنا جلس يستغفر الله ويقول : اللهم أمرتنا فأطعنا فأغفر لنا كما وعدتنا.

وكان الصحابة يستغفرون فى السحر بسيد الاستغفار . وسيد الاستغفار قولهe: [ اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استعطت . أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت].

من أحب وسعة الرزق ونسيئة العمر فليقل سبعين مرة : "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله" فى وقت السحر.

وفى الاستغفار بالأسحار تعظيم لجلال الله ولأمره سبحانه ، ومن عظم هذا الجناب العلى عظمة لله بين خلقه ، ورفعه يوم القيامة حتى يشرف على حظائر قدسه ، قال تعالى : "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا"([99]) . وقد ذكرت لك فيما سبق أن التوبة لا يكبر عليها رسول من أولى العزم ، وأن الولاية لا يصغر عليها مؤمن مذنب ، لأن الولاية فرع الإيمان وما أعطى الله الأصل لعبد إلا أهل لأعلى مقامات القرب مما يتفرع عن الإيمان.

قوله تعالى : "شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"(18).

سبب نزول هذه الآية أن حبرين من أحبار الشام دخلا المدينة فقا أحدهما للآخرين : أن هذا البلد هو الذى ذكره الله فى التوراة أن يكون فيه خاتم الأنبياء ، وسألا فأخبرا أنه ظهر هنا رجل يدعى النبوة ، فتوجها إليه ونظر إليه فتحققا منه أنه هو خاتم الأنبياء ، فقال له أحدهما : أنت محمد ؟ فقال نعم : أنت أحمد ؟ فقال : نعم . فقالا أنا سائلاك عن شهادة . فقال : سلانى . فقالا : ما خير شهادة فى كتاب الله ؟ فأنزل الله تعالى قوله : "شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ" الآية ، فآمنا وصدقا . والشهادة لغة : هى الأخبار المقرون بالعلم المؤيد بالحجة ، وهنا جمع الله تعالى بين شهادته وشهادة الملائكة وأولى العلم.

ومعلوم أن مفهوم الشهادة فيها واحد ، لأن المراد نفى الجحود والشريك ، والإقرار بوجود الإله وبوحدانيته ، والعلم بالنبوة لا يستلزم العلم بنفى الشريك ، فإن العلم بالنبوة محتاج إلى أدلة وبراهين تثبت أن هذا الرجل نبى ، أما نفى الجحود وإثبات الوحدانية فقد شهد الله بهما لنفسه فى آيات كثيرة ، كآية الكرسي وكسورة الإخلاص وكفاتحة سورة آل عمران ، وشهد بها الملائكة وأولوا العلم . وشهادة الله لنفسه بذلك ، لا تعد شهادة من الشاهد لنفسه ولكنها فى قوة أنه سبحانه أقام الحجج والأدلة والبراهين الناصعة للقلوب التى تعقل عن الله بما أجلاه فى الكون علوه وسفله من بدائع إبداع الصنعة وعجائب تصريف القدرة ، وغرائب أحكام الحكمة ، حتى لو نظر ذو بصيرة إلى ذرة من ذرات التراب والجماد ، أو إلى أصغر حيوان أو إلى قليل النسيم العليل البليل ، أو إلى ما فوق ذلك من أرجاء وأجواء وأفلاك ثابتات وسائرات ، وإلى ما فوق ذلك بأن إعانة الله بالسلطان فنقذ من أقطار السماوات والأرض لشهد أنه لا إله إلا الله ، منزها لذاته العلية عن أن تلد أو تولد ، أو تحتاج إلى كائن ما ، أو أن يكون لها شبيه أو نظير أو ضد أو ند ، بل هو جل جلاله كما أخبر عن نفسه بقوله تعالى : "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ".

ثم أتى بجوهرة كمال توحيد الموحدين وصفاء جواهر أنفسهم فقال الكلمة الفذة التى لم يتذوق حلاوتها إلا الأفراد المخصوصون ، وهى قوله تعالى : "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ" ، وتلك الكلمة لو فصل أجمالها وأشرقت أنوار مضنونها لصار من يمشى على التراب فوق الملائكة العالين كشفا وإيمانا وطمأنينة قلب ويقين ، فإن فى كنزها الخفى عن العقول بل وعن الألباب سر اضمحلال العرش وما أحاط به مع بروزه مجملا بجمال الآيات شوقا إلى من أبدع الكائنات . وكيف يرضى مؤمن أن يرى أو يحكم بمكافئ لله يسلى به عنه جل جلاله - ؟ .

اللهم تجل لنا بجلى تبيان يمحق من قلوبنا ومن أمام أعيننا وجوارحنا كل ظل يستر عنا جمالك العلى . . هنا عطف الله الملائكة على نفسه ، وعطف أولى العلم كذلك لأنه سبحانه وتعالى بين بالحجج الناصعة للملائكة دلائل تفريده سبحانه بالألوهة ، وبين لأولى العلم وبين أولى العلم للعامة ، وفى ذلك ما فيه من الشرف والرفعة لأولي العلم . قالe: [ أكرموا العلماء فإن من أكرم العلماء فقد أكرم الله ورسوله ] وقالe[العلماء سرج الدنيا ومصابيح الآخرة] وهذا هو الحق ، فإن العلماء ورثة الأنبياء ، وما ورث الأنبياء درهما ولا دينارا ولكن ورثوا علما وهدى ، فمن أخذ بقسط منها طويت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحي إليه.

وما تقول فى قوم عطفهم الله على نفسه فى مقام أخباره بالشهادة عن نفسه حتى أقامهم مقام نفسه فى الشهادة له بأنه لا إله إلا هو ؟ يضيق بنا المقام إذا نحن فصلنا مجمل مقام العلماء ومنزلتهم من أمة محمدe، وغاية الأمر أنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء.

وكان أكثر الصحابة يعتقدون أنه صلوات الله وسلامه عليه لن يموت ، فلما مات هم إبليس أن يدخل عليهم شبهة أنه ليس بخاتم الأنبياء لولا أن قام الصديق الأكبر أبو بكر رضى الله عنه فقال للصحابة : من كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت ، ثم قرا قوله تعالى : "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا"([100]) ، فرفع الصوت بالولولة على رسول اللهe، بعد أن ثبت لهم بالحجة القرآنية موته ، وثبت لديهم أن الله يقيم له ورثة فى كل زمان يحيون ما اندرس من معالم شريعته.

فالعلماء هم أمناء الله على شرعة وأئمة الناس للسلوك إلى الله وهم شموس الهدى . قال على عليه السلام : "اللهم لا تخل الأرض من قائم لك بحجة أما ظاهرا مشهور أو باطنا مستورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته" ومر أبو هريرة رضى الله عنه فى السوق فوجد أهل الأسواق فى غفلتهم فقال : يا قوم ما لكم أن ميراث رسول اللهeيقسم فى المسجد ، فابتدر الناس بيوتهم وأخذوا أموالهم إلى المسجد ليشتروا ميراث رسول اللهe، فلما دخلوا المسجد وجدوا أبا ذر الغفارى وسلمان يتكلمان بعضهما مع بعض ، ولم يجدوا بيعا ولا شرا : فرجعوا إلى أبى هريرة ورموه بالكذب والبهتان فقال : ما هذا؟‍‌‍! قالوا : أخبرتنا أن مراث رسول اللهeيقسم فى المسجد وذهبنا فلم نجد إلا أباذر وسلمان يتحدثان ، فقال : هذا ميراث رسول اللهe، وهل لرسوله الله ميراث إلا هذا الذى يتقاسمه أبو ذر وسلمان ؟ فرجعوا على أنفسهم.

ولك أن تشرح الآية فتقول ! شهد الله أنه لا إله قائما بالقسط إلا هو ، وشهد الله أنه لا إله إلا هو "قائما" بالقسط ، وعلى التفسير الأول تكون "قائما" صفة "لا إله" وعلى التفسير الثانى تكون حالا مؤكدة أو مؤسسة ، ولك أن تقول : "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط" فتكون حالا من "أولو العلم" ولك تأويل آخر فتقول أن الله تعالى شهد لنفسه بتفريده بالألوهية ، وبأنه حكم عدل لا يظلم فى خلق ولا فى رزق ولا فى تقدير ولا فى أمر ونهى ، وشهد له الملائكة وأولوا العلم بما شهد به لنفسه ، منفردا بالأولوهة وبالعدل وبشئ آخر وهو قوله : "العزيز الحكيم" فشهادة الله لنفسه لأمرين عظيمين.

وشهادة الملائكة وأولوا العلم بما شهد به لنفسه جل جلاله وبأنه العزيز الحكيم ، لأن العزة هى القدرة العلياء ، والقوة القاهرة فى تنفيذ أحكامه وأقداره . والحكمة هى كمال العلم الذى به تبرز الأشياء على كمالها.

وهنا ظهرت حججه للملائكة ولأولى العلم ظهورا محسوسا لعيون الإيقان والإحسان والإيمان والإسلام ، فإنهم نظروا بأعين الإسلام أولا فشهدوا من بدائع إبداع الآيات ما طمأن به قلوبهم على الإقرار له بالتوحيد إقرارا مقرونا بالعلم ، فاعترفوا اعترافا دعا إليه ما تحققته جواهر نفوسهم ليتمكنوا من الإسلام ، لأن الإسلام نطق باللسان وعمل بالجوارح ، وهذا الإسلام فى فاتحته ، لأن أهل الجاهلية العمياء لم تكن لهم أوعية تسع النظر والبحث وبيان الأدلة والحجج أولا حتى يسلموا تسليما.

قال تعالى : "قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ"([101]) لأن محل الإيمان القلب وذلك لأن الإيمان هو التصديق ، أما بعد أن دق الدين أوتاده وضرب أطنابه فالإسلام والإيمان واحد ولا فرق بينهما ، فإن الإسلام هو عقد القلب على عقدية الحق والانة الجوارح على العمل بما أمر به ، والإيمان هو المسارعة إلى العمل بما أمر الله بالجوارح وعقد القلب على عقيدة الحق.

وقد اختلف المتكلمون والمحدثون أى علماء التوحيد والحديث فى هذا الموضوع ، فالإسلام والإيمان عند المحدثين واحد وعند المتكلمين اثنان ، وقد أشار بعد أئمة الصوفية إلى أن المراد من الدين هو التوحيد الكامل وعقد القلب على ما بينه الله من العقيدة والنوايا والمحاسبات والمراقبات التى بالتمكين فيها تعتبر أعمال الجوارح صالحة وبدونها لا تعتبر ولا تقبل ، فجعلوا العبادة بالجوارح فرعا من أعمال القلوب ، وجعلوا الإنسان إذا مات كامل الإيمان ولو كان مقصرا فى أعمال الجوارح دخل الجنة ، قال تعالى : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ"([102]) ، والخلاف بين المحدثين وعلماء الصوفية لفظى ، فإن أئمة الصوفية يعتقدون أن العبادة تقليد يقلد الولد أباه حتى يكون التقليد لرسول اللهe.

أما علم القلب فهو الفرض الواجب على كل مسلم ، ومتى حصل الإنسان علم القلب لانت جوارحه على القيام بما فرض الله تعالى ، بل وسارعت إلى عمل نوافل الخير ، ومتى خرب القلب من هذا العلم وملأ صفاح السموات وبطاح الأرض عملا لن يرفع ولن يقبل.

وأكمل الإيمان الإيمان بالغيب ، وقد أثنى الله تعالى على أهله وبشرنا عنهم بقوله : "أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"([103]) ، ثم أمرنا بعد ذلك بالبحث والنظر ، فقال : "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ"([104]) ، وآيات لأولى النهى ، وعبرة لأولى الأبصار حثا منه سبحانه على طلب العلم ، وقد رفع العلماء درجات عالية بعد الثناء على أهل الإيمان ، فقال سبحانه : "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"([105]) ، وقال تعالى : "وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ"([106]) وقال سبحانه : "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"([107]) ، وشبه ذلك بالميت والحى والأعمى والبصير.

كل ذلك ليبين فضل العلماء حتى نشتاق إلى العلم فنسارع إليه حيث لا علم إلا بالتعليم ، إذن فيكون العالم قصد كل طالب لله تعالى وقليل ما هم.

قوله تعالى : "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ"(19).

"إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ"

هذه الآية جائز أن تكون من متعلقات "شهد" وتكون همزة "أن" مفتوحة أى أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام ، ويكون تأخيرها عن تقديم بمعنى الإقرار بعد الحجة بتفريد الألوهة وإثبات أنه جل جلاله حكم عدل ، لقوله تعالى : "قَائِمًا بِالْقِسْطِ" ثم قال : "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ" بحذف حرف العطف ملحوظا ،وأن ورد فى بعض الروايات الشاذة ، حتى روى عن ابن عباس أنه فتح الهمزة فى : "أن الذين" وكسرها فى "أنه لا إله إلا هو" وجعلها جملة معترضة ، وجعل تفسير الآية : "شهد الله" أن الدين عند الله الإسلام والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط وأنه لا إله إلا هو . . وذكرت قبل "أن الدين عند الله الإسلام" فى حكم الجملة المعترضة.

وجائز لك كسر أن ، وعليه أكثر القراء ، وتكون الجملة مستأنفة وهى خبر عن الله تعالى ادحاضا لافتراء اليهود والنصارى الذين أنكروا نبوة محمدe، والدين هو الطاعة والجزاء ومعناه : ما يدين به العبد ليفوز بالجزاء الحسن يوم القيامة.

والإسلام هو التسليم والاستسلام لأمر الله تعالى ، وقد جاء خبر عن الخليل فى قوله تعالى : "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ"([108]) ، فإن الإسلام تسليم لله واستسلام لله.

وفى تلك الكلمة جماع الفضائل الإسلامية من قيام لله بما أمر ، ومسارعة فيما رغب من عقيدة وعبادة وأخلاق ومعاملة ، وبعد عما نهى عنه . وكل تلك الحقائق مجملة فى لفظة إسلام بمعناها اللغوى ، وهو دين آدم إلى عيسى ، إلا أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أنزل الله عليهم الكتب بعقيدة وعبادة بقدر أزمانهم ومقادير عقول أممهم ، بحسب ما شهدوه فى الكون من خلق وصناعات وآثار وأيات ، حتى أكمل الله الدين بمحمدe، فخاطب الأرواح بعد أن كان سبحانه فيما سبق يخاطب العقول والأشباح ، وفصل مجمل العقيدة وزاد أحكاما بحسب الأحداث الزمنية ، وبين المبهم مما سبق حتى قال سبحانه : "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ"([109]) ، الذى جاء بهe"دينا".

وقال تعالى : "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا"([110]) يعنى القرآن "ولا تفرقوا" أى لا تختلفوا على حبيبى ومصطفاى "واذكروا نعمت الله عليكم" محمداe"إذ كنتم أعداء" قبل بعثه إليكم "فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته" أى محمدe"أخوانا" كالجسد الواحد وكل افرادكم كأعضاء هذا الجسد . "وكنتم على شفا حفرة من النار" لكفركم وضلالكم وجاهليتكم ولم يكون بينكم وبين النار إلا الموت "فأنقذكم" الله "منها" بمحمدe.

تقرر لك أن الإيمان والإسلام واحد بدليل ما ورد أن الصحابي كان يقول : "ما الإيمان يا رسول الله ؟ " فكانeيقول : [ أن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة] إلى آخر الحديث ، فإذا سأله سائل عن الإسلام أخبره بما أخبر به السائل عن الإيمان ، فتلك حجة على أن الإسلام والإيمان واحد ، وهما كحبة القمح التى يغشاها النخالة دون السن وفى باطنها النشا وهو اللب وكلها حبة واحدة ، فكذلك الإسلام والإيمان والإحسان.

وعندى أن الإسلام بما يفهمه العلماء هو أساس البيت الذى لولاه لهدم ، فإنك ترى البيت رفيعا جدا والأساس خفى ولكنه أمتن وأقوى من كل ما فوقه من المبانى ، فمن تساهل فى صغيرة من أركان الإسلام هدم البيت جميعه ولو بلغ مقام الإيقان ، وما تقرب المتقربون إلى الله بشئ أفضل من أداء ما فرض عليهم . قالeمخبرا عن الله تعالى : [ وما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلى من أداء ما أفترضه عليه ].

وقد تخبط بعض المتصوفة فظنوا لجهلهم أن الإنسان إذا تجاوز مقام الإسلام إلى الإيمان فالإحسان ، لم يطالبه الله بأركان الإسلام وذلك صريح الكفر فإن رسول اللهeيوم وفاته ناداه بلال : من يصلى بالناس يا رسول الله ؟ فأمر العباس بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب أن يحملاه بعد ان أمر أبا بكر بالصلاة ، فدخلا به المحراب وهو يخطو برجليه ، فلما رآه المسلمون فرحوا وهللوا وهم فى الصلاة فتأخر أبو بكر وتقدم العباس وعلى فأجلساهeفى المحراب ، وأمر أبا بكر أن يصلى ، وصلى بالناس جالسا ، وصلى بصلاته أبو بكر فلم يتركeالصلاة ونصفه الأسفل فارق الحياة.

وكذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما أن أصبح الناس وطعنه أبو لؤلؤة المجوسى قبحه الله وسال دمه فناداه ابن أم كلثوم : من يصلى بالناس يا أمير المؤمنين ؟ فقال : هلك عمر أن كان فيه نفس وترك الصلاة ، أرفعونى ، فرفعه عبد الله بن عمر وآخر معه ، وأدخلاه المحراب والدم يشخب من جرحه ،وصلي بالناس ، وقد أخذ بذلك مالك بن أنس فقال : من به جرح أو قرحة تسيل دما فليصل بالناس فلا أثم عليه.

فإذا كان لم يترك الصلاة وقد فارقت نصفه الحياة عليه الصلاة والسلام- وعمر بن الخطاب لم يتركها وقد فقد الحس والحركة ولم يبق له إلا أنفاس قلائل ، فكيف يدعى هؤلاء الأبالسة أن الصلاة تسقط عمن تمكله الشيطان بغروره ؟ فأركان الإسلام الخمسة هى أصول ، وما زاد عليها من ولاية وحب وقرب فى فروع عنها ، فإذا زالت الأصول انمحت الفروع.

والواجب على المسلمين أن لا يفارقوا موازين الشريعة من قلوبهم ولا من أبدانهم ، فإذا رأوا رجلا يمشى على الهواء أو على الماء أو يقول ياسماء امطرى ويا أرض أنبتى فتفعل ، وهو تارك لركن من أركان الإسلام فإنه شيطان يستدرجه الله تعالى ليفتن به أهل الضلالة ، وأكرم كرامة من الله تعالى لعبده هى الاستقامة.

وسبب هذا البلاء الذي هو الشطح والخروج عن موازين الشريعة صحبة أهل الهوى والطمع والحرص على الدنيا من الجهلاء ، ولا تذكر يا أخي ، فإن الله إذا سبق فى قدره السوءى لعبد فعاقبته السوء ولو بلغ أن يكون طاووس الملائكة ، كما فعل بابليس وبرحيطا وبلعام بن باعوراء ، وإذا سبق فى قدره الحسنى لعبد رفع حتى يجلس على منبر من النور قدام عرش الله عز وجلولو فعل من الكبائر ، كما فعل سبحانه بآدم وبأصف بن برخيا وبعمر بن الخطاب الذى توجه إلى رسول اللهeليقتله ، وسترد عليك أحداث يذكر كل واحد منهما عند مقتضاه.

ولا تعجب فالشيطان الذى أخرج آدم من الجنة بعد أن خلقه الله بيديه وأسجد له ملائكته وأسكنه فردوسه الأعلى ونفخ فيه من روحه قد مكنه الله أن يخرج من جنة الرضا وجنة الشهود من سبقت لهم السوءى ، أسأل الله أن يعيذنا بوجه الجميل من الفتن المضلة ومن البلايا والمذلة أنه مجيب الدعاء.

"وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا"

الذين أتوا الكتاب هم اليهود والنصارى والجاهلون من العرب ، واختلاف اليهود على موسى بن عمرن لأنه عندما حضره الموت سلم التوراة لسبعين رجلا من خيرة بنى إسرائيل ، وناب عنه يوشع ، فتمسكوا به فيما ، حتى جاء قرن بعد قرن ، فغيروا وبدلوا وحرفوا بعد أن قامت الحجج.

واختلاف النصارى أن بعضهم قال أن عيسى بن الله ، وبعضهم قال هو الرب . وبعضهم قال بقداسة مريم . وسبب ذلك أن المسيح لما رفع ، وقدر الله صلب يهوذا الاسخريوطى ، لأن جند الرومان الذين كلفوا بصلب المسيح كان معهم رجلان محكوم عليهما بالصلب ومعهم يهوذا الذى دل عليه ، وكان من عادة الرومان أن لا يرفعوا الرجال على الصليب إلا قبل الفجر بقليل ، فخرجوا إلى الصحراء خوفا من تعصب أتباع المسيح ، لأنه كان له رجال كثيرون يحبونه لما أظهره من المعجزات الباهرات ، فلما جاء وقت الصلب رفع الله المسيح ، وقام الرومان ففتشوا عليه فوجدوا يهوذا لابسا كلباسه ووجه كوجهه ولحيته ، فلم يشكوا أنه هو ، فقبضوا عليه ووضعوه على الصليب ، فنادى بأعلى صوته باكيا : يا أيلي لم شبقتنى ؟ يعنى يا الله لم تركتنى ، والرومان يعتقدون أنه المسيح بدليل قوله تعالى : "وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"([111]) أى أن يهوذا كان أشبه الناس به فصلبوه على أنه هو المسيح ، وبينما هو على الصليب جاء جندى آخر فقال : ليس هذا المسيح ولكنه خادمه ، فأنزلوه من على الصليب وألقوا بحثته خارج الصحراء خوفا من أن يفتش عليه فيثبت لدى الرؤساء أنه غيره فيؤاخذون الجنود.

وكان تلاميذ المسيح أربعة ففزعوا خوفا من أن يصلبهم الرومان ، وفر متى ولوقا ويوحنا المعمدانى ، وكان بطرس قبض عليه من قبل ذلك ، وسئل: هل أنت تلميذ ليسوع أو تعرفه ؟ فقال : لست تلميذه ولا أعرفه . وبطرس هذا هو الذى قال للمسيح يوم أحيا له عاذر : أنت الرب فقال المسيح : لقد قلت كلمة أغضبت الرب ، وستنكرنى غدا يا بطرس ، فتأخر عن التلاميذ الثلاثة فلما فروا ليلا إلى الصحراء آووا إلى كف هناك ، فجاءهم إبليس فى الباس عراقى وجلس فى جانبهم يبكى حتى أبكاهم فقالوا : علام تبكى ؟ فقال : على ابن ربنا الذى صلبه أعداؤونا . ثم نظر إليهم فقال : ما تقولون فيمن يخلق من الطين طيرا ثم ينفخ فيه فيكون طيرا ؟ قالوا هذا هو الرب بلسانهم . فقال متى وقال يوحنا : كذبت ، المسيح ليس هو الرب . وقال لوقا : صدقت هو الرب . وأحسرتاه وبكى ، فأخذه على يمينه . ثم نظر إلى الاثنين وقال : ماذا تقولان فى رجل ولدته قديسة من غير رجل وتكلم ، وهو فى المهد عند نزوله من أمه ، ثم أحيا الموتى ثم . . ثم .. أليس هو ابن الرب ؟ فقال يوحنا : كذبت ، تنزه ربنا وتعالى عن أن يلد أو يولد . المسيح . لم يرضى أن يكون معلما صالحا ، فكيف يرضى أن يكون ربا أو أبن رب ؟ . وقال متى : صدقت هو ابن الرب كما تقول : فأخذه علي يمينه ، ثم نظر إلى يوحنا وقال : ما تقول فى رجل



([1]) سورة الفرقان آية : 44.

([2]) سورة عبس الآيات : 34 37.

([3]) سورة التوبة آية : 128.

([4]) سورة القصص آية : 56.

([5]) سورة الشورى آية : 52.

([6]) سورة آل عمران آية : 159.

([7]) سورة الأعراف آية : 206.

([8]) سورة الزمر آية : 34.

([9]) سورة فصلت آية : 38.

([10]) سورة النساء آية : 48.

([11]) سورة الفرقان آية : 68.

([12]) سورة الماعون : 4 5.

([13]) سورة المؤمنون آية : 4.

([14]) سورة الحجر آية : 87.

([15]) سورة الكوثر آية : 1.

([16]) سورة البقرة آية : 238.

([17]) سورة الكهف آية : 49.

([18]) سورة آل عمران آية : 131.

([19]) سورة النساء آية : 1.

([20]) سورة آل عمران آية : 102.

([21]) سورة الأنعام آية : 75.

([22]) سورة المطففين آية : 15.

([23]) سورة النحل آية : 128.

([24]) سورة التوبة آية : 40.

([25]) سورة البقرة آية : 115.

([26]) سورة يوسف أية : 106.

([27]) سورة التوبة الآية : 105.

([28]) سورة التوبة الآية : 105.

([29]) سورة يوسف آية : 11.

([30]) سورة طه آية : 94.

([31]) سورة الأنفال آية : 46.

([32]) سورة الجاثيات آية : 23.

([33]) سورة يوسف آية : 106.

([34]) سورة التحريم آية : 6.

([35]) سورة الصافات آية : 164.

([36]) سورة الصافات آية : 96.

([37]) سورة البقرة آية : 93.

([38]) سورة يس آية :82.

([39]) سورة البقرة آية : 3.

([40]) سورة الزمر آية : 9.

([41]) سورة الحشر آية : 2.

([42]) سورة المجادلة آية : 11.

([43]) سورة الروم آية : 56.

([44]) سورة الزمر آية : 33.

([45]) سورة المائدة آية : 23.

([46]) سورة الفرقان آية : 58.

([47]) سورة غافر آية : 14.

([48]) سورة البينة آية : 5.

([49]) سورة آل عمران آية : 200.

([50]) سورة النحل آية : 127.

([51]) سورة مريم : 30-31.

([52]) سورة التحريم آية : 6.

([53]) سورة الزمر آية : 67.

([54]) سورة المائدة آية : 3.

([55]) سورة البقرة آية : 286.

([56]) سورة الأحزاب آية : 40.

([57]) سورة آل عمران آية : 81.

([58]) سورة المزمل آية : 20.

([59]) سورة الأنبياء : 101 103.

([60]) سورة مريم آية : 93.

([61]) سورة الأعراف آية : 145.

([62]) سورة المجادلة آية : 7.

([63]) سورة الحجر آية 42.

([64]) سورة الإسراء آية : 97.

([65]) سورة يس آية : 82.

([66]) سورة القمر آية : 50.

([67]) سورة طه آية : 5.

([68]) سورة الفتح آية : 10.

([69]) سورة الأعلى آية : 10.

([70]) سورة الشمس آية : 9.

([71]) سورة الشعراء آية : 88.

([72]) سورة الأنعام آية : 112.

([73]) سورة البقرة آية : 282.

([74]) سورة الأعراف آية : 16.

([75]) سورة الأنعام آية : 82 .

([76]) سورة الحجر آية : 42.

([77]) سورة التوبة آية : 128.

([78]) سورة الكهف آية : 65.

([79]) سورة الأعراف الآيتان : 172 173.

([80]) سورة إبراهيم آية : 6.

([81]) سورة المائدة آية 118.

([82]) سورة الأحقاف آية : 16.

([83]) سورة الأنعام آية : 61.

([84]) سورة النحل آية : 125.

([85]) سورة العنكبوت آية : 69.

([86]) سورة الأنعام آية : 119.

([87]) سورة الذاريات آية : 56.

([88]) سورة التغابن آية : 14.

([89]) سورة التغابن آية : 15.

([90]) سورة الفتح آية : 29.

([91]) سورة المؤمنون : 99 100 .

([92]) سورة الحديد آية : 4.

([93]) سورة الأحزاب آية : 67.

([94]) سورة القيامة : 22 23.

([95]) سورة النساء آية : 122.

([96]) سورة آل عمران : 128.

([97]) سورة البقرة أية : 261.

([98]) سورة الفرقان آية : 64.

([99]) سورة العنكبوت آية : 69.

([100]) سورة آل عمران آية : 144.

([101]) سورة الحجرات آية : 14 .

([102]) سورة النساء آية : 48.

([103]) سورة البقرة آية : 5.

([104]) سورة آل عمران آية : 190.

([105]) سورة المجادلة آية : 11 .

([106]) سورة الروم آية : 56 .

([107]) سورة الزمر آية : 9 .

([108]) سورة البقرة آية : 128 .

([109]) سورة المائدة آية : 3 .

([110]) سورة آل عمران آية : 103.

([111]) سورة النساء آية : 157 .

أخبرنا عن الغيب المكنون ، وجذبنا إلى ملكوت السماء ، وأخرجنا من الهاوية، أليس هو ثالث ؟ فقال : نعم هو ثالث . فأضلهم جميعا ، وانتشروا فى البلاد فكان منهم رجل مبصر ورجل بروما . فرجل مصر أبقى له بقية وهو البطرك . ورجل روما أبقى له بقية وهو البابا . وهذا سبب اختلاف النصارى . والثالث فر إلى بلاد الشام والعرب ، فمنه بقيه نصارى الشام والعرب واختلافهم فى عيس إلى ما قررته لك.

وقد اختلف اليهود والنصارى . فقال اليهود عزير بن الله وهو شمويل . والنصارى قالوا المسيح بن الله وكذلك اختلفوا فى مذاهبهم ونحلهم ، ومللهم ، فمنهم الماثونية واليعقوبية وغيرها ، وهم بضع وسبعون ملة ، وقد حدث الآن مذهب زائد وهو مذهب البروتستنت الذين يسمون بالإنجيليين وهم أبعد الناس عن تعاليم الإنجيل ،  كل هذا الاختلاف بعد أن قامت الدلائل الواضحة والحجج الناصعة وقامت الحجة ووضعت المحجة "مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا"([1]) ، "وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ" يعنى من بعد ما جاءتهم الدلائل والحجج التى تقطع العذر حتى لا تجعل لواحد منهم عذرا . ولكن ذلك الاختلاف كان عنادا وبغيا لا قصورا بل تقصيرا "بغيا بينهم" أى ما اختلفوا إلا للبغي منافسة ف حب الرياسة والطمع فى الدنيا  لخدمة الدين ونصرة الله ورسوله ، فبغيا جائز أن تكون مفعولا لأجله أو مفعولا مطلقا بالمعنى، أى وما اختلف بعضهم على بعض إلا بغيا.

"وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ"

يعنى أن الله أقام آياته دلائل واضحة كوضوح النهار ظاهرة لأقل عقول الأناسي ، ومع وضح الدلائل دعاهم الهوى والحظ والشهوة بداعى النفس الأمارة بالسوء والطمع الخبيث ووسوسة إبليس ، فأنكروا آيات الله وجحدوا به سبحانه وهو الكفر ، لأن الكفر لغة هو الستر . ورجل تستر عنه حقيقة من الحقائق بستار كيف يحكم بها ؟ فكذلك الحظ والهوى والطمع والشهوة حجب على الآيات الربانية التى تكاد تكون أقرب إلى العقل من المحسوسات الملموسة.

والغيب إنما يتضح بثلاثة دواع : (1) العقل السليم (2) والجسم الصحيح (3) والخبر الصادق.

والخبر الصادق عند أهل العقل أقوى من الدلالة من العقل والحس ، لأن الحس قد يكذب عليك فإنك ترى الشمس صغيرة وهى قدر الأرض عشرات الألوف ! وترى الجبل العالى قريبا منك جدا فتمشى الأيام الطوال حتى تصل إليه  ، ولو رفعت إصبعك لرايته أرفع من أعلى منارة يؤذن عليها المؤذن ، وفى ذلك حكم بكذب الحس . وكذلك أذ أصابت الحمى رجلا وتناول السكر وجده مرا ، وذلك كذب ، وكذلك العقل قد يخطىء في قضاياه واستنتاجه . ولكن خبر الصادق فوق العقل والحس ، خصوصا إذا قامت الحجة على صدقة ووضحت المحجة باستقامته ، وهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام وورثتهم الأمناء على شرائعهم الذين ينوبون عن الرسل فى تبليغها للأمة .

"فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ"

معنى ذلك أن الذين يكفرون بآيات الله بعد أن ابتدأها بما يجعلها حقا مسلما به فإن الله لا ينسى نواياهم وقصودهم وأعمالهم بل يحفظها لهم ويؤاخذهم عيها ، أما فى الدنيا بسلب النعمة منهم وخزيهم وسرعة الانتقام بسيوف المسلمين وإزالة دولتهم ، أو يعذبهم يوم القيامة بأن يلقى بهم فى هاوية العذاب حيث الدرك الأسفل من النار وقد يعذبهم الله فى الدنيا والآخرة ، وسرعة الحساب الله متحققة لأن أيام الدنيا تنصرم حتى كان الإنسان يعتقد أنه لم يتنفس فيها إلا نفسا واحدا ، والسعيد من جمله الله بمحاسبة نفسه حتى ترقى إلى مقام المراقبة ومنها إلى حيث يكون مع الله والله تعالى معه.

 

قوله تعالى : "فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ"(20).

 

"فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ"

يخاطب الله محمداeبأمر اقتضى وقوعه الأمر الواقع ، وهو تعصب كل أمة لدينها عنادا وبغيا . و "حاجوك" أى جادلوك وأنكروا عليك "فقل أسملت وجهى لله ومن أتبعن" الفاء رابطة لجواب الشرط ، والوجه هنا العيادة والإخلاص ، أو النفس ما يتعلق بها، ومن أسلم عبادته المعبر عنها بالوجه أو نفسه المعبر عنها بالوجه لله قربه الله سبحانه إليه وكفاه شر الخلق.

وسبب نزول هذه الآية : أم مشركى العرب واليهود والنصارى يؤمنون بالخليل عليه السلام ويقتدون به ، وقد أنزل الله هذه الآية جذبا لقلوبهم ، كما قال ابراهيم عليه السلام : "إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ"([2]) وهذه آخر حجة يبينها منهو على الحق بعد أن يكشف للمخالفين ما به يؤمن كل إنسان سبقت له الحسنى.

فإن الرجل إذ أراد أن يبين الحق لقوم قال : أنى أسلمت لله أنا ومن اتبعن ، يعنى أنهeيخبر المختلفين عليه من اليهود والنصارى ومشركى العرب أنى بينت لكم كل البيان ، وصرحت على هدايتكم للحق ، وأنتم أنكرتم وجادلتم وحاججتم حججا وأهية تبطلها الحقائق المحسوسة ، فأنا ومن اتبعنى لا نرتد عن ديننا الذى ظهر الحق فيه جليا ، وكان عليه الخليل وموسى وعيسى ، لأجل ما أنتم عليه من التعصب والعناد والبغى.

وكأن هذه الآية تبرئة منهم جميعا ، وتهديد بأنهم لن يضروه ولو اجتمعوا عليه . وقوله : "ومن اتبعن" ولم يقل أنا ومن اتبعن لأن الواو هنا واو المعية يعنى وأتباعى أسلموا وجوههم لله.

"وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ"

هذه الآية برهان على أنهeرسول الله إلى العالم . لأن الله تعالى يقول لمحمدe"وقل للذين أوتوا الكتاب" من اليهود والنصارى "والأميين" من عبدة الأصنام وعبدة الشمس والكواكب "أسلمتم" الهمزة للاستفهام التقريرى . وأسلمتم أى سلمتم أموركم وشئونكم وقلوبكم ونفوسكم لله ، واتبعتموني فيما جئتكم به من عند الله.

"فَإِنْ أَسْلَمُوا"

وهذه الجملة الشرطية لا يصح وقوعها بعد الاستفهام ، لأن الاستفهام إنشاء وهى خبر ، والذى سوغ ذكرها بعد الاستفهام أن الاستفهام هنا بمعنى الأمر والمعنى أسلموا ثم فرع عليه هذا الخبر ، وفى هذا دليل على أن الأدلة والبراهين قد أقامها الله تعالى على اليهود والنصارى حجة على تفريده سبحانه- بالألوهة ، وعلى أنه سبحانه المختص بالعبادة دون غيره من الأنداد والأصنام والشركاء ، لأن هذه السورة مدنية والدلائل والبراهين القاطعة تقدمت فى البقرة فى الآيات المكية ، فقول الله لرسولهeقل لهم أسلموا أن أن الحجج قامت والأدلة وضحت ، وما بقى إلا أن تسلموا ، وهو ما تضمنه قوله تعالى : "أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا".

"فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا"

قد بينت لك أن معنى أسلموا سلموا وسالموا كما ورد فى بعض الروايات فى قوله تعالى مخبرا عن ابراهيم عليه السلام "إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ"([3]) وأن كانت فوق العشرة . إلا أن معنى سلم وأسلم وسالم مدلول واحد ، ومعنى : "فإن أسلموا" أى قبلوا ما جئتهم به من الهدى والبيان قبولا انعقد عليه القلب فاطمأن بذكر الله ولانت الجوارح لعبدة الله "فقد اهتدوا" الفاء رابطة للجواب لموضع قد . واهتدوا هى قبول الفيض المقدس من الله قبولا ينتج المطلوب وهو توحيد الله وعبادته سبحانه. وقد بينت لك أنواع الهداية فيما تقدم ومعنى "فقد اهتدوا" أى نالوا هداية الإحسان من الله بعد هداية الحجة والبيان.

"وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ"

أى ارتدوا عن قبول آيات الله وحججه وجحدوا بوحدانيته سبحانه وأنكروا عليك ما جئتهم به.

هذه الآية أنزلها الله لطمأنينة قلب محمدe، لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يحزنه إنكار اليهود والنصارى والمشركين عليه ، ولكمال أدبه مع الله ورحمته الواسعة بالعباد كان يحزن كثيرا رحمة بالخلق وظنا منه أنه أساء فى طريق الدعوة فتكاد نفسه تزهق ، فأزال الله عنه ما كان يجده فى نفسه من الغضاضة بقوله : "وأن تولوا" فإنا ما أقمناك لأجل أن تهديهم هداية الإحسان بل لأجل أن تهديهم هداية البيان ، أما الهادى هداية الإحسان فأنا وحدي لا شريك لى ، وأنا منا أقمتك هذا المقام إلا وقد أفرغت عليك أكمل العطايا التى خصصتك بها ، آمن بك القوم أم كفروا ، فإنك حجة لهم أو حجة عليهم.

وكم بين الله لهeمما قص عليه من أخبار الرسل السابقين ما يثبت به فؤاده ، ومع كل ذلك كانت الرحمة التى جمله الله بها والرأفة التى خصه الله بها ، لا تجعله يستريح حزنا على من أنكر عليه وأرتد عنه.

وكم يحزنeإذا عرضت عليه أعمال أمته فى ليلة الخميس والاثنين فرأى فى أعمالهم ما يكره ، وكم يتحمل يوم القيامة من التبتل والتضرع لله أن يشفع فى أمته ، كى لا يرى مسلما فى النار ، وكل ذلك مما جمله الله به فى قوله تعالى : " حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"([4]) حيث جمله الله باسمي الروءف الرحيم.

ولو نظرنا بعين البصيرة إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام وما كانوا عليه بالنسبة لقومهم لرأينا أن كل نبى دعا على قومه فأهلكهم الله ، أو مسخهم قدرة وخنازير ، أو أغرقهم فى البحر ، أو خسف بهم الأرض.

ولم يصبهم من الشدائد ما أصاب محمداe، ومع ما تحمله من أذية قومه فإنه كان يرفع طرفه إلى السماء ، ويقول : [ رب أهدى قومي فإنهم لا يعلمون] ومن نظر إلى تلك المقامات العلية لاستغرق حب رسول اللهeكلية قلبه ، ويشكر الله عظيما على نعمة الله علينا بهeولإحياء سنته بكل رخيص وغال من كل نفس ونفيس ، قياما بالواجب علينا لذاتهe. ومعنى "فإنما عليك البلاغ" حصر الواجب عليهeلله وللخلق فى البلاغ الذى هو هداية البيان.

"وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ"

آية جامعة لمعنى البشائر والتخويف ، فالمقبل على الله المسارع إلى نيل رضاه ، إذا انكشفت له تلك المعانى وتحقق أن الله بصير ، أى بصير يرى أعماله القلبية والبدنية ، يفرح ويطمئن ويسارع ، والكافر المرتد والمنافق إذا انكشفت له أسرار تلك الآية من أن اله بصير ، أى مبصر أعماله عليهم بها قادر على أن يسرع بالنقمة إليه فينزعج بقلبه ويرتجع عن عمله ويسارع إلى التوبة والاستغفار فهى بشيرة ونذيرة ، وهى للتهديد أقرب ، فإنها سيقت فى مقام الذم عند ذكر من تولوا عن قبول الهداية.

قوله تعالى : "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ"(21).

"إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ"

ابتدأ الله تعالى الآية بالتوكيد لتعظيم الخبر واحتياجه إلى المؤكدات لأهل القلوب القاسية ، وهذه الآية يجب أن نتدبر معناها . فإن الخبر عن حال مستقبل الكافرين بآيات الله والذين قتلوا الأنبياء قتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس هم اليهود والنصارى قبل بعثة رسول اللهe.

فما معنى يقتلون بلفظ المضارع الدال على الحال والاستقبال ، ومعاصرو رسول اللهeمن اليهود والنصارى والمشركين لم يقتلوا نبيا ولا داعيا إلى الحق منذ نزول هذه الآية ولا بعدها.

فتقول لمن فهم ذلك أن معنى هذه الآية أن اليهود والنصارى والمشركين قبل رسول اللهeفعلوا ذلك بعد كفرهم ، ومعاصروا رسول اللهeمنهم كانوا حريصين على قتله ، وقد هموا بقتله عليه الصلاة والسلام- مرارا ، من ذلك أن رسول اللهeتوجه إلى اليهود ومعه أبو بكر وعمر ، وجلس تحت جدار بنى قريظة وقينقاع والنضير ودعاهم إلى الإسلام ، فانتهزوا تلك الفرصة وأخلوا الدار التى جلس تحت جدارها عليه الصلاة والسلام وجهدوا أنفسهم فى أن يرفعوا حجر طاحون إلى علية البيت ثم يلقونه عليه وعلى صاحبيه ، ومكث كثير منهم يعالجونه حتى ارتفع الحجر إلى قمة السلم تقريبا وإذا بيهودى دخل عليهم فأنزعج لحركتهم ، وقال : ما هذا ؟ قالوا : نريد أن نلقى الحجر على محمد وصاحبيه فنستريح منهم ، فقال أنى ومن أنزل التوراة لقد رأيت أبا القاسم داخل المدينة الآن ، فارتجت فرائصهم فسقط عليهم فقتلهم جميعا ، والذى حصل أن رسول اللهeأمر أبا بكر وعمر أن يمكثا وطلب قضاء حاجة له وأنصرف فلما حصلت حركة سقوط الحجر على السلم والقوم مجتمعون علي قام أبو بكر وعمر فانصرفا . وهم اليهود بقتله مرة ثانية فى خيبر حيث وضعوا له السم فى ذراع الشاة ، وهم يعلمون أنهeكان لا يأكل من اللحم إلا الذراع ، فلما قدم له الذراع كالعادة، نهش منه نهشة فقال : يا محمد ، أنى مسموم فنادى القوم : من وضع السم فى هذا الذراع ؟ قالوا : أعطنا الأمان ، فجاءت امرأة وقالت : أنا التى وضعت ، فإن كنت نبيا حفظك الله ، وأن كنت كاذبا قتلك . فعفا عنها رسول الله ولم يؤاخذها.

وقد هم المشركون بقتله ليلة الهجرة حيث جلسوا فى دار الندوة يتآمرون على قتلهeفقال أبو لهب نأخذ عشرة فتيان من كل قبائل قريش ، ويأخذ كل واحد سيفا فى يده ويهجمون عليه هجمة واحدة فيضيع دمه بين القبائل ،ولا يقوى بنو هاشم على أخذ دمه.

وقل أبو جهل : بل يجتمع لذلك خمسون من كبار القبائل ، فحضر إبليس اللعين فى زى رجل عراقى وقال : أنى لا أحب أن نسفك دم دجاجة فى محمد ، عندى أن تنتخبوا عشرين رجلا من قريش فيقفوا على بابه فإذا خرج أنزلوا عليه السيف مرة واحدة فيضيع دمه ، فأجمعوا على ذلك وعينوا ليلة لهذا العمل ، فأوحى الله إلى رسوله بذلك وبين له الليلة.

وقد شرحت سيرة الهجرة فى صحيح البخارى وغيره فلا حاجة لذكرها إلا ف محلها ، فطلب رسول اللهeعليا بن أبى طالب وقال : أحضر عندى الليلة ونم على فراشى فأنى مهاجر ، ولن يقتلك المشركون ، فأطاع ولبى وأسرع ، فلما نام على فراش رسول الله ، خرجeوالقوم وقوف على يمين الباب وعلي يساره فى يد كل منهم سيف مسلط ، فتناول عليه الصلاة والسلام قبضة من التراب وقال : شاهت الوجوه ،ورمى بها القوم فسقطت رؤوسهم على صدورهم كأنهم لا حس لهم ولا حركة ومر رسول اللهeمن بينهم حتى وصل إلى أبى بكر وكان ينتظره خارج مكة.

وهم المشركون بقتله مرة أخرى يوم خرج للطائف يدعو فسلطوا عليه أمية بن خلف ، فأغرى به العبيد والغلمان ، فصاروا يضربونه بالأحجار حتى سالت رجلاه دما ، وسقط على الأرض فنادته الجبال : مرنا يا محمد أن ننطبق عليهم ، قال : لا ، عيسى الله أن يخلق من ظهورهم من يؤمن بالله . وقالت السماء مثل ذلك ، ورجع بشخب دمهe.

وهم المشركون بقتله يوم أحد حيث ضرب بالسيف فشجت جبهته وكسرت رباعيته ، وصاروا يغسلون له الدم وهو يقولe: "كيف يفلح قوم أسالوا دم نبيهم" وصار يدعوا على فلان وفلان فى صلاة الصبح فأوحى الله إليه "لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ"([5]) كل هذا بعض ما أصباهeويقول : [ رب أهدى قومى فإنهم لا يعلمون ] . ولولا أن عصمه الله من الناس جميعا لقتله العالم أجمع ، قال الله تعالى "وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ"([6]).

وقد قتل بنو إسرائيل زكريا ويحيى وجرجيس وظنوا أنهم قتلوا المسيح وكذبوا وافتروا على الله ، وكم قتلوا أنبياء غير مرسلين . وعزمهم على قتل رسول اللهeوعصمة الله له صلوات الله وسلامه عليه دليل على أنهم يقتلون الأنبياء همة ونية وقصدا . قاتلهم الله أنى يؤفكون.

"وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ"

هى رواية الإجماع من أهل الأمصار . وقد بينت بعض من قتلوا على أيدي اليهود ، وكان قتل زكريا ويحيى لأنهما أمرا أن يبيحا نكاح الأخت فأبيا فقتلهما ملك يهود ، وكان يحيى فارا من الجند حتى لقيته شجرة فقال : أدخليني ، فأدخلته ، فجاء القوم إلى الشجرة متحققين أنه ما جاوزها فأخذوا ينشرونها ، فلما وصل المنشار إلى رأسه فصاح ، فأوحى الله إليه : لئن أعدت الصيحة لأمحون أسمك من ديوان النبيين ، وما زالوا ينشرون حتى قطعوا رأسه.

قدمت لك فى قوله "يقتلون النبيين" أنه خبر عمن كانتا يفعلون هذا الفعل من سلف اليهود والنصارى وأن لم يفعل ذلك معاصروا رسول اللهe. ألا أنهم آباءهم وهم راضون عن فعلهم فكأنهم فعلوا.

"وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ"

وفى رواية "ويقاتلون" فى رسول اللهeلرجل من الصحابة : [أن اليهود قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا فى صبيحة بوم ، فقام أهل التقوى منهم ينكرون عليهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فقتلوهم فى مساء اليوم . قتلوا منهم مائة وأثنى عشرة من علمائهم].

وسأل رجل رسول اللهeوقال : من شر الناس يا رسول الله ؟ قال : [من قتل نبيا أو من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر] أى ومن قتل من يأمر بالمعروف والآية معطوفة على الآية قبلها.

وهنا سر أبيحه لك ، أن الله سبحانه وتعالى قد خلق نفوس الأناسي من جواهر مختلفة ، فأعلاها وأصفاها مخلوق من نور الجمال الإلهي ، الذى خلق من نفس محمدeوما خلق من هذا النور قبل عن الله ما أنزله على أنبيائه قبول تعقل ، وفهم عن الله تعالى.

وما النفوس التى خلقت من أردا الجواهر أو من سجين فإنها لا تقل عن الله ولا تمنح العقل الذى يعقل عنه سبحانه ، ولو تجلى لها لأنكرته كما ورد فى الحديث الشريف : [ أن الله يتجلى لطائفة من أهل المحشر فيقول: أنا ربكم فيقولون له : أخسا ما عرفناك ولا عبدناك ، فيظهر لهم بالجنة فيقول : أنا ربكم فيقولون عرفناك وعبدناك . وينصرفون  إلى الجنة.

ويتجلى لقوم آخرين بالمنعم فيقول لهم : أنا ربكم . فيقولون : اخسأ ما عرفنا ولا عبدناك . فيتجلى بجمال وجهه العلي فيقول : أنا ربكم فيخرون سجدا ويقولون : عرفناك وعبدناك ، ويأبون إلى يجيبوا داعي الجنة].

فأنواع النفوس تختلف بإختلاف جواهرها ، فترى النفوس العالية تأبى أن تقبل الباطل أو تميل إليه ، ومن علاماتها أن قليل الحكمة يكفيها ، قالe. [المؤمن تكفيه قليل الحكمة] والنفوس التى خلقت من أردا الجواهر تسارع إلى الباطل بفطرتها ، ذلك قوله تعالى فى الحديث القدسى : [قبضت قبضة بيدى فقلت هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي].

وإنما النوايا التى تقيم الحجة على صفاء جواهر النفوس أو دراءة جواهرها . وتلك النوايا حجة لصاحب النفس الطاهرة وليست حجة على غيره ، والحجة على الغير هى الجوارح ، فكان الجوارح بريد النفس تظهر مكنونها ، فترى أهل النفوس الخبيثة تظهر على الجوارح شر الأعمال لأن نفوسهم لا تقبل إلا الشر ، وأهل النفوس والنوارنية تظهر على الجوارح خشوعا وخضوعا وسمعا وطاعة ومسارعة إلى ما أمر به الله وما سنه رسول اللهe.

وقد كشف الله تلك الحقائق لمن أقامهم مقام الرسل من الإبدال والصديقين والشهداء ، فتراهم يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة من غير جدال ، فإن الجدال مذموم لا يتعرض له إلا الجاهل بحقائق النفوس. وفى ذمة قال تعالى : "مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ"([7]) فإذا رأيت داعايا إلى الله بالحدة والحماقة والفظاظة فأعلم أنه جاهل بأساليب الدعوة.

والداعى إلى الله حقا من جمله الله بما يحبه الناس حتى يحبوه ، فإذا أحبوه لما جمله الله به من الأخلاق الجميلة والهدى والتواضع لله ولرسوله قبل الناس منه مذهبه ورأيه واقتدوا به فنجوا وقد قدر الله تعالى لأنبيائه أن يقيمهم رعاة للبهائم من صغرهم ليعلموا كيف يقودون النفوس الجامحة البهيمية ، حتى إذا كلموا وأهلوا للرسالة أفاضلها عليم فكانوا قد درسوا طرق الإمامة قال تعالى : "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"([8]) ، مخاطبا حبيبه ومصطفاه ، وهى الحجة لنا على صدق دعوانا.

و "القسط هو العدل وهو الوسط من كل شئ ، وهو الأمر بالحكمة أن الإنسان لا يقيم نفسه بدلا من الأنبياء ، ويدعو إلى الله تعالى إلا بعد أن يكون دعا نفسه فأجابت ، فإن دعا نفسه فتعاصت عليه فالواجب أن يجاهدها حتى يعلم أساليب الدعوة ، ومن دعا نفسه فقهرته كيف يدعو غيره فيطيعه . وقد كتبت فى هذا الموضوع فى كتاب معارج المقربين بعنوان : "أدع نفسك فإن أطاعتك فادع غيرك".

"فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ"

البشرى عن حقيقة يجهلها المبشر بها والبشرى لا تكون إلا بالخير ، ولكنها هنا آتت فى العذاب ليتذوق أهل الإيمان منها أن بشرى هؤلاء القوم عذاب مؤلم ، ففيها تهديدهم وإنذارهم ، وفيها معنى التبكيت والتوبيخ بأقصى مراتبه.

والعذاب الأليم أى المؤلم شديد الألم ، وفى قوله : "يقتلون النبيين بغير حق" سر عجيب ‍ لأن قتل الأنبياء كله باطل ، وليس ثم فى قتل الأنبياء حتى يقال بغير حق.

والمعنى أنهم كانوا يطيعون أهواءهم ومذاهبهم الباطلة ، وأراءهم الفاسدة ، وأخبارهم ورهبانهم ، ويرون فى ذلك أنه حق وعدل . ولو تدبروا الأمر وفكروا فيه قليلا لظهر لهم باطلهم.

قوله تعالى : "أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ"(22).

"أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"

اسم الإشارة عائد إلى الموصول قبله فى قوله : "أن الذين يكفرون بآيات الله: الآية ، حيث ذمهم بثلاث خصال من الشر فقال : "يكفرون" ، ويقتلون النبيين " ، "ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس" وأخبر عنهم سبحانه بثلاثة أنواع من الجزاء الشديد . فقال : "أولئك الذين حبطت أعمالهم" فأتى بالاسم الظاهر بدل الضمير هنا الذى كان يصح أن يقال هم الذين لتوضيح شديد عقوبتهم بذكر اسم الإشارة والموصول بعده.

والأنواع الثلاثة التى ذكرها الله هى حبوط أعمالهم فى الدنيا ، أو حبوطها فى الآخرة ، وفقد الناصر يوم القيامة . وكل قسط من تلك العقوبة عائد إلى خصلة من خصال الشر التى ذموا بها ، وحبوط الأعمال فى الدنيا هو حرمانهم من ثوابها فى الدنيا والآخرة.

أما حرمانهم من ثوابها فى الدنيا فلما يصيبهم الله به من الخزى والصغار بالجزية فى الدنيا ، وبضيق ذات اليد عليهم وبما يصيبهم الله من الآلام والأمراض والإهانة . وأما حبوطها فى الآخرة فلما ينكشف لهم من الحقائق التى تثبت كذبهم على الله ورسوله وجحودهم آياته ، وبذلك يستحقون الدرك الأسفل من النار ن ويحرمون ما كانوا يعتمدون عيه من جزاء الأعمال التى كانوا يزعمون أنها حق فى نظرهم.

"وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ"

لأن الناصرين يوم القيامة الذين يقبل الله منهم الشفاعة فى أهلهم وإخوانهم هم أهل العلم والإيمان ، بدليل قوله تعالى : "وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"([9]).

ومعنى هذه الآية أن الذين يقبل الله منهم الشفاعة هم أعداء هؤلاء القوم حتى لو وقعت العين على العين هناك فإنهم يحاجونهم بالحجة ويقهرونهم بما وضحوه لهم من المحجة ، والعدو يحب الانتقام من عدوه فى هذا اليوم فكيف ينتظرون منهم النصرة ، أما أحباب الذين يكفرون بالله ويقتلون النبيين ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فهم الشياطين والكفار والمنافقون الذين أوبقتهم أعمالهم فى نار جهنم.

ومن كب على وجهه كيف تكون له نصرة أو شفاعة . وهذه الآية تدل على أنه فى يوم القيامة أنصار وشفعاء لأن الله تعالى نفى النصراء عن أعدائه ، ونفيه للنصراء عن أعدائه مفهومه يدل على أن هناك نصراء وشفعاء لأهل الإيمان من أحباب الله تعالى وأوليائه ، ومنكر الشفاعة حاكم على الله والحكم الله ، ومن حكم بغير حكم الله كفر. فما بالك بمن حكم على اله وهو الحاكم جل جلاله؟!.

 

قوله تعالى : "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ"(23).

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ"

الاستفهام للتقرير وسبب نزول هذه الآية أن رجلا من بنى إسرائيل زنى وكان وجيها فى قومه فحكم عليه بعض الأحبار بالرجم ، ولوجاهة الرجل والمرأة رغبوا أن يجدوا حكما يعتمدون عليه فى منع الرجم ، فذهبوا إلى رسول اللهeوطلبوا منه أن يحكم بعدم الرجم به ، فقال بعضهم : ليس هذا فى التوراة ، قال : [ بل فى التوراة فأتوا بها] ، فجاءوا بها مع حبر منهم ففتح التوراة فى سفر الأحكام ، ووضع يده على حكم الرجم ، وقال : ليس هنا يا محمد حكم للرجم ، فقال عبد السلام ابن سلام : أن الرجل أخفى الآية بيده يا رسول الله ، فرفعوا يده عن الآية ، فوجدوا الحكم فحكمeبه.

وسبب آخر أن رسول اللهeتوجه إلى اليهود فدعاهم إلى الإسلام فقالوا : على أى دين نتبعك ، فقال : [ على ملة إبراهيم ] فقالوا : أن ابراهيم كان يهودي فبين لهم رسول اللهeالحجة ، فأبوا بعد أن ثبت ذلك فى التوراة وثبتت نبوته وأخباره ومولده وبعثته واسمه ولقبه فى التوراة ، فأنكروا ذلك كله فأنزل الله تعالى تلك الآية "ألم تر" يا محمد بعيني رأسك أو ترى بحكم عقلك أو ترى بما أخبرناك ، فإن كل ذلك صادق أن يكون رؤيا ، لأن المراد بالرؤيا إثبات الحقيقة التى يراد بيانها أو كشفها.

"يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ"

أي يدعوهم رسول اللهeإلى التوراة سواء أكان فى حكم الرجم فى فى حكم إثبات نبوته وإتباعه للخليل عليه السلام كما صرحت التوراة.

"لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ"

فى الحقيقة التى اختلفوا فيها . وهى أن رسول اللهeوأصحابه يؤمنون بالله ورسوله وبما جاء فى التوراة ، واليهود يكفرون بالله ورسوله وبما جاء فى التوراة.

"ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ"

أتى بثم هنا وإن كان الزمان الذي حصل فيه النظر فى هذا الحكم قصيرا إلا أنه أتى بثم ليدل على بعد نفوسهم عن الحق وعلى أن أنفاسهم فى الباطل وأن كانت قصيرة إلا كأنها زمن طويل لا ينتهى "ثم يتولى فريق منهم" أى يرجع عن الحق وينقلب إلى الباطل ، وفى لفظة يتولى معان كثيرة ، يقال تولى الولاية وتولى عن كذا أى رجع ، وهنا بمعنى رجع وانقلب "فريق منهم" لم يخبرنا الله أن كل اليهود والنصارى تولوا بل أخبرنا أن فريقا منهم تولى ، لأن بعض أحبارهم أسلم وسالم كعبد الله بن سلام وككعب الأحبار وغيرهما.

"وَهُمْ مُعْرِضُونَ"

الواو هن للحال ، والجملة حالية والعامل فى الحال قوله "يتولى" ، وصاحبه فاعل يتولى ، وهو "فريق" . وفى هذه الآية إشارة إلى أن الإسلام كان يقرعهم بالحجة قبل الجهاد فكانت لهم الخيرة من أمرهم.

ولم يقهر الإسلام بالسيف قوما من اليهود والنصارى ولا من المشركين ، ولكن سيف الإسلام كان كالمشرط فى يد الحكيم الرفيق الشفيق وإنما يقطع الأعضاء الفاسدة المفسدة كالملوك المتألهين والجبابرة المتجبرين ، بدليل أن الإسلام أمر بعدم قتل النصارى واليهود ما داموا يدفعون الجزية ، ولو كان سيف الإسلام ظالما لمحق العالم ، ولما بقى من اليهود والنصارى إنسان يتنفس نفسا ، لأن الله مكن لسلفنا الصالح تمكينا حتى محقوا القياصرة والأكاسرة ، وكان من السهل محق كل نصرانى ويهودي على ظهر الأرض بكلمة صغيرة ، ولكن الإسلام حرم ذلك.

وقد طلب السلطان سليم الفاتح أى يستأصل النصارى من البلقان . وكان يمكنه ذلك بجرة قلم ، ولكن قام ف وجهه الأستاذ الشيخ أو السعود مفسر القرآن ، وكان مفتيا فقال له : إنك أن فعلت ذلك خالفت الله ورسولهe، ولكن الذي لك عليهم الجزية فحسب.

وعندي أنه لو لم يقف الشيخ أبو السعود فى وجه السلطان سليم الفاتح هذا الموقف لاستراح الناس من شرور نصارى البلقان كاليونان والبلغار والأرمن وصربيا وغيرهم ، والواجب على من يمكنه الله فى الأرض بالحق أن يكون حكمه القتل أو الإسلام . فإن الحجة قامت واضحة على سوء نواياهم بالنسبة للمسلمين وخصوصا اليهود.

قوله تعالى : "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ"(24).

"ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا"

اسم الإشارة عائد إلى ما بين الله من أنواع الجزاءات لأولئك الكفار ، فهو كعلة لوقوع هذا الجزاء ، وتلك العلة هى أنهم حكموا على الله تعالى أنه يجب عليه بالنسبة لما هم عليه افتراء منهم أنه سبحانه إنما يعذبهم فى النار ثمانية أيام أو أربعين يوما وهى التى عبدوا فيها العجل ، وأنه لا يمكن أن يزيدهم إقامة فى النار أكثر من هذا ، بدليل قولهم "لن تمسنا النار إلا أياما معدودات" كذبا وافتراء على الله وغرورا بما كان يفتريه على الله أحبارهم وقادتهم ، ومع أنهم هم الذين افتروا هذا تناسوا ذلك ، وزعموا أنه من عند الله تعالى ، لأن أحبارهم كانوا يقولون لهم أنتم أبنا الله ، والله بشر يعقوب بأن لا يدخل ولدا من أولاده النار ، وأنتم أحباب الله واله لا يعذب حبيبه بالنار ، ولكنكم تردون النار أربعين يوما مدة عبادتهم العجل كما قدمت لك فكذبهم الله ، وما بينت لك من قول أحبارهم لهم هو الذى غرهم فى دينهم قال تعالى : "وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون" أى ما كانوا يدعون من الفرية والكذب على الله تعالى.

قوله تعالى : "فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"(25)

"فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ"

هذه الآية الشريفة نهاية فى التهديد والوعيد ومعناها : فكيف يكون حالهم بعد عنادهم وبهتانهم وتكذيبهم لله ورسوله مما بينه الله تعالى فى الآيات السابقة ، وبعد كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء والآمرين بالقسط إذا أبرز الله حقائق ما توعدهم به وجمعهم ليوم تنكشف فيه آلات العذاب ولا يزالون كذلك إلى ما لا نهاية . وذكر اللام هنا مع أن المحل لـ "فى" ، لأن اللام تفيد أن هنا محذوفا بخلاف فى ، فإنه لو قال فى يوم لانتظر السامع ماذا يكون فيه ، ولكنه تعالى ذكر اللام على أن هناك محذوفا هو شديد العقاب وعظيم المؤاخذة ، لأن اللام تفيد وقوع أمر متوقع ، فإنه كان يجوز أن يذكر يوم من غير اللام وفى ، فيكون بمعنى "فى" ولكنه لا يفيد وقوع ما توعدهم الله إلا بذكر اللام : فللام خصوصية ليست لـ "فى" فى هذا الموطن . "لا ريب فيه" تقدم شرحها فى أول البقرة.

"وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ"

أى وفى الله تعالى كل نفس ما كسبت ، فالمراد بالكسب هنا ما سبق لها أزلا من الحسنى أو من السوءى ، فقد يمكث العبد كافرا سبعين سنة ثم يهديه الله للإيمان فيؤمن ، والموت قريب ، فيدخله الله الجنة أبدا ، ولم يكتسب شيئا سوى عقد القلب على التوحيد ونطق اللسان.

كما حصل فى واقعة أحد عندما خرج أبو ذات الكرش فدعا للبراز حتى قتل عشرين من الصحابة ثم نادى : يا محمد أبرز لى فاما أن أقتلك ونستريح منك أو تقتلنى وتستريح منى ، فتبادر إليه أبو بكر فرده رسول اللهeوقال : متعنا يا أبا بكر . وطلب عليا بن أبى طالب فأمره بالخروج إليه ، فأسرع على إلى فارس قريش ، فلما رآه قال : أرجع يا غلام فإنى لا أقاتل الغلمان قال : لا بد من حربك ، قال ما أسمك ؟ قال : على بن أبى طالب قال : أرجع فإن أباك كان خليلى قبل موته ولا أخونه قال لا أرجع . وهجم عليه على كرم الله وجهه فقابله بضربة السيف فلقيها على بضربة مثلها ، ثم هجم كل منهما على الآخر هجمة شديدة حتى سقط جواداهما من تحتهما ، وقاما فتصارعا حتى القاه على على ظهره وعلا صدره بالسيف ، فبصق الرجل فى وجه على ، فتركه وانصرف ، قال له : يا غلام أنت تمكنت منى وقد قتلت عشرين رجلا منكم وآذيت نبيكم وسببت ربكم وقد تمكنت منى فما الذى منعك أن تقتلنى ؟ قال : أنى هممت أن أقتلك لله ، فلما بصقت فى وجهى خشيت أن أقتلك لحظى . فقال الفارس : أنتم تراعون هذا فى مثل تلك المضايق ؟ قال : ويلك ، وفى أضيق منها ، قال : مد يدك فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . ثم قام على قدمي وركب جواده ووجه وجهه إلى قريش وقال : أنى كنت أحارب الله ورسوله ، والآن أنا أحارب مع الله ورسوله ، وهجم فقتل ولم يعمل فى الإسلام عملا إلا عقد قلبه على التوحيد فمات شهيدا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وما الذى كسبه هذا ؟ كسب حرب الله ورسوله وقتل أحبابه وأصحاب نبيهe. ولكنه من نفس واحد فى الأخلاق رفع إلى معية الأنبياء.

وهنا يجب أن نؤول قوله تعالى "ما كسبت" أى ما تفضل الله به عليها فى الأزل من رحمة وهداية وعناية ، أو ما قدره عدلا من كفر وجحد وإنكار وعناد ، ولا لزوم للإطالة فيما قال العلماء . وهذا معنى "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" وبذلك نستريح من الجدل فى الكسب ف خلق الله الأفعال ، أو خلق العبد لها . فإن الله تعالى تفضل على العبيد بالإيمان فالاستقامة ، فالإقبال عليه سبحانه ، فشرح صدره ، فلين جوارحه : فضل بعد فضل ، ثم يتفضل بالفضل الأعظم فينسب إليه ما تفضل به عليه ، ثم يتفضل عليه بفضل أفضل من هذا فيجازيه عليه بالحسنى . وهو المتفضل أولا وأخرا.

ويقدر أيجاد العبد ويصوغ نفسه من نوع من أنواع الجواهر الرديئة ويقدر عليه الأعمال التى يكرها ويقيمه فيها ، ثم يخفى عنه القدر وسره ، يتفضل فيقول : هذا هو سبيل الحلال وهذا سبيل الحرام ويحجب عنه التوحيد : حتى يرى لنفسه عملا ، وقوة وحولا ، يفعل ما شاء أن يفعل : يدفعه إلى ذلك حظه وشهوته ، وقدر الله السابق عليه . فإذا وقع فيما قدر عليه ونفذه الله على يديه سقط فى يده وقال : قدر الله على فلم يعلم أنه قدره عليه إلا بعد وقوعه . وهاذ من نسيان العبد لربه جهلا منه بقدر نفسه وقدر ربه . وتلك النفوس بل والعناصر التى أحاطت بها خلقت من طينة الخبال لتخلد ف النار . ولا يسأل عما يفعل.

"وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"

لأن اله تعالى تنزه عن الظلم والتظلم ، وإنما هو عدل أو فضل.

قوله تعالى : "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(26).

"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ"

سبب نزول هذه الآية أن رسول اللهeلما عمل بمشورة سلمان الفارس ، فقام هو وأصحابه رضى الله عنهم لحفر الخندق قسم اصحابه ، فجعل قوما منهم للحفر ، وقوما لحمل التراب وكانوا يتبادلون . وكان رسول اللهeيعلم معهم بالتساوى فينزل للحفر مرة ويخرج للحمل مرة أخرى حتى جاء الصحابة إليه ، وكان إذا حزبهم أمر عظيم لجئوا إليه ، فقالوا : يا رسول الله : كدية يعنى صخرة عظيمة لا تعمل فيها المعاول فقال : أنا نازل الحفر بعد تمام نوبتي فى الحمل ، فلما أتم ما عليه قال : [ أين هذه الكدية ؟ ] ونزلeوأخذ المعول وضرب به الكدية فصارت رملا أهيل وأشرق منها لمعان نور عم الجهة التى هم فيها فقال : [ الله أكبر فتحت لى فارس ] ، ثم ضرب الثانية على كدية أخرى فكان ما كان أولا وصارت رملا وقال [الله أكبر فتحت لى عمان ] ، والثالثة فكان ما كان وقال : [الله أكبر فتحت لى الروم ] .

فقال المنافقون : هذا الكاذب يخاف من طغام العرب فيخندق حول بيته ويدعى أنه يملك فارس وعمان والروم ، ومكث بعضهم على النفاق حتى زمان أبى بكر ، فلما فتح الله فارس وما حواليها ، وتولى عمر بن الخطاب فتح الله الروم ومصر وعمان وقامت الحجة صدقوا.

وكانeيسأل الله أن يفتح لأمته مملكة فارس والروم ، وكان اليهود والنصارى وكفار قريش يجعلون ذلك من المبالغة فى الكلام ، فأنزل الله تعالى "قل" يا محمد "اللهم" أعنى يا الله بحذف حرف النداء وإبدالها بميم مفتوحة فى الآخر "مالك المالك" أى المنفرد بالملك فى الدنيا والآخرة ، ومالك الملك هو الملك حقا الذى لا ينازعه فى ملكه منازع.

"تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ"

أى نهب الملك . والملك هنا مؤول بالنبوة والحكمة وميراث النبوة ، وإن كان عند من لا يفهم تأويل القرآن فهو ملك الأرض فحسب . قال تعالى : "وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ"([10]) لأن ملك الأرض وأن كان نعمة عظمى يهبها الله لمن يشاء فإنه إذا تجرد من أسرار النبوة وأسرار الحكمة كان بلاء على صاحبه.

ورجل يرضى لنفسه أن يسمى ملكا فى الأرض وهو عبد تقهره بطنه فيأكل وتقهره فيتبرز ويقهره ما يحيط به من حر وقر ، وتعتوره الأسقام والآلام والفتن فى نفسه وف ماله وفى أهله ، أنه لملك كذاب دعي ، والملك حقا من أثر فى كل شئ ولا يؤثر فيه شئ ، وأستغني عن كل شئ واحتاج إليه كل شئ، وهو الله جل جلاله أو من وهب له الله النبوة وحكمة.

ومعنى آينائه الملك أن يهب له شيئا من الخيرات ينتفع به هو وغيره ، فإن آتى تفيد التعميم واعطى تفيد التخصيص . . قال تعالى : "وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ"([11]) أى لتنتفع أنت وغيرك وقال سبحانه : "إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ" أى خصصناك به لنفع نفسك ومن تشاء.

"وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ"

أى تمنعه أو تسلبه بعد أيتائه . . وهنا يمكننا أن نقول : قد يكون ذلك فى ملك الأرض فقط ، فإن الله لا يهب لعبد النبوة والحكمة الغالية وبسلبها منه ، قال تعالى : "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"([12]) وفى هذه الآية كمال أخلاق الحضرة العلية فى تصرفاتها ، إلا أننا بحسب حسن الظن فى الله وبحسب الاستقراء نحكم أن الله إذا تفضل على عبد بما يحبه سبحانه حفظه عليه.

ومعنى "تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء" أى يعطى الملك من يشاء أن يعطيه إياه على حد ما ذكرته لك ، وينزعه ممن يشاء أن ينزعه منه.

"وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ"

أى تعز من تشاء أن تعزه بكمال الإيمان وبالعلم والتوفيق للتقوى والاستقامة، فيكون عزيزا به سبحانه فى الدنيا بنيل الكرامة ورفعه والمنزلة وتسخير الأعداء وتخديم الأولياء ، عزيزا بالله فى الآخرة بإكرامه سبحانه له عند قيامه من قبره ، فيحمل على دواب من نور إلى مقعد صدق ، أو إلى الفردوس الأعلى ، أو إلى جنة من الجنان ، أو يرفعه فى الآخرة إلى أن يأنسه بشهود وجه ربه تعالى .

"وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ"

بحرمانه من أن يشرح الله صدره ومن أن يوفقه لما يحبه ويرضاه ، وبإقامته فى معاصى الله ومخالفة الرسولe، وبإذلاله فى الآخرة بوقوفه للحساب وبالمرور على الصراط وبالوقوف للميزان أن كان مؤمنا وبدخول جهنم لتطهيره ، أو بقيامه من القبر وسوقه بمقاطع من الحديد إلى أن يلقى به فى نار جهنم أن كان كافرا ،وما كان الله بظلام للعبيد.

"بِيَدِكَ الْخَيْرُ"

معلوم أن الله سبحانه أخبرنا بأن الملكوت بيد واحدة منه ، وأن الملك بيد واحدة قال تعالى : "فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ"([13]) ، وقال تعالى : "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ"([14]) ثم أخبرنا بأنه خلق آدم بيديه معا ، يد الملك والملكوت ، فقوله هنا "بيدك الخير" حصر الخير فى يده سبحانه.

و "بيدك" متعلق بمحذوف خبر مقدم ، والخير مبتدأ مؤخر ، لن الخير كله بيد الله تعالى يهبه لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء ، وهو المعطى المانع جل جلاله.

ولى هنا أن أبين لك أن الله تعالى ما خلق الشر فى قدره ، وكل ما قدره جل جلاله خير ، ولو انكشفت الحقائق لعيون البصائر لرضينا عن الله فيما قدر تحققا بأنه لا يقدر إلا خيرا ، وما تشقشق به السنة أهل الجهالة بالحقائق من أن الأقدار منها خير ومنها شر فذلك لجهالتهم بحكمة إيجاد كل تلك الأشياء التى قد يعتبرونها خيرا وقد يعتبرونها شرا.

وعندى أن الأمر الذى يرونه خيرا وهو من الخير ، وأن الأمر الذى يرونه شرا هو عين الخير لأنهم يرون الفقر والمرض والفاقة والذل وفقد نيل المشتهى شرا ، ويرون كثرة المال والعافية ونيل الرياسة والسيادة والجاه والفوز بالانتقام من الأعداء خيرا ،وليس ذلك بخير فى الحقيقة لأن الخير فى الحقيقة هو الله تعالى.

ومن رأى أن الخير غير الله تعالى كذب على نفسه ، وقد جهل الناس أربع حقائق.

(1) الخير   (2) والسعادة              (3) واللذة          (4) والنوم.

فإن اللذة عند الجائع خبز وأدم ، وعند العريان ثوب ، وعند الخائف أمن ، وعند من توفرت له تلك الأشياء لذته بامرأة فإذا نالها فبولد ، فإذا ناله فبمال وعقار وهكذا.

وليست تلك الحقائق لذة ، ولكن اللذة الحقيقة هى نيل وإدراك ما هو خير فى الحقيقة ونفس الأمر ، فلو أن رجلا أبله نال ملك الأرض لم يكن متلذذا لأنه لم يدرك منه شيئا ، وكذلك لو أن رجلا مجنونا أعطى كل ما يشتهى الإنسان أنه يناله ما تلذذ به.

وأنى أبين لك الحقيقة . . . الأكل فى نظرك لذة وهو عندى دفع الألم، لأن الإنسان يأكل ليعالج مرضا ، وهو خلاء جوفه ، وألم فى معدته ، ومعالج المرض ليس متلذذا ، ودليل ذلك أنه لو ملأ بطنه وتناول لقمة قذفها وأبى أن يقبلها ، فلو كان لذة ما شبع منه ولما تألم منه . وكذلك الجماع يراه أهل الجهالة لذة ، وليس بلذة لأن المنى إذا اجتمع فى المجموع المنوى يرى إلى العروق ثم إلى الأنثيين ثم إلى العروق فى الذكر وحصلت شدة الشبق كأنه مريض يريد أن يدفعه ، فإذا دفعة حصل له الملل والتعب والكسل، ولو كان لذة لما دعا إليه هذا الألم ولما أعقبه ذلك الألم.

وكذلك الثياب فإن ظواهر الجو تدعو إليها من حر وقر ، فإذا اشتدت حرارة الجو وكان يلبس ثيابا كثيرة امتلأ جسمه حبوبا وحكة فى جلده حتى يخلع ما عليه من الثياب فيخففها رغم أنفه مما يصيبه من الألم ، وإذا نزلت درجة الحرارة أسرع إليها فلبسها وذلك هو الدواء لدفع المرض.

وكذلك النوم فإن النائم لا يتذوق لذة النوم لا قبله ولا فيه ولا بعده أما قبله فإن الإنسان لا يتلذذ بمفقود ، وأما فيه فإن الحواس محجوبة ، وأما بعده فلا يتلذذ بمفقود أيضا فقد جهل الناس تلك الحقائق وكذلك السعادة والخير.

فمن ظن أن الخير مال يوفره أو جاه يجدده أو قوة ينفذ بها انتقامه فقد وقع فى الشر من حيث لا يعلم ، ولذلك يقول الله تعالى : "بيدك الخير" يعنى أنه سبحانه- يهب الخير الحقيقى عنده لمن يشاء من خلقه وهو معرفة الله والشوق إليه والتضحية بكل شئ فى سبيل الوصول إليه . وهذا هو الخير الذى ينتفع به فى الدنيا والآخرة ، وما عدا ذلك مما يراه أهل الجهالة فستنكشف الحقائق وترفع البراقع ، ويظهر أن وعد الله حق ووعيده حق ، ويندم الظالمون ولات حين مندم.

وأهل الجهالة يحكمون على ما يلائم طباعهم بأنه خير ، ومالا يلائمها بأنه شر ، والخير قد بينه الله تعالى ، والشر فصله لذى عقل يعقل عن الناس.

"إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"

هذه الآية . . يأمر الله تعالى محمداeأن يقولها وفيها الاسم الأعظم ، وهى دعاء وتوحيد وشهود أما كونها دعاء ، فلأن فى طيها أعطنى الملك ولا تنزعه منى لأنك مالك الملك ، ولأن الخير بيدك ، ولأنك على كل شئ قدير.

وأما التوحيد ، فلأنهما اكمل مشهد من مشاهد التوحيد لأن الله ما أمر حبيبه محمداeأن يقولها بلسانه إلا بعد أن أجلى له حقائقها ، فشهد باليقين الأكمل أن الله مالك الملك وأنه يهب لمن يشاء وينزعه ممن يشاء ، وأنه يعز من يشاء ويذل من يشاء وأنه على كل شئ قدير.

وهذا هو كنز التوحيد الذى لوفك طلاسمه لانمحى ما بين السماء والأرض ، حتى يرى من شهد هذه المعانى وجه الله محيطا به بدليل قوله تعالى : "فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ"([15]) على قول وتحقق الصوفية أن هذا الخبر من الله وخطاب لأهل الخصوصية الممنوحين هذا المشهد.

ومن كان على كل شئ قدير كان كل مقدور مبدع بقدرته وصنعه سبحانه ، وقادر أبدع كل شئ يلزم أن يكون له التصريف المطلق فى كل شئ من إعطاء ومنع وإعزاز وإذلال وما يلحق بها ، ونكر "شئ" ليدل على أنه قادر على عظيم الأشياء وصغيرها كما قال لموسى عليه السلام فى التوراة : "يا موسى سلني شسع نعلك وملح قدرك" وشسع النعل : أى سله أن يخيط لك نعلك إذا تمزق وسلة الملح لطعامك إشارة إلى أن يسأل فى العظيم والصغير ولا معطى لعظيم ولا صغير إلا الله جل جلاله ولذلك أتى بشئ نكرة . "وقدير" بمعنى فعيل تفيد المبالغة ولو قال قادر لانتفى معنى "قدير"

قوله تعالى : "تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ"(27).

"تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ"

بينت لك عند شرح قوله : "قل اللهم مالك الملك" أن هذه الآية وما بعدها سيقت مساق الأدلة على تفريد الله تعالى بالإيجاد والإمداد وخلق الأفعال ، وبينت لك أن الملك الذى يعطيه الله هو الحكمة والنبوة.

وهنا أزيدك وهو جائز أن الملك الذى يمنحه الله العبد ولو فى أسرته ، أو محلته التى يقيم فيها بين أهله وجيرانه ، وبقدر وسعة التصريف تكون عظمة الملك وأن جهل من منحهم الله الملك بما أولاهم الله من نعم.

أما الملك الحقيقى الذى يدوم مجده فى الدنيا والآخرة فهو النبوة والحكمة ، وهذان يهبهما الله لأحبابه من وراث رسله صلوات الله وسلامه عليهم يجددون للناس معالم دينهم.

ولمابين الله تعالى أنه مالك الملك لا فرق بين الحقائق الثابتة والمتحركة والحية والجامدة من زمان ومكان وأفلاك وأجواء وأرجاء أيد ذلك بقوله سبحانه : "تولج الليل فى النهار" أى يدخل الليل فى النهار فتكون ساعات من الليل داخلة فى النهار مضيئة بعد أن كانت مظلمة حتى يبدو النهار خمس عشرة ساعة ويكون النهار فى زمن تسع ساعات.

وذلك لحكمة اقتضاها بقاء الأنواع متمتعة بضرورياتها وكمالياتها لتعدل العناصر بتغيير الفصول وتنتج الحاصلات بحسب ما هى محتاجة إليه من حر وقر ونسيم عليل بليل أو هواء حار . ولذلك تنضج المعادن والنباتات والثمار ، وتنتج الحيوانات ، ويعيش الإنسان فى بحبوحة العافية متمتعا بضرورياته وكمالياته.

وغن اعترض علينا معترض بأن هناك أقاليم تستوى فيها الفصول -كبعض نقاط قريبة من خط الاستواء فنقول له أن تلك المناطق خلقها الله مطهرة للهواء لا تصلح فيها معيشة للإنسان ولا للأنواع الحية إلا القليل منها مما تعود الحر الشديد المحرق ، فإن المنطقة المحترقة بنقطة خط الاستواء إلى درجة خمسة شمالا ومثلها جنوبا تشتد فيها الحرارة اشتدادا حتى لو وضع على أحجارها لاحترق ، وهى معمل لتطهير الهواء ، وهى لمصلحة كل حي على الأرض ، فإن تيار الهواء يأتي من القطب الشمالي إلى تلك المنطقة ويأتي من القطب الجنوبي إليها كذلك ، فإذا وصل إليها تحلل واحترق ما فيه من الميكروبات والحيوانات السامة وارتفع بعد تحلله إلى أعلى الأفق ، ثم افترق فكان منه تيار إلى الجنوب من أعلى الأفق وتيار إلى الشمال ، فينزل الشمال عند القط الشمالي حارا فى فصل الجليد بحيث لو وجد هناك حيوان لهلك من شدة البرودة فينزل تيار الهواء عليه حارا فيحيى نباته وحيوانات وأناسيه بحكمة ورحمة من الله تعالى.

كما أن اله تعالى جعل فى المحيط المتجمد الشمالى إلى شمال بحر الظلمات وشمال المحيط الهادي تيارات مائية محترقة تمر فيها فتحيى ما فيه من الحيوانات بحرارتها ، كما جعل سبحانه فوق البحار المتنائية شمالا وجنوبا طبقة من الثلج تمنع اتصال هواء الجو الذى هو برودة من الثلج بعشر درجات تقريبا إلى النباتات وإلى الأسماك السابحة فى البحار . وإن كثيرا من سكان الأقطار الشمالية خصوصا الفقراء والمسافرين ينامون فى كهوف من الثلج خوفا من برد الهواء.

"وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ"

أى وتدخل أجزاء مضيئة من أجزاء النهار فى ظلمة الليل لحكمة تخفى إلا على أهل البصائر ، وما يعلمه العقل منها أن ذلك يكون لراحة الأبدان من عناء العمل ، ولحفظ العينين من شدة أشعة الشمس ، ولحفظ العناصر من أن يتغلب عنصر الحرارة واليبوسة لشدة الحرارة وكثرة الأعمال على الجسم فيهلكه.

وقد جهل الإنسان تلك الحكمة فأطال النهار على الليل بما اخترعه من آلات النور والحرارة التى يستعملها فى المدن ليصرف أوقات الليل فى عمل للدنيا جاهلا بقدر صحته ، ولذلك فقد كثرت الأمراض كثرة لا تحصر وتعددت أنواعها ، وكانت الأمراض فيما سبق قبل تلك المخترعات لا تتجاوز الأصابع عدا أما الآن فأصبحنا نرى فى بنى الإنسان أمراضا لا تحصى عدا.

وكل ذلك من أن الإنسان جهل حكمة الله تعالى فى شروق الشمس وغروبها ، فإن الشمس إذا طلعت نشط كل شئ على وجه الأرض ، فترى الديكة تصيح ولحمير تنهق وبنى آدم يسارعون إلى مزارعهم ومتاجرهم وصناعاتهم وحرفهم ، وإذا غربت الشمس سكن كل حى إلى مأواه لتدوم صحته وعافيته أو تتوفر أمواله وقوته.

ولكن قتل الإنسان ما أكفره ، فرح بما اخترعه بسبب الصناعات فلم يكفه عمل النهار من كل أعمال سعيه حتى أخذ قسطا وافرا من الليل ، فصرت لا ترى أنسانا إلا هو يشكو بدوار فى رأسه وألم فى عينه ، وتعب فى مفاصله ، وضعف فى معدته ، وخمول فى قواه العصبية والعقلية.

كل ذلك لأنه جهل حكمة الله فى تقدير الليل والنهار وفى نقص كل واحد منهما جزءا وإضافته للآخر . فلو أن الإنسان فقه حكمة الله فى إيجاد الأشياء وعلم أنها خلقت له لاستراح وأراح فى الدنيا والآخرة ، ولكن وهو فوق الأرض في جنة عالية بما يشهده بعيون روحه فى بدائع إبداع صنع الله تعالى.

"وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ"

يعنى تخرج المؤمن من الكافر كما أخرج إبراهيم عليه السلام من آزر . وتخرج الكافر من المؤمن كما أخرج كنعان من نوع ، ولك أن تتوسع فيها فتقول تخرج الإنسان من النطفة والدجاجة من البيضة والسنبلة من الحبة والنخلة من النواة ، كما قال تعالى : "يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا"([16]) فيخرج النبات من الأرض الجماد ، سبحانه من قادر على كل شئ . . وفى الميت لغتان : لغة التخفيف والتشديد ، وهما بمعنى واحد وبأيهما قرأت فأنت مصيب ، إلا أن اللغة العامة بالتشديد فقد فرق بعض الأدباء بين التخفيف والتشديد فقال : الميت بالتخفيف هو من دخل القبر ، والميت بالتشديد هو من اعتورته المصائب حتى كأنه مات . قال فى ذلك :

ليس من مات فاستراح بميت            إنما الميت ميت الأحيــــــــاء

هذه الآيات تشير إلى أعلى مشاهد التوحيد لأهل التفريد وهم فى مزيد ، لأن مالك الملك الذى يملك ولا يملكه غيره من الملاك ، ويؤتى الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء ويعز ويذل وبيده الخير ، وقد قدمت لك أنه سبحانه منفرد جل جلاله بأن الخير بيده وأنه لم يخلق شرا فى الأزل أى لم يقدره ، وجميع ما أراده وأبرزه خير بدليل قوله تعالى : "بيدك الخير".

وأن كان جائزا أن نقول فيه اكتفاء أى بيدك الخير والشر كما قال تعالى : "سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ"([17]) أى والبرد فخذفه اكتفاء بذكر الحر ، وهنا حذف الشر اكتفاء بذكر الخير : هو على كل شئ قدير . وبعد ذلك قال تعالى: "تولج الليل فى النهار وتولج النهار فى الليل " لتشهد عيون الأرواح تفريده بالأعمال وقيامه سبحانه بقدرته وقيوميته بالإيجاد والإمداد والإعطاء والمنع ، فمن أهل منهم يشهد ذلك عين يقين ، ومنهم من يشهده حق يقين ، ومنهم من يتذوقه ذوقا ، ومنهم من يعلمه عند سماع القرآن فيقوى يقينه به . وويل لمن سمع تلك الآيات ولم يتدبرها.

"وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ"

هذا أيضا من مقول رسول اللهeالذى أمره الله تعالى به ، والواو هنا للعطف والجملة معطوفة على ما قبلها ، والرزق هو ما مكنك الله من التصرف فيه من مال وعقار وخولك من حشم وأهل وأولاد.

وبعضهم يقول : الرزق ما انتفعت به منفعة تجعلك تفنيه فى نفسك أو فى متاعك وما عدا ذلك فليس برزق ، والرزق ما يتفضل به الله على العبد لفائدة روحه وعقله ونفسه وجسمه وحسه.

وخير رزق الله تعالى ما يتفضل الله به على العبد من غذاء الروح الذى هو العلم والمعرفة ، والحب والشوق والذوق والكشف والاصطناع والاصطفاء وقبول التوب والغفران وشهود جماله الظاهر فى الكونين ، وغير ذلك مما لا يسطر على الأوراق ، ولا تفى به العبارة ، ولا تبينه الإشارة ، وما تقول فى رزق الله الذى من به على رسله وفضل بعضهم على بعض بالكلام والرؤية وبغير ذلك مما لا تعلمه الأرواح الطاهرة فضلا عن أن تتذوقه.

ورزق الله فى الحقيقة بغير حساب ، ولذلك خصه الله لمن يشاء لأن الله تعالى لو حاسب العالم لما منح مخلوقا من خلقه نفسا يتنفسه فى الهواء فضلا عن غير ذلك من النعم . . أما ما عدا ذلك فإنه قد يحاسب.

وإنا لنطمع أن يرزقنا ربنا جل جلاله رزقه العالى المعنوي من غير حساب فى الدار الآخرة ، ونسأله أنه إذا قدر علينا حسابه فيها أن يجعل حسابنا يسيرا ، أو أن يعرض علينا أعمالنا لنعترف بها على أنفسنا فتستر وتغفر كما بين رسول اللهeفى تفسير الحساب اليسير ، ونعوذ بالله من الحساب ، وكيف لا والقاضي يكون هو الله تعالى والشاهد علينا رسول اللهe.

قوله تعالى : "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ"(28).

"لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ"

سبب نزول هذه الآية : هو أن بعض أحبار اليهود معاصرى رسول اللهeسعوا بين المؤمنين ليردوهم عن دينهم ، وكان حاطب بن أبى بلتعة القيسى يود كفار قريش ويواصلهم حتى كتب لهم رسالة بتوجه رسول اللهeإلى فتح مكة ، أعطاها لامرأة من قريش كانت مغنية فى المدينة يحذر قريشا من جيش رسول اللهeويأمرهم بالاحتياط للقائه ، وهى أكبر خيانة لرسول اللهeفأعلم الله نبيهeبذلك فأرسل عليا بن أبى طالب وآخر معه وقال: أدركا فى مكان كذا امرأة ومعها كتاب ، فلما وصلا إلى المكان وجداها هناك فطلبا منها الرسالة ، فأقسمت إيمانا مغلظة وحلت شعرها وعملت أعمالا تخدع، فأبى على رضى الله عنه لا أن تخرج الكتاب وقال لها : كذبت وصدق رسول اللهe، فلما علمت عزمه على أخذ الكتاب قالت : غض بصرك عنى فغض بصره فأخرجته وناولته أياه ، فرجع يقول : صدق رسول الله وكذبت ، حتى وصل إلى رسول اللهeوقرئ الجواب فإذا به من حاطب القيسى يشرح لكفار قريش حال رسول اللهeوعزمه على غزو مكة ، فوقف عمر وبيده السيف مصلت يقول : مرنى يا رسول الله أن أقتل هذا المنافق فقالeمه يا عمر . وقال لحاطب : ما الذى دعاك لهذا ؟ فقال : والله يا رسول الله ما نافقت بعد الإمكان ولكن كل رجل من المهاجرين معى له عصبة فى مكة يدفعون عن أهله وأولاده ، وأنا رجل وضيع فى قريش ، وأخشى ان داهمهم الجيش أن يقتلوا أهلي وأولادي ، فأقدمت على هذا معتقدا أن الله ناصرك ومؤيدك ، فهم عمر أن يثب عليه فقالeدعه يا عمر لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال : أعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ومن أسباب نزول الآية : أن عبادة بن الصامت كان له احلاف من اليهود ، وفى وقعة الأحزاب قال : يا رسول الله أن لى خمسمائة يهودي من الأحلاف أو أخرجهم معى فى الجيش ؟ فقال رسول اللهeما معناه : "لا حاجة لنا بهم وأن الله أغناني عن نصرتهم".

ومن أسباب نزولها أيضا : أن عبد الله بن أبى بن سلول راس المنافقين- كان يتودد إلى اليهود وإلى قريش ويتمنى نصرتهم على رسول اللهe: وهو يظهر الإسلام وهو الى قال لرسول اللهeفى غزوة تبوك حينما قال له رسول اللهe: "كن معنا وأضمن لك أن ترجع وردفك رومية جميلة". فقال : ائذن لى يا محمد ولا تفتني ، فزعم هذا المنافق أن رسول اللهeيفتنه كما ورد فى القرآن فرده الله على عقبه وارتد معه كثير من جيش رسول اللهe.

كل تلك الأحداث التى ذكرتها لك كانت سببا فى أن الله تعالى أنزل هذه الآية فقال سبحانه وتعالى : "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين" الآية . وتأويل هذه الآية أنها أنزلت للترغيب والترهيب وفى قوله : "لا يتخذ المؤمنون" نهى تحريم.

وقد قدمت لك معنى المؤمنين ومعنى الكافرين . والمعنى : لا يتخذ الذين صدقوا الله ورسوله من كذبوا الله ورسوله أولياء من دون المصدقين الذين هم أولى بالولاية وأحق بها ، فان كان الذى يتولاهم راضيا عن كفرهم فرحا بولايتهم كفر وطلقت زوجاته.

والواجب على المسلمين أن لا يصلوا على جنازته ولا يدفنوه فى قبور المسلمين لقوله تعالى : "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"([18]) الآية . وقوله تعالى : "لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ"([19]) وقوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ"([20]) أما أن كانت الولاية للمسلمين وغيرهم ، سواء مع عقد القلب على بغض أهل الكفر بالله أو كانت لقرابة نسبية كما كان فى زمن رسول اللهeمن وجود مشركين أقارب للمسلمين ، أو علاقة اقتضتها دواع زمنية لا تؤدى إلى حب أو ود أو رضا مع عقد القلب على البغض الشديد لكل دين يخالف الإسلام فذلك مالا يقتضي الكفر ، ألا أنه منهي عنه.

"وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ"

تهديد من الله تعالى لمن تميل قلوبهم للمودة والولاء لغير المسلمين، أى ومن يفعل ذلك الذى هو اتخاذ المؤمنين الكافرين أوليا فليس من الله من ولاية الله فى شئ ، ولما كانت الشريعة المطهرة أنزلها الله لمصالح العلم وهو يعلم ما ف سجايا الناس من الفطرة على طلب المنافع ودفع المضار ، وأن الحق قد يعلو فيكثر أهله ، وأن البطال قد يطهر فيكثر أهله رحمنا سبحانه- بأن جعل لنا مندوحة تجعلنا نعيش فى صفاء فى كل أطوار الكون فقال:

"إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً"

وتتقوا : يعنى تخافوا وأتى بلفظه تقاة لأنها ليست مصدر تتقوا ، ولكنها اسم مصدر فإن مصدر تتقوا "اتقاء" ، والتقاة هى الوقاية التى يخاف الإنسان أن لو لم يتوق بها أهلك نفسه أو ماله أو عرضه وقد قال تعالى :" إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ"([21]).

والتقاة هنا مصورة بصور عدة ، منها أن يكون الإنسان بين قوم كافرين فيخفى ما فى قلبه ويظهر بلسانه موالاتهم بالبشاشة والتأليف ، وهى رخصة من الله حفظا للدم والمال والعرض ، وأن كان بعض العلماء قال : لا يجب النظر إلى التقاة إلا عند الخوف على الدم فقط ، إلا أن هذا تضيق ، وقد ورد أنهeقال : [ من مات دون ماله فهو شهيد ] ومن التقاة أنه إذا قهر أهل الكفر على أن يكفر أو يقتل فله أن يظهر كلمة الكفر بلسانه مع عقد قلبه على بغضهم وكمال الإيمان حتى يسلم من القتل وهى رخصة من الله.

وقد أمرنا بمداراة الناس لأنه أصبح بين المسلمين وبعضهم كما بين الكفار والمسلمين بالنسبة للبدع التى حدثت والتعصبات التى ظهرت والمذاهب التى يسمونها سياسة وهى شيطانية ، فترى المؤمن يوالى الكفار والمسلمين المتحدين على رأي سياسى باطل ويعادى أخوته المؤمنين ، ومن لم يراع فى ذلك المدارة مع وقاية قلبه من أن يجب أو يعتاد محبة من جهلوا الله ورسوله وأيامه خيف عليه من سلب الإيمان والعياذة بالله تعالى ، وكم نجد من المسلمين جماعات يحاربون المسلم ومن المسلمين ، وينصرون الكافرين ومن معه من اتباعه وأشياعة من المسلمين الجاهلين ، غير ملاحظين فى ذلك إلا ولا ذمة ، وهنا عندى تحسن التقاة خوفا على النفس والعرض والمال ، فإن إثارة العواطف قد تلقى العداوة والبغضاء بين الوالد وأبنه والأخ وأخيه تعصبا جاهليا ، وهى فتنة شيطانية أعاذ الله المجتمع الإسلامي منها ومن أسبابها.

ولو نظرنا فى هذه الأيام بعين البصيرة إلى المجتمع الإسلامي لوجدنا تلك البذرة الخبيثة تفرعت من سويداء القلوب إلى جميع الجوارح ، فاصبح الناس بدلا من أن يعبدوا الشمس والقمر والعجل يعبدون الزعماء الذين لا يعملون بدين ولا بسنة رسول اللهeولا يحفظون قومية أمتهم ، ويرون أنفسهم على زعمهم مسلمين.

وما الإسلام إلا التسليم لله ولرسوله والأئمة الراشدين المرشدين ، أما دعوى الإسلام مع الخروج عليه والعمل بغير شرائعه فهى دعوى لم تقم عليها حجة ، والدعاوى التى لا حجة تؤيدها باطلة . وأن الصلاة عادة والصيام جلادة والذين المعاملة.

"وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ"

لما كانت النفوس ميالة إلى حب مما يلائم الحس والشهوة ، وهذا قد يعمى عيون البصائر فتنقلب الحقائق بحب الهوى والحظ إلى ضدها ، فترى الحسن قبيحا والقبيح حسنا ، كما يتذوق المريض طعم السكر مرا أو كما يكره الأرمد أن يرى ضوء الشمس ، كذلك أهل العلل الشهوانية إذا وجدوا رخصة من الله لعبادة استعملوها ليتذرعوا بها أمام الخلق ، فتراهم يسارعون إلى أعداء الله ويتولونهم وينصرونهم ، فإذا ذكروا بأيام الله قالوا : أننا نتقى منهم تقاة ، ويعلم الله أن قلوبهم منعقدة على حب غير الله سواءا كان فى مرضاة الله أو فى مساخطه ، فقطع الله عذرهم وأقام عليهم الحجة وأرجعهم إلى الحق بقوله تعالى : "ويحذركم الله نفسه" ومعنى هذا أى يخوفكم تخويفا شديدا يجعلكم تراقبونه فى كل أعمالكم مراقبة توفقكم عند أعمال الشريعة وحدود الله تعالى . وفى هذه الآية إنذار من الله تعالى لمن يتلاعبون برخصه سبحانه وتعالى أو يفتحون أبواب الفتن بالرخص.

"وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ"

هذه الآية وعيد من الله تعالى تنزعج منه قلوب أهل الإيمان فى تلك الدار الدنيا ، وهى حجة على أهل الغفلة ، ومعناها أن مرجع العباد ومصيرهم إلى الله العليم بسرهم وخواطر قلوبهم وحركات جوارحهم وهمم نفوسهم ، فيجازى المحسن بما أعده له ووعده به ، ويجازى المسئ بالعذاب الأليم والعقاب الشديد.

 

قوله تعالى : "قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(29).

"قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ"

يكشف الله تعالى الحجاب بالبيان كل البيان حتى يقيم الحجة على أهل النفاق وأهل الشك والريب ، حجة تقصم ظهورهم ، لأنهم يخدعون الناس بإظهار ما ليس فى قلوبهم كما قال تعالى : "يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ"([22]) فيظهرون للناس أنهم أهل حكمة ومراقبة ومداراة ليجذبوا قلوب الناس إليهم وهم لا يراقبون الله ولا يحاسبون أنفسهم ، فألزمهم الله الحجة بقوله : "قل أن تخفوا ما فى صدوركم" مما ألم بها من دواعى الحظ والهوى والشهوة والطمع والغرور بالدنيا الذى تخفونه عن الناس وتظهرون أنفسكم بمظهر أهل الدين والتقوى ، أو تبدوه للناس بالتفضح فى معاصى الله أو تعدوه من تكلف عمل الأتقياء أمام الناس لتخدعوهم.

"يَعْلَمْهُ اللَّهُ"

جواب شرط وهذا وأن كان لفظه شرطا إلا أنه متضمن معنى الخبر من الله تعالى ، وهو حكم علينا بأن الله يعلم سرنا ونجوانا ، ويعلم أخفى من ذلك.

"وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"

الجملة استئنافية والواو هنا للاستئناف ، ومن علم ما فى السماوات وما فى الأرض من الآيات والأسرار والخواص والكميات والمقادير يلزم أن يكون عالما بالسماوات والأرض من باب أولى ، فإن من علم بما فى الظرف من الحقائق الخفية عن الأبصار يكون علمه بنفس الظرف أولى وأكمل.

وأن كثيرا من أهل العلم قد علمهم الله من علوم القرآن سبعين ألف عام ، قال على كرم الله وجهه : "تلقيت من رسول الله ألف علم ، واستنبطت من كل علم ألف علم" فيكون معلوم على عليه السلام ألف ألف علم كلها فى القرآن ، أما أولياء الله فإن الله إذا صافاهم أشهدهم فى القرآن سبعين ألف علم ، وقد بينت بعضها فى كتاب : "الإسلام نسب".

وهنا يحسن أن أبين لك شيئا اختلف فيه علماء الظاهر ، وهو أن الله ما ذكر الأرض إلا وأفردها وليس ثم دليل على أن الأرض سبع أراض إلا ما تمسك به بعضهم من قوله سبحانه : "خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ"([23]) فليس هذا دليل على أن الأرض سبع أراض ، ووجه الشبه أن يكون مثلهن فى الخلق لا فى العدد ، وعلى ذلك فما أقامه علماء تخطيط الأرض من أنهم ساحوا حول الأرض من أسفلها إلى أعلاها يكون أقرب للحقيقة ولا مخالفة فيه للقرآن فى وجه من الوجوه.

والقرآن لا يخالف المحسوس ولا المعقول فيما يتعلق بالكائنات الكونية أما ما عداها مما هو فوق المادة ولوازمها فإن العقل ليس له سلطان عليه ، وإنما ذلك يكون بإخبار الله تعالى أنبياءه عنها ليخبرونا بخبر الله عنها وعلينا السمع والطاعة والتسليم الأكمل ، فإن العقول مصائدها الحس وما لا يقع تحت الحس ليس للعقول أن تحوم حواليه.

ولو أن العقول تصل إلى إدراك الغيب والحكم عليه لكانت بعثة الرسل عبثا ، ولأمكن للعقل أن يصل إلى محاب الله ومراضيه من عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق ، ولا يمكن للعقل أني صل إلى هذا إلا بوحى من الله تعالى. أذن فالحكم بالعقل على ما ليس من دائرة اختصاصه خروج عن جادة الحق، قال تعالى : "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ"([24]) أى بحجة وبرهان ولا سبيل إلى ذلك قال تعالى مخبرا عن الملائكة الروحانيين : "سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا"([25]).

"وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"

أى والله على كل شئ خصصته إرادته من محيط علمه قدير على إبرازه وإيجاده فى الأعيان الظاهرة ، سواء أدركته العقول الإنسانية أو لم تدركه ، وف قوله قدير معنى المبالغة أى قدرته العلية صالحة لأن تبرز كل شئ على وفق علمه وإرادته العلية سبحانه فلا يعجزه شئ قدر إبرازه ، ومتعلق القدرة معلوم وهو الممكن فليس للقدرة تعلق بالواجب ولا بالمستحيل ، وكل ما هو فى دائرة الإمكان فالقدرة صالحة لإبرازه وإمكانه وهو سبحانه لا يعجزه شئ فى ملكه وملكوته.

 

قوله تعالى : "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ"(30).

 

"يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا"

بين الله تعالى فى هذه الآية بيانا عن يوم القيامة أن ذلك اليوم تجد فيه كل نفس من المكلفين ، والمكلفون هم الملائكة والأنس والجن والشياطين ، فتجد كل نفس من تلك الأنفس ما عملت أى الذى عملت ، وإن كان بعض العلماء بين أن "ما" شرطية وهو مقبول لغة إلا أن سياق الآية للخبرية لا للشرطية ، فالأولى أن تكون موصولة , "عملت" صلتها ، و "من" تبعيضية و "خير" معلوم ، وهو القيام بما أمر الله به والامتناع عما نهى عنه ، "محضرا" أى موجودا.

وهاذ محل نظر ، لأن الأعمال أعراض تزول وليست حقائق باقية ، فكيف تكون محضرة ؟ والجواب : أن المحضر قد يكون صحائف العمال أو يكون جزا الأعمال وقد وردت فى القرآن آيات كثيرة تدل على ذلك قال تعالى : "وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا"([26]) وفى قوله : "ما علمت من خير محضرا" بشائر لأهل الإيمان بأن الله تعالى إذ وعد وعدا نفذه بدليل قوله : "محضرا" فى جانب الخير.

"وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ"

والواو فى "وما" للعطف و "ما" معطوفة على "ما" الأولى و "عملت" صلتها و "من سوء" أى من صغير أو كبير ، ولم يقل هنا محضرا رحمة بعباده ، فأنه قد يتوعد العباد بالعذاب الأليم ويأتى يوم القيامة فيغفر ، بل قال : "تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا" وهذه الجملة صفة لسوء "تود" أى تتمنى ، ومعنى الآية أن الإنسان يفر من تلك الصحائف أو تلك الحقائق التى هى جزاء السوء ، والأمد هو النهاية الكبرى ، كما قال تعالى : " يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ"([27]) "ويحذركم الله نفسه" تقدم الكلام عليها.

"وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ"

قدم الله تعالى الوعيد بأجلى مظاهره ورحمة منه أتى بالبشائر ، وجائز أن يكون قوله تعالى : "رءوف بالعباد" أى بالعباد المخصوصين الذين أهلهم للرأفة والرحمة والرضوان كما قال تعالى : "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا"([28]) وكما قال تعالى : "عِبَادٌ مُكْرَمُونَ"([29]) وكما قال سبحانه : "يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ"([30]) وجائز أن تكون الآية لكل بنى آدم لأن الله راف بهم ببيان تلك الحقائق لهم التى من شأنها أن توقظ القلب من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، وقد بينت لك ما تحمله من المعانى وكلها جائزة.

قوله تعالى : "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"(31).

"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ"

سبب نزول هذه الآية ما كان يدعيه اليهود والنصارى من أنهم أبناء الله وأحباؤه ، فلما نزلت هذه الآية قام عبد الله بن أبى بن سلول رأس المنافقين فقال : أن محمدا يريد أن نعبده ونقدس ذاته كما فعل النصارى بعيسى عنادا وبهتانا على الله تعالى وجهلا بمعنى الآية الشريفة.

ومعنى الآية أن الله يأمر حبيبهeبقوله قل يا محمد لليهود والنصارى وللعالم أجمع ، أن كنتم تحبون الله تعالى محبة أنتجها العلم به سبحانه فاتبعوني فى عقيدتي وعملي وقولي وحالى ومعاملتى . فإن محبة الله لا تكون إلا بعد معرفته ، ومن عرف الله أيقن أن الله رب وهو عبد ، والعبد عليه حقوق لربه جل جلاله وتلك الحقوق لا يمكن أن يحصلها إلا بمعرفتها من الله تعالي- والله سبحانه أنزل على حبيبه محمدeبيان ما يحبه من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة ، فمن بلغ به المقام إلى محبة الله تعالى فإنه بحسب تلك المحبة ينجذب إلى إتباع من بعث الله تعالى إلينا ، وإذا بينت لنا تلك الحقائق جذبتنا المحبة إلى المسارعة للقيام بها، وقد وعد الله من أحبه وأتبع نبيهeأن يتفضل عليه بمحبته سبحانه له ، فجزاء محبة العبد لله واتباع رسوله الفوز بالمحبة من الله تعالى.

والمحبة هى الإرادة ، كما أن الرحمة هى الإرادة ، ولكن متعلق الإرادة التى هى الرحمة خيرات الدنيا والآخرة التى تتعلق بالأشباح ، ومتعلق الإرادة التى هى المحبة خيرات الدنيا والآخرة التى تتعلق بالأرواح : فمتى أحب الله العبد وهب له فى الدنيا معرفته وأشهده بدائع إبداع صنعه وغرائب حكمته وعجائب قدرته وغيوب أقداره وحكمة إيجاده وإمداده وأسرار تجليه وغيب أسمائه وصفاته ، ومتى رحمه الله منحه الوسعة والصحة والعافية فى الأموال والأولاد والخول ورفع ذكره فى الدنيا ونقله إلى الآخرة فى روضات الجنات منعما بألذ المشتهيات فى الجنة ، وهذه رحمة الله وتلك هي محبته.

وقد أنكر بعض العلماء محبة الله للعبد مع ورودها صريحة في القرآن لأنهم تأولوا يد اله ومعية الله ، ولو أنهم سلموا كما سلم سلفنا الصالح لكان خيرا لهم ، وما أنكر المحبة إلا من حرمها ، وقد دلت هذه الآية أن لا نجاة لمسلم فى الدنيا والآخرة إلا بكمال اتباع رسول اللهeفيما جاءنا به من عند اله أمرا بقدر الاستطاعة ، وفى ما جاءنا به نهيا مطلقا ، فما أمرنا الله به يجب علينا أن نسارع إلى القيام به بقدر استطاعتنا ، وما نهانا عنه يجب علينا أن نتركه مطلقا.

وبهذا يظهر لنا أن مخالفة رسول اللهeمن غير نسيان ولا سهو فيما يجعلون له تأويلا نفاق بل مجاهرة وتفضح ، ولو بمخالفة السلف الصالح ن ومروق من الدين ، ومن خالف ما علم من الدين بالضرورة ولو متأولا فهو منافق ، أما ما يقوم به آل العزائم من العمل بعزائم الكتاب والسنة مما لم يألفه الناس فذلك ممدوح جداً.

وقد كان في الصحابة أنواع كثيرة ، منهم المشدد على نفسه كأهل الصفة ، ومنهم المتساهل كمن أقامهم الله فى التجارات والزراعات والصناعات ، ومنهم الذى شدد على نفسه باختياره حتى ترك كثيرا ، شهوة البطن وشهوة الفرج مع تمكنه كأبى ذر الغفارى وأمثاله من خيرة الصحابة.

وكان يعلم ذلك رسول اللهeولم يعب على أحد منهم ، وكذلك والواجب على أهل المعرفة أن يقتدوا برسول اللهeفلا ينكرون إلا ما أنكرته السنة ، ولا يعيبون على أحد من المسلمين إلا فيما خالف السنة.

وقد خرج قوم عن جادة السنة ، فصار يكفر بعضهم بما ليس بكبيرة ، ويلعن بعضهم بعضا ، فأوقعوا أنفسهم فى حكم قوله تعالى : "كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا"([31]) وكأنهم يثبتون على أنفسهم أنهم من أهل جهنم ، وإلا فمال الداعى إلى الله وللإنكار على العامة ينفرهم من الدين ويوقعهم فى الفتن ، إنما الداعى إلى الله طبيب رفيق يجب أن ينوع أفكار الناس بأساليب الحكمة التى وردت عن رسول اللهe، قال عليه الصلاة والسلام : [ إلا أخبركم بأحبكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة قالوا : بلي يا رسول الله ، قال : [ أحسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون ].

أما من أقام نفسه داعيا إلى الله وزكى نفسه ، ورمى غيره بالشر والسوء حاكما عليه ، وهو يجهل ما عند الله له بل ويجهل نواياه ومقاصده ، أوقعته نفسه فى إحدى خصلتين مأخوذتين من قوله تعالى : "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ"([32]) وقد بلغ بهؤلاء من الحكم بغير ما أنزل الله إلى ان قالوا . المقلد كافر ، والذى لا يعلم عقائد التوحيد بما أحدثوه من البدع كافر ، ولم يكن فى السلف الصالح شئ من ذلك.

وقد بين الله تعالى التوحيد بأكمل برهان فى كتابه العزيز ، ونحن سمعنا وأطعنا وصدقنا . أما أعداء الله المنكرون للإسلام المحاربون له فإن حجتنا عندهم بعد القرآن السيف ، فإن لم يكن للسيف قوة تنفذ أحكام الدين فعلينا بالرجوع لأحكام الكتاب والسنة ، وانتظار الفرج أعظم عبادة الرسل "فاتبعوني" الفاء فى قوله "فاتبعوني" رابطة لجواب الشرط لأنها صيغة أمر ، والأمر هنا للوجوب ، فأتباع رسول اللهeواجب على كل مسلم ، وقد أقامه الله بيننا إنسانا حتى لا نقول أننا لا نطيق أن نتشبه به.

والواجب علينا أن نبحث عن عمله فى كل شئ قبل أن نعمل شيئا حتى نعلمه طبق ما عملهe، وقد أكل وشرب ونام وباشر نساءه ولبس وباع واشترى ومرض وأصلح بين الناس ووعظ ونصح وجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله ، بل عمل كل شئ يعمله الإنسان ، وضحك وحزن ومازح ، وبين بالحجة وغضب وفرح ، وما من عمل من أعمال الإنسان ألا وعملهeحاشا المعاصى لعصمته.

وما على المسلم الذى يحب أن يحبه الله إلا أن يبحث عن كل أعمالهeويتلقاها من أهل العلم ن ثم يجاهد نفسه أن يكون صورة من صور حبيبهeليحبه الله ، فإذا أحبه القى عليه محبة منه لخلقه ، وألقى عليه صورة حبيبهeحتى إذا رآه أهل الإيمان الكامل كادوا أن يقولون هذا رسول اللهeلما يجليه الله لهم فيه من صفات محمدe، فإذا جاء يوم القيامة ورآه الملائكة احترموه احتراما لرسول الله ، واحتفلوا به حتى يدخل دار رضوان الله.

وكان بعض أهل السلف إذا كان عند جنيد القواريرى أو سرى السقطى أو عند التوزى من أئمة الوفية وسئل أين كنت ؟ يقول : كنت عند رسول اللهe، ويتمثل ما كان عيه رسول اللهeفى أقوالهم وأحوالهم وأعمالهم ويتشبه بها ، فإننا لم نر رسول اللهeوبيننا وبينه ألف وثلثمائة وست وخمسون سنة زمانا ([33]) ، وبيننا وبينهeمكانا سفر شهر تقريبا على ظهور الإبل ، وإذا كان الأمر كذلك فإن الشريعة تكون قد نسخت أن لم يقم الله تعالى للامة من يجدد لها أمر دينها لأنهeخاتم الرسل.

وإذا كان الناس لا ينتظرون نبيا يبعث ولا وارثا يرشد نسخت الشريعة ودرست معالمها اللهم لا تخل الأرض من قائم لك بحجة قوله تعالى : "يحببكم الله" سبق أن بينا المحبة فى قوله "أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ"([34]) ، ولكننا فى مقام اختطفت فيه أرواح المقربين إذ سمعوا قوله تعالى "يحببكم الله" وزلت فيه أقدام من لم يتعقلوا عن الله آياته ، فإن من جهل شيئا عاداه.

هذه الآية الشريفة التى هى "يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم" جواب للأمر الذى هو "فاتبعوني" وإلى تلك الآية انتهت كمالات المقامات العالية ، فإن الغاية التى ليست بعدها غاية هى نيل العبد محبة الله تعالى له.

وقد أنكر محبة الله للعبد من حرمها من الله تعالى بعد أن حكموا أن المحبة هى الإرادة كما بينت لك ، وأن الإرادة إذا تعلقت بخيرات الدنيا والآخرة الجسمانية تسمى رحمة ، وإذا تعلقت بخيرات الدنيا والآخرة الروحانية تسمى محبة ، وهذا مذهب المتكلمين وأهل السنة من العلماء بالأثر ، أما أهل المعرفة بالله الذين أقامهم الله فى مقام التقرب إليه بعد أن رفعهم إليه على رفارف التقرب منه ، فأنهم لا يرون رأي هؤلاء المحجوبين الذين يقولون أن الإرادة لا تتعلق بشئ ، فمحبة الله للعبد مستحيلة على مذهبهم ، والمعنى عندهم "فاتبعونى يحببكم الله" أى يجازيكم على ذلك بالجنة أو بمقعد صدق أو بالرضوان . أنا لا ألوم على هؤلاء القوم لأنى كنت جاهلا غافلا ساهيا ناسيا والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء . إنما يلوم من جهل نفسه.

الله تعالى يرضى ويغضب ويحب ويكره ، وليس الحب منه يقتضي التأثر الذى يجعل المحب يخضع لحبيبه ويطيعه ، تنزه عن ذلك وتعالى ، كما أنه سبحانه وتعالى يرحم ، وليس مقتضى ذلك أن له قلبا يرق ويعطف ويحنو على المرحوم تنزه وتعالى عن ذلك ، بل رحمته سبحانه تليق به.

وما علمنا أن احدا أنكر أنه رحيم ، وأنه رحمن لأن كل موجود فى العالم فاز من الرحمة بقسط وافر ، ولكنا نرى المنكرين على محبة الله للعبد كثيرين ، وذلك لأن محبة الله تعالى علت على أن تعرف ، وغابت عن أن توصف ، وهى مضنون إحسان الله الذى خص به من جملهم بجماله العلى ممن ورد عنهم الحديث الشريف أن الواحد منهم إذا رؤى ذكر الله لرؤيته ، وأقرب مرجع للضمير هنا هو الله تعالى ، أى ذكر الله لرؤية العبد المجمل بجمال الله العلى.

وقوله تعالى : "يحببكم الله" أى يصطفيكم لذاته وهو الرب المطلق الذى لا يسأل عما يفعل ، وإذا كانت محبة الله تعالى للعبد يثبتها له حسن اتباع رسول اللهeفإنى قدمت لك ان محبة الله تعالى فضل منه لا يتعلل بعلة.

وفى قوله تعالى : "فاتبعوني يحببكم" كأنه فعل شرط وجواب شرط ، وتكون المعنى أن تتبعونى يحببكم الله تعالى ، فماذا يقول أهل المعرفة فى هذا ؟ الذي يقولونه أن الله تعالى خالق روح حبيبه محمدeمن نور جماله ، وخلق أرواح من سبقت لهم الحسنى بمحبوبيتهم له سبحانه من روح محمدe، وجذبهم إليه بعوامل تلك المحبة جذبة جعلتهم يتحدون مع رسول اللهeعقيدة وعملا وقولا وحالا كأنهم "هو" فى الحقيقة والمعنى.

ولا تعجب فأنا نرى الإنسان الذي يحب الانتقام لنفسه فنحكم عليه أنه وحش ، فالأجسام من حيث هى لا قيمة لها إلا بما تجملت به من المعانى ، وكل جسم تجميل بمعانى رسول اللهeنحكم عليه حكما كأنه "هو".

وقدورد فى غزوة تبوك أن الصحابة رضى الله عنهم قالوا : يا رسول الله نرى خيالا من بعد يقوم ويقع ، فقالe[ ليكن أبا قتادة ] ، فقالوا : يا رسول الله ننتظره ؟ قال : [ سيروا بنا ، الذى جاء به يحمله إلينا ] . فأصبحوا وإذا بأبى قتادة معهم فكان قوله عليه الصلاة والسلام ليكن معنى كن . فكذلك قول الله لنبيهe"قل أن كنتم تحبون الله فأتبعونى" أمر بالإتباع سمعه من رسول اللهeمنحضرة ممن يسمعون بآذان أرواحهم فكان قوله "فاتبعوني" مع سابق العناية الالهية جذبة كبرى تجعلهم يتقربون إلى الله ويقربهم الله منه حتى يجملهم بجماله الذى يحبه هو والظرف تابع للمظروف.

وفى الأثر [ كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذى يبصر به ] الحديث بعد قوله [ فإذا أحببته ] وهذا مقام فوق حب الله للعبد ، لأن رسول اللهeيقول عن الله [ فإذا أحببته كنت . وكنت . وكنت ] أمسك القلم عن هذا ولكنى غبت عن وجودى نشرة بقول الله " يحببكم الله" وفرحت كل الفرح بأن الله يحب من اتبع رسول اللهe.

وفى تلك الآية من غوامض الإشارة أن الله تعالى يقيم الحجة أنه المنفرد بالنزاهة والكبرياء والعظمة ، وأن كل موجود من عالم الأرواح العالية ألى الثرى أغيار أظهر الله بهم أسرار أقداره وعجائب قدرته وغرائب حكمته ، ويقهر النصارى واليهود الذين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ويقصم ظهور وفد نصارى نجران ، لأنه جعل محبته للعبد محصورة فى إطاعة محمدeالأمر الذى جعل كل من فى الأرض مقهورا بقهر الله تعالى ، لا قداسة لأحد ولا نزاهة ولا خصوصية لعبد عند الله إلا باتباع رسول اللهe.

ومسلم يعلم قدر محبة الله له وما به يناله من حظوة بالأخيار فى دار الرضوان ومن خير عظيم فى الدنيا وفى البرزخ وفى يوم القيامة ويخالف رسول اللهeفى صغيرة أو كبيرة حكم على نفسه بالشقاء فى الدنيا والآخرة إلا أن يغفر الله تعالى له ويعفو عنه.

"وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ"

الغفر كما سبق أن بينت لك هو الستر ، فإن حقائق المعاصى لا تمحى من علم الله - تعالى ولكنه سبحانه يسترها عن عيون المذنبين وعن ملائكته وعم معالمه من الأرض وعن جوارحه "وما كان ربك نسيا " حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب.

وعندى "ويغفر لكم" هنا تفيد الستر وتبديل السيئات حسنات وهو الذى يناسب "يحببكم الله" قال سبحانه : " فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ"([35]) "ويغفر لكم ذنوبكم" الذنوب معلومة وهى كل ما خالف الشرع الشريف فى أمر أو نهى ، ومغفرة الذنوب صغيرها وكبيرها بعد وعد الله تعالى بتلك البشرى قالe: [ إذا أحب الله العبد لا يبالي ما فعل ] ، وكيف لا وفى الحديث يقولeيقول الله تعالى : "المتحابون فى والمتزاورون في والمتجالسون فى والمتباذلون فى على منابر من نور قدام عرش الرحمن ] الحديث . فإذا كان هذا جزاء الحب فى الله تعالى فكيف يكون جزاء من أحبهم الله تعالى.

"وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"

بعد أن بين الله تعالى للمؤمنين ما بين من ترك ولاية الكافرين ، وهدد من اتخذهم أولياء بسلب الإيمان منهم ، وشدد فى التهديد حتى حذر المؤمنين نفسه ، رد سبحانه وتعالى على النصارى واليهود افتراءهم على الله بدعوى أنهم يحبونه وأنهم أبناؤه قائلا : "أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" يعنى اتبعوا محمداeتنالوا خيرا مما تدعون من أنكم تحبون الله ، وذلك الخير هو محبة الله تعالى لكم ويغفر لكم افتراءكم وكذبكم على الله تعالى- وما وقعتم فيه.

"والله غفور رحيم" يعنى أن من صفاته العلية أنه غفور رحيم ، ورحيم يعنى أنه يتفضل يوم القيامة فيسمع من اتبعوا حبيبهeبجمال إحسانه العلى فإن "رحيم" يعنى الذى يحسن إلى عباده يوم القيامة والرحمن هو الذى يحسن إلى عباده فى الدنيا.

قوله تعالى : "قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ"(32).

"قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ"

سبب نزول هذه الآية ما قدمت لك من سوء ظن عبد الله بن أبى بن سلول بالله ورسوله هو ومن معه من المنافقين ، لأنهم قبحهم الله لما فى نفوسهم من بغض رسول اللهeكانوا يسارعون إلى قلب معانى القرآن مع وضوح حقائقها لأجهل إنسان يفهم معنى الألفاظ فقصم الله ظهورهم بقوله تعالى : "قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ" بعد قوله : "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ" فأنهم شوهوا قوله تعالى : "فاتبعوني" بقولهم : أى فاعبدوني وقدسوني ، فقهرهم الله تلك الآية الشريفة وهى الأمر باطاعة الله بما أمر به من عقد القلب على حقيقة التوحيد ومن المسارعة إلى عبادة الله تعالى وإلى التجمل بالأخلاق التى رغب الله فيها والقيام بحسن المعاملة التى أوجبها الله لكل ذى حق بحسب مرتبته وهذا معنى طاعة الله.

وأما قوله "والرسول" أى وأطيعوا الرسول ، فالمراد من طاعة الرسولeهى أن نقبل منه عليه الصلاة والسلام بيان ما أرسله به إلينا ، لأنهeشرح لنا الآيات الدالة على التوحيد وبين حججها الواردة فى القرآن ، وفصل لنا مجمل العبادات بقوله وعمله وحاله ، فإن الله جل جلاله أمرنا بالصلاة فقال : "وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ"([36]) وأمرنا بالركوع والسجود فقال : " ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا"([37]) .

ولما كانت تلك الحقائق لا تنكشف للإنسان إنكشافا يجعله يقوم بها على ما يحبه الله سبحانه وتعالى ، لزم للإنسان أن يتلقى ذلك عن إنسان نظيره يقلده فى عمل ما أمره الله تعالى أن يعمله مما يعجز العقل عن أن يعلم تفصيله من كلام الله تعالى إلا ببيان رسول اللهe، فإطاعة رسول اللهeهى إطاعة الله تعالى لأنه سبحانه وتعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام ليبلغونا عن الله ما يحبه منا وما به ننال رضوانه الأكبر ، وإنما جعلهم أناس مثلنا لنقتدي  بهم فيما يعملون أمامنا عند تعليمنا حتى يمكننا أن تطمئن قلوبنا بأننا عملنا بمحاب الله ومراضيه بعد وقوع العمل طبق ما سمعناه ورأينا من رسول اللهe، وبذلك لم يبق من شبهة يؤسس عليها أهل الشرك بالله والمنافقون فتنة عمياء صماء ، فظهر الحق الذى عينين وباءوا هم بالخسران والوبال.

"فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ"

سبب نزول هذه الآية أن وفد نجران بعد أن بين الله تعالى لهم أن عيسى وأمه والخلق أجمعين كلهم عبيد الله وقامت عليهم الحجة حتى قصمت ظهورهم ، بقوله تعالى : "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي" بعد قولهم "نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ"([38]) وظهر لهم ان محبة الله تعالى لا يمنحها سبحانه لأحد إلا لمن اتبع محمداeفى عقيدة التى نزل بها القرآن ، وهو تفريد الله بعالى بالألوهية دون غيره وتنزيهه عما لا يليق بكمال ذاته سبحانه ، وما عداه من الخلق أجمعين فعباد مقهرون وخلق مربوبون ، لا فرق بين عمار السماوات السبع ومن فوقهم بل وسكان الأرضين والأجواء والأرجاء ،  فرق فى ذلك بين نبى مرسل وملك مقرب بل كلهم عبيد مقهرون قال تعالى : "إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"([39]) ، وقد فضل الله من شاء أن يفضله ورفع من شاء أن يرفعه من رسله الكرام وملائكته وأنبيائه وأوليائه بما أقامهم فيه من كمال الذل لعزته والخضوع لكبريائه والقيام بالسمع والطاعة لعظمته الالهية.

فليس عيسى باله ولا بابن الله ، بل هو عبد مقهور مربوب ، وفضله الله تعالى بما أمره به أن يبينه لعباده ويدعوهم إليه . . وقد كفر فى عيس طائفتان وقعتا فى الغلو : طائفة اليهود وهم الذين كذبوه وهموا بقتله ، وطائفة من لا بصيرة لهم وهم الذين غالوا فى رفعة مكانته حتى بلغوه إلى منزلة بنوه الله .. وكلهم فى النار.

ومعنى هذه الآية أن يأمر وفد نصارى نجران أن يطيعوا فيما جاءهم به محمدeوأن يطيعوا الرسول فيما بينه لهم مما أنزل الله عليه مفصلا عقيدة وقولا وعملا ، وهذا الحكم وأن كان سببه خاصا بوفد نصارى نجران إلا أن الحكم فيه عام لكل بنى الإنسان لا فرق بين الأبيض والأصفر ، حتى أن كل من بلغته الدعوة ولم يطع الله والرسول فهو كافر من أهل جهنم المخلدين فيها أبدا ، ومن لم تبلغه الدعوة بأحد طرقها الشرعية فهو من أهل الفطرة الناجين يوم القيامة.

قوله تعالى : "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ"(33).

والاصطفاء هو الاختيار والاجتباء . أى اختارهم سبحانه أن يكونوا صفوة من خلقه فى زمانهم "أن الله أصطفى آدم ونوحا" أى اختار آدم لأنه أبو الإنسان الأول ونوحا لأنه أبو الإنسان الثانى بدليل قوله تعالى : "وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ"([40]) وهذه الآية الشريفة حجة قاطعة على وفد نجران وغيرهم، أن الحكم ليس إلا لله لا لليهود وللنصارى ولا للكفار وغيرهم ، حيث قال النصارى المسيح بن الله ، وقال اليهود العزير بن الله ، وجعل أهل الكفر بالله الشمس إلها والأصنام والبقر فكذبهم الله تعالى فى ذلك وقال : "أن الله اصطفي آدم" أى اختاره من العالم فى عصره كما اختار نوحا عليه السلام وجعله صفوة له من جميع خلقه فى عصره وبذلك يثبت أن الله تعالى ليس له شريك ولا ولد وهو تنزه وتعالى عن أن يشابه الكائنات وأن يحتاج إلى شئ منها وأنه سبحانه وتعالى هو المريد الفاعل المختار ، يصطفى من يشاء ويهدى من يشاء ويذل من يشاء.

"وَآلَ إِبْرَاهِيمَ"

يعنى أنه سبحانه أصطفى كل من كان على دين إبراهيم متمسكا به عاملا لله ، وآل برهيم بحسب مراد الله تعالى هم من آمنوا به وتمسكوا بدينه لا فرق بين أقرب الناس إليه وبين أبعدهم عنه نسبا كما قال الله تعالى : "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ"([41]) ومدحهم . وقال فيمن خالف رسول الله : "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ"([42]) وكان ممن خالف رسول اللهeأقرب الناس إليه كأبى لهب وغيره . وآل ابراهيم هم اسماعيل واسحاق ويعقوب ومن اقتدى به ، بل وكل مسلم . كذلك فإن الله اصطفى دين آدم ودين نوح وأنه دين الإسلام.

"وَآلَ عِمْرَانَ"

والراجح أن المراد بعمران هو عمران أبو مريم أم عيس بن ماثان لا عمران أبو موسى ، لأن سياق الآية يظهر أنه سيق لبيان حال عيسى بن مريم لتقوى الحجة على وفد نصارى نجران كما سيأتي ، وبين عمران أبى موسى وعمران أبى مريم ألف وثمانمائة سنة . ولو كان المراد أبا موسى لقال الله تعالى : وآل موسى ، لأن سيدنا موسى رسول من أولى العزم الذين أقامهم الله مقاما كمقام نوح والخليل عليهما السلام.

"عَلَى الْعَالَمِينَ"

       أى على العالمين فى زمانهم ، وهذه الآية الشريفة وأن دلت على اصطفاء آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين فى عصورهم ، فأنزل الله محمدeآية جعلت آل محمد وهم جميع أمته من لدنهeإلى يوم القيامة خيرا عند الله تعالى من سائر خلقه من لدن آدم إلى يوم القيامة ، ونبينا خيرا من أنبيائهم ونحن خيرا من الأمم السابقة وهى قوله تعالى : "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"([43]) . ثم بين حكمة هذا الفضل باقامتنا مقام الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بقوله تعالى : "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله".

 

       قوله تعالى : "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"(34).

"ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"

معنى هذه الآية والله أعلم أن المراد دينهم واحد وآراؤهم فى هذا واحد . وأن كان من الجائز أن يكون من سلالة واحدة يتناسل بعضهم من بعض ، إلا أن ذلك لم تؤيده الحجة ، بل الذى تؤيده الحجة أن بعضهم من بعض أى أنهم أهل دين واحد وآراء واحدة بدليل قوله تعالى : "الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ"([44]) .

"وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"

أى أنه تعالى يسمع أقوال أهل الإيمان به وأهل الكفر به وكلام المنافقين فيجازى كل فريق بما يستحقه . وقوله تعالى "عليم" ى يعلم سرهم ونجواهم وأخفى من السر فيجازى بإحسان أو بعذاب أو يغفر ويعفو ويقبل التوبة.

قوله تعالى : "إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"(35).

 

"إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا"

يخاطب الله محمداeفيقول : اذكر يا محمد إذ قالت حنة أم مريم جدة عيسى عليه السلام عندما نظرت إلى طير يطعم فرخا له فحنت إلى الولد وكانت عاقرا قد تجاوزت سن الحمل : لله على نذر أن رزقنى الله تعالى بمولود لأجعلنه خادما لبيت المقدس ، فقدر الله لها أن تحمل والله على كل شئ قدير فلما حملت قالت : "رب أنى نذرت لك ما ف بطنى محررا" أى حرا عتيقا لا يشتغل بغير خدمتك فى بيتك المقدس.

"فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"

معنى هذا أن حنة بعد أن نذرت النذر دعت الله تعالى أن يقبل منها نذرها وأن يرزقها بهذا الغلام الذى نذرته لله تعالى وتقبل فعل التماس "إنك أنت السميع العليم" من كلام أم مريم تابعا لما قبله أى إنك يا الهى السميع لكلامى ودعائي ونذري ، العليم بحالتي واضطراري إلى أن يكون لى ولد.

قوله تعالى : "فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"(36).

"فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ"

يعنى أن حنة بعد أن وضعت النسمة من بطنها وظهر أنها أنثى وكانت تتمنى أن يكون ذكرا ، وكذلك حكمة  الله تعالى فى أن جعل النفس التى حملت بها أنثى قال متوجعة آسفة : "رب أنى وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت " الواو هنا للحال والجملة حالية.

وجائز أن تكون خبرا عن الله تعالى لحنة على رواية جعلت التاء للمخاطبة وكسرها كان الله يخاطبها فيقول : "والله أعلم بما وضعت" يعنى أن الله لا يخفى عليه شئ ن وكان الأولى لحنة أن ترضى عن الله فيما قدر وأن تعلم أن ما أراده الله لها خيرا مما كانت تريده لنفسها ، فإن الأنثى هذه اصطفاها الله تعالى وأبرز منها آية كبرى جعلت كثيرا من الناس يقدسون مرين لأنها حملت بدون زوج ، وولدت أنسانا أجرى الله على يديه من المعجزات الباهرات ما جعل أهل الغباوة يتخذونه إلها من دون الله لجهلهم ، قال رسول اللهe: [ لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع ] ولكن خلق الإنسان عجولا ، وقد ماتت حنة ومريم صغيرة.

"وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"

هذا من مقول حنة . ومعناه أن بنى إسرائيل اعتاد بعضهم أن يقرب أبنه الصبى لخدمة بيت المقدس ولم تسبق العادة بخدمة النساء فى المعابد والهياكل ، وفى هذا إشارة إلى أنها تتمنى لابنتها هذه عناية من الله تعالى تبلغ بها أن تلد من يخدم فى بيت المقدس وفاء لنذر أمها.

ولما كان هذا المعنى هو المفهوم من كلامها وخصوصا فى قولها : "وأنى سميتها مريم" لأن معنى مريم فى العبراينة العابدة ، تفضل الله عليها وبشرها بإجابتها فيما طلبت بقوله تعالى : "فتقبلها ربها بقبول حسن".

قوله تعالى : "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ"(37).

"فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ"

وقوله تعالى : "بقبول" اسم مصدر لن مصدر تقبل تقبلا وهى من اللغة الفصحى أن يأتى العرب باسم المصدر محل المصدر وكثيرا ما يقولون تكلمت كلاما . والقبول الحسن من الله تعالى أن يعطى السائل أفضل مما سأل لأن حنة كانت تريد أن يكون لها ولد يخدم بيت المقدس ن فأعطاها الله تعالى بنتا اصطفاها الله تعالى على نساء العالمين ، وبعد ذلك ولدت ولدا هو عيسى بن مريم عيه السلام أخبرنا الله عنه أنه كلمة الله وروح منه وكل ذلك سبب قبول الله تعالى مريم إكراما لوالدتها.

"وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا"

أى أنشأها تنشئة عجيبة لأنها كانت تنمو فى اليوم كنمو غيرها فى الشهر ، وكان هذا المزيد فى صحتها وفى دينها وفى عقلها وفى كل حقيقة من حقائقها بدليل قوله تعالى : "نباتا حسنا" فإن حسنا من الله دليل على حصول البركة من اله فى كل شئ "وكفلها زكريا " أى أن حنة لما ولدت مريم قال ما قلت لفتها فى ثوب وتوجهت بها إلى بيت المقدس ووضعتها بين أيدى الأحبار وكان أبوها إماما للأحبار وقالت لهم : هذه نذيرة لبيت المقدس ن فتنافسوا جميعا فيها ، فقال زكريا : أن خالتها عندى وأنا أولى بها منكم وكفلها.

والقراءة التى هى أولى بالقراءة من غيرها هى تشديد الفاء أى أن الله تعالى كفلها زكريا بعد قيام الحجة له فأخذها لخالتها حتى كبرت وأرجعها فأسكنها غرفة عالية فى بيت المقدس . وكانت غرف بيت المقدس تسمى محرابا . وكان زكريا يزورها لقضاء حاجتها.

"كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ"

كان زكريا عليه السلام بعد كفالته لمريم يتعدها بزيارته ليقضى حوائجها ، فكان كلما دخل عليها المحراب يجد عندها "رزقا" أى فاكهة ليست موجودة فى الزمان الذى يجدها فيه عندها ، فكان يعجب كل العجب لنه كان يغلق عليها سبعة أبواب . فيقول لشدة تعجبه : "يا مريم أى لك هذا" أى من أى جهة لك هذا ، وأنت لا يصل لك أحد ولا وجود عندها من الرزق فتجيبه قائلة : هو من عند الله "أن الله يرزق من يشاء بغير حساب" هذا خبر من الله تعالى يكشف به الحجاب عن زكريا ليعلم كرامة مريم عند الله تعالى ، أو معنى ذلك أن الله تعالى وضع الأسباب ليتعرف بها إلى عباده ، فيعرفونه لما يرونه فى الأسباب بعد ارتباطها تمام الارتباط بمسبباتها ومخالفته لما يرونه فيما يصل إليهم من غير أسباب ، فيحصل لهم العلم اليقينى بوجود الله تعالى ، وبعجائب قدرته ، وغرائب حكمته ، فيكمل إيمانهم أن الأسباب فاعلة مختارة والفاعل المختار هو واضع الأسباب جل جلاله .

وفى هذه الآية الشريفة رد على من أنكر كرامات الأولياء ، وهنا نبين لك بيانا شافيا يطمئن به قلبك بدليل هذه الآية . . أنا لو فرضنا أن اله أكرم مريم بكفالة زكريا لها ن فرزقها من حيث لا تحتسب كان ذلك يقتضى علم زكريا به ، ولو كان يعلمه لما قل لها "أنى لك هذا" فثبت لنا أن إيصال الرزق إلى مريم لا يعلم زكريا سببه فلا يكون معجزة له ، وإذن فهى كرامة لمريم ومنكر الكرامة محروم منها فثب أن الله يكرم أولياءه .

وهنا اوكد لك أن منكر الكرامة لا ينكر أن الله يكرم أولياء مطلقا ، ولكن ينكر أن تأتى الكرامة بطلب الولى لأن الله تعبد الرسل بإظهار المعجزات لأنهم يتحدون الكفار بها لتثبت رسالتهم ، وتعبد الأولياء بإخفاء الكرامة لأن الولي لا يتحدى بدعوته . وكيف لا وهو يدعو إلى شريعة تقررت بالعقل والمعجزة وبأخبار الرسل السابقين اللهم إلا إذا دعا المشركين بالله وعند تحديهم له فأنه بحسب الميراث له أن يسأل الله تعالى تأييده فى الدعوة بالحجة وأن يكرمه بما يقهر به أعداء الله تعالى.

وقد ثب إكرام الله لأوليائه بصريح القرآن ، فإن الله أكرم أصف بن برخيا بما هو معجزة لسليمان عليه السلام بأن نقل صرح بلقيس من بلاد اليمن إلى بيت المقدس ، وأكرم اليتيمين فحفظ لهما كنزهما بما أقامه الخضر وموسى عليهما السلام من الجدار ، وأكرم مريم بما أنزله سبحانه فى هذه الآية والخلاف بين مثبت الكرامة ومنفيها لفظى.

فأنا نسلم أن الولي لا يطلب الكرامة لأنه متعبد بسترها وإخفائها خوفا من أن يدعى الناس أنه رسول أو أن يبالغوا فيه كما بالغ اليهود فى عزير ، والنصارى فى عيس ، على أنى لا أنكر أن الله تعالى إذا أقام عبدا فى مقام المجاهدة بقلب وقالب يبين له سبله ، فإذا اتضح له فناء الدنيا وبقاء الآخرة أو رفعه عن ذلك فاشهده ساطعة أنوار جماله فر إلى الله تعالى فانيا عن الدنيا أولا بالآخرة ، وعن الدنيا والآخرة بالله تعالى ليحصل له كمال العلم بالله سبحانه وحقيقة الاتصال ، فيستغرق بكليته فى محاب الله ومراضيه ، ولديها يكرمه الله تعالى من حيث لا يعلم ولا يريد ، ولا يقصر بفنائه بالكلية عن تعلق قلبه بغير الله ، وعن ميله إلى حب الشهرة عند الخلق ، ومثل هذا يكون من ضنائن الله تعالى لا يحزن إذ حزن الناس ، ولا يخاف إذا خاف الناس ، بل يكون دائم المراقبة لله والفرار إليه والخوف منه سبحانه.

قوله تعالى : "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ"(38).

"هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ"

أى عندما شهد زكريا إكرام الله لمريم شرح الله صدره أن يسأله مالا ينال إلا بفضله سبحانه لفقد الأسباب الداعية إليه ن لأن زكريا كان رجلا هرما وكان امرأته لا تلد ، فتحقق أن الذى أعطى مريم رزقا لم يكن مجودا وعليها سبعة أبواب مقفل قادر أن يعطيه ولدا مع هرمه وعقم زوجته فقال : "رب هب لى من لدنك ذرية طيبه إنك سميع الدعاء" وهذا دعاء زكريا لربه أن يهب له ذرية من غير سبب يقتضيها كما رزق مريم من غير حساب.

وفى الآية سر عجيب لسرعة الإجابة وهو كمال الثقة بقدرة الله على إغاثة السائل ، وتحقق اضطراره إلى ما يسأله ، وهو سر الاسم الأعظم ، لأن زكريا لما راى ما رأى عند مريم من الرزق ، وتحقق أنه لا سبب أوصله إليها لأنه مغلق عليها سبعة أبواب ، ولأن الرزق الذى كان عندها كان مفقودا فى ذلك العصر وأجابته بقولها " هو من عند الله" فعلم أن الله يخبرنا بقوله : "أن الله يرزق من يشاء بغير حساب" أنشرح صدره وثبت لديه باليقين الحق أن الله قادر أن يعطى من غير سبب ن وزاد على ذلك اضطراره إلى الولد فجمع بين شرح الصدر على اليقين بالقدرة ، وبثبوت اضطراره إلى الله تعالى ، فكان كأنه يناجى سميع الدعاء القادر على إغاثة الداعى . ومن جمع اله له هذين المعنيين فاز بطلبته وهى سرعة الإغاثة : قال تعالى : "أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ"([45]).

وقد أغاث يونس بن متى وهو فى الظلمات الثلاث عندما سأل الله تعالى مبينا ظلمه لنفسه مقدما لى دعوته توحيد الله وتنزيهه ، فقبل الله منه توحيده وتنزيهه ودعاءه وأنابته ، وأغاثه وذلك عند قوله : "لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"([46]) ، كما أغاث ابراهيم عندما أنكسر قلبه وأفرد ربه بالقصد دون غيره ، وتيقن أنه سبحانه أقرب إليه من جبريل بل ومن روحه التى بين جنبيه فجعل النار عليه بردا وسلاما : ودعا الفرج عند الشدة مرتبط بهذين المعنيين . ودليل ذلك:

قوله تعالى : "فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ"(39).

معنى هذه الآية الشريفة أن الله أغاث زكريا وطمأن قلبه بإجابته سبحانه له بأن أرسل له ملائكة يبشرونه بالإجابة وهو قائم يصلى ، وهذه الصلاة هى الدعاء ، والمحراب كل مكان شريف يجلس فيه المتحنث أو يقف فيه للدعاء والعبادة . أقول لك الصلاة هى الدعاء لأنه لو كان يصلى صلاة شرعية لما كلمته الملائكة . اللهم إلا إذا كانت صلاتهم يباح فيها الكلام . يخبرنا ربنا أن الملائكة قالت لزكريا:

"أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ"

أسرع اله تعالى بإغاثة زكريا عند دعائه  بأن أرسل الملائكة يبلغونه البشرى من الله تعالى بنيل ما يتمناه من اله سبحانه وهو الولد الذى كان يراه مستحيلا ، وبشره بتشديد الشين أى أخبره بخبر يسره لم يكن بلغه من قبل ، وبتخفيفها بضم الشين فى الماضى والمضارع بمعنى السرور والنضرة ، وهى هنا بتشديد الشين ، وعليه قراءة الإنسار وأنه ورد هذا المعنى فى لغة بتخفيف الشين ، ويحيى مأخوذة من الحياة أى يحيى للدين والعلم "مصدقا بكلمة من الله" يعنى مصدقا بعيسى بن مريم الذى هو كلمة من الله "وسيدا" السيد من احتاج إليه الناس لفضله وعلمه وانتفعوا به فسودوه عليهم أى رفعوه "وحصورا الحصور هو الذى لا يميل بطبعه إلى النساء ولك أن تقول : هو المتواضع "ونبيا من الصالحين" تقدم أن اله وصفه بأربع صفات ثم ختمها بوصف الصلاح، وهو قوله "من الصالحين" فيظهر من هذا أن الصلاح أكمل منازل لمقربين . قال يوسف عليه السلام : "تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ"([47]) وقال الخليل عليه السلام : "رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ"([48]) وفى ذلك من تعظيم الصلاح ما فيه لأولى الألباب.

 

قوله تعالى : "قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ"(40).

تأويل هذه الآية الشريفة أن الله تعالى منح الأنبياء علما بكمال إطلاقه جل جلاله حتى بلغ بهم العلم مبلغا به عرفوا أن الله فوق كلمته : فهم في هذا الجانب لا تطمئن قلوبهم إلا بعد وقوع المبشر به فعلا فترددهم عليهم الصلاة والسلام كما تردد زكريا والخليل عندما قال له الله : "أو لم تؤمن" وموسى عندما أمره الله أن يدعو فرعون والخليل أيضا لما بشره باسحاق ، وكل تلك المعنى تدل على كمال يقينهم وعلى طلبهم المزيد من اليقين لتطمئن قلوبهم وليسوا كغيرهم من الخلق ممن تغره بارقة من لوامع آيات الله تعالى .

بل الرسل عليهم الصلاة والسلام أهل يقين كامل لا يأمنون جانب الله ولا يقنطون من رحمته ولا تسكن نفوسهم ، ولا تطمئن قلوبهم إلى وعد أو وعيد إلا بعد قيام الحجة الناصعة لأن الحق جل جلاله فوق أسمائه وفوق صفاته ، ولا يأمن جانبه فى مثل هذه المواضيع وفى غيرها إلا القوم الكافرون.

ويجوز أن يكون سؤال الأنبياء عليهم السلام ربهم بعد البشرى بما يتفضل به عليهم من أجابه ما طلبوا أن يكون ذلك من سرورهم وفرحهم بما بشرهم الله ورجاء سرعة أغاثتهم بما طلبوا.

ويجوز أيضا أن يكون من باب تلذذهم بمكالمة الله عز وجل وأنسهم بمناجاته سبحانه وهذا من مقامات أنبيائه عليهم السلام التى أكرمهم الله بها فى الدنيا ، وليس للشيطان سلطان على قلوب الأنبياء حتى يقوى سلطانه عليهم فيترددون فى أخبار الله تعالى أو يشكون ، ولكن التردد للتثبيت ولطمأنينة القلب كما قال الخليل عليه السلام : "بلى ولكن ليطمئن قلبى" وكما قالت مريم لجبريل رسول الله إليها بعد أن قال لها : " إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ"([49]) قالت : "أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ" فرد الله عليها بقوله : "كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ" فرد عليها ، بما يناسب قوتها النفسية ، كما رد على زكريا بما يناسب مقامه من الرسالة بقوله : "وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا" وكان يسرنى أن أطيل البيان فى تلك المواضيع ولكن رسول اللهeقال : [ المؤمن يكفيه قليل الحكمة ].

قوله "وقد بلغنى الكبر" يعنى تجاوز سن الكهولة إلى الهرم حيث ارتخاء المفاصل "وامرأتى عاقر" أى لا تلد أبدا فأراد الله تعالى أن يكرم مريم بعد بيان زكريا هذا الذى يدل على أن الأسباب التى بها يحصل الحمل والوضع مفقودة.

وفى الآية إشارة إلى أن يحيى أكبر فى المعجزة من عيسى عليهما السلام لأن عيسى حملت به امرأة مؤهلة للحمل والوضع فى ريعان شبابها وقد يكون من الجائز ان تتحد الأخلاط الأربع فيها فتحمل من غير ذكر ن أما زكريا وزوجته فحصول الحمل منه والولادة من زوجته بعيد عن العقل جدا يقتضى أن يكون معجزة تتحير فيها العقول.

ومن ذلك ثبت عفاف مريم وطهارتها وبهتان اليهود الذين رموها بالزنا ، وأنى لأرى نيل زكريا وليدا برهانا على إكرام الله لمريم ، وبيان لغرائب قدرة الله وعجائب حكمته سبحانه ، وأنه جل جلاله هو الذى وضع الأسباب ، ولا يسأل عما يفعل . وهذا هو المقام الذى كانت تخاف منه الرسل والأنبياء وورثتهم.

قال أبو بكر رضى الله عنه - : "نا لا آمن مكر الله ولو كانت أحدى قدمى فى الجنة" مشاهدا هذا السر الذى رآه فى رسول اللهeوقال تعالى : "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"([50]) وأمره هنا سر القدر "قال كذلك الله يفعل ما يشاء" بعد أن بين زكريا عليه السلام حجة استبعاد ولد له بالنسبة للأسباب التى نعتقد أن الله الواضع لها ، وأنه مكلف شرعا بالوقوف عند الأسباب حتى لا يتعداها تعبدا لله وصبرا على عبادته ورضا بأقداره ، حتى إذا قامت الحجة أن هذا مراد الله وسر قدره من الأحداث التى يحدثها غير مرتبطة بالأسباب اطمأن قلبه ورضى عن الله ، وهذا الخطاب كما بينت لك يناسب مقام زكريا عليه السلام بقدر ما علمه الله تعالى من معانى صفاته وأسرار أسمائه جل جلاله.

وقد بينت لك أن الله سبحانه خاطب رسله بعبارات تختلف لفظا ومعنى بحسب مقادير الرسل من العلم بالله تعالى وبمعانى صفاته وأسمائه ، وفعل الله تعالى صفة من صفاته جل جلاله ليس كفعل الحوادث ، فإنه يحدث ما يشاء أن يحدثه بأسباب وبغير أسباب ، ومن شئ ومن لا شئ ، وليس كذلك فعل الحوادث ، وقد حصل الظمأ الشديد لأصحاب رسول اللهeفى غزوة تبوك وفى غيرها فشكوا ذلك إليهeفأمر بأن يؤتوه بماء ووضعه فى راحتيه فبارك الله فى الماء حتى سال بين أصابعه الشريفة أنهارا روت الجيش والحيوانات وتزودوا منها ، وهذا أدبا مع الله تعالى لأنهم طلبوا الماء من الماء.

 

قوله تعالى : "قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ"(41).

معنى هذه الآية الشريفة أن الله تعالى يخبره أن آيته اعتكافه مقبلا على الله بقلبه مستغرقا أوقاته حضورا مع الله تعالى غير مشتغل بغيره سبحانه وتعالى حتى ولا يكلم الناس ، فإذا دعت الضرورة إلى مالا بد منه جعل ذلك بالإشارة دون العبارة فراغا لقلبه من الشواغل.

"وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ"

والتسبيح هو إبعاد الله تعالى عن النقائص التى هى من شأن الأحداث كما قدمت لك ، وفى قوله تعالى "بالعشى" أى وقت اشتباك النجوم وزوال الشفق الأبيض والأحمر وهو الوقت الذى يسارع فيه أهل القلوب إلى عبادة الله ربهم جل جلاله.

وقد عينت الشريعة فى هذا الوقت صلاة العشاء لما فيه من الخصوصية ، لأنه وقت يشتغل فيه الغافلون عن الله بطلب النوم للراحة والخلوة لنيل الشهوات أو الغفلة بالسمر ، "والإبكار" من حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى وأصله التعجيل بالشئ . ولأهل القلوب فى الأوقات التى عينتها الشريعة أنس بربهم وفراغ عن الشغل بغيره ، فأمر الله زكريا بتسبيح الله وذكره كثيرا سبحانه ، ولا يتحقق الذكر الكثير إلا إذا كانت القوى الإنسانية جميعا تذكره بحسب ما تطيقه.

فللروح ذكر ، وللعقل ذكر ، وللقلب ذكر ، ولكل من السمع والبصر والشم واللسان واليدين والرجلين ذكر خاص ، حتى يكون ذاكر الله مستغرقا بكليته فى استحضار الله والفوز بمعيته سبحانه وبذلك يتحقق لديها الذكر الكثير.

ولتلك الآية أسرار غامضة يمكن أن نبيح لك برذاذ منها ، وذلك لأن الآيات التى تليق بالرسل عليهم السلام لابد وأن تكون آيات فوق مقادير العقول والأرواح ، بل لا بد وأن تكون ليست كالآيات المنبلجة فى الكائنات من الآيات التى تطمئن بها قلوب السالكين ، وتعجز نفوس أهل الجحود عن إدراكها ، بل تكون من الآيات المتعلقة بما فوق الكون من غيب تجليه أو سر تنزله سبحانه وتعالى ، أو إشراق جمال وجهه العلى أو الوحى إليهم فى مقام العندية أو اللدنية أو غير ذلك.

وأمسك لسانى عما فوق ذلك من أسرار حتى يمنحك الله تعالى أن شاء ، وفى هذا الاعتكاف كمال صفاء لجوهر النفس التى هى محل لهذا التنزل.

 

قوله تعالى : "وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ"(42).

بين الله تعالى فى الآية السابقة ما أكرم الله به زكريا من التفضل عليه بيحيى ، وتفضل فبين لنا ما أكرم به مريم من أنه جعلها والدة لعبد أخبرنا عنه سبحانه أنه كلمة وروح منه فقال جل جلاله وأذكر يا محمد أنت وأمتك:

"إذ قالت الملكة: - أى حين قالت الملائكة يا مريم.

"إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ"

الاصطفاء : هو أن الله اختارها بما أكرمها سبحانه به "طهرك" أى حفظك وعصمك من أن يقدر عليك نجاسة فى عقيدة أو فى حال تقتضيه البشرية ، مع وجود البشرية حتى يكون الاصطفاء سببا فى رفعة شأنها وبلوغها أعلى المقامات بسبب الجهاد الفادح الذى كانت تقوم به ، لأن البشرية إذا فقدت من إنسان فقد الأجر والتقرب من الله تعالى.

"واصطفاك على نساء العالمين" أى رفع قدرك على نساء أهل زمانك من اللآئى كن يعملن الصالحات ، فإن أجر الأعمال مقدر بقيمتها ، ولكن فضل الله تعالى الذى يؤتيه من يشاء يقدر بأكمل الأعمال فقد يعطيه للعامل ولغيره ، ولا أدل على ذلك من الفضل الذى أعطاه لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما هم بقتل رسول اللهeفأنه منح أرقى المقامات وأعلاها ، والسيف مصلت فى يده لقتل رسول الله وذلك من فضل الله تعالى على من يشاء من عباده ، فكيف يكون تفضله على كمل رسله صلوات الله وسلامه عليهم خذ مثالا . .

خرج موسى عليه السلام يقتبس من النار فوجد الوهاب والغفار ، ومنح الرسالة والكلام وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قوله تعالى : "يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ"(43).

"يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ"

تقدم شرح القنوت وهو طول القيام فى الصلاة وهو الدعاء.

"وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ"

       وفى تقديم السجود على الركوع إشارة إلى أنه أمر من الله بلزوم أعتاب العبودية فى حال العبادة ، لأن العبد أقرب ما يكون من الله وهو ساجد قال تعالى : "وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ"([51]) فقدم السجود على الركوع ليشعر قلبها بكمال الاستحضار عند العبادة استحضارا يكسب قلبها كسرا حتى تمنح مقاما عند الله لها والركوع معلوم وقوله تعالى : "مع الراكعين" إشارة إلى أنها تابعة لموسى عليه السلام لأنها ليست أول الراكعين ، وفى ذلك أدب لها وبرهان على أن النبوة لا تنالها النساء لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام عملهم أن يقولوا : "فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ"([52]).

       قوله تعالى : "ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ"(44).

"ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ"

       يقيم الله الحجة على اليهود والنصارى بتلك الأنباء التى كان لا يعلمها إلا الأحبار بعد يقينهم أن محمدا ولد فى الجاهلية ، وعاش بين ظهرانيهم وأهل الجاهلية أميين لم يدرسوا كتابا ولم يحتفلوا بتاريخ ، وآثار ظهور رجل منهم ينبئ بتلك الأخبار التى هى أخبار الأنبياء ، وهذا دليل على أنه نبى من عند الله إذ لا يعلم علم هذا إلا الراسخون فى العلم "وما كنت لديهم" أى بينهم.

"إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ"

       أى وقت إلقاء أقلامهم . وإلقاء الأقلام جائز أن يكون وقت منافستهم فى كفالة مرين حين وضعوا أقلامهم ، ووقف قلم زكريا فقامت الحجة على أنه كفيلها.

       وجائز أن يكون ذلك بعد حصول الجدب الشديد الذى دعاهم إلى أن يعملوا لمساعدتها فاجتمعوا وألقوا أقلامهم ليظهر الله لهم من يكلفها فى أيام الجدب.

"وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ"

       أى ولم تكن عندهم حين كانوا يختصمون فى أيهم يكفل مريم ، وكل ما تقدم من الغيب الذى لا يعلمه إلا الأحبار من الراسخين فى العلم وفى بيان الله لهم على لسان محمدeوهو بين جاهلية عمياء وصماء دليل على أنه رسول اللهe، وكان الأحرى بمعاصرى رسول اللهeمن اليهود أن يسارعوا إلى الإيمان بعد إقامة تلك الحجة التى هى أظهر معجزة ، ولكن قاتل الله اليهود فإنهم قوم بهت.

       قوله تعالى : "إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ"(45).

"إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ"

       معنى هذه الآية أن الله تعالى يأمر محمداeأن يذكر تلك الحادثة ، مذكرا بها اليهود من معاصريه ليقيم عليهم الحجة بصدقه فى النبوة ، وبعد أن بين ما بين سبحانه فى زكريا ويحيى وحنة وبنتها مريم تفضل فبين لنا فاتحة أمر المسيح وأنه ممن أعتني الله بهم فبشر به أمه على لسان الملائكة حين قالوا:

"إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ"

       تقدم لنا الكلام على لفظة يبشر ن وبينا فيها أنها بتشديد الشين وبتخفيفها ، فهى فى تشديد الشين تدل على خبر يسر لم يعلم المخبر به من قبل ، وبتخفيفها تدل على السرور والنضرة والحبور ، ويقال فيها بشر فلان يبشر. وفى بعض اللغات أن المخففة قد تكون بمعنى المشددة.

       وقوله تعالى : "بكلمة منه" لك فى هذه الكلمة أن تفهمها بمعنى كلمة هى من كلمة "كن" وكل أنواع الخلق كلمة من كلمات الله تعالى ، ولك أن تقوم أن الله تعالى خلقه ليبين للناس مالا بدلهم منه دينا فسماه باسم ما خلقه الله لأجله وهو الكلام فسماه كلمة.

       ولك أن تقول أن كلمة الله بمعنى قدر قدره الله تعالى ، تقول على شئ يحصل : هذا قدر الله تعالى كالغنى والرقى والعلو والسعادة أو المرض والفقر وغيره . وليس حقيقة لشئ إلا وهو حقيقة القدر ولكنا نسمى هذا المقدور قدرا.

       وجائز أن نقول أنه لما خلق من دون والد كان كأنه من كلمات لأنه خارق للأسباب التى وضعها سبحانه "منه" أى من كلماته على حذف المجرور "أسمه المسيح" جائز أن الله سماه بذلك لأنه كان يمشى على الأرض كثيرا ، وجائز أن يكون ممسوح البطن لأنه مسيح فقيل بمعنى ماسح أو ممسوح.

       وجائز أن يكون يمسح الباطل ن ولفظة عيسى علم على هذا الغلام . والضمير فى "اسمه" عائد على الغلام أو إلى المعنى المراد من "بكلمة" وهو المولود.

"وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

       الوجاهة فى الدنيا الظهور والرفعة فيها ، والمسيح عليه السلام بلغ فى الدنيا مبلغا حتى كان يؤمه عشرات الألوف من المرضى ليشفيهم الله على يديه ، وبلغ من الوجاهة أيضا أن أحبار اليهود فى عصره خافوا منه زوال ملكهم ، وخاف منه ملوك الروم أن يزيل ملكهم ، بل كان شعب إسرائيل والجيوش الرومية فى فلسطين ليس لهم حديث إلا شأن المسيح.

       ووجيها فى الآخرة ى أنه مقبول عند الله تعالى قبولا يجعله من المقربين لديه سبحانه . وقد وصف الله تعالى موسى عليه السلام بقوله تعالى : "وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا"([53]) فوجاهة موسى فوق وجاهة عيسى عليهما السلام كان وجيها ، فى الدنيا والآخرة بخبر الله تعالى عنه . وقد أخبرنا الله تعالى عن موسى عليه السلام بأنه عند الله وجيها ، وما يفتريه دعاة النصرانية أخزاهم الله سبحانه وتعالى من أن خبر الله عن المسيح لأنه وجبه فى الدنيا والآخرة يجعله إلها أو ابن الإله فدعوى لا يدعيها ممرور . وكتب اللغة بينت معنى وجيها . فإن لفظة وجيه على وزن فعيل . فتكون بمعنى مواجه أو مواجه.

"وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ"

       حجة قاصمة لظهور دعاة النصرانية على أنه عليه السلام فرد من أفراد من اصطفاهم الله فقربهم بفضله وليس لهم فضل ذاتى ، فضلا عن أن يكون لهم قداسة ، لأن كلمة المقربين اسم مفعول من قربه الله تعالى لقربه فهو مقرب بفضل الله لا لمزية خاصة لذاته ، فهو عبد كالعبيد والله تعالى يصطفى من يشاء ويقرب من يشاء ويبعد من يشاء ، وليس بين الخلق والخالق نسب إلا العبودية.

فليس من ذات الله فى الكون شئ ن ولا فى ذات الله من الكون شئ تنزه وتعالى . إذ ليس ذات الله ظرفا للكون ، ولا الكون ظرفا لذات الله تعالى قال سبحانه : "إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا"([54]) والخلق جميعا لا فرق بين عيسى وعزير ولا بين نبي وولي ، ولا بين مؤمن وكافر كلهم عبيد مقهورون وعباد مربوبون ، يرفع الله تعالى من يشاء منهم ويخفض منم يشاء لا يسأل عما يفعل.

 

قوله تعالى : "وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ"(46).

 

"وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ"

       معنى يكلم الناس فى المهد واضح لأن الكلام فى المهد معجزته ، والمهد هو حجر أمه أو فرشه وهو رضيع ، والمهد هو ما يمهد للنوم عليه ، ومعنى هذه الكلمة إذا أطلقت تدل على ما يوضع فيه الطفل الذى ليس له أراده فى دفع ما يضره ، أو جلب ما ينفعه.

       "وكهلا" معنى هذه أنه يتكلم كهلا بما يتكلم به طفلا ، وبهذا المعنى لا يكون كلامه كهلا معجزة ولكنا نفهم فى هذه الكلمة أن كلامه كهلا من أكبر المعجزات ، وإن كان بعض العلماء عرف الكهل من سن استواه إلى صباه الأعلى أى من ثلاثين سنة إلى الأربعين ، إلا أنه بحسب العرف لا تطلق إلا على من تجاوز الستين ، والمسيح رفع إلى السماء وهو فى ريعان شبابه حيث كان سنة ثلاث وثلاثين سنة.

       وإذا فهمت ما أورده عليك تتحقق أن كلامه كهلا معجزة كبرى ، وذلك لأنه ينزل من السماء بعد رفعه فى آخر الزمان فيتكلم مع الناس فيكون كلامه فى ذلك الوقت من المعجزات الباهرات ، ويصير عليه عندها أنه كهل بالنسبة لطول الزمن الذى أمضاه فى السماء الرابعة كما ورد "ومن الصالحين" فيها معنى ما فى قوله ومن المقربين وقد سبق لى أن تكلمت فى هذه الكلمة وبينت أن الصلاح فوق كل تلك المراتب ، لأن الله تعالى ختم به تلك الصفات التى لم يثن بها ألا على أولى العزم من الرسل فدل ذلك على أن الصلاح أكمل مقام يتفضل الله به على خاصة رسله ، أسأل الله سبحانه أن يجعلنا من الصالحين.

       قوله تعالى : "قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"(47).

"قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ"

       لما أن بشر الملائكة مريم عن الله تعالى أن الله تعالى يهب لها كلمة منه ، يعنى غلاما ، فعجبت لأنه فى غاية الغرابة لفقد الأسباب التى تعودها الإنسان وهى صديقة والصديقون فطروا أن لا يقبلوا إلا بالحجة لأن لهم مقام الإيمان خصوصا فيما يتعلق بالغيب المصون من ذات الله تعالى وأسمائه وصفاته ، قال من ى جهة يكون لى ولد مع فقد الأسباب التى هى من البشر الذى جعله الله سببا لحمل النساء ، وذلك لم يحصل لكمال عفافها ويقينها بنفسها ولم يكن تعجبها جهلا بقدرة الله تعالى ولكن ليطمئن قلبها ، لعلمها أن مثل هذا يثير ثائرة الشبهة ممن يجهلون سر قدرة الله تعالى فتعتورهم الشكوك والريب.

       فلما سألت ربها بعد بشرى الملائكة لعلمها أن بينها وبين الملائكة مجانسة بالنسبة لأنهم مخلوقون مثلها لكن كمال يقينها جعلها تعتقد أن ربها جل جلاله أقرب إليها ، فنادته نداء القريب للقريب فأغاثها الله مطمئنا قلبها بمزيد علم اليقين قائلا : "كذلك الله يخلق ما يشاء" وقد شرحنا هذه الآية فى سورة البقرة.

"قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"

وقضى هنا بمعنى قدر بخلاف معنى قوله تعالى "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ"([55]) فإن معناه أمر وحكم ومعناها فى هذه الآية إنه إذا قدر أمرا فى سابق علمه ووقته بوقت وحان الوقت قال له كن فيكون كما قدر سبحانه وتعالى وليست كن بكلمة تحتاج إلى صوت وتقاطيع حروف ولكنها سر القدرة التى تبرز ما قدر الله تعالى أزلا فى آنات معلومة.

قوله تعالى : "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ"(48).

كل تلك الصفات التى أثنى الله بها على عيسى عليه السلام هى مدائح فى نهاية الكمالات إلا أنها حجج قائمة على كمال العبودية للمسيح قاصمة لظهور وفد نصارى نجران ، وإليك الإشارة فى ذلك الذى يبشر الله تعالى به أمه فينزعج قلبها ويحصل لها الدهش من شدة العجب ، ويخبرها الله تعالى فى البشرى أنه روح منه وإنه يكلم الناس فى المهد وكهلا ومن الصالحين ، كل تلك الصفات التى تفيد أنه عبد تعتوره التغيرات الكونية.

وكل متغير فى أطواره ومقاماته حادث مقهور لا يقبل عقل إبله ولو رآه يحيى الموتى ويخلق من الطين حيوانا ويخبر بالغيب بعد أن قامت الحجة على أنه متغير متطور إلا أن يقول هذا مخلوق أكرمه الله تعالى ، ولا يمكن أن يتصور أن هذا المتغير الذى حكمت عليه الحقائق فتغير بحسبها فى كل سن وفى كل زمان فجاع وشبع وظمأ وشرب ومرض وشفى وأمن وفرح وحزن وغضب ورضى و أختفي من الأعداء ، وظهر بكل أنواع التغيرات الكونية التى تعتور الحوادث أنه الله أو ابن الله.

ومن قال بعد تلك الحقائق أن عيسى ابن الله أو هو الرب كان من الذين يقولون يوم القيامة : يا ليتني كنت ترابا ، وكان أقل قيمة ممن يعبدون البقر لأن لهم عذر فى عبادة البقر لما ينالونه من البقر من لبن وروث ولحم وجلد وعجول.

اللهم أنا نبرا إليك مما يصفك سبحانك به أهل الجهالة العمياء الصماء بعد أن قال لهم المسيح : أنا لست المعلم الصالح ، فرأى نفسه أحقر وأصغر من أن يكون معلما صالحا وهو الرسول الكريم من أولى العزم ولكن " مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا"([56]) نشكر الله تعالى على نعمة الإسلام ونسأله أن يجازى سيدنا ومولانا محمداeعنا خير الجزاء.

"الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"

الكتاب هو التوراة . والحكمة هى السنة التى علمها الله للرسل ليبينوا للناس محاب الله ومراضيه من العبادة والمعاملة والأخلاق مما لا يتلقاه الناس إلا عملا أو مما أبهم على الناس فى الكتاب أو أجمل فيبنون ما أبهم ويفصلون ما أجمل وهى السنة.

"وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ"

يبين الله تعالى ما خص به عيسى بن مريم عليه السلام من الفضل العميم الزائد على ما جمله الله به سبحانه فى ذاته عليه السلام من أنه كلمة منه . وأنه وجيه فى الدنيا والآخرة ومن المقربين ، وأنه يعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، ومعنى تعليمه الكتاب أى أنه سبحانه يمنحه العلم الذى به يصير يكتب الكتاب بيده ، والحكمة هى السنة التى بها بيان الكتب قبله والنزلة عليه عيه السلام والتوراة هى الكتاب الذى أنزله الله على موسى عليه السلام والإنجيل هو الكتاب الذى أنزله الله علي عيسى عليه السلام وهذان الكتابان أنزلهما الله تعالى خاصين بموسى وعيسى وبن إسرائيل ، ولكن أحبار اليهود ورهبان النصارى دعاهم الهوى الذى هو أخو العمى والحظ وحب متاع الحياة الدنيا إلى تحريف هذين الكتابين عن مواضعهما ، ومن قرأهما فيما يتعلق بأخبار الرسل السابقين يجزم أن هذا ليس من عند الله تعالى خصوصا فيما يتعلق بلوط وداود وسليمان وموسى وإبراهيم عليهم السلام فإنهم ذكروا الأنبياء والرسل بما لا يليق بمقاماتهم العلية وخصوصا فيما يتعلق بالبشائر التى وردت فى التوراة عن رسول اللهeالتى حرفوها تحريفا يدل على سوء أدبهم مع الله تعالى وافترائهم عليه.

ونحن لا نحكم بيننا وبينهم إلا العقل السليم من الهوى ، فإن العقل بمجرد إطلاعه على ما رموا به أنبياء الله . . يحكم أن ذلك محض افتراء ، فإن اليهود رموا عيسى بأنه ابن زنى ورموا داود بأنه كان رجلا شهوانيا ظالما قتل رجلا لينكح امرأته ، ورموا لوطا عليه السلام بما أخجل أن أذكره . ورموا غيره من الأنبياء بما هو مشهور عنهم فى التوراة ، ورمى النصارى عيسى بما لا تقبله العقول السليمة . . من أنه ابن الله أو أنه الإله بعد أن أقام الحجة بنفسه أنه عبد يتأثر ويتغير فيأكل ويتغوط ويبول ويخاف ويفرح ويرضى ويغضب وإن كان أظهر من الآيات الكونية مالا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فإن الله قادر أن يهب لمن يشاء من عباده ما شاء سبحانه.

قوله تعالى : "وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"(49).

"وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ"

هذه الآية جعلت مسألة المسيح خاصة بقومه ، وإن كان لنا أن نفهم أن الرسول إلى بنى إسرائيل الذين هم أهل كتاب يجعله رسولا إلى غيرهم بالأولى من أهل الجاهلية والمجوسية وغيرهم ، إلا أن تعيين القرآن أنه رسول إلى بنى إسرائيل يجعل معاصريه ومن بعد عصره من الأمم الذين ليسوا من بنى إسرائيل أهل فترة لا يؤاخذون بترك الإيمان به.

"أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ"

وتأويل هذه الآية بأنى "قد جئتكم بآية من . . " عند ربكم بأني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ومعنى ذلك أنى جئتكم بآية أى بعلامة تقوم بها الحجة من عند ربكم تدل على صدق رسالتى وتأييد دعواى لتؤمنوا بما جئتكم به من ربكم ، وتلك الآية هى أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا . وعلى هذه الرواية رسم المصحف وإجماع القراء . وقد روى : "كهيئة الطير فأنفخ فيها فيكون طائرا بإذن الله".

وتفصيل هذه الآية أن عيسى عليه السلام كان جالسا بين صبيين فقال : أن أنا خلقت من الطين طيرا يطير أمامكم تؤمنون بى ؟ فقالوا : نؤمن. فقال : أى طائر تريدون أن أخلق لكم ؟ فقالوا : الخفاش لأن الخفاش لحم كله ، فصور الطين كالخفاش ونفخ فيه فطار ، فقام الصبيان فى دهشة وأخبروا الناس فعجب الناس وتلك المعجزة وإن أدهشت من شهدها فإنها لا تؤثر على من سمعها فقد تكون فتنة لمن رآها ومن يسمعها كما حصل بسببها ، والمعجزة التى قدر الله تعالى أن يحفظ بها عباده من الفتن فى الدنيا ، وينجيهم بها فى الآخرة هى معجزة خاتم الأنبياءeالتى هى القرآن المجيد.

"وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ"

الأكمة : هو الذى يبصر نهارا ولا يبصر ليلا ، وجائز أن يكون الأكمة هو الذى ولد أعمى لا يبصر ، وجائز أن يكون الذى كف بصره.

والأبرص : هو الذى أصيب بمرض أفسد دمه فغير جميع جلده أو مزق جلده وبتر الأصابع والأطراف أعاذنا الله منه وإخواننا.

"وأحى الموتى" هذا ظاهر ولكن لأهل الإشارة فيه تأويل ، وهو أنه كان يحيى موتى القلوب كما قال تعالى : "وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ"([57]) وذلك أنه نزل مع أمه ضيفا فى بيت رجل فى بلد أيام هجرته من أورشليم عندما شدد اليهود عليه العناد فأكرمه الرجل وأكرم والدته وأحسن إليها ، فدخل الرجل يوما حزينا ، فقالت له مريم : ما يحزنك ؟ فقال : أن مالك هذه المدينة يكلف كل رجل بأن يطعمه هو وجنوده يوما واليوم على طعامهم ، وليس عندى ما أقدمه ، فقالت : أنى سأسأل ابنى أن يدعو لك الله فيعينك ، وتوجهت إلى عيسى فقالت : يا بنى أسأل الله أن يعطى هذا الرجل طعام الملك وجنوده ، فقال : دعينى أن هذا شر ، فقالت : أن الرجل أحسن إلينا. فأمر عيسى الرجل أن يملأ قدوره وجراره ماء ، ثم قال : الله أجعل ما فى القدور طعاما وما فى الجرار خمرا فكان كما قال ، وجاء الملك فأكل وشرب الخمر ، وقال للرجل من أين لك هذا الخمر فإنه لا يوجد فى بلادنا ؟ فأنكر . ولما شدد عليه قال : أن عندى صبيا قلب الماء خمرا وطعاما ، فقال الملك : أن الذى قدر أن يجعل الماء خمرا ، يقدر على إحياء الموتى ، وكان له ولد مات ، فجاء بعيسى فقال له : سل الله أن يحيى ابنى فقال : أن هذا يكون شرا فقال : أراه فقط ، فسأل عيسى الله فأحيا للملك ابنه . فلما قام هاج الشعب وازداد اليهود عداوة للمسيح وقالوا أن هذا الساحر يرد أن يغير ديننا بسلب ملكنا ، وأشتد الأمر على المسيح ، وكان يوما بالسامرا ونزل فى دار مريم المجدلية صديقة أمه ، وذهبت المجدلية إلى المقابر وجلست مع مريم أم عيسى تبكيان ، فقال عيسى لأمه : ما يبكيكما ؟ فقالت : أن لو عاذر أخا مريم المجدلية مات هنا ، فقال أن أحييته لها هل تؤمن بى ؟ فأحياه لها ، وهاج الشعب وأشتد عليه اليهود ، وكان يتبعه عشرات الألوف من المرضى والزمنى وكانت محبة الناس محصورة فى تلك المعجزات.

"وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ"

يعنى أنه يخبرهم عن أشياء لا يعلمها غيرهم مما يتعلق بمنازلهم وبخصوصياتهم لم يطلع عليها سواهم ، ومن ذلك أنه كان يجلس مع الصبيان فيقول للواحد منهم أن أمك أخفت عنك كذا فى مكان كذا ، فيحبه الصبيان ويجلسون معه ، ومن ذلك ثبتت القاعدة أن أقرب الناس إلى الله وأقبلهم للحكمة الصبيان والنساء ، لفراغ قلوبهم مما يحجبها عن مطالعة الغيب المصون ، فإن النساء لا يشتغلن برياسة ولا بسياسة ولا بتدبير ولا بسعى إلى معاش . فقلوبهن خالية مما يشغل قلوب الرجال وكذلك الصبيان ، ولما علم آباء الصبيان بذلك حبسوهم فى دار ، فسأل عنهم المسيح عليه السلام حتى جاء إلى الدار التى هم فيها فقال : من هنا ؟ فقالوا : هنا خنازير . فقال : ليكونوا خنازير فلما فتحوا الباب وجدو الأولاد قد أستحالوا إلى خنازير فكان ذلك مما قوى عناد اليهود.

وتلك المعجزات وخوارق العادات التى لا يتصور العقل أن إنسانا بنفسه يقوم بواحدة منها إلا بقوة الله تعالى وسابق إرادته وذلك لا يكون إلا على يد رسول صادق ، وقد بينت لك فيما سبق أن الله تعالى لا يظهر تلك الآيات الباهرات إلا لتقوم له الحجة جل جلاله على من يشهدها ، وقد علمت أن موسى عليه السلام أتى بما فوق ذلك ، بالعصا التى فلق بها البحر وألقاها على أعمال السحرة فلقفت ما صنعوا ، وضرب بها الحجر فانفلق منه أثنتا عشرة علينا ، فكانت أعاجيبها عند التحدى ومن غير تحدى ، وتلك المعجزات الباهرات ما نال فرعون وقومه منها إلا الهلاك الأكبر ، بل وما نال اليهود الذين هم أمة موسى فى عصره إلا بعدا عن الله وعبادة العجل من دونه ، فكذلك ما نال بنو إسرائيل أيضا من المسيح وما نال غيرهم منه إلا اللعنة والغضب من الله عليهم لأنهم نوعان : نوع كفر فرمى عيسى بأنه ابن زنى ، ونوع كفر فبالغ حتى رماه بأنه ابن الله ، وسبب ذلك كله تلك المعجزات المحسوسة التى تحيرت فيها العقول.

وإليك ما جاءنا به رسول اللهeمن المعجزات المحسوسة الملموسة التى تفوق كل معجزات الرسل من قبله كانشقاق القمر ، ونبع الماء من بين الأصابع ، ونطق الذراع ، والبركة فى الطعام ، وإدرار الشاة العجفاء ، وأحياء الموتى كما ورد ، ورد العين بعد سقوطها وأبراء المجزوم ، ورد الساق المقطوعة وإبراء المحترق بالنار ، وسير الحجر على وجه الماء ، والأخبار عما أخفاه الناس كما حصل للعباس بن عبد المطلب عند طلب الفدية منه ، وهزم الجيوش الجرارة بكف من التراب ، وجعل الحجر الصلد رملا أهيل فى حفر الخندق ، والإبراء من لدغة الحية بنفثة من ريقهe، وغير ذلك مما لا يسع شرحه المقام.

فإن كل تلك المعجزات الباهرات ليست شيئا يذكر فى جانب معجزته الخالدة الباقية الخضرة النضرة ، التى لا تنتهى حلاوتها ولا تزول طلاوتها ولا يملها السامع ، وهو القرآن المجيد الذى حفظ الله به الأمة الإسلامية من الشك والشرك خفيا كان أو ظاهرا ، فلا تزال ولن تزال تشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا عبده ورسوله ، كل ذلك لم يكن بتلك المعجزات التى هى أكثر من الرمل عدا بل بمعجزة المعجزات وهى القرآن الذى جمع الله لنا فيه خيرى الدنيا والآخرة وخير ما بعدهما . والقرآن دعوة وحجة وما جاء رسول قبله إلا ودعوته غير معجزته ، ولذلك فإن الله نسخ شرائعهم بعد موتهم وجعل شريعة حبيبه محمداeهى الباقية المهيمنة على الشرائع ، وجعلهeخاتم الأنبياء.

وتلك المعجزات الباهرات التى أظهرها الله على يد عيسى عليه السلام عندما قبض عليه الروم بدسيسة أحبار اليهود أنكره كل من عرفه حتى قال بطرس :أنا لا أعرفه . لم ذلك ؟ لأن الآيات التى جاءهم بها كونية محسوسة ملموسة لم تصل أنوارها إلى القلوب فتنعقد على الحق حتى يروا الموت فى الحق سعادة كبرى كما رأى أصحاب رسول اللهeذلك ، فكم من رجل منهم عذب عذبا لا تتحمله الجبال فلم يزدد إلا يقينا وإيمانا ، ولو ذكرت لك أسماء من عذبوا فى الله لعجبت لكثرتهم ، ولكن ألمع إليك ببلال وعمار وأمة سمية ووالده ياسر وغيرهم ممن عمرت قلوبهم بروح القرآن وهم عجم لا يفهمون العربية ، ولكن القرآن له نور يسبق إلى القلوب عند سماع ألفاظه ، وكل تلك الآيات التى جاء بها عيسى عليه السلام تكاد تكون محصورة في الطب ، وسبب ذلك أن القوم في هذا العصر كانوا متفوقين فى الطب تفوقا جعلهم يظنون أنهم يقدرون على إعادة صحة المريض إليه ، حتى ظهر المسيح فقهرهم حتى أعجزهم بمعجزاته ولكنها لم تؤثر على قلوبهم التأثير الذى يجعلهم مؤمنين.

"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"

أى أن فيما أظهرته لكم من المعجزات الباهرات لعلامة ودلالة على صدقى فيما أدعيته من أنى رسول الله إليكم ، ولا حجة أدل على ذلك مما رأيتموه بأعينكم من جعل صورة الطين طيرا يطير ، وكان الطير خفاشا ، وكان إذا نظر الناس إليه طار وأن لم ينظروا إليه سقط طينة.

وفى الحقيقة ليس أدل على صدق عيسى عليه السلام فيما إدعاه من الرسالة شيئا أعظم وأكبر مما أظهره أمام أعين قومه ، ولكن الله يهدى من يشاء ، ويضل من يشاء وتلك المعجزات كما بنيت لك لم تنتج إلا نتيجة واحدة : وهى تعظيم ذات المسيح عند من قبل منهم تعظيما جعل النفوس لا تنظر إلا إيه ، ونسيت الحكمة من إظهار تلك المعجزات وهى تصديقه فيما جاء به من عند الله تعالى فلم يصدقوه شغلا بما باشر قلوبهم من تعظيمه ونسيان ما سوى ذلك ، حتى كان إذا تكلم فيما جاء به من عند الله لا تقبله نفوسهم وتشتاق إلى آية من الآيات التى أظهرها ، وكم بين لهم أنه عبد الله وأنه ما أظهر هذه المعجزات إلا بإذن الله أى بإرادته وقدرته . وفى قوله "أخلق لكم من الطين" والخلق هو التدبير والتصوير ، فسمى عيسى خالقها بمعنى أنه دبر الصورة وأحكمها وصورها والتدبير والتصوير لا يخرجان عن الخيال والوهم ، والله تعالى خلق بمعنى أنه يريد ويبرز ارادته وقدرته من غير تدبير ولا تصوير وإنما إذ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، فجائز أن تقول للصانع خلقت الأحذية والثياب يعنى دبرتها وصورتها ولكن بمعنى أنه أرادها وأحكمها من غير تدبير ولا تصوير فلا . . .

وشتان بين من يعمل ما يعمل بفكر وبحث وآلات وأدوات وتصوير وتدبير وبين من إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون.

قوله تعالى : "وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ"(50).

"وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ"

معنى هذه الجملة أنى جئتكم رسولا حال كونى مصدقا "لما بين يدى" أى بما سبقنى " من التوراة" فلست ناسخا لكتاب موسى ، ولكنى أعتقد أنه كتاب من عند الله تعالى وأن موسى رسول الله من أولى العزم . ولا يلزم من تصديقه به الإيمان الذى يجعله تابعا ، بل يجوز له ن ينسخ منه بأذن الله تعالى ، بدليل قوله سبحانه : "ولا حل لكم بعض الذى حرم عليكم".

فإن الجمع بين الجملتين يلزمنا أن نفسر "مصدقا" أى معتقدا أنه كتاب من عند الله لأنه مؤمن به إيمان المتبعين لشريعته ، فإن إحلال ما حرمه الله فى شرع موسى عليه السلام نسخ بعض أحكامه ما حرمه الله فى شرع موسى عليه السلام نسخ بعض أحكامه ، وللجمع بين الجملتين نقول : أن الله تعالى حرم على بنى إٍسرائيل بعض الطيبات التى كانت حلالا لهم تشديدا عليهم وتأديبا لهم وانتقاما كما قال سبحانه "فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ"([58]) ومما حرمه الله تعالى عليهم شحوم الأنعام إلا ما حملت ظهروها أو الحوايا أو ما أختلط بعظم ، وكما حرم إسرائيل على نفسه فإنه حرم أكل الإبل بسبب مرض أصابه فنذر أن شفاه الله منه يترك أشهى اللحوم إليه وكان لحم الإبل أشهاها إليه ، فلما شفاه الله تركه فاقتدى به بنو إسرائيل ، فلما بعث الله عيس بن مريم أحل الله ما كان حرمه عليهم بسبب ظلمهم : وليس ذلك بنسخ لأحكام التوراة.

فقوله تعالى على لسان عيسى عليه السلام "مصدقا لما بين يدى من التوراة" مع قوله "ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم" لا خلاف بينهما ولو أنا تأولنا مصدقا أى مؤمنا إيمان متبع لموسى الذى لا ينسخ من أحكامه شيئا فيكون إحلال الله لهم على لسان عيسى عليه السلام ما حرمه عليهم على لسان موسى عليه السلام إنما هو كرحمة من الله بهم وتخفيفا للعقوبة ، فكأن ما جاء به عيسى هو ما جاء به موسى عليهما السلام لأن القوم كانوا حديثى عهد بقهر فرعون ، فلما نجاهم الله منه أتبعوا أهواءهم ونفذوا أغراضهم ، وذلك لا تطيب به حياة المجتمع ، ولكنهم بطول المدة وكثرة بعثة الأنبياء رقت طباعهم وزكت نفوسهم بالنسبة لما كانوا عليه ، فإن الإطلاق بعد التقييد يقتضى انقلاب الأحوال . وبذلك فقد أحل الله لهم ما كان حرمه عليهم تخفيفا ورحمة بهم.

"وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ"

أى جئتكم بعلامات دالات على أنى عبد الله ورسوله أبين لكم ما به تفوزون بالجزاء الحسن يوم القيامة ، والآية هى الحجة والعلامة.

"فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ"

اتقوا الله أى خافوا عقوبة الله بمخالفة ما جئتكم به من عنده سبحانه ، وأطيعون فيما بعثنى الله به إليكم.

قوله تعالى : "إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ"(51).

"إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ"

براءة مما نسبه إليه أهل الجهل بالله تعالى من اليهود والنصارى ، فإن النصارى بالغوا فى تعظيمه مبالغة ينكرها العقل والنقل ، كذلك بالغ اليهود بعد ما جاءهم به من الآيات فقالوا أنه ساحر وابن زنى ، فكفر به عليه السلام طائفتان : طائفة كذبته فافترت عليه ما لا يليق بالأنبياء ، وطائفة عظمته تعظيما لا يلق بمقام العبد الداعى إلى الله فضلا عن الرسل عليهم السلام .

فقوله : "إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ" حجة قاصمة لظهور أعدائه من الطائفتين لأنه يثبت بالبرهان القولى والفعلي أنه عبد الله كسائر العبيد ن ولله عليه حق الربوبية كما هى على سائر الخلق ، ولا يمتاز فى هذا المقام عن الخلق إلا بما فضله به من النبوة والرسالة . "فاعبدوه" أى فأخلصوا له العبادة كما أخلصت أنا له العبادة.

"هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ"

الإشارة إلى ما جاءهم به عليه السلام من عقيدة وأخلاق فاضلة ، ولم يأتهم بمعاملات ولا بعبادات ، لأن قسم المعاملات والعبادات وضحته التوراة . والصراط المستقيم هو الطريق المستقيم بين نقطتين ، وهى أقرب الطرق لأن الطرق غيره تكون غير مستقيمة.

قوله تعالى : "فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"(52).

"فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ"

أى لما ثبت له منهم الكفر بدليل قوله تعالى "أحس" وثبوته أما بقوله أو بأعراضهم عنه أو بمناواتهم له ، لأن "أحس" بمعنى أدرك ما يحكم عليه الحس ، والإحساس وهو وجدان ما يدرك بالحس على تأويل الآية . فلما ظهر له من قولهم أو من عدم قبولهم ما يبينه لهم ، تحقق أنهم كفروا ووجد كفرهم بحسب تأويله ثابتا ، كما يجد ما يدركه الحس أراد أن يصطفى له صفوة فقال لمن يتعبونه : "من أنصارى إلى الله" أى من ينضم إلى لينصر دين الله تعالى كما قالe: [ الذود إلى الذود أبل ] أى الذود منضم إلى الذود أبل لأن تأويل "إلى" بمعنى مع ، لا يقبله العقل وأن جاز ذلك لغة فى غير هذا الموضع. .

والمعنى من يعيننى على نصرة دينى وتأييده وكبح جماح أعداء الله وأعدائى لنصل إلى الله تعالي.

"قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ"

قالها أثنا عشر رجلا كانوا يصطادون من نهر الأردن وكان فيهم شمعون ويوحنا فقال له شمعون : أقم معجزة ، وكان قد طرح شبكته يومين ولم يصطاد بها شيئا فطرحها بأمر عيسى فملئت سمكا حتى عجز عن حمله من البحر فاستعان بسفينة أخرى وأخرج الشبكة فملأت السفينتين فآمن به وآمن معه الصيادون وأبتعه الملك الذى أحيا ابنه كما قدمت لك.

فقولهم "نحن أنصار الله" أى أنصار الله معك.

"آمَنَّا بِاللَّهِ"

أى صدقناك فيما جئتنا به من عند ربنا.

"وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"

أى وأشهد لنا عند ربنا بما شهدته منا من انقيادنا وتصديقنا لك.

 

ومن هذه الآية تقوم الحجة أن دين الإسلام هو دين كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمنحهم الله قسطا من العلم به ببركة تصديقهم شهدوا به أنهم فى معية الله تعالى فقالوا داعين ربهم سبحانه ما أخبرنا الله عنهم به وهو : "ربا أمنا بما أنزلت . . " الآية.

قوله تعالى : "رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ"(53).

"رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ"

أى صدقنا بما أنزلت تصديقا ، فامنحنا به من فضلك العلم "وأتبعنا الرسول" أى سمعنا وأطعنا كلام رسولك المعهود وهو عيسى عليه السلام فتفضل علينا بما أنت أهله "فاكتبنا مع الشاهدين" وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله : "شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"([59]).

وجائز أن يكون المراد بالشاهدين أى الذين كتبتهم يوم القيامة شهداء على الأمم التى خالفت الرسل وكذبتهم بدليل قوله تعالى فى مدح أمة محمدe: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"([60]).

وجائز أن يكون المعنى بالشاهدين الذين أكرمتهم فأشهدتهم بدائع إبداع صنعك وجمال آياتك فى مكوناتك لنزداد علما ويقينا وقربا منك.

قوله تعالى : "وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"(54).

المكر هو الأقدام على الشر خفية إذ هو إجماع الرأي وأحكامه وحسن التدبير فى نجاح المقصد : وقد يطلق ويراد به إجماع فئة مخصوصة تعمل خطيئة مخصوصة فى دجوة من الليل لا يعلم بها أحد للفوز بالمقصد ، وبذلك يكون هذا العمل هو السياسة التى يراها الناس من الكياسة والعقل.

وعندى أنها كذلك إذا كان الذين يمكرون يريدون بمكرهم تنوير أفكار الأمم أو المجتمعات أو خيرا لا تسعد الأمة إلا به ، ويكون الماكرون ممن ملأ الله قلوبهم رحمة وميلا إلى الخير ، وهذا هو السياسة القويمة والمكر الحسن وهو كياسة الأنبياء والأئمة الهداة المرشدين.

أما المكر الخبيث والسياسة العقيمة المعوجة التى يراد منها سلب منافع الأسرة أو القرية أو المدينة أو الأمة فهذا المكر كله شر وتلك السياسة كلها ظلم تدل على أن المسارعين إليها من شياطين الأنس الذين يوحى إليهم شياطين الجن.

"وَمَكَرُوا"

أى سارعوا إلى عمل الشر خفية ، وذلك الشر هو قتل المسيح ومحوما جاء به من النور والهدى ، ولما كان الحق جل جلاله قدر فى أزله أقدارا وقدر سبحانه أن يظهرها فى آنات مخصوصة وبأسباب وضعها سبحانه وتعالى - ، وقدر مع إبرازها أن يحدث أحداثا عظيمة من سر قدره تعالى فى مقابلة مكرهم وكيدهم للمسيح.

"وَمَكَرَ اللَّهُ"

ومكر الله تعالى هو أنه أخفى عنهم سر القدر وأظهر أمره ونهيه وأحكام دينه ، مؤيدا المسيح بالمعجزة الباهرة فأبوا أن يقبلوا ، ولجهلهم بسر القدر ناوءوا المسيح عليه السلام ومكروا به وهموا بقتله ، فاجتمع أحبار اليهود ليلا ووضعوا طريق المكايد التى يكيدون له بها فرحين بما وضعوه ، فمكر الله بهم من حيث لم يحتسبوا ورفع المسيح إلى السماء ، وانتقم منهم ملك الروم الذى تسلط عليهم فمزق جمعهم فى الأرض حتى فر بنو النضير وبنو قينقاع إلى الحجاز.

"وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"

يعنى أن الله سبحانه وتعالى لم يقدر الشر فى أزله ، لأن اسماءه العلية كلها حسنى ، وفعله سبحانه وكلماته جل جلاله كلها خير ، كذلك مكره جل جلاله أنما هو للخير والهداية والسادة ، لا فرق بين مالاءم إنسانا وما لم يلائمه ، فإن فيما لا يلائم الإنسان نزكية للنفس وتثقيف للعقول وتجديد صحة وعافية وتجمل بجمال العبودية لله تعالي ، وفيما يلائمة شهود لآثار قدرة الله ونعمته وفضله ، وقيام بشكر المنعم ، وتخلق بأخلاق الله تعالى فى إعانة أهل الحاجة ، فيكون مكر الله خيرا لأنه خير الماكرين ولو كان فيه ما لا يلائم الإنسان كما بينت لك.

قوله تعالى : "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"(55).

معنى هذه الآية أن اليهود مكروا بعيسى مكر سوء ليقتلوه ويمحوا دينه بعد أن أظهر الله على يده مما تقدم لك . فمكر الله بهم.

"إذ قال يعنى حين قال "ومكر الله" اى أن مكر الله تعالى بهم هو قوله سبحانه لعيسى عليه السلام:

"يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ"

ومعنى هذه الآية الشريفة جائز أن يكون متوفيك بالنوم لأرفعك إلى السماء فاقد الحس والحركة فى منامك . قال سبحانه : "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى"([61]).

وجائز أن تكون الوفاة هو الموت فيميته سبحانه وتعالى ويرفعه إلى السماء ميتا محفوظا من أن يتمكن منه أعداء الله.

وجائز أن يكون متوفك أى متمم لك ما قدرته عليك فى الأرض ورافعك إلى السماء ومعيدك لأظهر عجائب ما قدرته أزلا مما بينه الحديث الشريف فى أنه عليه السلام ينزل من السماء ويقتل المسيخ الدجال ويقيم الحجة على بطلان قول النصارى فيه عليه السلام ويؤيد صحة الخبر عن رسول اللهeقوله تعالى : "ويكلم الناس فى المهد وكهلا" كما تقدم ويكون كلامه كهلا بعد نزوله من السماء من أعظم المعجزات.

ولما كان محمدeخاتم الأنبياء لا نبي بعده أنكر الناس نزول عيسى ، بدليل أنه لو نزل لكان هو خاتم الأنبياء والله تعالى يقول : "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ"([62]) ولتقريب هذه المسألة إذا صح الحديث الوارد فى نزول عيسى : أن إبن مريم إذا نزل من السماء فى آخر الزمن فإنما ينزل رجلا من أمة محمدeلا رسولا ، لأن رسالته نسخت ببعثه رسول اللهe.

وحكمة نزوله هى إقامة الحجة على النصارى واليهود بإبطال دعواهم ، وقد ورد أنه يصلى وراء رجل آخر الزمان ، وأنه يحكم بحكم الله ورسوله فى العالم ، وأنه يقتل المسيخ الدجال ، وذلك كله جائز يقبله العقل ولا ينكره النقل ، فالعقل يرى نزول المسيح من السماء على الأرض نجاة لأكثر العالم لأن قارتى أوربا وأمريكا وغيرهما من الجزائر فى البحار يقولون أن المسيح ابن الله أ, أنه هو الله ، واليهود يقولون المسيح ابن زنى ، فنزوله متمكنا فى الأرض بالحق نجاة للخلق ممن كفر بالغلو فى مدحه أو بالمبالغة في ذمه.

وقد ورد فى نزول عيسى أحاديث لا بأس بها وأن أنكرها من لا علم له بما ورد فى السنة عن الفتن والملاحم ، ولنا أن نؤول الآية بحسب اللغة فنقول: أن الواو لا تقتضى ترتيبا ولا تعقيبا كالفاء وثم ولكنها تكون لمطلق الجمع ، فقد يكون المتأخر عنها متقدما فى المعنى كما تقول : جاء الأمير والجند والذى جاء أولا هم الجند فكذلك.

"إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ"

أى أني رافعك إلى ومتوفيك ، ومعنى قوله تعالى : "ورافعك إلى " أى إلى دار كرامتى وحفظى لك ، وقد أول المجسمة هذا الحرف "إلى" فقالوا بأن الله له جهة ، وتنزه ربنا وتعالى ، ونحن نسلم أخبار الصفات ، ونؤمن بما ورد فى القرآن إيمان من يعتقد أن ليس كمثله شئ فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أسمائه ولا فى أفعاله ولا فى كلامه ، فقوله تعالى : "ورافعك إلى" يعنى يرفعه الله إليه والرفع معلوم والكيف مجهول ، ونحن نسلم لله كلامه مصدقين بمعناه على قدره هولا على قدرنا.

"وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا"

معنى مطهرك : أى مخلصك مما كان يريد الكفار أن يوقعوك فيه ، ورفعه إلى السماء خلاص له وطهره منهم ، والذين كفروا هم اليهود من معاصريه عليه السلام لأنهم جحدوا نبوته.

"وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا"

وهم من آمنوا به كما بين واعتقدوا أنه عبد الله ورسول الله ، وأنه جاءهم يحل لهم بعض الذى حرمته عليهم التوراة مما بينته لك وذلك أن أتباع المسيح انقسموا ثلاث فرق عند رفعه.

1-    فرقة قالت : كان الله هنا ورفع.

2-    وفرقة قالت : كان ابن الله هنا ورفع.

3-    وفرقة أبت وقالت : كان هنا عبد الله ورسوله ورفع ، وهؤلاء هم الذين أتبعوه حقا فى زمانه.

وأما الذين أخبرنا الله عنهم بأنهم يكونون فوق الذين كفروا يوم القيامة فهم المسلمون ، وذلك أن تجعل تلك الفوقية حجة وبرهان وبيان ، ومن ظن أن النصارى هم أتباع المسيح وأن لهم الفوقية الآن بحسب القوة والمال فقد ظن جهلا ، لأن النصارى ليسوا أتباع المسيح ولا يعرفونه ، ولكنهم أما أن يكونوا عباد أوهام وخيالات أو خبثاء سياسين يخدعونه الناس بالدين وهم ينكرونه.

أما أتباع المسيح الحقيقيون فى زمنه فهم الذين اختفوا خوفا من قهر الروم واليهود الذين حكموا على عيسى وأتباعه بالقتل ، كبولس ، ولوقا ، ومتى ، ويوحنا ، وغيرهم ممن خبر الله تعالى عنهم بقوله : "قال الحواريون نحن أنصار الله".

وأما النصارى الذين كانوا فى زمانه من أهل الجهالة بل ممن لا يعلم عن المسيح إلا ما أظهره من المعجزات التى بهرت عقولهم لا يعلم عن المسيح إلا ما أظهره من المعجزات التى بهرت عقولهم كإحيائه الموتى وابرائه الأكمة والأبرص وأخبارهم بما فى بيوتهم وما فى نفوسهم مما يجعل أهل الجهالة يحكمون على من يفعل مثل هذا الفعل بالألوهية وشجعهم على ذلك عناد اليهود الذين كانوا يقولون : أن المسيح ابن زنى وأمه زنى بها رجل من الروم أو يوسف النجار ، وكان هؤلاء الجهلة يجهلون الضرورى من التنزيه والتقديس فقالوا فى عيس مبالغة : أنه هو الله ، وكذلك الذين قالوا : أنه ابن الله.

وقد ورد ن المسيح عليه السلام لما هم اليهود بصلبه قال للحواريين : من يحب أن يلقى عليه شبهى ويقتل مكانى ؟ فقال رجل منهم : أنا يا كلمة الله ، فألقى عليه شبهه ورفع الله المسيح ، وخادمه الخاص قد أطمعه الأحبار فى رداهم قليلة باع لهم بها المسيح ودلهم عليه ولما قبض عليه أخذه جنود الروم إلى محل الصلب وكان معه رجلان محكوما عليهما بالصلب ، فأخذ الروم يهوذا مع المسيح ليدلهم عليه فلما قام القوم فى آخر الليل ليصلبوه وكان رفعه الله إليه ، وفتشوا عليه فلم يجدوا إلا يهوذا الاسخربوطى ، فقبضوا عليه ورفعوه إلى الصليب فقال : يا أيلى لم شبقتنى ؟ ومعناها بالعربية يا الله لم تركتني ولست أنا المسيح ؟ فصلب انتقاما منه وهذا معنى "وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"([63]).

وكان يهوذا أشبه الناس بالمسيح جسما ولباسا ، ولذلك فإن الروم بعد أن أنزلوه عن الصليب أدخلوه القبر فقال رجل منهم : هذا ليس هو المسيح ، وأن الشعب غذ سيهيجون ويفتحون القبر عنوة فلا يجدونه هو ، فأخرجوه من القبر ودفنوه فى رمل الصحراء ، ولما فتح القبر لم يجدوه فيه وذلك ثابت فى صريح الإناجيل الكثيرة التى تبلغ سبعة وثمانين أنجيلا أشهرها أنجيل برنابا المطبوع فى هذا العصر.

وفى قوله تعالى : "اتبعوك" قد ظهر وتين من خبر الله أنه لابد وأن يكون الاتباع موافقا كل الموافقة لما كان عليه عيسى عليه السلام وما جاء به ، ومن هنا نتحقق أن الفوقية التى أقتضتها كثرة الأموال وقوة الحديد والنار ليست هى الفوقية التى يريدها الله تعالى ، وإنما الفوقية هى فوقية العلم والبرهان والحجة وأن يكون الذين اتبعوه على الحق الصريح ،وكم قد رأينا رسلا من أولى العزم قهرهم ملوك ظلمة وقتلوهم وأذلوهم ، وما بقى من معانى الفوقية إلا معنى العلم والحجة.

والمسلمون والحمد لله من أول سطوع الإيمان وهم فوقهم حجة وعلما بل وقوة ، وما تراه من فوقيتهم علينا فى السلطة والظلم فسبب ذلك عملنا ، لأنا خالفنا سنة نبينا وأهملنا فى أحكام ديننا فسلط الله علينا أعداءنا ، ولكن ليست لهم الفوقية علينا بل هى لنا بما منحناه من الإيمان واليقين الحق بنبوة موسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام فنحن أهل الحق الذين أخبرنا الله مبشرا لنا بقوله : "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"([64]) فلنا الفوقية لأن المسلم المتمسك بالكتاب والسنة آمن بكل رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم وبدليل قوله تعالى : "وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ"([65]).

فالمسلم بصفته مسلما متبعا لكل الأنبياء مؤمنا بهم ، لأن محمداeوالرسل الذين جاءوا قبله ، فنصدق بأنهم رسل الله وأن الله أنزل عليهم كتبا بين فيها شرائع دينهم ، وأنه سبحانه أنزل على محمدeالقرآن المجيد ختم به كتبه وجعله مهيمنا على الكتب والرسل السابقين، ونسخ به الشرائع التى شرعها قبل محمدe.

وإذا كان كذلك فالذين اتبعوا المسيح الاتباع الحق الفرقة التى آمنت به فى عصره ثم قهرها فرق الضلال ممن زعموا أنه ابن الله أو أنه الله فأضلهم الله وأعماهم ، ولم يبق من أهل الهداية المتبعين للمسيح عليه السلام إلا افراد لا يتجاوزون البضع من العدد كانوا منتشرين فى شواهق الجبال وفى الكهوف والمغارات فى الصحارى هؤلاء لم تكن بهم الفوقية على اليهود ولا غيرهم إلا بما اطمأنت به قلوبهم من توحيد الله وعبودية عيسى عليه السلام لله ، لم تبق الفوقية بمبناها ومعناها إلا لنا جماعة المسلمين.

وما أورده بعض المفسرين من أن الفوقية لمن أتبعه من النصارى على اليهود مدللا على ذلك بما طعن الله به اليهود فأذلهم فى كل بلد وقرية بل وفى كل واد ، وجعل الفوقية للنصارى عليهم ، وهذا ما أورده ابن جرير الطبرى فى تفسيره وعلى بيانه تكون الفوقية للروم ، لأنهم على ما يراه الإمام ابن جرير هم أتباع المسيح ن وقد تحققوا بالفوقية على اليهود وعلى غيرهم وهذا يتمشى مع فهم أن الفوقية فوقية كونية جسمانية.

وقول الله تعالى "وجاعل الذين أتبعوك فوق الذين كفروا" يقتضى أن تكون الفوقية حجة وبرهان وتعلق بالحق بمعناه الأكمل ، ولا تتحقق تلك الفوقية إلا لنا جماعة المسلمين ، وقد كانت لنا كونا وروحا من زمان أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه إلى أن فرقت الأطماع والأهواء الأمة الإسلامية أيدى سبأ ، صار المجتمع الإسلامى متمزقة أعضاؤه ، بعد أن كان مجتمعا واحدا يحكمه خليفة يقوم فيه بما قام الخلفاء الراشدون أصبح الآن وكل أمة لها تاج ، وخصوصا بعد أن سلط الله أعداءه الإفرنج على الشرق وأهله مصداق قولهeفى الحديث القدسى قال عليه الصلاة والسلام - : قال تعالى : [ إذا عصانى من عرفنى سلطت عليه من لم يعرفنى ] وما كان لبنى الأصفر يتسلطوا على الشرق وقد كان الخليفة فى دمشق أو فى بغداد أو الأندلس ينظر إليهم بالعين التى ينظر بها إلى أهل الذمة.

وقد أرسل أمير المؤمنين معاوية جيشا جرارا يفتح القسطنطينية يقوده ابنه يزيد ، وحصلت هناك وقائع قتل فيها أبو أيوب الإنصارى ومشهده مزار عظيم هناك ، ولولا موت معاوة ورجوع يزيد إل دار الخلافة لفتحت القسطنطينية فى زمان معاوية وقد فتح الجيش الإسلامي بعد مصر أفريقيا الشمالية وجنوب أوربا غربا ووسطا ، وكانت أوربا فى ظلمات الجهالة وطيش القوة ومع ذلك كانت فى ذل الخوف من جيوش المسلمون جميعا على وجه الأرض لا يزيدون عن بضع مئات الألوف ، فكيف وقد أصبح المجتمع الإسلامي نحوا من أربعمائة مليون مسلم ([66]) وفى الشرق نحو من سبعمائة مليون إنسان وأوربا ذات الحول والطول على الشرق جميعه.

وسبب ذلك الحقيقى هو مخالفة المسلمين لوصايا رسول اللهeمخالفة مزقتهم أيدي سبأ ، فضعفوا واستكانوا بعد القوة والسلطان والحول والطول ومتى عرف الداء عرف الدواء ، ولو أن المسلمين رجعوا إلى العلم بوصايا النبىeوالتمسك بأحكام القرآن لما أصبح لبنى الأصفر شبر أرض فى الشرق ، بل ولا سلطان فى بلادهم ، والفوقية التى تؤسس على الذل والخدع والكيد وختل العقول بل على الكفار بالله تعالى فوقية لا دوام لها ، ولا ينظر الله إليها ولا يذكرها فى مقام المدح والثناء ، وإنما هى عقوبة من الله بصريح الحديث القدسي ، وقد سلط الله بنى الأصفر على المسلمين وغيرهم فى الشرق عقوبة لهم على تركهم العمل بأوامر الله ووصايا رسولe.

"إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"

هذه الآية حجة لنا ، والمعنى : جاعل الذين اتبعوك على ما بعثناك به إليهم من الحق الذي أنت عليه عقيدة وعملا وحالا ، والذى بينته لك بعد إقامة الحجة بالمعجزة الباهرة هو الذى كان عليه عيسى وما جاءنا به محمدeوقد زادنا الله تعالى بيانا فى القرآن بما لابد للمجتمع منه ، وفصل لنا بقول رسول اللهeوعمله وحاله فى العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة ما لم ينزله الله تعالى على نبى من الأنبياء السابقين ، قال سبحانه : "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"([67]).

فكأننا والحمد لله متبعون لعيسى وزيادة ، بحيث لو أن رجلا اتبع عيسى على أكمل ما جاء به وترك ما تفضل الله به علينا من الزيادة لكان كافرا، حيث مقتضى الزمان يقتضى أن نتمم برسول اللهeما لم يكن فى عهد عيسى عليه السلام وإنما تكون النجاة بعيسى قبل بعثة محمد عليهما السلام ، فيكون قوله تعالى "إلى يوم القيامة" حيث جعل المتبعين للحق فوق الكافرين به إلى يوم القيامة ، ولا يتحقق ذلك إلا بنا جماعة المسلمين.

وقد وهم ضلالا دعاة النصرانية فجهلوا قوله تعالى : "أتبعوك" معنى ومبنى وتمسكوا بقوله تعالى : "فوق الذين كفروا" فخدعوا أنفسهم وغيرهم ونشروا بين السذج من العامة أن الذين ينصرون يكونون فوق غيرهم ، لهم فوقية بالحديد والنار ، كما كان لليهود والروم الفوقية على المسيح وتلاميذه ، حيث فرقوهم أيدي سبأ وألبسوا المسيح الخزى والعار والذل بدعواهم أنهم صلبوه.

فإن كانت الفوقية هى السلطة والظلم والقهر فاليهود والروم الذين قهروا المسيح هذا القهر كانوا فوقهم . وكان لهم المجد عند الله والشرف بإذلالهم للمسيح ، ولا قائل بهذا من المسلمين فإن الله قد يسلط أعداءه على أحبابه ويكون ذلك غضبا من الله على الأعداء ووسيلة للانتقام منهم فى الدنيا والآخرة ، وكذلك فوقية الإفرنج على المسلمين الآن هى من هذا القبيل ، وسيكون بعدها نقمة تمحقهم وتذلهم فى الدنيا وتصليهم نار جهنم فى الآخرة كما عذب اليهود فى الدنيا فمزقهم أيدى سبأ ، وعذب الروم فى الدنيا يسلب ملكهم من يدهم وجعله فى يد المسلمين فكانت الفوقية لنا فى زمان سلفنا الصالح ، فوقية رحمة وعدل ونور وحق.

أما فوقية الأفرنج فهى كما بينت لك فوقية ظلم بالحديد والنار وقهر بخدع ويانة ، ولو أن دعاة النصرانية فقهوا لتمنوا أن يكونوا ترابا ولا يدعون بتلك الدعوة ويدللون عليها بالقرآن الذى أخبرنا الله فيه عن القرآن بقوله : "