تحذير هاااام

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ... نحيط علم السادة زوار الموقع الكرام بان هذا الموقع لا يتبع اى جهة او جماعة او طريقة بعينها ولكن نشره على شبكة الانترنت ماهى إلا محاولة منا لنشر تراث الامام المجدد السيد محمد ماضى ابو العزائم - طيب الله ثراه ... وأننا لا نتحدث بإسم أحد ولكن نعرف العامة من هو الامام رحمه الله . والموقع إهداء من الاستاذ الدكتور / احمد جمال ماضي ابو العزائم

 

 

تابعنا عالفيس بوك

الموقع من الآن تحت التطوير والمراجعة لنشر التراث بطريقة اكثر سهولة للجميع جارى العمل اخر تحديث يوم السبت 10يونيو 2017

 

الجزء الرابع من اسرار القرآن للامام ابو العزائم

تقييم المستخدم:  / 1
سيئجيد 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قام بإعادة كتابته ونشره اليكترونياً

أ.د/احمد جمال ماضى ابو العزايم

Wwww.mohamedmadyabouelazayem.com

قوله تعالى:كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ                                   مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَp93i

 

سبب نزول هذه الآية أن اليهود- قبحهم الله- كانوا يتربصون برسول اللهrأن يعمل ما يخالف                التوراة على زعمهم,فلما أكلrهو وأصحابه لحم الجمل, والعروق من لحوم الحيوانات الأخرى،             أنكروا عليه ذلك وقالوا:إن لحم الجمل محرم فى التوراة,وكيف يحل ما حرمته التوراة؟ فقصم الله ظهورهم                       بالحجة .

]كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَإِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ[                    ومعنىذلك أن كل طعام يطعمه الإنسان لم يحرمه الله تعالى فيما سبق تحريمه فى الكتب السماوية كماحرملحم    الخنزير,وأكل الميتة,والمسروق,والمغصوب,والربا,ومال اليتيم, وما حرم من المشروب: كالخمر,                 والماء النجس,وغيرهما,وذلك معلوم بالتواتر من لدن نوح فمن بعده. والله تعالى لم يحرم شيئا على إسرائيل      من كل الطعام المباح.لكن إسرائيل- وهو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم- مرض بعرق النساء, فكان ذلك          يؤذيه ليلا ويستريح منه نهارا", فنذر لله أنه إذا شفاه منه يترك لحم الجمل لله- وكان أشهى طعام                يطعمه- فشفاه الله منه, فحرمه على نفسه. وتحريم العبد على نفسه شيئا لم يحرمه الله لا يجعل ذلك الشئ            حراماعلى غيره , وقد جاء أعرابى إلى ابن عباس رضى الله عنهما فقال: إنى جعلت امرأتى حراما, قال: ما    كان لك أن تحرم ولا تحل, فإن الذى يحل ويحرم هو الله تعالى.

أقام الله الحجة بقوله تعالى:]قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ[إثباتا لأن التوراة لم يحرم الله             فيها أكل لحم الجمل,ولكنهم- جهلا من أنفسهم- حرموا عليهم ما حرمه إسرائيل على نفسه وفاء لنذره,           فأثبت الله تعالى جهالتهم, وعمى بصائرهم,وأنهم أضل من الجاهلية الأولى لاقتدائهم بأعمال آبائهم من غير      بصيرة كما قال تعالى مشنعا على كفارقريش:]إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ[(1)مع      قيام الحجة ووضوح المحجة, وصدق الله العظيم فى قوله تعالى:]وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا[(2)  .       (إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) والاستثناء هنا مفرغ. والمعنى: لكن ما حرم إسرائيل على نفسه فهو           حرام عليه خاصة وليس من أحكام التوراة فى شئ . ( من قبل أن تنزل التوراة) . ذلك لأن يعقوب بن           إسحق كان فى زمن إبراهيم عليهم السلام, وبين يعقوب وموسى عليهما السلام قرون طويلة. ولم تأت التوراة    بتحريم الجمل, فإن اليهود – قبحهم الله- لو تحققوا أن هذا الحكم فى التوراة لطاروا به وشنعوا, ولكن قطع       .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن[

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالله ألسنتهم بالحجة الدامغة.ولماذا لم يأتوا بالتوراة ثبت كذبهم, وانتفى صدقهم. وقد شدد الله على اليهود           وحرم عليهم ما أحله لغيرهم, والأنواع التى حرمها عليهم بينها سبحانه بقوله تعالى:]وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِوَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَاأَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا        اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْوِإِنَّا لَصَادِقُونَ[(1) .

قوله تعالى:فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَp94i

هذه الآية الشريفة أنزلها الله ليقصم بها ظهور اليهود,ويثبت افتراءهم الكذب على الله فيما ادعوه أن             التوراة حرمت لحم الإبل وألبانها, وأكل عروق اللحوم كلها, وأقام الحجة القاصمة لظهورهم على قولهم.            ]فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ[الآية. ومعناها أن من ظهركذبه منا أو منهم بعد تلاوة             التوراة  ]فَأُوْلَئِكَ [الفاء رابطة لجواب الشرط ، واسم الإشارة عائد إلى من ثبت افتراؤه بعد تلاوة التوراة      ]هُمُ الظَّالِمُونَ[أى : هم الكافرون الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بسبب الكذب على الله وعناد نبيه محمد          r

         قوله تعالى:قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ]95[

 

]قُلْ صَدَقَ اللّهُ[أى : قل يا محمد لليهود الذين ثبت كفرهم بالله وبك: صدق الله فيما بينه لنا من أنه          سبحانه لم يحرم لحوم الإبل وألبانها, ولا عروق اللحوم الأخرى بنص صريح فى التوراة , ولا فيما قبلها من    صحف الخليل وغيره , وأن الذى حرمها على نفسه هو ابن إسحق عليهما السلام للسبب الذى بيناه قبل.          وإن كان يعقوب حرمها على نفسه وعلى أولاده , فذلك تحريم خاص لا يتعداهم إلى اليهود,ودعوى اليهود من   معاصرى الرسول rأن ذلك نص التوراة باطل. فصح أن لحوم الإبل وألبانها وعروق اللحوم طعام مباح      لكل إنسان .

]فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا[ومعنى هذه الآية-إذا تقررت تلك الحجة ووضحت بها المحجة-                   فالواجب على اليهود جميعا أن يتبعوا ملة إبراهيم حنيفا, أى: الدين الذى شرعه له ولقومه. (حنيفا) أى :         قيما . ولما كان دين إبراهيم الإسلام , وكان رسول الله rدعوة الخليل, وهو الذى سمى لنا ديننا وسمانا         بالمسلمين فى أيامه قبل بعثة موسى وعيسى عليهما السلام, وكان إبراهيم على ما يدعى اليهود جدهم , وهو     الرسول الكريم الذى يستندون إليه, ويزعمون بالباطل أنهم على دينه, دعاهم الله إلى ما تنجذب إليه قلوبهم         لو سبقت لهم من الله الحسنى , حيث لا تحصل منازعة منهم , ولا تقوم لنفوسهم النزاعة إلى الشر حجة بعد هذا .

]مَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يعنى أنهrكان مسلما رسولا من أولى العزم , لم يحصل منه شك ولا                  ريب , ولم يكن فى نفس من الأنفاس مشركا مع من أشرك بالله . وكيف ذلك وهو خليل الله تعالى؟! وبتلك       الحجة أخزاهم الله , وأذلهم, ولعنهم , وأبعدهم . ولا يزالون على ما هم عليه من محاربة الحق وكفران          ____________________________

(1)     سورة الأنعام آية 146.

 

 

 

 

 

 

 

 

قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ....(96) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالنعمة , حتى أذلهم الله وأخذاهم , وأرانا فيهم ما يسر كل مسلم , هم وجميع أعداء الله من بنى الأصفر           وغيرهم .

قوله تعالى:إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَp96i

 

سبب نزول هذه الآية- على فرض صحة تحويل القبلة قبل نزولها – أن الله تعالى يحكم بكذب اليهود الذين      قالوا: إن بيت المقدس أفضل من الكعبة , وأنه قبلة الأنبياء جميعا" , فرجوع محمدrإلى الكعبة سببه             رجوع إلى دين قومه. هذا القول فرية على الحقائق. وجائز أن يكون سبب نزولها أن اليهود والنصارى كانوا  يدعون أنهم على ملة إبراهيم, فأثبت الله كذبهم, وأقام الحجة عليهم بأن إبراهيم هو الذى بنى الكعبة, وأن         أتباعه فى دينه لا يخالفونه, فإن من أركان دينه الطواف بالكعبة والحج إليها . وجائز أن يكون تشريف الكعبة   وتعظيمها بيان فريضة الحج وواجباته وسنته وحكمه.

]إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ[ومعنى هذه الآية أن الله سبحانه أخبرنا بأن أول بيت وضع             للناس هو الذى ببكة , ونحن نؤمن بخبر الله تعالى ونعتقد أن الواضع له هو سبحانه , أو هم الملائكة           بإذنه , أو آدم بأمره . كما ورد ذلك فى آثار بأسانيد صحيحة , رواها ابن جرير الطبرى . ومتى أخبرنا الله   بأن أول بيت وضع للناس هو الذى ببكة , وجب على كل مسلم أن يسلم لله تسليما معتقدا أنه أول بيت            وضع بناء" , ووضع عاما للناس , ووضع مباركا وهدى للعالمين , وأنه لا يشاركه فى الأولية أى بيت, سواء  وضع عاما , أو وضع خاصا. وليس هناك دليل نقلى أو عقلى يثبت به أن أولية هذا البيت فى كونه عاما        ومباركا وهدى إلا فى بنائه . أما بيت المقدس فقد بنى بعد موسى بزمان طويل , والذى شاده هو داود عليه     السلام , أو إيليا .ومعنى(بكة) مصادمة بعض الناس ببعض من شدة الزحام كما يحصل ذلك فى المطاف وفى   الحرم, أما البلد نفسها فتسمى مكة .

]مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ[أى: فضله الله بالبركة والهدى للعالمين, فخص الله البيت بالبركة والهدى.               وأما فى بيت المقدس فجعل البركة حوله, قال سبحانه:]بَارَكْنَا حَوْلَهُ[(1)وجائز أن تكون البركة ما             يحصل للطائفين به من الشوق إلى الله تعالى, ومن زيادة الإيمان والرحمة والعلم بالآثار, وأخبار العالم التى     تشجع على الإنابة إلى الله تعالى , والإقبال عليه جل جلاله .

]مُبَارَكًا وَهُدًى[حالان .]وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ[تقدم أن بينت لك أن أنواع الهداية أربعة . منها الهداية             إلى الجنة , بدليل قوله تعالى مخبرا عن أصحاب الجنة:]الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَالِهَذَا[(2)فكأن الحج يهدى          المسلم إلى الجنة . وجائز أن تكون الهداية بما يحصل من مجالسة العلماء والأتقياء فى أيام الحج, ومن تلقى         علومهم وأسرارهم هناك . وفى قوله :]لِّلْعَالَمِين[دليل على أن الله وضعه للناس جميعا وللملائكة .                

 

قوله تعالى :  فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ                      الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ  p97i

ــــــــــــــــــ

 

(1)     سورة الإسراء آية 1

(2)     سورة الأعراف آية 43

 

 

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن[

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ]فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ[تلك الآيات البينات حسية ومعنوية . أما المعنوية : فهو ما يتفضل الله به على الوافدين        على بينه من الآفاق البعيدة من انشراح صدورهم , وطمأنينة قلوبهم, ومزيد سرورهم بوصولهم إليه.           ووضوح الأسرار الغيبية المؤمنين بها. وتقوية روابط التوادد والتراحم بين المسلمين هناك , وقبول الله توبة     العصاة وأعمال المطهرين , وكون الصلاة فيه بألف صلاة فى غيره , والصدقة فيه بألف صدقة من غيره ,    وحفظ الحاج من دواعى الحظ والهوى والشهوة , فإن الطائف فى طوافه حال البك-أى حال المصادمة من       الزحام- لا يشعر الرجل بالمرأة ولا المرأة بالرجل , بما ورد على قلب من نور الإحسان الساطع على          القلوب. أما الآيات الحسية : فتيسير الله الخير لعمارة وحجاجه , وأن هذا البيت الشريف لا يعلوه طير مع         وفرة حمامه , وشئ آخر : هو أن البيت يحجه فى كل عام مع التوسط  أربعمائة ألف حاج(1), والكل يرمون    الجمار , وقد مضت القرون الطويلة ولا تجد هناك حصاة ! ومن آياته أن الله يسرع بالنقمة من كل ظالم        وملحد فيه . وقد رأينا بأعيننا مثل الشريف حسين الذى أقام نفسه ملكا على الحجاز فظلم فيه, فإن الله تعالى      لم يمهله . وغير ذلك من الآيات التى تعلمها الأرواح الطاهرة , وتشهدها العيون التى تنظر بنور الله تعالى .   

وقد روى :]فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ[.

 

]مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ[وهو المكان الذى كان يقيم فيه إبراهيم عليه السلام للعبادة , وقد تعين بالسور الذى عليه           وإن كثيرا من الحجاج يجتهد أن يصلى داخله فيحصل بك عظيم , أى : زحام .

 

]وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا[هذه بشرى من الله تعالى لكل من حج البيت . لأن الله يتفضل عليه فيجعله                آمنا فى الدنيا والآخرة , وقد أكرم الله البيت حتى فى زمان الجاهلية , فكان يرى قاتل أبيه أو ابنه فلا           يتكلم معه بما يوحشه . وقال "عمر بن الخطاب : لو رأيت قاتل الخطاب فى هذا البيت ما أوحشته" وكذلك        قال عبد الله بن عمر وغيرهما من أئمة الصحابة . وكان يقتل الرجل الرجل , فيأتى ويأوى إلى البيت فيترك    حتى يخرج منه . وهذا هو أمن الدنيا . وقد ثبت بالتواتر أن الوحوش لم تفترس فى الحرم فريسة . أما أمن        الآخرة فإن من دخل البيت قاصدا القيام بأمر الله تعالى وتأدية فريضته مخلصا بقلبه,وحلالا طعامه, فلم يرفث    ولم يفسق , وفقه الله تعالى لمحابه ومراضيه حتى يموت مسلما تائبا, فيمنحه الله الأمن يوم القيامة, قال تعالى     ]أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ[( 2).

]وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً[الجار المجرور فى]لِلّهِ[خبر مقدم . وقوله:                  ]عَلَى النَّاسِ[جار مجرور حال, و]حِجُّ[مبتدأ مؤخر. و]الْبَيْتِ[مضاف إليه. وهذه الآية الشريفة               ثبتت بها فريضة الحج على كل مسلم , لأن المراد من الناس هم المسلمون خاصة , لأن الله تعالى حرمعلى الكافرين دخول هذا البيت بدليل قوله تعالى :]فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا[(3)  فتعين                وجوب الحج على كل مسلم بتصريح هذه الآية الشريفة.وقد شرط الله تعالى لتنفيذ فريضة الحج الاستطاعة فى   ______________________________________

(1)     كان ذلك عند إملاء الإمام أبى العزائم رضى الله عنه لهذا التفسير.

(2)     سورة الأنعام آية 82.

(3)     سورة التوبة آية 28.

 

 

 

 

 

 

 

قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ....(98) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ]مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا[والمعنى أن الله فرض الحج على كل مسلم بالغ مستطيع أن يؤديه بنفسه بأركانه        وواجباته وسنته . والاستطاعة هى الزاد والراحلة وترك ما يكفى من تجب عليه نفقتهم مدة الحج . وعند         المالكية وغيرهم ممن أخذوا بالعزائم: العافية التي تمكنه من المشى إلى بلوغه, وتجعله يخدم غيره لينال قوته   فتكون العافية بدل الراحلة, والحرفة بدل الزاد, ويجوز له أن يترك من تجب عليه نفقتهم بدون نفقة إذا كانوا      ممن يمكنهم العمل للقوت, وخير الأمور الوسط كما ورد فى الحديث. فتكون الاستطاعة محصورة فى أمن       الطريق وفى الزاد والراحلة. فمن تحصل على راحلة وزاد, وتححق أمن الطريق , وجب عليه أن يحج على       الفور , خصوصا إذا بلغ الستين , وأن أعتبر بعضهم أن من له بنات يخشى عليهن الفتنة بعد سفره فهذا عذر     غير مقبول , لأن المتزوج لابد وأن يكون له أقارب زوجته, أو له صديق مأمون يمكنه أن يقيمه مكانه. اللهم     إلا إذا كان فى بادية ويخشى عليهن سطو الوحوش فإن عذره يكون مقبول . وهذه هى فريضة الحج .           وعندى أن من ترك أولاده وأهله وخرج بدون زاد ولا راحلة , وظن أن هذا يرضى الله تعالى فقد أخطأ ,       وجهل مراد الله تعالى :]  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا[(1)ومن لم يقبل رخصة الله تعالى وتعدى آداب            الشريعة هلك مع الهالكين .

]وَمَن كَفَرَ[هذه الآية أحرقت قلوب أهل الأيمان , وحكمت على الغافلين حكما لازما وهو الكفر بالله            تعالى , لأن قوله تعالى(كَفَرَ) متضمنة معنى ترك الحج , وتكون المعنى : ومن ترك الحج فكفر بترك            الحج .

]فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[وفى هذه الآية دليل على أن الكفر والخطايا والذنوب كلها لا تضر الله             شيئا , ولو أن الإنس والجن والملائكة كفروا جميعا بالله ما نقص ذلك من ملكه شيئا , ولو أن الإنس والجن       والملائكة كانوا على أتقى رجل واحد ما زاد ذلك فىملك الله شيئا، لأنه تنزه وتعالى غنى بذاته عن         الاحتياج إلى المكان والزمان، والمعين، والوكيل، والولد والوالد والصاحبة . والكون عاليةودانيه مقهور      بقهره، مربوب بربوبيته، وكيف لا ؟! وهو سبحانه الذى خلق الكون من العدم بكلمة من ملماته، قال‍ سبحانه: ]إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[(2)  .

 

قول تعالى:قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌعَلَى مَا تَعْمَلُونَp98i

 

سبب نزول هذه الآية الشريفة أن اليهود لما أنكروا النسخ , وأنكروا فضل الكعبة المشرفة, وادعوا  أنهم         أبناءالخليل وأتباعه,كذبهم الله تعالى بالآيات السابقة التى قصمت ظهورهم بما بينته مما هوفى صريح التوراة,   مما لا يعلمه إلا أحبارهم وكهنتهم, ويجهله عامة اليهود- فضلا عن مشركى العرب- بحيث لا يعلم غيب          هذا إلا الله تعالى أو من يعلمه الله به. وبعد أن قامت الحجة ولم ينتفع بها اليهود عنادا وحسدا من أنفسهم,        وبخهم الله أشد التوبيخ بأسلوب الحكيم لطفا ورحمة بهم, ليقبل من سبقت لهم الحسنى منه, ويدير من سجل         عليهم القضاء سوء العاقبة منهم, مخاطبا حبيبه محمدا rبقوله :]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ بِآيَاتِ           _____________________________________-

(1)     سورة البقرة آية 143

(2)     سورة يس آية 82

 

 

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن[

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاللّهِ[]لِمَ تَكْفُرُونَ[أى : تجحدون بآيات الله التى دلت على نبوة محمد r, وعلى أن ما جاء به من              استقبال الكعبة وفريضة حجها على الناس, وأن دينه rهو دين الخليل عليه السلام , وأنه موصوف فى        التوراة والأنجيل بأنه خاتم الرسل , ومبين فيهما مولده, ومحل هجرته , وأنه من ولد إسماعيل- كما صرحت التوراة بذلك والإنجيل بآثار صحيحة ثابتة-وغير ذلك مما أظهره الله تعالى على يده من المعجزات الباهرات,   التى لم يسبق لرسول من أولىالعزم أن يظهرها الله تعالىعلى يده,ومن نصرة الله له فى مواطن جهاد الأعداء    وغير ذلك .

]وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ[الجملة هنا حالية,وهى تدل صريحة على أن اليهود- قاتلهم الله- كانوا           يكيدون لرسول اللهrفى الخفاء, ويظهرون غير ما يبطنون. وقد تقدم الدليل بخبر الله عنهم فى قوله             تعالى:]آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِوَاكْفُرُواْ آخِرَهُ[(1). لأن قوله تعالى: ]وَاللّهُ             شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ[أى : مطلع على ضمائركم ونواياكم السيئة بالنسبة لرسوله محمدr, فجمعت              تلك الآية سوء أعمالهم ظاهرا وباطنا. والشهيد على الشئ : هو الحكم العدل لا يحتاج إلى شاهد يقرر له         الحقيقة الواقعة, فهو سبحانه وتعالى يشهد عليهم بخبث سريرتهم , وسوء أعمالهم الظاهرة, وهو الذى يحكم       وينفذ بقدرة وقهر وقوة. وفى هذه الآية ذكرى لمن وفقهم الله , وعبرة لمن هداهم الله سبحانه , تتجدد لهم        بها محاسبة أنفسهم , ومراقبة الله تعالى . والاستفهام فى هذه الآية وفيما بعدها استفهام إنكار                                  .

قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلالله مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ                           شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّاتَعْمَلُونَp99 i

 

]تَصُدُّونَ[ورد الفعل الماضى من هذا الفعل المضارع صد وأصد , فرويت بفتح تاء المضارع وضمها          وهى بمعنى واحد , أى: تمنعون من آمن بالله ورسوله عن دين الله تعالى بأباطيلكم , وزوركم , وبهتانكم ,      وأكاذيبكم التى تفترونها على الله .]تَبْغُونَهَا عِوَجًا[أى : تريدون أن تخدعوا المؤمنين حتى يشكوا , أو          يرتابوا,أو يرجعوا عن دينهم بما تمنونه لهم من زخرف القول غرورا,وإسناده إلى التوراة بالباطل , فتحرفون   كلم التوراة عن مواضعها , وتخفون ما ورد فيها من ذكر لرسول اللهr, وتظهرون أن نبى آخر الزمان من     ولد إسحق كفرا بالله وحسدا للعرب , وإثبات نبوتهrوردت مكررة على لسان إبراهيم وبشرى موسى          وغيرهم من الرسل عليهم الصلاة والسلام , بعد أن بينوا أخبار التوراة للعرب يهددونهم ببعثتهr, وبعد أن         بين ذلك أخبار اليهود الذين قابلوا رسول اللهrفأثبتوا له النبوة , وصدقوه , وقابلوا كعب بن الأشرف          فهددهم بحرمانهم مما كان يعطيهم فى كل سنة من العطايا , فأنكروا ما قالوه طمعا فى حطام الدنيا,ونعوذ بالله   ممن يبيع الدين بالدنيا,ويفترى على الله الكذب وعلى نبيه الكذب.]عِوَجًا[بكسر العين تدل على الأمور المعنوية    كالدين والأخلاق والمعاملة.]عِوَجًا[بفتح العين يكون فى المحسوسات كالجدار والشجرة.

]وَأَنتُمْ شُهَدَاء[أى : والحال أنكم شهداء على ما ورد فى التوراة, وعلى بصيرة من الأمر من أن محمد             rخاتم الرسل, وأنه هو الذى بشرت به الأنبياء , ونبهت به الكتب السماوية , وجائز أن يراد به أنكم          ______________________

(1) سورة آل عمران آية 72 .

 

 

 

 

 

 

قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ....(100) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــشهداء على أنفسكم بأنها تخاف نزع السيادة والرياسة من أيديكم , فترجعون أتباعا . ولذلك تجحدون               وتنكرون الحق, وتكفرون بالله وبرسولهr, حرصا على متاع الدنيا وزينتها الفانية.

]وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّاتَعْمَلُونَ[هذه الآية صريحة فى إثبات كيدهم, وسوء قصدهم, وخبث نواياهم ,             لأنهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا بأفواههم , وإذا خلوا إلى شياطينهم أنكروا وجحدوا , يظنون أن أحدا لم       يعلم ذلك منهم . ففضح الله سرائرهم , وبين للمؤمنين سوء نواياهم بقوله تعالى: ]  وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّاتَعْمَلُونَ[وقد ورد فى الآية السابقة]وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ[مما تظهرون من أقوالكم, وأعمالكم ,          ومظاهرتكم لرسول اللهr. وما هو سبحانه بغافل عما تخفونه عن المؤمنين من الكيد , والخداع , والمكر       السئ طمعا فى إطفاء نور الله تعالى . قال سبحانه :]وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[(1)ولقد ورد أن قوله   تعالى:]سَبِيلالله[يعنى : محمداr. وفى قول]عِوَجًا[بكسر العين إهلاكا. ويكون المعنى :                    تبغون بمحمدrشرا . وما بالله بغافل عن الذى تعملونه بحبيبهr, بل هو عليم قادر أن يحفظه منكم ,          ويهلككم , ويدفعكم عنه , وينصره , وينشر دينه الحق .

 

قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَأُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ                    إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَp100i

 

سبب نزول هذه الآية الشريفة أنه حصل بين الأوس والخزرج كلام, فدخل بينهما يهودى بالأغراء-            طمعا فى إسعار الفتنة بين الأنصار كيدا للدين- وأصل ذلك أن سعد بن غنمة الأنصارى تنازع فى شئ         هو وبعض الأنصار, فانتهزها شاس بن قيس اليهودى من قينقاع وأسرع فى أن يوغر صدورهم. وبالفعل أثار  عاصفة الحقد بينهم, حتى وقع بين بعض الأوس والخزرج شجارا, كاد أن تسل فيه السيوف. فأنزل الله هذه       الآية]  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ[ينادى الأنصاري من الأوس والخزرج]إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَأُوتُواْ              الْكِتَابَ[يعنى اليهود المعاصرين لرسول اللهr. أى: إن تقبلوا أقوالهم, وتتأثروا بها تنتج أسوأ النتائج ,         وهى المروق من الدين, أو نشوب حرب بينكم, وفى قتال المؤمنين بعضهم لبعض كفر بالله تعالى .             ]يَرُدُّوكُم بَعْدَإِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ[أى: يرجعونكم كفارا يضرب بعضكم بعضا بالسيوف لأن الإيمان قول          وعمل . ومن صدق ولم يعمل كذب على نفسه, بدليل قوله تعالى:]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ            وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ[(2)بين الله لنا فى هذه الآية أن الإيمان حقيقة واحدة مكونة من خمسة أجزاء: ثلاثة أجزاء        قلبية : وهى قوله تعالى ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُوَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ[وهذا عمل قلبى . ]وَإِذَا تُلِيَتْ  عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا[وهذا عمل قلبي]وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[والتوكل عمل قلبى. وقوله تعالى :            ]لَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ[(3)وهو عمل جسمانى]وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[وهو عمل قلبى مالى.

ومعنى هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يبين للمؤمنين عداوة أهل الكتاب التى أسست فى قلوبهم , ودعتهم         إلى بذل ما فى وسعهم لإطفاء نور الله تعالى, ومحاربة الله ورسوله , وتلك عادتهم من أول ظهور الإسلام .    ________________________________

(1)     سورة الصف آية 8 .

(2)     سورة الأنفال آية 2 .

(3)     سورة الأنفال آية 3 .

 

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن[

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــفما معنى زمن إلا وقام أهل الكتاب- قاتلهم الله- لمناوأة الإسلام وأهله, وليس بغريب إذا أنا ذكرتك              بالحروب الصليبية التى ظهرت فى ألوان كثيرة,يقصد بها أهل الكتاب من اليهود والنصارى محو دين الإسلام   خصوصا نصارى أوربا لا يفتأون يكيدون للإسلام والمسلمين, وصدق الله العظيم]إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا         مِّنَ الَّذِينَأُوتُواْ الْكِتَابَ[أى: إن تركنوا وتصغوا إلى ما يبثونه من السم فى كلامهم, وأعمالهم , وما            ينشرونه بينهم وبين المسلمين , من الطعن على الدين والكذب على الله ورسوله . ]يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ[لأن إطاعة العدو تقتضى عداوة الحبيب. والله سبحانه وتعالى جعل العزة للمؤمنين, وجعل الذل           والخزى على الكافرين, وكيف يرضى المؤمن أن يذل نفسه للكافرين فيطيعه؟!!والطاعة بسماع كلامهم وقبوله    كفر صريح . وأما ما يظهره المؤمنين للظلمة المتغلبين على بلاد المسلمين فليس بكفر مادام القلب مطمئنا        بالإيمان , وما دام المسلم متحيزا إلى فئة أو متحرفا لقتال . أما إذا حصل الركون وحصلت طمأنينة القلب        فذلك الكفر الصراح .

 

قوله تعالى:وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْرَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم                       بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍp101i

 

]وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ[هذا الاستفهام إنكارى وليس على بابه,ومعناه                      الاستبعاد. فإن الاستفهام بكيف يقتضى لغة عدم علم الحال الذى يكون عليه المستفهم عنه- تنزه الله وتعالى         عن ذلك علوا كبيرا- فيكون المعنى استبعاد الله تعالى وقوع الأنصار فى الردة, بعد قيام الحجة التى جعلت         الإيمان يباشر سويداء قلوبهم, وسكنت إليه نفوسهم, واطمأنت قلوبهم, وهم كل يوم فى مزيد مما يتوالى            عليهم من آيات الله تعالى القرآنية , وما يتلوه عليهم رسول اللهrمن الآيات القرآنية , ومن الحكمة             والبينات التى تشرح الصدور, وتشهد القلوب النور, وتسجد العقول للحق جل جلاله , والتالى عليهم               الآيات هو رسول اللهr, وتلك الآية من معجزات رسول اللهr, فإن المخاطب بها الأنصار وقت              نزولها, ولكن الأمة جميعا لا تزال تخاطب بها وتتلى عليها من أفواه أولياء الله تعالى الفارين إليه            

 

]وَفِيكُمْرَسُولُهُ[هذه الآية الشريفة لا تخص الأنصار بالخطاب فقط , بدليل أولها . فإن الله تعالى لم                 يسند التلاوة إلى رسول اللهr, بل بنى الفعل فيها للمجهول ليكون الخطاب عاما واسعا, ويكون التالى             للأنصار هو رسول الله, والتالى لغيرهم من بقية الأمة إلى يوم القيامة العلماء العاملون, أو أى تال من             المسلمين. والدليل الثانى: أن قوله تعالى:]وَفِيكُمْرَسُولُهُ[بمعنى ذاتهrبنسبته للأنصار, وبمعنى آثاره           وأنواره, والحكمة العالية المحفوظة بين أيدينا كأنهrفينا. وهناك حجة أخرى لذلك المعنى وهى قول الله           تعالى :]وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ[(1)وقوله تعالى :]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[(2)وحفظ الذكر               يكون بالصديقين وبأبدال الرسل الذين يقيمهم الله حجة على الأرض.كما قال عليه السلام:(اللهم لا            تخل الأرض من قائم لك بحجة,إما ظاهرا مشهورا أوباطنا مغمورا لئلا تبطل تبطل حجج الله وبيناته)إذن تلك   الآية مخاطب بها كل مسلم, فى كل زمان, وفى كل مكان , أهل الكتاب لا يفتأون يحاربون الإسلام             _______________________

(1)     سورة الأحزاب آية 40 .

(2)     سورة الحجر آية 9 .

 

 

 

 

 

قوله تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ...(101) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوأهله, لإظهار دين المسيح,وكل عاقل يعلم أنهم أعداء المسيح, وأعداء دينه. ( لأن المسيح عليه السلام           يقول فى إنجيله: ( اعبدوا أبى وأباكم الذى فى السماء) فجعل نفسه عبدا مملوكا , وطلب منا أن نكون عبيدا       مثله. وقال لمن ناداه بيا أيها المعلم الصالح- منكرا هذا النداء- :( أنا لست المعلم الصالح, المعلم الصالح هو     الله تعالى , من آمن كإيمانى يعمل كأعمالى وأكثر) فبرأ نفسه مما ينسبه أهل الجهاله بالله إليه , من تنزيه         وتقديسه, وكيف يرضى المسيح أن يكون ربا وهو الرسول العظيم من أولى العزم؟! الذى كان يأكل ,           ويشرب ويتغوط, ويحزن , ويفرح , ويؤذى, ويتألم, وهى صفات البشرية. وصدق الله العظيم حيث            يقول:]لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُالْمُقَرَّبُونَ[(1)فأهل الكتاب من النصارى             واليهود أعداء أنفسهم, وأعداء الحق, وأعداء موسى وعيسى, وأعداء النبين جميعا, وكم قتلوا أنبياء الله             تعالى,وكم آذوهم ولا يزالون, ولن يزالوا على ما هم عليه من بغض الحق ومحاربة دين الله تعالى وأهل دينه    ]وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا[(2).

 

]وَمَن يَعْتَصِمبِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[(من) اسم شرط جازم. ]َ يَعْتَصِم[فعل                          الشرط, وجملة]فَقَدْ هُدِيَ[جوابه . وهذه الآية بشرى من الله تعالى , يطمئن بها قلوبنا , ويخفف عنا              خوفنا من شرور أعدائنا الكافرين. ويكون النعنى أن أهل الكتاب من النصارى واليهود يجب علينا أن نعاديهم    معاداة ظاهرة وباطنة, فلا نصدق لهم خبرا, ولا نصغى بآذان قلوبنا إلى أقوالهم, ولا نمكنهم من أن يسمعونا     كلاما فى ديننا ولا دينهم, لأنهم فى كل تلك الأحوال يكيدون لنا ليردونا عن ديننا . فكانت هذه الآية أيام         كان نور القرآن, ونور رسولهrمشرقين على قلوب الصحابة, وكان أهل الكتاب فى ضعف وذل بالنسبة        لماأظهره الله من القوة والعزة لرسول الله وأصحابه.أما نحن الآن فإن اليهودوالنصارى أصبحوا أهل العزة بعد  أن تسلطوا علينا بالنار والبارود, وبالكيد والخداع, وبالدسائس فى تجارتهم وصناعتهم. وأصبحنا مع كثرتنا      متفرقين!! ومع ذلك فإنهم-أذلهم الله- ينشرون بيننا ما لا يرضى من القول والعمل , وترى دعاة النصرانية       يجعلون الباطل حقا والحق باطلا, ويساعدهم على ذلك ما وراءهم من الآلات الجهنمية. والمسلمون فى تفرقة    وخوف منهم, بين مستضعف يخشى على نفسه وماله, وبين غافل مسارع فيهم, فالواجب علينا فى هذا            الوقت أن نتمسك بهذه الآية تمسكا ينجينا الله به من عذاب الدنيا والآخرة, وقد قدر الله الفوز والنجاة               بالاعتصام به سبحانه وتعالى, وهذه الآية حجة قاطعة .

 

والاعتصام هو الالتجاء إلى الله تعالى, والاستعانه به سبحانه بقلب موقن , وجوارح مسارعة إلى العمل           بمحابه ومراضيه, وفى قوله سبحانه:]فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[ساطعة نور من نور التوحيد              الكامل . والمعنى أن من يلتجئ إلى الله , ويستعين به, يتحقق أن الله تعالى هداه إلى صراط مستقيم , حيث         نسب الهداية إليه جل جلاله , ومن قدر الله له أزلا الهداية إلى الصراط المستقيم فقد أحسن إليه بالفوز والنجاة      فى الدنيا والآخرة, والصراط المستقيم هو شريعة الله التى شرعها الله لعباده, وحكمه الذى كلف به أمة حبيبه    محمدr,والصراط المستقيم أقرب طريق يوصل إلى المقصود.ولما كان الطريق المقصود هو ما أمرنا الله أن    نعمل به بقلوبنا وابداننا , وهو الذى أنزله سبحانه , وهذا الذى أنزله واحد لا يتعدد , كانت لفظة :               ______________________

(1)     سورة النساء آية 172.

(2)     سورة الكهف آية 17.

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن[

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ]الصِّرَاطَ[فى القرآن تأتى مفردة, قال تعالى:]صِرَاطِ اللَّهِ[(1)وقال سبحانه: ]اهدِنَا الصِّرَاطَ                 المُستَقِيمَ[(2)وقال هنا ]فقد هدى إلى صراط مستقيم[وهى الحجة البالغة على أن طريق الله واحد, 

وهو الكتاب والسنة. عزائمهما عند الاستطاعة, ورخصتهما عند الضرورة , والأخذ بالرخص عند               الضرورة عزيمة ليس بعدها إلا الضلال المبين , قال تعالى:]فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ[(3)والمؤمن يجب       عليه ألا يقبل من أحد أمرا أو نهيا إلا إذا ظهرت له حجة من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح.             

قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَتَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم                                مُّسْلِمُونَp102i

 

أنزل سبحانه وتعالى من صدقوه وصدقوا رسولهrمن المؤمنين منزلة المقربين من جل جلاله , فناداهم         ب(يا) نداء القريب, وهو الفضل العظيم الذى يختص به من يشاء من عباده. ومعنى ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ           آمَنُواْ[يا أيها الذين صدقوا الله ورسولهr. ولما أن ناداهم سبحانه وتعالى صغت القلوب والآذان إلى           المتكلم سبحانه بكمال السمع والطاعة, فأمرهم تنزه وتعالى وهو الآمر والناهى بقوله جل شأنه]اتَّقُواْ اللّهَ    حَقَّ تُقَاتِهِ[والتقوى من أكمل أعمال القلوب التى عمرت بأنوار علام الغيوب , والتقوى هى أعلى مقامات       الخوف , ولا خوف إلا من عظيم يرجى ويخاف منه .

ولما كان فضله العظيم متواليا , وآلاؤه الجميلة متواصلة, أكرمهم الله سبحانه وتعالى بالخوف منه, حتى         تكمل القوى الوحانية والقوى الجسمانية, فيحصل بالخوف الإخلاص لجنابه العلى فى العمل , والصدق فى        المعاملة, ومحاسبة النفس فى الخلوة عند حصول الأحوال, حتى تكون واردات المؤمن وخواطره وإرادته       واختيار مراعيا فيها محاب الله ومراضيه, ومراقبا فيها عظمة الله وكبرياءه.ومتى تجمل القلب بالخوف انبعثت    أنوار الخوف من الله تعالى على الجوارح, فصار اللسان رطبا بذكر الله, والآذان صاغية لتسبيح الكائنات       وأصبحت الجوارح كلها مسارعة إلى طاعة ربها, وهذه صفة المؤمن الكامل الذى كمل معنى ومبنى, وصار       بدلا من أبدال رسل الله صلوات الله عليهم. وتقوى الله حق تقاته:أن نجاهد فى الله حق جهاده , ولا نخاف        لومة لائم, ونقوم لله ولو على أنفسنا ووالدينا وأهلينا وأولادنا , وبعبارة أخرى: أن نذكره فلا ننساه , وأن      نطيعه فلا نعصاه , وأن نشكره فلا نكفره, وأن نعبده فلا نجحده. مع ملاحظة شهود لا حول ولا قوة إلا         بالله , حتى يصفو الورود فى حصن الشهود.

وليست الآية منسوخة بقوله تعالى]فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[(4)فإن قوله تعالى : ]فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا            اسْتَطَعْتُمْ[هو عين قوله:]اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ[فإن الله جل جلاله لا يكلف نفسا إلا وسعها , وأمره إيانا          أن نتقيه حق تقاته أى: حق التقوى التى أهلنا أن نقوم له سبحانه بها . والتقوى أن نلاحظ عند كل حركة         _______________________

(1)     سورة الشورى آية 53.

(2)     سورة الفاتحة آية 6 .

(3)     سورة يونس آية 32.

(4)     سورة التغابن آية 16.

 

 

 

 

 

قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ...(102) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوسكنة وطرفة عين معية الله تعالى, حتى يبلغ التقى مقاما يكون فيه الحق معالم بين عينيه,لا يتحرك حركة       إلا ويراقب رضا الله سبحانه وتعالى, ويراعى فيها السمع والطاعة لرسول اللهr, وهذا هو الذى اتقى الله            حق تقاته. وكم من قائم بأكمل القربات من غير رعاية ولا مراقبة وأعماله لا ترفع ! لأنها عادة لا عبادة. ولا   تكون الأعمال عبادة إلا إذا تجملت بالرعاية والمراقبة, وكم التبست العبادة بالعادة . قال الله تعالى: ]لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىمِنكُمْ[(1)ولما كانت التقوى معارج الوصول لنيل القبول                  والمأمول,سارعت إليها أنفس الأبرار,وفطرت عليها أرواح الأطهار الأخيار,والراغب فى الخير يجاهد نفسه      أشد المجاهدة حتى يبلغ مقام الأتقياء,ومن أمكنه أن يكون مقربا وقصر ظلم نفسه. فكل مسلم مؤهل أن             يرقى لأعلى مقامات القرب من الله تعالى, بمجاهدة نفسه فى ذات الله مع رعاية مشهد التوحيد بلا حول ولا       قوة إلا بالله العلى العظيم, وأى مؤمن يمكنه أن يصل إلى مقام يكون فيه مع النبين والصديقين والشهداء          بسهولة وتيسير ويمهل فى مجاهدة نفسة لعدو لنفسه .بالتقوى صار بلال الحبشى ملكا من ملوك الجنة،  وسلمان الفارسى سيدا عظيما عند الله تعالى ، وكم أعز الله بالتقوى ذليلا ، ورفع وضيعا ، وأذل بالمعصية     عظيما رفيعا ، يقول الله تعالى : ]إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[(2).

]وَلاَتَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[لما كانت التقوى عملا من أعمال القلوب, وكانت القلوب بيد الله                   يقلبها كيف شاء وكما شاء, وقد منحنا الله تعالى الحرية والإرادة فى أبداننا, فنفتح العين والفم ونحرك اليد         والرجل كما نحب, أمرنا جل جلاله أن نحافظ على تلك الجوارح, بأن نلزمها أعمال الطاعات مادامت حية,        حتى إذا فاجأها الموت فى أى نفس تتلقاه على طاعة. ليس المعنى أن نموت مسلمين بإرادتناوحريتنا,بل أمرنا     سبحانه وتعالى أن نراقب الموت فى كل نفس, فنعتقد أن الموت بعد هذا النفس, ولا نطمع فى البقاء فيهجم         الأمل على القلوب فيخرجها. ولا نقف عند مقام الرجاء والطمع فى الله تعالى, فنتهاون بأحكام الله تعالى .بل       يجب أن نمزج الخوف بالرجاء, حتى يكون بينهما مزاج, فإذا هجم الخوف على القلب وأحرقه, هجم عليه         الرجاء فى الله فلطف ناره, ومن وقف عند الرجاء شطح وضل, ومن وقف عند الخوف يئس . والله جل         جلاله عظيم قهار وكريم وغفار, ومن نسى يوم الحساب حتى هجم عليه الموت فى غفلة خسر الدنيا والآخرة.    وما ارتكب المؤمن معصية وتعدى حدا من حدود الله , ولا تهاون بعشائر الله إلا بنسيان الموت والحساب.        فكأن الله تعالى يقول- وهو أعلم بمراده-: استحضروا الموت فى كل نفس, حتى تتحفظوا من الوقوع فيما        يغضب الله تعالى. وما ذكر الموت فى وسعة إلا ضيقها, ولا فى شدة إلا وسعها, فإذا ذكر المبتلى(الموت)         سهلت عليه بلوته, وإذا ذكر المغرور بالدنيا المتنعم بملكها(الموت) صغرت الدنيا فى عينه, وهذا الحال به        الإقبال على الله تعالى وتصغير الدنيا وتعظيم الآخرة.

 

_____________________

(1)     سورة الحج آية 37.

(2)     سورة الحجرات آية 13.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

]أسرار القرآن[

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

قوله تعالى:وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَاللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ                      أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْفَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَالنَّارِ                          فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَp103i

 

]وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ[الاعتصام: هو التحفظ والتحرز من فقد المقصود,                       والتمسك بما يوصل إلى نيل الخير الحقيقى. وهذا الحبل إما أن يكون كتاب الله تعالى عند هجر العمل به. أو     يكون الجماعة عند التفرقة. أو يكون الإخلاص لله فى التوحيد عند الشكوك والريب. أو يكون المسارعة إلى      التوحيد والإنابة عند ارتكاب الخطايا. فهو فى كل حال بحبسه. ونحن فى زماننا هذا فى حاجة إلى كل تلك       المعانى,بعد أن هجرنا كتاب الله وسنة رسول اللهr, فأصبحنا عالة على من كانوا عالة علينا, فى حاجة        إلى أن نتلقى الصناعات والفنون والحرف ممن عنا نقلوها, فى تفرقة تحتاج إلى أن يتدخل فى شئوننا من كنا    سببا فى خلاصهم ورقبهم. فإذا اشتقنا إلى مجد سلفنا الصالح وعزهم ومنعتهم, يجب علينا أن نعتصم بحبل الله     تعالى, وهو القرآن والسنة المطهرة. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا بما من به على سلفنا, ويكون        معنا كما كان معهم, ويعيد لنا مجدنا, ويجعل لنا التمكين فى الأرض, حتى يصلح بنا جميع خلقه. قال عبد الله    ابن مسعود( يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذى أمر به, وإن ما تكرهون فى              الجماعة والطاعة هو خير مما تحبون فى التفرقة), وكيف يميل المؤمن بالله ورسوله إلى التفرقة للذة عاجلة      تفنى, وجاه يورث ذل الأبد, ومال قد يعين على الخلود فى نار جهنم؟! ويرضى أن يذل بتفرقة المسلمين,         فيكون مسئولا عنهم جميعا يوم القيامة؟!.

أيها المؤمن المحب للخير العاجل: هذه النفس التى تحب الخير, ألا تذكرها أنها لو باعت هذا الخير العاجل        المفسد للدين وللجماعة بالخير الدائم الباقى عند الله تعالى تكون رابحة؟ماالذى يناله الجاهل المغروربالميل إلى       التفرقة إذا عاجلته المنية قبل أن ينال قصده؟ لعمر الله إنع ليموت على أكبر الكبائر, فيحرم لذة أمله العاجل        وبهجة النعيم الأبدى, ويخلد فى نار الشقاء والعذاب. وإن النعمة مقولة على معنيين: عند العاقل نعمة الشرف      والعز والفرح بالمجتمع الإسلامى. ونعمة لذة الحيوانات فى الشهوات والشهرة الكاذبة. وإنى لأرى نعمة          الشرف قد تستعلى على البهائم على لذتهم البهيمية, فقد يجهد الفرس نفسه فى الجرى حتى يقع صريعا ليفرح      بسبق نظيره, لذة بنعمة الشرف. وقد يلقى الكلب بنفسه على السبع ليحفظ صاحبه حتى يقتل فرحا بلذة            الشرف. وقد يترك الديك غذاءه وينادى الدجاج متلذذا بلذة الشرف. فواعجبا! تعظم نفوس الحيوانات ,             فتقدم لذة الشرف على اللذة البهيمية التى هى فطرتها !! وتصغر نفس المؤمن حتى يدنسها بالتعس والخيبة,       ليسمع كلمة جميلة أفسد لأجلها دينه ودنيا إخوته المؤمنين!! بل أعجب من هذا أن أجهل إنسان يعلم أن عز        جماعته عزله,وذل قبيلته ذل له.وترى الجاهل يهدم مجد المجتمع ليتلذذ بأنه قريب إلى عظيم من العظماء, أو      محبب عند ذى منزلة, والله تعالى يقول:]وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا[ما هي تلك النعمة التى ينالها من              ترك الاعتصام بحبل الله واعتصم بحبل شهواته وحظه وحبه لذاته؟ لا أراها إلا أعظم نقمة. فإنه يمقته الله        تعالى, ويمقته رسول اللهr, ويمقته المؤمنون من أهل عصره. وليس الاعتصام بحبل الله بأمر صعب            عليك. تذكر أيها المؤمن أيام كانت القلوب مجتمعة معتصمة بحبل الله, والأبدان عاملة لله, ومن أنت وما            كان حالك وشأنك؟ لعلك إذا ذكرت تبكى, وتحن إلى هذا المجد حنين الثكلى أو أعظم , لأن العبد المملوك         .

 

 

 

 

قوله تعالى:وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا....(103) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالمسلم يعزه الإيمان على كل من فى الأرض.كان أصغرمسلم يمنح الأمن,ويقبل فى ذمته من استجار به فينفذ      له الخليفة,كان المسلم عنوان الكمال فى نشأته ومعاملاته ورحمته ورأفته بالعالم أجمع, ومسارعته إلى الخير,        وكان العالم أجمع إذ ذاك فى ظلمات الجهالة والضلالة لم يهتد للخير إلا بسببك أيها المؤمن.

 

أيها المؤمن: استعمرت مشارق الأرض ومغاربها, ودان لك أصحاب تيجانها, ومكنك الله فى الأرض           بالحق. حتى فصمت تلك العروة, وترك الجهالة الاعتصام بحبل الله تعالى ,فتغير الحال , وتبدل الشأن,          فلا حول ولا قوة إلا بالله. قم أيها المؤمن فتنبه, وبحبل الله فاعتصم, وبسنة رسول الله فتمسك, وجاهد           نفسك أعظم الجهاد فى ذات الله تعالى, وقد منحنا الله الإرادة والحرية والقوة, فإذا نحن تمسكنا بأحكام              شريعة الله تعالى, وعملنا بوصايا رسول اللهr, جملنا الله تعالى بالرحمة, فكنا رحماء بالعطف وبالأمانة         والصدق والعفاف, والغيرة له سبحانه وتعالى, وتركنا ما يضرنا, ونشطنا لما ينفعنا, وتشجعنا على فعل           المكاره والفضائل, وأحب بعضنا بعض, حتى نصبح كجسد واحد, يشعر الرأس بألم الإصبع, وتتلذذ             الرأس براحة الإصبع, ونكون- مع كثرتنا- كعائلة فاضلة يسعى كل فرد منها لخيرها, ونستعين بنعم الله           على ما يحبه ويرضاه, ولديها تلذ الحياة, ونفوز بمسراتها فى الدنيا والآخرة, ونورثه أبناءنا.

 

]وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَاللّهِ عَلَيْكُمْ[حصر الله لنا النعمة فى أمرين عظيمين وهما: نعمة الدنيا, ونعمة الآخرة,             بدليل تفصيل ذلك فى هذه الآية. ونعمة الله فى الحقيقة التى أوجب الله علينا أن نذكرها هى نعمته علينا بحبيبه     ومصطفاه محمد r. لأنه صلوات الله وسلامه عليه هو النعمة التى أنتجت لنا خيرات الدنيا والآخرة,            وخيرا فوق أن أسطره على صفحات الأوراق. والخير بالإجمال هو الفرار إلى الله تعالى من الكونين, وهذا        الخير الذى هو فوق الكونين ظاهر فى ثلاثة مقامات:

المقام الأول: مقام معية الله تعالى. المقام الثانى: مقام عندية الله تعالى. المقام الثالث: مقام لدى الله                 "اللدنية" .

بدليل قوله تعالى فى المقام الأول:]إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ[(1)وقوله فى الثاني]إِنَّ الَّذِينَ عِندَ                      رَبِّكَ[(2)وفى المقام الثالث:]آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا[(3)والعلم قد يكون بعين                   اليقين أو بحق اليقين.

]  إِذْ كُنتُمْأَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْفَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا[هذه الآية الشريفة تفصيل لنعم الدنيا,                 لأن الأوس والخزرج كانوا أبناء رجل واحد, ولكنهم اختلفوا اختلافا أدى إلى محاربة أفسدت عليهم الحياة          الطيبة, وسلبت منهم الأمن, وضيقت عليهم الأرزاق,وأوقعتهم فى الأحزان والغموم, فكان الميت فى راحة        عنهم. فلما بعث الله حبيبه محمداr, وباشر الإيمان سويداء قلوبهم صاروا كالجسد الواحد, كل واحد                منهم ككل عضو من أعضاء الجسد, يعمل كل فرد لخير المجتمع. فصاروا فى نعيم, ورغد عيش, وراحة          قلب وبدن, وتعاون على البر والتقوى, وطهرهم الله من عناء التفرقة, وشدائد الحروب, وملأ قلوبهم رغبة          ورهبة من الله تعالى, حتى مكن لهم فى الأرض بالحق, فدانت لهم القياصرة والأكاسرة. وماذا تقول فى قوم      ______________________________________

(1)     سورة النحل آية 128.

(2)     سورة الأعراف آية 206.

(3)     سورة الكهف آية 65.

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن[

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكانوا فى جاهلية عمياء صماء؟ يأكل بعضهم بعض, يملكهم الأجنبى ولا يملكونه, ويأكلهم الغريب ولا          يأكلونه, عراة الأبدان, حفاة الأقدام, تمزقهم الشمس بحرارتها, ليس لهم مبان يأوون إليها . فلما أشرقت          أنوار خاتم الأنبياء أصبح ذلك البدوى الخشن الجائع البطن ناشف اللهاة تخدمه الملائكة,وتدين له أصحاب         التيجان, وتذل له الجبابرة الطغاة. لا, بل طهر الأرض جميعا من ظلام الكفر وظلم الظلمة الطغاة, ونور        العقول بآيات الله, وجمل القلوب بتوحيده سبحانه, وجعل الإنسان أخا للإنسان, حتى سوى بين الكافر             الرقيق وبين الخليفة الجالس على منبر النبوة. لأن الحكم كان لله, وبأمر الله, وأى نعمة بعد هذه النعمة تنال        فى الدنيا؟ ليس بعدها إلا مقعد صدق عند مليك مقتدر. هذه هى نعمة الدنيا التى يذكرنا الله بها لنذكرها           فنشكرها.

أما نعمة الآخرة فهى مفصلة فى قوله سبحانه:]وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ[أى:و كنتم بكفركم            بالله تعالى , وقتال بعضكم بعضا,مع النسب القريب,والصلة التى لا انفصام فيها, على طرف جهنم. ولما       كانت جهنم هى الهاوية التى تهوى بمن يعذبهم الله فيها إلى أسفلها, وكان الكفر والقتال والانتقام أسبابا          للخلود فى نار جهنم, وكانوا قبل بعثة رسول الله بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا كذلك,        تحقق قوله تعالى:]فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا[دليل على أن العالم لا نجاة له إلا بالعمل بوصايا الإسلام, وبذلك تعتقد         أن غير المسلم محكوم عليه بالنار أبد الأبدين, حيث لا وسيلة تنجيه, ولا شفيع إليه يؤويه, ولا تكون             الشفاعة إلا لمن مات مسلما مرتكبا للمعاصى, والإنقاذ هو النجاة والانتشال. والضمير فى قوله تعالى:           (مِّنْهَا) عائد إلى الحفرة التى هى جهنم لا إلى ال(شَفَا) .

]كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[الآية الشريفة جذب لقلوب أهل الإيمان الذى يتلقون                    القرآن المجيد من فم رسول اللهr, فلا يسمعون منه آية من الآيات حتى تتجلى لهم معانيها تجليا يخطف         الأبصار, ويصعق النفوس, وكيفلا؟ ورسول اللهrيتلقى الفرقان عن جبريل, ويتلقى القرآن من                 لدن حكيم عليم. وهو فى مقام الرسالة والخلافة العظمى عن الله تعالى يلقيه على أصحابه, فكانوا- لحضور       قلوبهم ولأنواره المحمدية- كأنهم يتلقون من جبريل, أو من حكيم عليم. فيسمعونه منهrبآذان                   رؤوسهم, فتسرى أنوار التلقى إلى سويداء قلوبهم, فيكافشون بسر الغيب المصون الذى تضمنته الآية ودلت         عليه. ومعنى هذه الآية أن الله تعالى يقول : ما بينت فى آياتى السابقة من الحقائق التى كان عليها الأنبياء          السابقون, والأسرار التى يعلمها إلا أحبار أهل الكتاب وعلماؤهم الراسخون, فإنى أبين لكم هذا البيان             فى كل حقيقة من الحقائق ليحصل لكم مزيد الهداية. لأن تلك البينات التى يتلقاها الصحابة عن رسول الله        r, ونتلقاها نحن عن أبدال رسول اللهr, ينمو بها الإيمان فى قلوبنا. قال تعالى:]وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ        اهْتَدَوْا هُدًى[(1)وقال سبحانه]وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[(2)وقال تعالى :]لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ[(3)فلعل                 هنا ليست بمعنى الترجى, وقد قدمت لك أن الترجى لا يليق بكلام الله تعالى, لأن المترجى غير موقن             بالعاقبة, ولكن الله تعالى علام الغيوب, ولما كانت الهداية مقولة على معان كثيرة, ناسب أن نشرح قوله            تعالى لعل بمعنى اللام, أى : ليحصل لكم مزيد من الهداية.                                                    

ـــــــــــــــــــــ

(1)     سورة مريم آية 76.

(2)     سورة الكهف آية 13.

(3)     سورة الفتح آية 4.

 

 

 

 

 

 

قوله تعالى:وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ .....( 104) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى:وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَبِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ                وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَp104i

 

]وَلْتَكُن مِّنكُمْ[اللام هنا للأمر, وصيغة الأمر للأمر, وهنا إشارة يتذوقها أهل المعرفة بالله تعالى,              وهى أن(وَلْتَكُن) تحقيق لوقوع هذا الأمر, وكأن الفعل مشيرا إلى كلمة كن. بدليل قوله تعالى:]كُنتُمْ            خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِوَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ[(1)فأنزل الله أمة محمدrمنزلة الأنبياء فى       هذه الآية تشريفا لحبيبه ومصطفاهr, وقد ورد فى القرآن آيات. كثيرة تبشرنا بأن الله تعالى أنزلنا تلك          المنازل العالية.

(أمة) لغة : ما تؤم , يعنى ما تؤم المجتمع الذى يؤمه الناس. ولك أن تقول: الأمة : هى الدين والملة             والأمة: هى الردح من الزمان.

]يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَبِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ[الخير: هو كتاب الله , وسنة رسوله              r, وبيانها للناس قولا وعملا. والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, إما أن يكونا لتفصيل هذا المجمل لأن     الدعوة إلى الخير عامة. وجائز أن يكون الأمر بالمعروف هو: الأمر بفروع الشريعة , وبمحاب الله ومراضيه  ويكون النهى عن المنكر, النهى عن كل قول وعمل وحال أنكرته الشريعة. وجائز أن تكون الدعوة إلى الخير      دعوة إلىالتوحيد الخالص,ويكون الأمربالمعروف والنهى عن المنكر بيان للقرآن والسنة بما أحله الله تعالىوما   حرمه منهما. وجائز أن يكون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بدلان من الدعوة إلى الخير. ولا يتجمل       المسلم بهذا الجمال إلا إذا منحه الله تعالى نورا تستبين به له الحقائق,وحبا فى قلبه يجذبه بكليته إلى العمل         بكتاب الله وسنةرسوله,وإلا فالعلم يهتف بالعمل,وإلا ارتحل.ومن زعم أنه زعم عالم ولم يعمل فقد أكبر الفرية     على الله, وظلم نفسه, لأن العلم هو تصور النفس رسوم المعلوم,ومتى تصورت النفس رسوم المعلوم              سارعت الجوارح إلى القيام بما يطلبه العلم المتصور على جوهر النفس.

وهنا,هل(من)فى(منكُم) للتبغيض أو لا؟ هنا خلاف, فمن قائل: إن كل مسلم واجب عليه أن                      يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.ومن قائل:إن هذا الحكم فرض كفاية على أهله, فلا يجوز   للمسلم أن يدعو للخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا إذا بلغ به العلم عين اليقين, وأشهده الله مقادير      النفوس , حينئذ يدعو, ويأمر وينهى بأسلوب الحكيم .

وعندى : أن كل مسلم يجب عليه أن يدعو للخير, ويأمر بالمعروف, وينهى عن المنكر بقدر ما يعلم.             فلا يبين الحقائق التىلم يقوالناس علىاستبانتها,بل يسترهاعنهم حتى تحصل لهم العناية من الله تعالى, فيمنحهم   الله النور الذى تستبين لهم به الحقائق. أما ترك الدعوة إلى الخير,وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر,       اعتمادا على أن هذا الفرض كفاية على أهل العلم, فذلك تعطيل لسبل الله تعالى. فإن الصحابة رضوان الله         عنهم, كان الرجل منهم يجلس مع رسول اللهrالنفس أو أكثر فيقوم يدعو غيره إلى الخير بقدر ما علم, أما        _________________________

(1)     سورة آل عمران آية 110

 

 

 

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن[

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذين يكشفون أسرار الغيب لمن لم يؤهلوا فإنهم يلجئون الناس أن يكذبوا الحق.قالr:( اتحبون أن                يكذب الله ورسوله)؟

والحقيقة التى لا مراء فيها أن الله تعالى منح كل مسلم أقبل عليه بقلبه لسان حكمة, ونورا تستبين له به           سبل الله, وحالا عليه يمكنه أن ينوع بها أفكار العالم. فإن المراد من الدعوة هو تنويع الأفكار,وما من مخلص    تجمل باصدق مع الله تعالى, إلا ألقى الله عليه محبة منه, حتى لو أخطأ فى البيان يلهم الله السامعين الصواب     فى العمل والفهم. إلا من جعل الدعوة إلى الخير لطلب الدنيا, فإنه يفسد من اعتقد فيه, ويضل من اهتدى          به. وما ظهرت التفرقة فى أمة محمدrوالاختلافات التى أودت بهم إلا من دعاة الجهالة, الذين يطلبون            الدنيا بعمل الدين, ‘اذنا الله وإخواننا المسلمين من تلك الفتنة العمياء الصماء, إنه مجيب الدعاء.

 

]وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[الإشارة عائدة إلى من فرض الله تعالى عليهم الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف        والنهى عن المنكر.]الْمُفْلِحُونَ[الظافرون بكل مقاصدهم. ومن المقاصد: طلب الثواب, وطلب الجنة,                 وطلب الرضوان الأكبر, وطلب الله فرارا من جميع من سواه إليه جل جلاله. فمن أعانه الله على ما كلفه به,       وطلب الجنة نالها, أو مقعد صدق فاز به,أو الرضوان الأكبر منحه, أو طلب الله أكرمه الله بأن يقربه   ويرفعه لديه.

قوله تعالى:وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُالْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ                         لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌp105i

 

لما كان سبيل نيل السعادتين والفوز بالحسنيين من أعظم نعم الله علينا, فقد تفضل الله سبحانه وتعالى            بتفصيله تفصيلا جعله مائلا أمام النفس بالآيات السابقة. ولما كان الإنسان-مهما بلغ فى الطهارة والإقبال          على الله- فإن البشرية لا تفارقه أبدا. وإذا كان الأمر كذلك, فالواجب عليه أن يديم مراقبة الله تعالى,            ومجاهدة نفسه فى ذاته جل جلاله, رعاية لحكمة أحكام الله, حتى لا يفسد العدو عليه عقيدته وحسن توكله          على الله ,ولايمزج الهوى بالإخلاص فى عمله فيسلبه الخشية من الله والرغبة فيما عنده, بل ولا تقوى نفسه       السبعية عليه فتهوى به فى مهاوى الإنتقام من الناس, والحسد لهم, والطمع فيما فى أيديهم. ولا تقهره نفسه         الشهوانية فتوقعه فيما حرم الله تعالى من حيث لا يعلم, حتى قد يقع فيما حرمه الله تعالى, وهوبتسليط             العدو عليه يرى ذلك طاعة الله , وهنا دسيسة يدسها العدو ليوقع المسلم فيما وقع فيه هو, وهى تأويل صريح    الشريعة بما يليق بالأدب مع الله تعالى , كما تأول إبليس بالقياس فقال:]أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ    وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ[(1)والسالك لا يعلم كيد العدو, ولكن الله سبحانه بين لنا تلك الحقائق بيانا جليا فى قوله          سبحانه] إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ[(2)

وبعد أن شرح لنا ما يحبه أمرا ونهيا وترغيبا وترهيبا , أتم نعمته سبحانه بقوله تعالى :]وَلاَ تَكُونُواْ               كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ[الآية . فنهانا سبحانه أن نقع فيما وقع فيه الأمم السابقة , بما جلبنا عليه من الفطر المهملة,       ________________________

(1)     سورة الأعراف آية 12

(2)     سورة الأعراف آية 27

 

 

 

 

 

 

 

قوله تعالى:وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ....(105) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالتي إذا نحن أهملنا فى جهادها ومراقبة الله فيها أدخلت العدو علينا من حيث لا نعلم, فأفسد الأحوال               والأعمال والأقوال والآراء , حتى يتمكن- أعاذنا الله منه- بفساد العقائد . والتفرقة هى الميل والانفصال         عن الجماعة, ولا تحصل التفرقة إلا بمرض قلبى ينتجه الحسد, والطمع,والكبر . والكبر : داء إبليس .          والطمع: مرض آدم عليه السلام . والحسد: خطيئة قابيل . ولا يكون المؤمن مؤمنا عند الله ورسوله إلا إذا       سلم صدره من الوغر, وقلبه من السوء , وأنزل المسلمين فى منزلة الأخوة , وسعى فى إصلاح حالهم ابتغاء    مرضاة الله تعالى . ولا يتجمل المسلم بهذا الجمال إلا بعد تزكية النفس, وتحصيل العلم الذى يعمل به ,         مجاهدا نفسه وهواه فى ذات الله تعالى .

]وَاخْتَلَفُواْ[الاختلاف هو التنافر والتقاطع . وقل أن يختلف اثنان وهما على الحق.. لأن المسلم إذا رأى            أخاه على ما لا يحبه الله , يجب عليه أن ينصره بإرجاعه إلى الحق بالحكمة التى سنها الشرع  الشريف. ولا      تسمى إقامة الحدود اختلافا ,ولا قتال الخوارج وأهل البدع المضلة خلافا. لأن ذلك فرض كفاية على من           يؤمر به.وقد وسع الله لنا فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر,إلى أن رخصت إلسنة الكذب فى الصلح بين    المتخاصمين لسلامة الصدور من الوغر, ومن وجد أخاه مخالفا للشريعة فى حكم أو رأى, فعليه أن يجتهد فى     إرجاعه بالتى هى أحسن حتى يسد باب الفتنة, ويقهر الشيطان, وينصر أخاه, ومن جهل آداب الشريعة فى        مثل تلك الأمور التى تخفى على غير العلماء الربانين, وفتح أبواب الفتنة بين المسلمين, وأوقع بينهم العدواة      والبغضاء, كان من إخوان الشياطين. وقد سرى داء الأمم السابقة حتى وقع فيه من يجهلون حكمة أحكام         الله , فكثر الاختلاف, وتقدم كثير ممن استهواهم الهوى وملكهم الشيطان بين يدى الله ورسولهr,                        وابتدعوا بدعا لا أصل لها فى الدين,بل ولم تكن فى زمن سلفنا الصالح, وياليتهم إذا نصروا آراءهم قصروها   على أنفسهم, حتى يسلم الناس من الفتن المضلة, بل أشاعوها حتى فرقوا كثيرا من المسلمين, وجعلوهم            عزين يقتل بعضهم بعضا ,ويلعن بعضهم بعضا. فأنتج هذا الاختلاف تمكين عدو المسلمين منهم ,وتسليطه        عليهم, حتى جاس الديار, وطعن فى الدين, والقوم لا يرجعون إلى ما كان عليه السلف الصالح, ولا               يعتبرون بما آل إليه أمر المجتمع الإسلامى.

ولا يزال ولن يزال هذا الاختلاف يمزق هذا الجسد, وسبب ذلك: الحسد فى العلماء,والجهالة فى أهل                   الطريق, وسعى أعداء الله الإفراج إلى إضعاف ولاة الأمور وإرهابهم, حتى انتشر الفساد, وعم البلاء, فلا       تكاد تجد مجتمعا إسلاميا فى أرض إلا وأهل العصبية منهم يشتغلون بالسيادة والرياسة, يناوئ كل فريق         صاحبه بعصبية وقوة, بذلك يمكنون الأعداء منهم ويسلطونهم عليه, كل تلك البدع السيئة, والاختلافات         المبيدة للأمم لم تكن عن جهل, بل كانت بعد كشف الحقائق جلية بدليل قوله تعالى:]مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ   الْبَيِّنَاتُ[أى : من بعد أن جاءتهم الأدلة, والحجج والبينات الموضحة للحقائق على لسان الرسل صلوات الله       وسلامه عليهم, مما أنزله الله تعالى فى كتبه السماوية. ومن أجل تلك البينات ما أنزله الله تعالى على إبراهيم       وموسى وعيسى من إثبات نبوة محمدr, وأنه خاتم الأنبياء, أى لا نبى بعده, وأنه يأتى مصدقا لجميع           الرسل من قبله. وما أنزله عليه من أخبار الرسل السابقين , مما لا يعلمه إلا أحبارهم, والرهبان من              النصارى, فلا يعلمه عامة اليهود ولا النصارى . فكيف يحيط رجل عربى نشأ فى جاهلية عمياء صماء, ولا   علم له بالكتب السماوية, ولا بالسياسة الملوكية؟ وتلك الأسرار مما كتمه علماء اليهودية والنصرانية              وغيروه , مما فى التوراة والإنجيل, ولكن الله كشف الستر عنهم , وأوحى إلى حبيبه ومصطفاهr. فأبت       .

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن[

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نفوسهم الخبيثة وأطماعهم الدنيئة إلا أن يجحدوا وينكروا, حرصا على السيادات والرياسات . والله تعالى فى     هذه الآية يوقظ قلوبنا إلى أن نحافظ على أنفسنا من أن نقع فيما وقع فيه الأمم السابقة. لأن الله تعالى بين لنا      كل البيان , حتى قامت الحجة, ووضحت المحجة على ما جاء به سيدنا ومولاناr, ومن وقع فيما                وقع فيه الأمم السابقة بعد تلك البينات الجلية, حكم عليه بما حكم الله به علىمن تفرقوا واختلفوا ممن سبقنا.       وهذا الحكم هو:]وَأُوْلَئِكَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[وهنا أسم الإشارة يعود على ]تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ[والعذاب              كما تقدم هو قهر فوق طاقة البشر. وقوله(عَظِيمٌ) أى: شديد وقعه, دائم ألمه من شدة وقعه وطول شدته,                   حيث لا شفيع ينجى منه , ولا وسيلة تخلص منه.

 

قوله تعالى:يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْوُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ                    إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْتَكْفُرُونَp106i

 

]يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ[لما كان الهم حبس القلب, وكان القلب إذا نزلت بالإنسان مصيبة                 يحبس بها فيختلط دم الوريد الأسود بدم الشريان الأبيض فتسود البشرة, فيرى السواد فى وجه الإنسان عند        همه, وإذا بشر بخبر عظيم انبسط القلب , وظهر البياض واللمعان فى وجه الإنسان . وأعظم الهموم هم يوم       القيامة, خصوصا إذا كب الكافر على وجهه فى النار , فإن وجهه- أعاذنا الله منه- يعلوه السواد                   الفحمى.وإذا أكرم المؤمن بالدخول فى الجنة,انبسط من الفرح,وعلاه نور الجنة فابيض وجهه,أخبرنا الله تعالى     بذلك بشرى للمؤمن, وإزعاجا للكافر ليرجع إلى الله تعالى, ويقبل على الإسلام. ولك أن تقول: إنه مجاز         عن سوء عاقبة الكافر وفوز المؤمن, وهو سياق عربى . وكثيرا ما نسمع من الناس تقول: فلان ابيض           وجهه, إذا ظفر بحاجته أو دفع عنه سوء. ويقولون: فلان اسود وجهه, إذا أصابته مصيبة لا قبل له بها .        نعوذ بالله من سوء القضاء وقضاء السوء. ولما كانت رحمة الله تعالى وسعت كل شئ وقد سبقت غضبه افتتح   الآية ببياض الوجه فقال:]يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ[وجعل سواد الوجه فى وسط الجملة, وبياضه فى أولها              وآخرها, ليطمئن قلوب المؤمنين ويفرحهم بالآية.

 

]فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْوُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَإِيمَانِكُمْ[الاستفهام هنا للتقريع والتهديد , والكفر هو                    الجحود بالله تعالى. وظاهر الآية أنها خاصة لمن ارتد عن الإسلام بعد إيمانه, وهم اليهود الذين كانوا يبشرون    ببعثة رسول اللهr, ويقولون للعرب: سيبعث فى هذا الزمان رسول ننصره عليكم. فلما بعثr                   كفروا, وغيروا صريح التوراة ! والذين ارتدوا بعد إيمانهم كأبيرق, وعبد الله بن أبى سلول والمنافقين معه       ولم يظهروا كفرهم . وإذا نظرنا إلى الآية نقول : إن عهد يوم]أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ[(1)وقبولنا من ربنا هو الإيمان      الذى كنا عليه. بدليل قولهr:( كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه, أو ينصرانه, أو                 يمجسانه) . وعلى هذا التأويل يكون المراد بالإيمان يوم]أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ[. وجائز أن تكون الآية حكما               على من ارتد بعد الإيمان من المسلمين وغيرهم من لدن رسول اللهrإلى يوم القيامة.]فَذُوقُواْ الْعَذَابَ       بِمَا كُنْتُمْتَكْفُرُونَ[أى: بسبب كفركم بعد الإيمان بالله تعالى يوم]أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ[أو بسبب ردتكم عن               الإيمان بعد إقراركم .

_____________________

(1)     سورة الأعراف آية 172.

 

 

 

 

قوله تعالى:وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ...(107) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

قوله تعالى:وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَاخَالِدُونَp107i

 

الواو هنا للعطف]وَأَمَّا[للشرط والتفصيل, وجملة:]الَّذِينَ[الخ, معطوفة على الجملة السابقة.                     ]ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ[فقد بينت بياض الوجه. وقد ورد فى القرآن آيات كثيرة دالة على هذا المعنى,                بألفاظ متغايرة, كقوله تعالى:]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ[(1)وقوله تعالى:]وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ        نَّاضِرَةٌإِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[(2).] فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَاخَالِدُونَ[يعنى أن الذين منحهم الله الاستقامة  والتقوى , فداموا على ما كانوا عليه من كمال الإسلام والإيمان, فهم فى رحمة الله فى الدنيا والآخرة. ورحمة        الله فى الدنيا هى الاستقامة, والمحبة, والإيثار, والتوبة, والاستغفار, والتوفيق لمحاب الله ومراضيه. وفى       الآخرة هى العفو,والمغفرة,وقبول التوبة, ودخول الجنة, والرضوان الأكبر, والأنس بمشاهدة وجه الله           تعالى بدليل قوله تعالى:]فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ[أى: أن الله أكرمهم بالدخول فى رحمته الواسعة, وتفضل               عليهم بالدخول فيها. وجواب شرط]مَّا[فى الآيتين محذوف, وتقديره فى الأولى : فيقال لهم: أكفرتم بعد         إيمانكم. وفى الآية الثانية: فيقال: هؤلاء فى رحمة الله هم فيها خالدون. ويكون تأويل الآية على ذلك:             وأولئك لهم عذاب عظيم , يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.

 

قوله تعالى:تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُيُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَp108i

 

]تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ[الإشارة عائدة إلى ما بينه الله تعالى فى الآيات السابقة من ذكر               أحبار اليهود وأهل الكتاب, ومن سوء أعمالهم,وما توعدهم به من اسوداد الوجوه والخلود فى نار جهنم,          ومن إخباره سبحانه وتعالى عن المؤمنين الذين قبلوا ما جاءهم به حبيبهم محمدr, وسارعوا إلى العمل به,       وما وعدهم به من بياض وجوههم, ومن فوزهم بالنعيم المقيم والحسنى الدائمة. ومعنى]تِلْكَ[هذه,               والعرب تضع تلك موضع هذه فى اللغة الفصحى.

]وَمَا اللّهُيُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ[معلوم أن الإرادة نوعان: إرادة مكونة, وإرادة محبوبة. فالإرادة المحبوبة          كما فى هذه الآية, وكما فى قوله تعالى:]يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ[(3)وقوله تعالى:]يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ   وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[(4)وقوله تعالى:]إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ[(5)وفى هذه                الآيات]يُرِيدُ[أى: يحب. فالإرادة المحبوبة وقد لا تكون . أما الإرادة المكونة فهى القدر النافذ                    الذى لابد من وقوعه . وهنا نفى الله حب الظلم للعالمين, لأنه سبحانه وتعالى تنزه عن الظلم. فهو لا يحب        الظلم من نفسه فكيف يحبه من غيره؟!! فتعسا للظالمين. والظلم وضع الشئ فى غير محله. وأحكام الله           السابقة التى هى سعادة المؤمنين بالنعيم الأبدى , هى فى الحقيقة وضع الشئ فى محله, وبها صلاح العالم         أجمع. إذا فهمت ما قررت لك تحققت أن الله تعالى لم يرد الظلم, وهو مستحيل على جنابه العلى جل             جلاله, إذ هو المبدع للكائنات المالك المطلق لها .

_________________________________

(1) سورة عبس آية 38-39                                (4) سورة البقرة آية 185

(2) سورة القيامة آية 22-23                                (5) سورة الأحزاب آية 33

(3) سورة النساء آية 28

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن[

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى:وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُالأُمُورُp109i

 

لما أن أخبرنا الله تعالى أنه لا يريد ظلما للعباد, بعد أن حكم على الكفار باسوداد الوجوه والخلود فى النار,       وحكم لأهل الإيمان ببياض الوجوه وخلودهم فى النعيم المقيم , بين حقيقة استحالة الظلم منه لهم سبحانه بهذه       الآية التى هى الحجة البالغة,لأن من له ملك السموات والأرض له التصرف سبحانه بما شاء, وكيف شاء.        لأنه يتصرف فى ملكه وتصرفه فضل وعدل. لا ليمنع عن نفسه ضررا يلحقه, أو يجدى منفعة لا غنى له      عنها, وتنزه ربنا وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وهو سبحانه الذى خلق الكون من العدم, وخلق ما فيه, بل        وخلق أعمال الخلق أجمعين, وفى قوله تعالى:]وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ[دليل على أنه الأول       قبل كل شئ.]وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُالأُمُورُ[دليل على أنه جل جلاله هو الآخر بعد كل شئ. قال سبحانه             وتعالى:]وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ[(1)وقال تعالى:]لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ[(2)وقال              جلت قدرته:]أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ[(3)فأثبت جل جلاله أن السموات والأرض له          جل جلاله, وأنها مملوكة له تنزهت ذاته, وأن من فيها وما فيها مملوك له. فمتى ينسب إليه الظلم, والكل          ملكه, والكل له, والكل إليه, والكل منه؟! وفى ذكر الاسم الشريف بلفظ الظاهر فى الآية الثانية إشارة إلى          أن افتتاح الوجود من الله, وأن مرجع جميع الوجود إلى الله جل جلاله, وأن ظهور الكون مظهر للرب               سبحانه, ولفظ الجلالة علم على الذات المقدسة, وما عداه من الأسماء يخبر به عنه, ومتى وصل العبد           السالك إلى معرفة الله , شغل عن جميع الموجودات من أعلى مرتبة بالحيرة فى ذات الله.

وفى هذه الآية إشارة لو ذاق حلاوتها السالك لأفرد الله تعالى بالقصد دون غيره. ولهذا الاسم الشريف            عند العارفين جواذب حب تجعل ألسنتهم رطبة بذكره, بعد كمال السلوك, وقوله تعالى : ]فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ[(4)برهان حق على ذلك. قال أمير المؤمنين على عليه السلام فى حديثه الطويل:"( من وصفه فقد عده,         ومن عده فقد حده, ومن حده فقد كفر به).]وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُالأُمُورُ[ليس المراد من قوله تعالى :                 ]وَإِلَى اللّهِ[أن الله تنزه وتعالى فى مكان يعود فيه إليه الخلق كما هو ظاهر المعنى]َإِلَى[ولكن المعنىأن الله         يرجع الخلق بالقهر إلى مكان ينفرد الله تعالى بتنفيذ إرادته, ومشيئته التى قدرها على الخلق, فلا يكون           لأحد ما إرادة ولا مشيئة. بل يتجلى بجلاله ربا قادرا قهارا, ويظهر الخلائق جميعا عبادا مقهورين, وخلقا            مربوبين. ينفذ فيهم سبحانه وتعالى ما قدره عليهم أزلا بسبب عمله, ويقضى فيهم ما شاء أن يقضيه, مما        وعدهم به, للمحسن منهم جزاء إحسانه وزيادة تفضلا منه وإكراما, وللمسئ إساءته لنفسه وظلمه لها عدلا          منه جلت قدرته.

وفى هذه الآية معنى قوله تعالى:]مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ[(5)أى: أنه الملك المطلق فى هذا اليوم لانكشاف                الحقائق جلية, حتى يثبت لدى كل مخلوق أنه عبد مقهور, ليس له وجود بنفسه كما كان يعتقد فى الدنيا, بل         ليس له ملك ينازع فيه ربه لجهلة بالحقيقة فيها. وفى هذا اليوم يفرح المؤمنون بفضل الله وبرحمته. ويفرح    

_______________________________

(1)     سورة آل عمران آية189.

(2)     سورة البقرة آية 284.

(3)     سورة يونس آية 66.

(4)     سورة الذاريات آية 50 .

(5)     سورة الفاتحة آية 4.

 

 

 

قوله تعالى : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ... (110) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالمذنبون ـ أمثالى ـ بعفوه ، ومغفرته ، وإحسانه .وتسود وجوه الكافرين المنافقين أهل الشك والريب . وفى     هذا المقام تتحقق الآية الشريفة وهى قوله تعالى:]وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا[(1)فإذا كب على               وجهه فى نار جهنم,تمنى أن يكون عدما. ومن سبقت لهم الحسنى من الله فقه هذه الآية, فحافظ على رعاية        أحكام الله.

وإنما تمنح المقامات العلية بالرعاية لا بالدراية ولا بالرواية, وليس من خزن العلم فى قلبه فصار كالقمطر,       كمن منح علم الرعاية فراقب الله فى كل شأن من شئونه. وكان السلف الصالح إذا أخبر عن العلماء قال          الرجل منهم:فلان عالم, وفلان خزانة علم. و(الأمور) جمع أمر, والمراد به هنا حقائق الخلق وأعمالهم           محفوظة صورها الحقيقية فى طائر كل مخلوق, بدليل قوله تعالى: ]يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ         وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ (2)وبدليل قولهr:( إذا تاب العبد أنسى الله الحفظة ذنوبه وأنسى                     ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب) . فدل ذلك أن الكون كالمرآة            الصقيلة, وإن كانت أمامنا غير صقيلة: فلا يحدث إنسانا حدثا فى أى مكان إلا وصورته تحفظ فى هذا             المكان, فتشهد بعمله يوم القيامة. فإن قدر الله له المغفرة والعفو والإحسان ستر الله تلك الحقائق عن الحفظة       وغيرهم من باب أولى. أما الأحداث التي تحدث والمعاصى والخطايا التى وقعت من الإنسان فإنها لا تتغير,         ولا تمحى, ولكن الله تعالى ستار يستر ما شاء من خطايا الإنسان بعفوه, ويبدله بإحسانه, بدليل قوله              تعالى: ]فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ[(3)

 

قوله تعالى : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَبِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ                                              وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَأَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ                                                   وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَp110 i

 

 

بعد أن بين سبحانه وتعالى أن السموات والأرض له جل جلاله, وأن الأمور كلها راجعة إليه, تنزهت           ذاته, فبشر أهل الإيمان بعلى مقاماتهم عنده تبارك وتعالى, وبإنزالهم منازل الأنبياء الذين بعثهم الله لهداية        عباده فقال:]كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[والجملة مستأنفة. وكان هنا تفيد حصول شئ فى الزمن            الماضى, ولا تفيد انتهاءه, ولا تفيد أن هذا الفضل العظيم تغير عن هذه الأمة. كما قال تعالى:]وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا[(4)وهو جل جلاله لا يزال غفورا رحيما أبد الآبدين , حكم سبحانه بخيرية الأمة الإسلامية,      ولا يزال ولن يزال هذا الحكم ثابتا لها أبدا, وتخصيص بعض المفسرين بما نقله من الروايات , من أن تلك        الخيرية للمهاجرين إلى المدينة من الصحابة رضوان الله عليهم, أو لقوم بأعيانهم منهم, فذلك تأويل لما خصهم      الله من الفضل على التابعين إلى يوم القيامة,وفضلهم رضى الله عنهم بينه القرآن المجيد بالثناء عليهم ومدحهم    وهذا الفضل العظيم لا يمنع من تفضل الله على بقية الأمة من إثبات الخير لهم إلى يوم القيامة,وعلى تأويل أن    كان تامة, يكون]خَيْرَ أُمَّةٍ[حالا, وسيان أن يقول تعالى:]كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ[من حيث الشمول لأن كان               _________________________________

(1)     سورة النبأ آية (40)

(2)     سورة النور آية(24)

(3)     سورة الفرقان آية(70)

(4)     سورة الفرقان آية(70)

                        

 

 

 

] أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا تقتضى انقطاع الحكم بعد المهاجرين أو الصحابة رضى الله تعالى عنهم جميعاً ، ودليل ذلك قوله سبحانه:           ]تَأمُرُونَ بِآلمَعَرُفِ وَ تَنهَوَنَ عَنِ آلمُنكَرِ [لأنها تتضمن الحكمة فى إثبات الخيرية لهم.

.

والأمر بالمعروف هو الحث على ما أمرت به الشريعة، مما فرضه اله، ورغّب فيه، ودعى إليه. والنهى عن        المنكر غير مقبول من الدعاة؛ إلا إذا كان بأسلوب الحكيم، وبرعاية مقتضى الزمن، حتى تنتج النتيجة            المطلوبة  منه بتنوع أفكار من يدعون، وقد يحرم على من لم يجمله اله بأخلاقه العلية أن يدعو ، لأن دعوة        هؤلاء تفرق الأمة، وتمزقها أيدى سبأ فتشب نار الفتنة. وإنه فى هذا الزمان يجب علينا جماعة المسلمين أن       نراعى مقتضى الوقت رعاية تجمع شتات المسلمين، بل يجب على كل مسلم أن يأمر بالمعروف، وينهى عن         المنكر، بقدر علمه بحقائق الخير المعروف والمنكر المبغوض. ولا يتجاوز ذلك ؛ لينال رضوان الله الأكبر.         وأنما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر رجال وقع بهم العلم على عين اليقين، فكاشفهم الله بجواهر النفوس،     وبأمراضها، وأسلوب علاجها. ومن قرأ سَيْرَ الأنبياء علم كيف ينوع أفكار أهل زمانه. هذه الآية                    أقامنا الله فيها مقام الأنبياء الذين بعثهم الله تعالى إلى الأمم لدعوتهم إلى الحق، ولو تدبر المسلم معنى هذه الآية  لتضاءلت الدنيا ونعيمها فى عينه، وشكر اله تعالى على ما أقامه فيه، لينال بعد علم اليقين ، التى                    يكون فيها وارثا لرسول الله r.                   

.

]وَتُؤمِنُونَ بِآللهِ [وهو الأصل العلى، وما سواه من المقامات العالية فروعه. لأن المقصد فى هذه الآية              حث الهمم على المسارعة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يكون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلا     بعد كمال الإيمان فى قلب المسلم. وجائز أن الله تعالى ذكرها بعد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ ليبين            لأهل الكتاب أن الإيمان هو أصل السعادة فى الدنيا والآخرة. قال سبحانه وتعالى: ]إنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن               يُشْرَكَ بِه وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ [(1).

.

]وَلَو ءَامَنَ أَهَلُ آلكِتَبِ لَكَانَ خَيراً لَّهُم [هذه الآية الشريفة حكمت على أن نيل الخير فى الدنيا                       والآخرة متحقق بالإيمان وأن الشقاء فى الدنيا والآخرة بالكفر.(وَلَوْ )هنا على بابها. (وَلَوْ ) تضمنت             معنى القسم بدليل لام القسم بعدها.]ءَامَنَ أَهْلُ آلكِتَبِ [يعنى صدقوا بما أنزله اله تعالى على حبيبه محمد            r، والمراد بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى. ]لَكَانَ خَيراً لَّهُم [أى: لفازوا بالخير فى الدنيا؛ من                 العافية ووسعة الأرزاق، والنصرة على الأعداء، والأمن. وفى الآخرة بالفوز بنعيم الروح فى عليين، ونعيم          الجسم والروح فى فردوس الله الأعلى، والسلامة من فتن القبر، ومن مناقشة الحساب يوم القيامة. لأن              للمؤمن يقينا يجعل له عبادة قلبية كعبادة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، التى هى انتظار الفرج، فلا ترى        مؤمنا إلا وصدره فرح، وقلبه مطمئن بنيله الخير الذى يعتقد أنه سعادة له فى العاجل والآجل، كما قال علىّ          عليه السلام: (( فإن المؤمنَ كالفالج الياسر، ينتظر إحدى الفوزتين من قداحه )) وعندى: أنه قد ينال                 الحسنيين فى الدنيا والآخرة، وقد يؤجل الله الحسنى العظمى ليوم القيامة.

.

]مِنّهُمُ آلَمُؤَمِنُونَ [فالمؤمنون من اليهود كعبد الله بن سلام وأخيه، وثعلبة وأخيه، وكالنجاشى وغيره،               ومن أسعده الله فآمن فى عصر رسول الله r. ]وَأَكَثَرُهُمُ آلفَسِقُونَ [أثبت اله تعالى أن أكثر أهل                  

ـــــــــــــــ

(1)     سورة النساء آية 48.

 

قوله تعالى:لَن يَضُرُّوكُمَ ... (111)آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب فسقوا، والفسق هو الخروج، يقال: فسقت الحية، أى: خرجت من ثوبها. كما يقال: فسقت                       الدجاجة: أى: أخرجت فراخها. والفسق هنا هو خروجهم من الدين الذى ينتسون إليه بالباطل، وذلك                      لأنهم غيّروا التوراة والإنجيل كفرا بالله، وحسدا لرسول الله عليه الصلاة والسلام؛ فكانوا كفارا بموسى                  وعيسى عليهما الصلاة والسلام، ثم ازدادوا كفرا بإنكارهم نبوة خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام.

.                                                                                         

قوله تعالى:  لَن يَضُرُّوكُمَ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَتِلُوكُم يُوَلُّوكُمُ آلأَدبَارَ ثُمَّ لاَ                                                                        يُنصَرونَ p111i

]لَن يَضُرُّوكُمَ إِلاَّ أَذًى [هذه الآية معجزة من معجزات القرآن ـ وكله معجزات ـ وهى بشرى لنا،                    لأن الله تعالى بين لنا أن أهل الكتاب لا ينفكون يحاربوننا فى ديننا، ولكن الله حفظنا منهم، وجعل حربهم               عليهم، وعصمنا من أن ينالنا منهم إلا أذى من سب أو قذف أو جدل. وهنا لقائل أن يقول: إن النصارى                 من أوربا قد أضرونا، فكيف يكون الجمع بين خبر الله وبين الواقع ؟ والجواب: أن اله تعالى يقول: ]وَلَن            يَجْعَلَ آللهُ لِلكَفِرينَ عَلَى آلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [(1)وعلى المتعرض أن يثبت أن رجلا من المسلمين أصابه ضرر من          الكافرين، أو أحَس بضررهم ولو أنهم مزقوا جسمه. لأن المؤمن يرى ذلك جهاداً فى سبيل الله، وفوزا                 بالشهادة عنده. أما الذين يوالونهم معتقدين أنهم مؤمنون؛ متأولين أنهم مستضعفون فى الأرض، فهؤلاء                  ليسوا بمؤمنين. وصدق الله العظيم، وكذب كل متأول مخالف لصريح القرآن الكريم.        

.

]وَإِن يُقَتِلُوكُم [يبشرنا ربنا جل جلاله فى هذه الآية، وافتتحها بإن الشرطية، إشارة إلى أن مقاتلتهم لنا                   قليلة، لما أظهره اله تعالى من المعجزات، والكرامات الظاهرة لسلفنا الصالح، أيام كانوا على الإيمان الكامل،           حين ألقى الله الرعب فى قلوب أعداء الإسلام، وجمل المسلمين بالهيبة والإقدام على عظائم الأمور نصرة              للحق.

.

]يُوَلُّوكُمُ آلأَدبَارَ [أى: ينهزمون أمامكم، والمنهزم يعطى ظهره للمطارد له. ]يُوَلُّوكُمُ آلأَدبَارَ [                         أى: يعطوكم ظهورهم، وذلك مما يليقه اله فى قلوبهم من الرعب، وما يمد الله به المسلمين من التأييد                  بالملائكة الذين يراهم الكفار فى صور الأناسى، يفتكون بهم فتكا.

.

]ثُمَّ لاَ يُنصَرونَ [أى: أنهم بعد هزيمتهم أمامكم يجتهدون أن يكيدوا لكم بجمع الجموع، فيخذلهم الله                    ويذلهم، ولا يجدون ملجاً يلجأُون إليه، ولا قوة يستعينون بها عليكم، وهذا خبر من الله لأهل الإيمان به،                الذين حافظوا على آداب الكتاب والسنة، ولم يخرجوا عن أصول الأمن.

.                                                          

أما الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وأحزابا، يتنافسون فى الدنيا رياسة ووظائفا، فليسوا ممن أخبرهم الله                  بهذه البشرى. لأنهم لو كانوا على ما كان عليه سلفنا الصالح لما سلط اله عليهم أهل الكتاب من النصارى              واليهود. فإنا نرى كل مجتمع إسلامى قد تسلط عليه دول الظلم من الإفرنج النصارى ومن الأذلاء اليهود.              وها نحن فى كل مجتمع نرى العزة التى كانت تبدلت بذل، والسلطان الذى كان لنا تبدل باستعبادنا، وبعد أن           ـــــــــــــ

(1) سورة النساء آية 141.        

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان النصراني واليهودي أرقاء يباعون فى بلادنا، أو أهل ذمة يدينون لنا، أصبحنا نراهم سادوا وشادوا                 وتمكنوا منا !! وأصبح المال فى أيديهم، والسلطان لهم، وذلك بمخالفتنا لسنة رسول الله r، ولا حول ولا              قوة إلا بالله، قال تعالى: ]إِنَّ آللهَ لاَ مَا يُغَيَّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيَّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [(1).

.

والرجوع إلى هذا المجد سهل علينا إن شاء الله، ولا يكلفنا إلا الرجوع إلى الرجوع إلى ما كان عليه سلفنا الصالح،         والثقة بالله، والعمل بسنة رسول الله، وإصلاح ذات بيننا، والنظر إلى جميع المسلمين بعين الرحمة والعاطفة،            وبر الوالدين، وصلة الرحم، وتعظيم الكبير منا، واحترام مساوينا، ورحمة صغيرنا، وحب إخوتنا، وإيثار               المسلمين بالخير، وبغض غير المسلمين ـ ولو بذلوا لنا ما فى وسعهم ـ معاملة لله ولرسوله r، وشكرا له             سبحانه حتى يمنحنا المزيد منه. وبهذا التقرير ثبت أن الله تعالى وعد بهذه البشرى أهل طاعته. فإن الإيمان             قول وعمل واعتقاد: فمن اعتقد ولم يقل فهو كافر، ومن اعتقد وقال ولم يعمل فمنافق، ومن عمل وقال ولم                 يعتقد فهو منافق أيضا وضال مضل. ولو أن أربعين رجلا من المسلمين كانوا على قلب رجل واحد من                 السلف الصالح لما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، قال تعالى: ]وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم                  مُّشْرِكُونَ [(2).

.

وقد عَلمتَ أن ترك صلاة العشاء والصبح فى جماعة نفاق، فإن النفاق قد يكون عمليا واعتقاديا: فالعملى                   وترك أداء الواجبات الشرعية فى أوقاتها، وهو من الخطايا. والنفاق الاعتقادى أن يكفر بقلبه ويظهر الإيمان            بجوارحه وهو الكفر الصريح، بل أشد من الكفر. فإن الكافر عَلَمَه المؤمن فاتقى شره، أما المنافق فالشر كله             منه، وإن من النفاق العملى الذى يوقع فى الكفر أن يطلب الرجل الدنيا بعمل الآخرة، ويظهر للناس الصلاح            والتقوى، ويخفى فى قلبه الطمع والشر، ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه، قال تعالى: ]إِنَّهُ يَرَكُم هُوَ                 وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُم [(3)يعنى أن هذا المنافق الذى يطلب الدنيا بعمل الآخرة يراه الناس مؤمنا وليًّا،              ويراه الله كافرا غويًّا، وهو الشيطان الذى أخبرنا الله عنه أنه يرانا مخدوعين وغرورين، فينهب أموالنا،                ويكشف عوراتنا، ونحن نراه وليًّا صالحا، وهو عند الله خبيث. إذن لا وجه لمعترض أن يقول: ]وَإِن                 يُقَتِلُوكُم يُوَلُّوكُمُ آلأْدْبَارَ ثُمّ لاَ يُنصَرُونَ [ونحن نرى المسلمين يفرون أمامهم، فنقول: إن كل من انهزم                   أمام الكفار فليس بمؤمن.

.

قوله تعالى:ضُرِبَتَ عَلَيَهِمُ آلذّلَّةُ أَينَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبلٍ مِّنَ آللهِ وَحَبلٍ مّنَ آلنَّاسِ وَبَآءُو                               بِغَضَبٍ مِّنَ آللهِ وَضُرِبَت عَلَيَهِمُ آلمَسكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُم كَانُواْ  يَكَفُرُونَ  بِايَتِ آللهِ  وَيَقَتُلُون                                 آلأَنَبِيَآءَ بَغَيرِ حَقًّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعتَدُونَ p112i

.

معنى ((  ضُرِبَتَ عَلَيَهِمُ )) أى: لزمت. كما يدك الإنسان الشىء فى الشىء فيضرب عليه (آلذّلَّةُ) الذَّلة                     بكسر الذال هى الذل، والذلة التى ذكرها الله هنا هى أنواع كثيرة: منها اضطرارهم للمسلمين، واحتياجهم                 إليهم، وظهورهم بمظهر المسكنة والخزى والصغار، وضرب الجزية عليهم، وتمزيقهم فى البلاد أيدى سبأ من           ـــــــــــــــ

(1)     سورة الرعد آية 11.

(2)     سورة يوسف آية 106

(3)     سورة الأعراف آية 27.

 

قوله تعالى:ضُرِبَتَ عَلَيهِمُ آلذِّلَّةُ 0000(112) آل عمران  

ــــــ
غير أن يكون لهم وال ولا أمير. ]أَينَ مَا ثُقِفُواْ [أى: أينما وجدوا وحلوا. وفى هذه البشرى بانتصار                  الإسلام وتمكينه فى الأرض وعزة المسلمين.

.

]إِلاَّ بِحَبلٍ مِّنَ آللهِ [والحبل هنا هو العهد، وهو العصمة من الله لهم بإنزال الأحكام التى تبيح لنا أخذ                     الجزية منهم وإبقاءهم أحياء، فإن الحكم الشرعى أولا كان: القتل أو الإسلام. ثم وسع الله الأمر؛ فجعل                 الحكم: الإسلام أو القتل أو الجزية، والاستثناء هنا متصل، والمراد منه أن ذلة القتل ترفع عنهم بالجزية،               وتدوم لهم أنواع الذل الباقية التى ذكرت قبل، وليس الاستثناء لرفع كل أنواع الذل عنهم. وما وجدت أمة               مسلمة متمسكة بالكتاب والسنة إلا وكان النصارى واليهود إما أرقاء لهم يُباعون ويُشترون، أو أهل ذمة                  يكلفون بدفع قليل من أموالهم جزية، حتى لا يتناسوا ذلهم بسبب دينهم. والله تعالى أسأل أن يعيد لنا مجد                سلفنا الصالح بتوفيقه لنا من القيام بمحابه ومراضيه.

.

]وَحَبلٍ مّنَ آلنَّاسِ [والحبل من الناس هو تنفيذ أحكام الله التى ينزلها رحمة منه، بترغيب اليهود فى                    الإسلام، ولكنهم ـ قاتلهم الله ـ هم كما قال تعالى: ]ضُرِبَتَ عَلَيَهِمُ آلذّلَّةُ أَينَ مَا ثُقِفُواْ [فلا يزالون أشد                الناس عداوة للمسلمين، وأحرص على كيدهم، وآثارهم ماثلة أمام أعيننا بفلسطين. فجدد الله للمسلمين ما                 كان لسلفهم، حتى نكون على الإيمان الكامل، فيمنحنا الله تعالى العزة، ويمكن لنا فى الأرض بالحق، فيعود               الخزى والذل والضغار على اليهود كما كان، إنه مجيب الدعاء.

.

]وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ آللهِ [يقال: باء بالمكان: سكن فيه ولزمه. والمعنى فلزمهم غضب من الله، كما                    يقال: تبوأ الرجل المكان. وقد تقدم معنى هذه الآية فى سورة البقرة.

.

]وَضُرِبَت عَلَيَهِمُ آلمَسكَنَةُ [المسكنة: هى البلاء الذى يلزم الإنسان التراب، فيسكن إليه. ومنها:                        المسكين. كما أن الفقر هو كسر فقار الظهر، الذى يلزم الإنسان السكون إلى التراب، أعاذنا الله تعالى.                  وهى بشرى لنا بعد بشرى، وتحقق تلك البشائر برجوعنا إلى ما كان عليه سلفنا. ومن دلائل إيمان الأمة أن            تكون فى عزة بالله على أعدائه جميعا. وسبب نزول هذه الآية خاص بأهل الكتاب لارتباط الآيات بعضها              ببعض، ولكن الحكم عام لجميع من كفر بالله تعالى، لا فرق بين أهل الكتاب وغيرهم فيه.

.      

]ذَلِكَ بِأَنَّهُم كَانُواْ يَكَفُرُونَ بِايَتِ آللهِ وَيَقَتُلُونَ آلأَنَبِيَآءَ بَغَيرِ حَقًّ [سبق أن الله تعالى أخبرنا بقوله:                      ]كُنتم خَيْرَ أَمَّةٍ أَخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [وبين لنا حكمة ذلك بقوله: ]تَأْمُرُونَ بِآلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ آلْمُنْكَرِ                   وَتُؤمِنُونَ بِاللهِ [وهنا أخبرنا سبحانه أنه ضرب الذلة والمسكنة على اليهود. وأنهم باءوا بغضب من الله. ثم بين          سبب ذلك بقوله: ]ذَلِكَ بِأَنَّهُم كَانُواْ يَكَفُرُونَ بِايَتِ آللهِ وَيَقَتُلُونَ آلأَنَبِيَآءَ بَغَيرِ حَقًّ [واسم الإشارة هنا                    عائد على ما تقدم فى الآية السابقة من ضرب الذلة والمسكنة، وأنهم باءوا بغضب من الله. والكفر بآيات الله              جحودها وإنكارها، وآيات الله ما أنزله من كتبه السماوية، وخصوصا فى التوارة والإنجيل من ذِكر سيدنا                ومولانا محمد r، وأحكام وبيان مقامات أنبيائه، وهو فى كل ذلك يكفرون ويجحدون. وهى الخطيئة                    التى لا يغفرها الله أبدا إذا مات الإنسان عليها.

 

 

]أسرار القرآن [  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معلوم أن قتل الأنبياء لا يكون بحق، وقد بيَّنَّا فى سورة البقرة معنى ]بِغَيْرِ آلْحَقَّ [(1)ولا يكون القتل                   بالحق إلا لمرتد أو قاتل أو زان محصن، وكان قتلهم الأنبياء للحظ والهوى، والهوى أخو العمى، كما قتل                زكريا ويحيى وغيرهما عليهما السلام. أما دعوى النصارى بأن عيسى عليه السلام صلب، فقد كذبهم الله                تعالى، وكذبهم الإنجيل الذى رواه برنابا، والحقيقة كما بينا فيما سبق أن الذى صلب يهوذا الإسخريوطى.               وقتل أنبياء الله إنما دعا إليه ما جاءوا به عليهم الصلاة والسلام، من قهر النفوس الخبيثة والنفوس الجامحة             للظلم،والتمكين فى الأرض بالحق، وقهر النفوس العنادية التى تنازع الربوبية بكيد وخدع يظهرون من نفثات           إبليس، فيفسدون العقائد، ويسيئون إلى أخلاق العالم، ويخرجون من النور إلى الظلمات ببدعهم المضلة،                 وأهوائهم المفسدة، وهم كثير. وتلك النفوس لا تمحى من على وجه الأرض، فهم فى زماننا هذا لا ينفكون              يحاربون الله ورسوله بما يخدعون به أهل الغرة من البسطاء، فيخالفون الله ورسوله، ويبتدعون بأهوائهم ما لم          ينزل الله به سلطانا.

.      

وقد كان المسلمون يدفعون شرور الصليبيين عنهم، حتى ظهرت الفتنة من أدعياء الإسلام وليسوا منه فى                 شىء، وهم طائفتان كما قال علىٌّ عليه السلام: (( إنما قصم ظهرى فئتان من الناس: عالمٌ متهَتَّكٌ، وجاهلٌ                مُتَنَسَّك )) وقد كثرت هاتان الفئتان وانتشر دعاة الصليبية بين الإسلام، فأصبح الذائدون عن حياض الكتاب               والسنة وعمل السلف الصالح؛ يسألون الله إغاثة الإسلام والمسلمين من شرور أهل البدع من المدعين الإسلام            بالباطل، ومن شر الإفرنج الذين يحاربون الدين بما ينشرونه على ألسنة جنودهم المسلحة، بما وراءهم من قوة          الحديد والنار، وبما يجدونه من مسارعة مَن فى قلوبهم مرض إلى تقليد الإفرنج. وما من آية من الآيات السابقة          إلا وجرَّت بذيلها أقواما فى تلك الأمة. رزقنا الله الرجوع إلى ما كان عليه سلفنا الصالح، حتى يعود لنا                  التمكين فى الأرض بالحق.

.

]ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعتَدُونَ [الإشارة هنا عائدة إلى ما أخبرنا الله به من ضرب الذلة والمسكنة                      عليهم، ومن كونهم باءوا بغضب من الله. كل تلك الحقائق من العذاب والنقم حكم الله بها عليهم لما نقدم                 منهم؛ كما قال تعالى: ]بِمَا عَصَواْ [أى: خالفوا ما أنزل الله على أنبيائه. ]وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ[أى:                       باعتدائهم. والاعتداء هو الخروج عن الوسط، والتصرف فى حق الغير بما لا يرضيه، ولا يوافق مصالح              العباد.

قوله تعالى:لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌيَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ                                                    وَهُمْيَسْجُدُونَp113 i

]لَيْسُواْ سَوَاء[ليسوا سواء جملة تامة، وعلى هذا يكون تاما، والمعنى: ليس اليهود والمسلمون                        سواء، وتكون الجملة بعدها خبرا عنا جماعة المسلمين. ولك أن تقول : ]مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ[بيان لـ :                           ]لَيْسُواْ سَوَاء[ويكون المراد بهذه الآية هم: عبد الله بن سلام ومن أسلموا معه من اليهود. وتكون الجملة                     المقابلة لها محذوفة للاكتفاء بتلك الآية . والمحذوف يكون: وأمة كافرة جاحدة. (أُمَّةٌ) تقدم ذكرها فى قوله                      ـــــــــــــــــــ

(1)     سورة البقرة آية 61.

قولة تعالى:يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ000 (114) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعالى: ]وَلتَكُن مَّنكُمَ أُمَّةٌ [. (قَآئِمَةٌ)القيام صادق بالمسارعة إلى العمل بكتاب الله، وبسنة رسول الله                       e، وجائز أن يكون المراد بالقيام ملازمة العمل مع الاستمرار، ومطابقة لآداب الشريعة.

.

]يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْيَسْجُدُونَ [ظاهر هذه الآية: أنهم كانوا يتلون القرآن فى الصلاة ،                        لأن السجود هنا عبارة عن الصلاة الشرعية. وعلى ذلك فإنهم كانوا يصلون العشاء الأخير فى جوف الليل،              ويصلون الصبح فى الغلس. ]ءَانَاءَ الَّيْلِ [يعنى ساعات الليل، وآناء الليل جمع آن أو أوان مقصوراً. وذلك            لأن قراءة القرآن فى الصلاة فريضة، والقرآن فيها هو الفاتحة، قال تعالى: ]وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ              وَأَنصِتُواْ [(1)أى. إذا قرأ الإمام القرآن فى الصلاة فالواجب على من يسمعه أن يستمع منه، وعلى البعيد الذى             لا يسمعه أن ينصت. والواو فى (وَهُمْ ) للحال، والجملة حالية. وكان ذلك عمل أصحاب رسول الله.                   وقوله تعالى: ]ءَانَآءَ آلَّيلِ [أى: أنهم لا ينامون الليل.

.

والحقيقة أن الله تعالى جعل لمن يصلى العشاء والصبح فى جماعة أجر قيام الليل، كما ورد فى الحديث: ( مَن            صَلَّى آلْعِشَاء وَآلصُّبْحَ فِى جَمَاعَةٍ فَقَدْ قام آللَّيْلَ كُلَّهُ ) وكما قال الله تعالى: ]كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ                             مَا يَهْجَعُونَ [(2)أى: كانوا يصلون الصبح والعشاء فى جماعة، فكتب الله لهم قيام الليل كله.

قوله تعالى:يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ                          فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ p114i

]يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [أى: أنهم يصدقون الله تصديقا يجعلهم يتمثلون حضرته، وكبرياءه، وقدرته،                           وحكمته. فيقوى يقينهم بما أخبرهم به من الغيب المصون، ويسارعون بإخلاص إلى عمل ما يحبه ويرضاه،             رغبة فى نيل رضوانه، والفرز بنعيمه المقيم يوم القيامة، وخوفا من غضبه الذى يوقع فى عذاب جهنم.                  .

]وَالْيَوْمِ الآخِرِ [لما كان اليوم الآخر هو يوم البعث الذى صدق به المسلم بحجة خبر الله تعالى عنه،                   تصديقا جعله كأنه يراه عند طاعته ومعصيته لقوة تصديقه به، حتى كأنه يرى جهنم يعينى رأسه، ويرى                 الجنة كذلك، بدليل قوله تعالى: ]كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ آلْيقينِ لَتَرَوُنَّ آلْجَحِيمَ [يعنى في الدنيا. وقال بعد                   ذلك: ]ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ آلْيَقِينِ [(3)يوم القيامة، فكأن المؤمن يرى جهنم فى الدنيا بعلم اليقين، ثم يراها يوم               القيامة بعين اليقين، وينجيه الله من عذابها. وبسبب رؤيته لها فى الدنيا ملىء قلبه خوفا من الوقوع فيما يوبقه             فيها، وإذا ضعف علمه لم ير جهنم فى الدنيا، فيرتكب ما حرمه الله تعالى من المعاصى لنسيانه يوم الحساب،            فقد يكذب، ويسرق، وينظر إلى الحرام، بل قد يرتكب الكبائر من الفواحش والخطايا، أعاذنا الله تعالى من               عمى البصيرة.

ــــــــــــــ

(1)     سورة الأعراف آية 204

(2)     سورة الذاريات آية 17.

(3)     سورة التكاثر آية 5 ـ 7.

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   والبرهان الذي يقوم على كمال الإيمان؛ هو الإيمان بيوم القيامة ودوام ذكرها قبل كل عمل من طاعات الله ،       ويبتعد عن المعاصى. ومن نسى يوم القيامة كان من أهل جهنم ولا محالة، قال تعالى: ]وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ             كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا [(1)وقال تعالى: ]بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [(2)ومسلم يعتقد أن الموت حق،                      وأن الذين سعدوا يدخلون الجنة، وأن الذين شقوا يدخلون النار، كيف لا يراقب الله تعالىّ العظيم،                        وهو يعتقد أنه القاضى يوم القيامة حصن الأمن للمسلم، ونسيان يوم القيامة هو الشقاء الأكبر. وقد بين الله               تعالى فضل الذين يؤمنون بالله باليوم الآخر فى آيات كثيرة من القرآن المجيد، وشرح لنا ما تفضل الله به عليهم         من حسن الجزاء، كما بين لنا ما يناله من نسى يوم الحساب فى آيات كثيرة من شديد العذاب، وأليم العقوبة،             والطرد والغضب، وحرمانه من شهود جمال الله تعالى.

]وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [معلوم أن الأمر بالمعروف هو أن يبين للمسلمين ما كان عليه               رسول الله rوأصحابه فى كل شأن من الشئون حتى يعمل بسنته r، وقد تقدم بيان ذلك. وأما النهى                    عن المنكر: فالمنكر ما أنكره الله ورسوله من قول أو فعل أو حال ، والنهى عنه هو تنويع أفكار الواقعين فيه             ليتركوا العمل به إنابة إلى الله تعالى.

]وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [أى: أنهم يتمثلون وقوع الموت فيحافظون على أنفاسهم قبل هجوم المنية                    عليهم، قال تعالى: ]فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [(3)فمسارعتهم إلى الخيرات حرصا على الأنفاس أن                    تصرف فى غير طاعة.

]وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [الإشارة هنا إلى من بين الله صفاتهم من الآيات المتقدمة، وهذا الحكم من الله                   تعالى شرف لمن جملهم الله بتلك الصفات، لأن الذين أخبرنا الله عنهم أنهم صالحون هم رسله وأنبياؤه عليهم             الصلاة والسلام. فقد وردت الآيات الكثيرة أن الصالحين هم رسل الله. قال تعالى مخبراً عن إبراهيم عليه               السلام: ]رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [(4): وعن يوسف عليه السلام: ]تَوَفَّنِي مُسْلِمًا                         وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [(5): وعن سليمان عليه السلام: ]وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [(6)                      فهؤلاء الأنبياء عليهم السلام سألوا الله أ، يلحقهم ويدخلهم فى الصالحين، والله تعالى يخبرنا أن من وفقهم لما              مدحهم به من الصفات هم من الصالحين. وكفى بهذا الخبر من الله شرفا ورفعه لهم، جعلنا الله منهم.                    والصالحون عند الله تعالى ضنائنه الذين أفرادهم لذاته، وأقامهم خلفاء عنه فى الأرض؛ لإعلاء كلمته، وبيان           محابه ومراضيه. رضى الله عنهم وعنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     سورة الجاثية آية 34.

(2)     سورة ص آية 26.

(3)     سورة البقرة آية 132.

(4)     سورة الشعراء آية 83.

(5)     سورة يوسف آية 101.

(6)            سورة النمل آية 19

                                          قوله تعالى :وَمَا يَفَعَلوُاْ مِنَ خَيَرِ000(115) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله تعالى :وَمَا يَفَعَلوُاْ مِنَ خَيَرِ فَلَن يُكَفَرُوهُ وَآللهُ عَلِيهمُ بِآلمُتَّقِينَ  p115i

معنى هذه الآية الشريفة: أن الله يطمئن قلوب من وفقهم للقيام لحضرته بما وصفهم به من الأمر بالمعروف                والنهى عن المنكر، والإيمان بالله ، أنه عليم بكل أعمالهم التى يعملونها بقلوبهم وجوارحهم فى السر والعلانية            لا يخفى عليه شىء منها، وأنه تبارك وتعالى متفضل وعدل فى أحكامه. فيوفق لطاعته من يحبه ثم ينسب العمل           إليه فضلا منه، ثم يحسن إليه بأن ينعم عليه بخير جزاء على العمل بعلمه. سبحانه، وهو جل جلاله كما أنه عليم           بالمتقين خصوصا؛ فإن خبره هذا بشرى تقوى بها هممهم بالإقبال على الله، وبمجاهدة النفس فى ذات الله.                وهو عليم بغير المتقين، وتخصيص المتقين هنا للعناية بهم، ولرفعة قدرهم فى الدنيا والآخرة. فإن المسلمين إذا           رأوا من جمله الله بهذا الجمال يعظمونه، ويجلونه، ويسارعون فى مساعدته والانقياد له فى الدنيا، وأنه                    سبحانه يرفعهم ويكرمهم بأن يجلسهم على منابر من نور قدام عرشه.

وجائز لك فى قراءة هذه الآية أن تقول: ]ومَا يَفْعَلُوا مَنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ [بالياء في الفعلين على سياق                  الغيبة خبرا عمن أثنى الله عليهم بالصفات الممدوحة المتقدمة، وتقرأ بالتاء: ]وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن                     تُكْفَروهُ [على سياق الخطاب لهم، ويكون المخاطبون هم من مدحهم الله بتلك الصفات المحبوبة لحضرته                العلية. ومعنى:]فَلَن يُكْفَرُوهُ [أى: فلن يجحدوه، ولن يحرموا ثولبه وجزاءه الحسن؛ لأن الله ذو علم به،                 قال تعالى: ]وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [(1).

قوله تعالى:إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ                             أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  p116i

بعد أن ذكر الله الكافرين وسوء أعمالهم، والمؤمنين وما تفضل به عليهم من القيام لله بما يحبه ويرضاه،               بشر المؤمنين بقوله:]وأُوْلَئِكَ مِنَ آلصَّلِحِينَ [وبأنه عليم بالمتقين، وبأن ما يعملونه مما يحبه لن يكفروه . ثم          بين سبحانه وتعالى ما حكم به على الكافرين جزاء كفرهم، ومحاربتهم الله ورسوله.

 ]إِنَّ آلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغَنِىَ عَنَهُم أَموَالُهُم مَّنَ الله شَيئاً [وسبب نزول هذه الآية: أن اليهود                                        كانوا مغرورين بأموالهم وأولادهم، فأذلهم الله وقهرهم. فالآية خاصة بهم. وجائزأن يكون ذلك لقوم من                   قريش معلومين؛ بدليل الآية بعدها فى قوله تعالى: ]مَثَلُ مَا ينفِقُونَ [وهم أبو سيفان، وأبو جهل. أما أبو                   سيفان فإنه أنفق فى واقعة بدر أموالاً كثيرة، وكان أبو جهل يفتخر بماله، وكان أصحاب الأموال من قريش                يقولون: لو كام محمدا على الحق ما عاش فقيرا. فأنزل الله هذه الآية تشنيعا عليهم وتقبيحا لسوء فهمهم؛                  لأن خي الذخائر عند الإنسان الأموال والأولاد، ولا تجد إنسانا إلا وهو يعتمد على ماله وولده، حتى يخرج               من الإنسانية بكمال الإيمان بالله، والتوكل عليه، وتوكيل الأمر إليه سبحانه. فكانت هذه الآية قوة لإيمان                    المؤمنين ومزيدا لكمال يقينهم، وخزيا وذلا للكافرين. وجائز أن تكون أنزلت فى الكافرين أجمعين . ولك أن              تقول: السبب خاص والحكم عام.

(1)     سورة مريم آية 64.

                                                                    ]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ       ومعنى الآية المفتتحة بالتوكيد المقوى للخبر أن الله تعالى يخبر أهل الكفر به بما سجل عليهم من القضاء،                 من أن أموالهم وأولادهم لا تغنى عنهم فى الدنيا والآخرة، وقد تكون الأموال والأولاد عذابا فى الدنيا                     والآخرة؛ لأن الكافر يوم القيامة يكون كما قال الله تعالى: ]فَمَا لَناَ مِن شَفِعِينَ#وَلاَ صَدِيق حَمِيمٍ[(1)  وقال                           تعالى: ]يَوْمَ لاَ يَنفعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ#إِلاَّ مَنْ أَتَى آلله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[(2) وقال تعالى: ]فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْيراً                    يَرَهُ#وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)(3)وما من عبد اعتمد على غير الله تعالى إلا أذله بمن اعتمد عليه. وفى            الآثار: ( من استعز بغير الله تعالى أذلَّةُ الله على يَدِهِ ) ولنا أن نأخذ من هذه الآية أن الذين آمنوا إذا اتبعتهم               ذريتهم بإيمان يكونون مزيدا فى نعيم والديهم، وكما ورد اى الأثر الصحيح قال r: ( إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ                   انقَضَى عَمَلُهُ إِلاَّ مِن ثَلاثٍ. إِلى أن قال: وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ بِالخَيْرِ ) والله تعالى أكرم المؤمنين بفضل لم                ينله الكافر.

]وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ[المشار إليهم بـ (أُوْلَِئكَ ) هم الذين كفروا المذكورون فى هذه الآية،                            وصاحب الشىء هو ما يلزمه أبديا، وفى (أَصْحَبِ )إشارة إلى الخلود. كأن فى هذا معنى الملك الذى لا                      ينفك أبدا وفيها تشنيع عليهم وتبكيت لهم، وكفرهم شرا صحبتهم للنار، كما قال تعالى فى الكافرين:                       ]فَبشَّرْهُم بَعَذَابٍ أَلِيمٍ [(4).]هُم فِيهَا خَلِدُونَ [بيان للفظة(أَصْحَاب ) أو تأكيد لها.

قوله تعالى:مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ                                 ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ p117i

لما حكم الله تعالى على الكفار وأنهم لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً؛ أقام الحجة لأهل                     الإيمان أن الكافر لو تقرب إلى الله بخير الأعمال وهو مصر على الكفر لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. قال             تعالى: ]إنَّمَا يَتَقبَّلُ آللهُ مِنَ آلْمُتَّقِينَ [(5)لنعلم أن ما ينفقه الكفار من أنواع البر والمساعدة التى لا يعلمها إلا أهل          الرحمة والشفقة، كما ينفقون فى تحرير الرقيق، وفى الرفق بالحيونات، وفى بناء المستشفيات وغير ذلك مما نراه         من الشفقة، والتعاون على البر. فإن ذلك كله مردود عليهم، لا ينتفعون منه شىء فى الدنيا ولا فى الآخرة،               وأن ما نراهم فيه من القوة وكثرة الأموال والأولاد إنما هو من نقم الله عليهم ومن الأدب لنا بسبب مخالفتنا               لوصايا شريعتنا. ولو أننا عملنا بكتاب الله وبسنة رسول الله r، لمنحنا العزة عليهم، ولمكن لنا فى الأرض             كما مكن لسلفنا الصالح بالحق؛ لمحافظتهم على اتباع السنة والعمل بها.

]مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ[أى: مثل إبطال وإهلاك ما ينفقونه فى هذه الحياة                  الدنيا كتدمير وإهلاك (ريحٍ ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     سورة الشعراء آية 100 ـ 101.

(2)     سورة الشعراء آية 88 ـ 89.

(3)     سورة الزلزلة آية 7 ـ 8.

(4)     سورة التوبة آية 34.

(5)     سورة المائدة آية 27.

                          قولهتعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً 000 (118) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ]فِيهَا صِرٌّ [أى: لهيب أو برد قارس. فالصَّرُّ لغة هو شدة البرد المهلك للزرع، أو الحر اللافح. وهذا               الريح الذى فيه صر، إذا هب على غيضة أهلك نباتها، فكما أن هذا الريح مهلك للزرع؛ فكذلك الكفر يهلك            أعمال البر. فالكفر مشبه، والريح مشبه به، ووجه الشبه بينهما: التدمير فى كل. أعاذنا اله بجماله من                 جلاله.

]أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ[والظلم هو وضع الشىء فى غير موضعه. ولما كان الكفر                بالله هو الظلم العظيم، وكان الظلم فقط سببا فى إصابة الريح والزمهرير حرث الظالمين. كان الكفر بالله الذى         هو الظلم الهظيم أشد نكاية فى حرمان الكافر ثواب نفقته ! لأنها كانت لغير وجه الله تعالى. وقد ورد فى              الأثر: ]إِنَّ آلْمُؤْمِنَ يُؤْجَرُ رَغْم أنفِه [. ومعنى ذلك أنه قد يتصدق مُكرَهًا . أو يعمل البر غير ملاحظ                وجه الله تعالى، فيمنحه اله جزاءه لأنه مؤمن؛ ولأن الله إذا أعطىالإيمان عبدا ـ والإيمان هو أصل الخير ـ         تفضل الله تعالى عليه بالفروع، وكل المقامات التى ينالها الإيمان بالله هى فروع عن الإيمان. فلا تستعظم             الولاية على مؤمن ـ ولو كان عاصيا ـ بعد تفضل الله عليه بالإيمان، ولا يكبر على التوبة مؤمن ـ  ولو  كان        نبيا ـ لأن الله تعالى قال:]وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ [(1).

]وَمَا ظَلَمَهُمُ آلله [نفى الله تعالى الظلم عن نفسه، بالنسبة لحرمانه أهل الكفر به من إعطائهم ثواب ما             أنفقوه، لأن الكافرين لم ينفقوا نفقة يريدون بها وجه الله تعالى، وكيف يريدون وجه الله تعالى وهم كفار به؟ والله سبحانه وتعالى هو الملك الخالق العظيم، يعُطى من يشاء بفضله، ويحرم من يشاء بعدله. ]وَلَكِنَ                         أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ [وذلك لأن الله تعالى أقام لهم الحجج والأدلة على كمال وحدانيته وقدرته وحكمته، ثم أرسل         لهم الرسل ببيان ما يحبه ويرضاه منهم، مما به صلاح حالهم ونيل الخير لهم فى الدنيا والآخرة، وبعد أن قامت        الحجة واتضحت المحجة جحدوا وأنكروا، وحاربوا الله ورسوله، وعاندوا، وذلك هو الظالم لأنفسهم.                 فكان حرمانهم من جزاء نفقاتهم عدل من الله تعالى، وخلودهم فى نار جهنم عدل منه سبحانه، وقد ورد فى           الأثر: ( إنََّّمَا آلأْعْمَالُ بِالنيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلَّ امْرِىءٍ مَا نَوَى. فَمَن كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسوُلِهِ فِهَجُرَتُهُُ إِلَى آللهِ        وَرَسُولِهِ وَمَن كَانتْ هِجرَتُهُ إِلى دُنَيا يُصِيبُها أَو امْرأَةٍ ينكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ).

قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ                              بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ                                     تَعْقِلُونَ p118i

هذه الآية الشريفة من معجزات القرآن المجيد. وكأنها نزلت فى هذا اليوم مع مضى ألف وثلثمائة وخمسين            سنة عليها(2)، وكأن الله تعالى يتكلم بهذه الآية مع أهل زماننا ويخاطبنا بمعناها، وكيف لا ؟ وكل ما اخبرنا          ــــــــــــــــ

(1)     سورة الزمر آية 67.

(2)     كان ذلك وقت إملاء الإمام أبى العزائم لأسرار القرآن.

 

                                                           ]   أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   الله تعالى به من أعمال أعدائنا اليهود والنصارى والمنافقين من محاربة الإسلام بالباطل، ومن حرصهم على         إيصال الخبال إلينا؛ بدس الفتن والدسائس فى ديننا والريب فيه طمعا فى كفرنا بالله ورسوله r، نراه                رأى العين. وقدبلغ من إشهار هذه الحرب علينا فى كل جتمع إسلامى ما نراه ونسمعه من جيوشهم الجرارة           التى يرسلونها لنشر النصرانية بين المسلمين، وجيوش الفتن والمفاسد والهرج والمرج التى يفتحون بها أبواب         الفتن والمفاسد، وسلب مرافق الحياة من يد المسلمين، كالجيش الصهيونى الذى يحارب الإسلام والمسلمين فى         فلسطين، وكم حاربونا فى ديننا وأعراضنا وأنفسنا وأوطاننا بجيوش من الظلم، تحت ستائر الضلال: كتحرير         الرقيق وحماية الأقليات، وإصلاح الأمم باستعمارها !! وصدق الله العظيم، ينهانا سبحانه عن الركون إليهم           والاستسلام لكيدهم وخدعهم بقوله:   

]لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ[أى: ى تستلموا لمن ليسوا من دينكم، ولو دعت الضرورة إلى ذلك،                    والبطانة هو ما يلصق على البطن. والمعنى لا تتخذوهم أصحابا وأصدقاء كما تتخذون أهل الإسلام،                  فتكاشفوهم بعوراتكم التى لا تكاشفون بها بعض أقاربكم. ثم بين الله سبحانه حكمة ذلك بيانا يفهم معناه                 كل مسلم، لا فرق بين الصغير والكبير والعالم وغيره بقوله:]لا َيَألُونَكُم خَبَالاً [أى: لا يقصرون فى إيصال         الخبال إليكم. والخبال: هو الإفساد فى الدين، والوقوع فى الشك والريب، وإطفاء نور الإيمان من                     القلوب، أعاذنا الله من شر أهل الكفر بالله. ثم أردف هذه الاية بينا آخر، يعلّمنا به سبحانه أنهم إذا عجزوا             بفعلهم عن إيصال الخبال فى الدين إلى قلوبنا نشطوا فى إيصال شر إلينا يريدون به قهرنا وإذلالنا ! .

]وَدُّواْ مَا عَنِتُّمَ [ومعنى هذه الآية أى: أحبوا وتمنوا عنتكم، أى وقوعكم فى العداوة والخصومة والتفرقة،              حتى إذا ظفروا بضعفكم بالتفرقة أسعروا نار الفتن بينكم، فأيدوا فريقا على فريق، حتى إذا تفانى الفريقان            تسلموا وطنهم، ونهبوا وقهروا البقية فاستعبدوهم، كما فعلوا فى أسبانيا، وفى مراكش، والجزائز،                      وتونس، وطرابلس، ومصر، والسودان، وفلسطين، وسوريا، والعراق، وحضرموت، والهند،                        والصين، وسيبريا، وأمريكا، واستراليا، وكما فعلوا فى تركيا، وإيران، وافغانستان، واليمن، والحجاز                 ونجد، ولكن الله تعالى سلم بعض هذه الأمم ونسأل الله أن يوقظ بقية الأمم إلى العمل بما أمر الله به ونهانا عنه . 

]قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ[برهان على إعجاز تلك الآية، فإن نصارى أوربا واليهود قد رأوا أن             يذموا الإسلام، بعد أن أحسن إليهم الإسلام فى صريح آياته، ويذموا سلفنا الصالح، بعد أن رحموهم                   وواسوهم، وحفظوهم أيام كان لنا الحول والطول؛ من أن يكونوا طمعه للسيوف، وغذاء للعقبان                      والوحوش. وهذا جزاء من خالف الله ورسوله r، واتخذ بطانة من غير المسلمين؛ وأى بغضاء تبدو من           الأفواه لنا بعد أن يمسوا جناب رسول الله r؟!! اللهم إنك بينت لنا كل البيان، فنسألك أن تؤيدنا بروح               منك، أن تمدنا بنصرك على أعداء دينك وأعدائنا، إنك مجيب الدعاء. والبغضاء: زيادة البغض،                      والأفواه: جمع فوُه. وهذه البغضاء هو ما يرمون به الإسلام، ويسيئون به إلى نبينا عليه الصلاة والسلام              وأصحابه الكرام رضى الله عنهم، ثم أنه سبحانه وتعالى زادنا بينا بما نعلمه وبما نعلمه، ولنتحرز من شرورهم        التى يظهرونها، ونحتاط لأنفسنا مما يخفون عنا.

                    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً000 (118) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ      ]وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ[فهم يظهرون ذم الإسلام بأفواهم، ويطعنون فى ديننا، وفى صدورهم                   عزم على محو الإسلام، وإهلاك المسلمين أو استعلادهم. بعد أنكان النصارى واليهود فى أوربا وغيرها عبيدا       يباعونفى أسواق المسلمين، وسلفنا الصالح يحسن إليهم ويرحمهم، حتى إذا خالفنا وصايا نبينا؛ أدبنا على            ذلك فمكنهم منا، ورجعوا إلى ما كانوا عليه من خبث نفوسهم، ومن محاربة الله ورسوله ]وَلاَ تَحْسَبَنَّ آلله            غَفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ آلظَّلِمُونَ [(1) قال الله تعالى: ]حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَآ أُوتُوا أَخَذْنَهُم بَغْتَةً فَإذَا هُم مُّبْلِسُونَ                  فَقُطِعَ دَابِرُ آلْقَوْمِ آلَّذِينَ ظَلَمُوا [(2).

بعد هذا البيان يجب علينا ان نتدارك أنفسنا بالرجوع إلى الله تعالى وبالعمل بكتابه جل جلاله، وبسنة نبيه          عليه الصلاة والسلام، لينجينا الله سبحانه وتعالى من الذل والخزى فى الدنيا لمن كانوا أذلاء لنا فيها، ومن    العذاب الأليم يوم القيامة باستضعافنا لهم، قال سبحانه وتعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ        قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا [(3)الآية.              بعد هذا البيان الصريح لم يبق عذر لمسلم سمع كلام الله تعالى، ورأى بعينى رأسه وقوع ما حذره الله تعالى          منهم، بسبب ميله وتقليده لأهل الكفر بالله. بل وبعد أن قامت الحجة بإعجاز تلك الآية؛ لوقوع البلاء                   الذى كان يحذرنا الله تعالى من وقوعه بنا. وياليتنا استسلمنا لقهره الشديد أو لغلبهم إيانا، كل ذلك لم يكن.              بل الذى كان أن مرضى القلوب بل وأهل النفوس الخبيثة النزاعة إلى الشر سارعوا فيهم خشية أن تصيبهم            دائرة وطمعا فى الزخرف الفانى ورغبة فى نيل المشتهيات الباطلة، وهاهى المجتمعات الإسلاميةبعد أن                  كانت جسدا واحدا يحس المراكشى بآلآم من فى جنوب الهند، بل كان المسلم فوق جبال البرينات شرق بلاد                   الأندلس يُؤْثِر المسلم فى بغداد على نفسه، وقد فتح المعتصم بالله الخليفة العباسى ( عمورية ) لما سمع من عيونه     هناك أن روميا لطم امرأة أسيرة ! فقالت: وامعتصماه. فلطمها مرة ثانية ! وقال : خل معتصم يأتيك على             خيل بلق من بغداد. فلما سمع ذلك أقسم أنه لا يجلس على كرسى مائدته حتى يفتح عمورية، لينقذ تلك               الأسيرة رحمة بها، وجمع خيلا بلقا وغزا بها عمورية، ووهب للأسيرة من لطمها وماله وأولاده، وهكذا كان          المسلمون يتألم الخليفة علىا سريره مما يؤلم أسيرة فى أرض الروم، ولذلك يقول الله تعالى:    

]قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُون [أى: كشفنا لكم الستر عن قلوب أعدائكم، وبينا ما يضمرونه                       لكم ولدينكم، لتسمعوا وتطيعوا وتنصروا الله سبحانه بتنفيذ أوامره ونواهيه؛ لينصركم سبحانه وتعالى بقهر            أعدائكم وإذلالهم لكم، وبتمكينكم فى الأرض بالحق، وما بين الله تعالى آياته هذا البيان إلا لنعقل عن الله            كلامه. فإذا علقنا كلام الله تعالى سارعنا إلى القيام بمحابه ومراضيه، فيعبد لنا مجد سلفنا، ويمكن لنا فى             الأرض بالحق، ويديم لنا هذا المجد نلقاه وهو راض عنا ونحن رضوان عنه. قال تعالى: ]الَّذِينَ إِن                 مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [(4).                                                                                                                

ـــــــــــــــــ

(1)     سورة إبراهيم آية 42.

(2)     سورة الأنعام آية 44 ـ 45.

(3)     سورة النساء آية 97.

(4)     سورة الحج آية 41.

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــقوله تعالى: هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ لَقُوكُمْ قَالُواْ                                       آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ                         الصُّدُورِp119i

]هَاأَنتُمْ أُوْلاء [الهاء هنا للتنبيه. وفصل بين حروف التنبيه وبين الإشارة بأنتم، للتقريب، وعليها اللغة                    الفصحى. وكان جائزا أن يقول: هؤلاء أنتم. ولكن القرآن هو ميزان الفصيح من الكلام. وهذا السياق                   كثير فى كلام فطاحل البلغاء، كما يقول الرجل جوابا للسائل: ها أنا ذا. وهذه الآية نزلت بيانا من الله تعالى             للمؤمنين عن معاملتهم لليهود والنصارى والمنافقين، لأن الإسلام جمل قلوبنا بالرحمة والعطف، فجعلنا نطمع            فى إيمان اليهود والنصارى، وفى توبة المنافقين، فنحسن إليهم بإخلاص لله تعالى، ومعاملة لوجهه الكريم.               فبين لنا الحقائق، وحذرنا من مخالفته بأن نتخذ بطانة، ثم أظهر أحوالنا التى تدعونا إليها الرحمة بهم، والشفقة           عليهم. بقوله تعالى:]تُحِبُّونَهُم [أى: تعاملونهم بأنواع من الرحمة، والحنانة، والشفقة، معاملة لا تكون                  إلا من أهل المحبة لهم، وفى ذلك مخالفو لأمر الله تعالى، بل الواجب علينا أن لا نحكم العواطف فى قلوبنا، بل          نطيع أمر الله تعالى، ونجتهد تلك العواطف والميول بقدر الاستطاعة، لأننا بمخالفتنا أمر ربنا، واتخاذنا بطانة          من دوننا، وتلك البطانة كما أخبرنا الله تعالى تبطن لنا السوء والخبث، وتتمادى فى حديثنا اعتقادا أننا بله يغرنا         خداعهم.

وليس بعد بيان الله تعالى بيان، خصوصا بعد قوله تعالى : ]وَلاُ يحِبُّونَكُمْ [وهذا خبر من الله تعالى، يفيد                علم اليقين أن اليهود والنصارى والمنافقين مهما أظهروا لنا من الملق والود، وأنهم يسعون فى إصلاح حالنا، أو أنهم                  مسلمون مثلنا، كل ذلك خبث يدعوهم إليه خوف من حرمانهم مما هم ممتعون به من الرحمة والشفقة وحسن              المعاملة، وإقامتهم فيما يجعلهم أغنياء آمنين نافذى الكلمة.                                                             

وهناك شٌّر أكبر يدعوهم إلى ذلك، وهو أن يلقوا بيننا وبين بعضنا العداوة والبغضاء طمعا فى تفرقنا، وقصما              لعروة الرابطة الإسلامية. فكما أنهم إذا رأونا أظهروا الإسلام، وإذا خلوا إلى بعضهم تمنوا لنا الضر والشر، فهم           كذلك إذا رأوا بعضنا ألقوا من الزور والبهتان ما يفسد الإخاء، ويزيل التوادد والتعاطف الإسلامي بين إخواننا.           ]وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا [أى: تصدقون بالكتاب. و ( ألـ ) فى (الكِتَاب )                          للجنس، أى: تؤمنون بكل الكتب السماوية التى أنزلها الله، فلا تفرقوا بين رسل الله، ولا تغيرون أحكام الله،              بل تراعون أحكام شريعته. وهم قد بلغوا من الكيد لكم، بعد أن تحققوا من سلامة ضمائركم، ومما فطركم الإسلام         عليه من الرحمة والشفقة، أن يظهروا لكم ما يرضيكم بقولهم ما قاله تعالى: ]وَإِذَا لَقُوا آلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا                   ءَامَنَّا [(1). و الواجب علينا جماعة المسلمين أن نحذر منهم، لنحتاط لأنفسنا من كيدهم لنا، حتى تقوم الحجة             على صدقهم، فإذا ظهر لنا منهم ما يخالف أقوالهم كنا فى حفظ وسلامة من شرورهم، وهى سنة رسول الله             r، فإن اليهود كانوا يأتونه فيقولون: السام عليكم يا محمد. فيقول: عليكم. والسام، ويعنى: الموت ..                    فكان عليه الصلاة والسلام يردها عليهم من غير أن يسىء إليهم. وذلك من جمال الأخلاق، وكمال البصيرة، كما           قال r: ( لاَ يُلْدَغُ الْمؤْمِنُ مِن جُحرٍ مَرَّتَيْنِ ).

ـــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 76.

 

قوله تعالى:هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ 000(119) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وما آل الأمر إلى ما نحن عليه من التفرقة وشتات الحال، وتمكين الأعداء؛ إلا من تلك الناحية، وهى أن                البسطاء من المسلمين لا يثقون إلا في اليهود والنصارى في أعمالهم الخاصة ! بل وفى معاملاتهم، وفى شرائهم         وبيعهم، وحتى بلغ بهم البله والغرور إلى أن كانوا يفخرون بهذا، ويرمون إخوانهم المسلمين من التجار أو الصناع أو   العمال بما ينفرهم ! كل هذا البلاء أصابنا لمخالفتنا أمر ربنا، وكيف رقد أصبحنا وكل نوع من أنواع المجتمع أهلكته  الغفلة عن آيات الله ؟. فالحسد: قطع العلماء عن الله. والخيانة: قطعت التجار. والظلم: قطع الحكام                     والزعماء. والكيد: قطع النساء. وهذه هى أمهات الكبائر. وكفى المسلم تعسة أن يغضب اله تعالى، وفى                 ذلك تعسته فى الدنيا وعذابه يوم القيامة. ولا يرضيه سبحانه بإتباع أمره واجتناب نهيه. وفى رضاء الله عنا نيل         المجد فى الدنيا ، والنعيم المقيم فى يوم القيامة.

وكيف لا يكون هذا حالنا والله يكشف لنا أسرار اليهود والنصارى والمنافقين كشفا جعل ما يخفونه عنا جليا               بقوله سبحانه:]وَإِذَا خَلَواْ [أى: أن هؤلاء القوم ـ الذين هم أعداء ديننا ـ جعلونا كاللعبة فى يد الغلام                الصغير. يلونوننا بأى لون، ويفسدون علينا عقائدنا وعباداتنا ومعاملاتنا وأعرضنا، ولا يرضيهم ذلك منا. وإنما           الذى يرضيهم أن نصبح كفارا معهم، أو أن يبيدونا عن آخرنا ! كل ذلك قصدهم منا !! ونحن نراهم يستحقون           الرحمة والمساعدة، وهم شياطين الإنس كما قال سبحانه: ]إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُم [(1)فهم             يرونا مخدوعين بلهاء لا نتبصر فى أمورنا. ونحن نراهم نشطاء أمنَاء متقنين للصناعة والتجارة، صادقين فى          معاملاتهم لنا، ولا يكون ذلك حتى من البهائم السائمة، وقد بلغ السيل الزبى، وقارب الحزام الطبيين، ولم يبق إلا        الموت أو النجاة، ولا نجاة إلا بالرجوع إلى ما كان عليه سلفنا الصالح، قال تعالى: ]إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ            حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [(2).

والأمر يسير؛ لأن النجاة من عذاب الله يصغر فى جانبها كل غال ورخيص، بل تصغر الشهوة والحظ                   واللذة فى جانبها لأن الله تعالى يقول:]عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ [أى: وضعوا أطراف أصابعهم بين ثناياهم،              وهموا بقطعها حسرة على عدم فوزهم بإبادتنا، أو إطفاء نور ديننا. ولا يعمل الرجل هذا إلا وقد رخصت              حياته فى نظره، واستعد للانتقام من عدوه. والأنامل: جمع أنملة، وهى طرف الأصبع ]مِنَ آلْغَيظِ [                   والغيظ حرارة فى القلب لا تطفأ إلا بالانتقام، ولا يكون الانتقام فى الغيظ إلا بإهَراق الدماء.  وقد لا تطفأ               هذه الحرارة إلا بشرب دم المقتول، كما فعل أهل الكفر بالله يوم أحد، عندما أكل بعضهم كبد حمزة بن عبد             المطلب ! فالمسلم الذى يسمع عن الله هذه الآيات، ويخبره التاريخ عن تلك الانتقامات؛ ثم يخالف الله تعالى             فيتخذ بطانة من أهل الكفر بالله؛ حكم على نفسه بالردة عن الدين، وحرمت عليه زوجته، وحرم على                    المسلمين دفنه فى مقابرهم، قال تعالى: ]لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ                     وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [(3).

بل أي مسلم أن كافراً بالله يدعو إلى ذم الإسلام؛ وذم رسول الله r؛ ثم يجتمع عليهم؛ ويسمع                            كلامهم؛ ويخرج من مجلسهم وهو مسلم ؟ لا أشك أنه يخرج كافرا، لأن الغيرة الإيمانية خرجت من قلبه،                ولأنه غير مكره على الاجتماع بهم حتى نقول: خاف على دمه وأهله. قال r: ( مَن كَثَّرَ قَوْماً فَهُوَ                     مِنهُمْ ) والذين يجتمعون على من يعتقدون أنه عدو الله ورسوله وعدو المؤمنين لا تقبل توبتهم، إلا إذا دفعوا            ـــــــــــــــــ

(1) سورة الأعراف آية 27.                     (3) سورة المجادلة آية 22.

(2) سورة الرعد آية 11.

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المنكر بأيديهم و ألسنتهم وقلوبهم ولو كان فى ذلك قتلهم فى سبيل الله تعالى، فإن القتل فى هذا الموطن شهادة         حقيقية. فكيف يبلغ بالمسلم أن يدعى الإسلام ويسمع عدوا من أعداء الإسلام يكذب القرآن، ويقيم الحجة              على أن الله له ولد، ثم يخرج وفيه نفس يتردد ؟ أنا لا أعتقد أن هذا مسلم ـ وإن كان يخالفنى فى رأيى هذا من        لا خلاق لهم ـ فإن الرجل إذا قال له رجل : أنت تشرب الخمر، أو أبوك يشربها، أخذته العزة فغضب             غضبة يكاد يقتل بها من قال ذلك فى حقه أو حق والده، لولا يدفعه الناس عنه، فكيف يرضى أن يمس جانبا         يجب أن يكون أغلى عليه من روحه التى بين جنبيه وأعز عليه من الدنيا والآخرة ؟ لا يقول بإسلام مثل هذا        رجل عقل عن الله كلامه، ولا رجل فى قلبه ذرة من إيمان.

إن الشريعة المطهرة رخصت لنا فى حد مخصوص ـ تجاوزه كفر ـ وهو أننا نرضى بظلمهم لأنفسنا،            وسلبهم لأموالنا عند غلبتهم علينا انتظاراً للفرج، وتحرفا لقتال، وتحيزا لفئة مسلمة قوية، فإذا بلغ الشَّرُّ             والضُّرُّ أن مسوا جانب الدين أو طعنوا فيه، وجب علينا الجهاد فرض عين، أو بؤنا بالكفر. ويكون القتل فى          هذا السبيل طلبة المؤمن الكامل، ورغبته، قال تعالى: ]وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي                 دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ [(1). وهذه الآية وإن كان سببها خاصا فحكمها عام، وإنى على              يقين أن بشاشة الإيمان لا تفارق القلوب، وإن فارقتها المراقبة والمحبة. والمجتمع الإسلامى كالبركان الثائر،         ينتظر أول صيحة من تقى كامل الإيمان تهيج قلبه إلى لقاء ربه. وإن ننس كل الحوادث لاننسى الحروب             الصليبية، التى كانت فى زمان تفرق فيه المسلمون وخرج بعضهم علىا بعض، ولكن الصيحة الحقة جمعت        شتاتهم، ولمت شعثهم، وردوا الصليبيين بشر هزيمة. ولا ننسى ما فعله نابليون بالمسلمين من الكيد والظلم،              وما آل إليه أمره، والقوم يَجِدُّونَ الضغط على البركان، ناسين نقم القوى الديان، بل وناسين غضبة المجتمع           الإسلامى؛ لغرورهم بزعماء يسارعون فيهم، والغيب مستور.

وكم فى الزوايا خبايا قال الله تعالى: ]حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ                          عَلَيْهَآأَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [(2)  وقد أخذت أرض أوربا وأمريكا        واليابان وغيرها زخرفها وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، ووعيد الله كائن لا شك فيه، وسيأتيها أمره         فيلقى نار الحرب الانتقامية بينهم، فتصبح حصيدا كأن لم تغن بالأمس.

]قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ[هذه الآية الشريفة تنزل من الله تعالى ليطمئن قلوبنا بفوزنا فى الدنيا والآخرة، فإنه          سبحانه يخاطب رسوله r، يأمره أن يقول لليهود والنصارى والمنافقين الذينم يكيدون للإسلام والمسلمين،             قل يا محمد: ]قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ[والباء هنا للسببية، أى: أن الله يخبرنا أن أعداء الإسلام والمسلمين يموتون         بغيظهم منا؛ لأن الله تعالى يسرع عليهم بالنقمة فلا يمكنهم منا، فيدوم غيظهم وذلهم فى مزيد، حتى يموتوا مما       يرونه فينا من إحسان الله تعالى إلينا بالتحايب، والتوادد، والتعاطف، والإيثار. وفى هذه الآية بشرى لنا من            الله تعالى، وقهر لأعدائنا. وإنا نسمع تلك الآية بآذان قلوبنا كأنها نزلت اليوم، فيقوى يقيننا، وينكشف لنا               معنى قولهr: ( آحْفَظ آلله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، كُن مَعَ اللهِ تَرَ الله مَعَكِ).                                                   ــــــــــــــ

(1)     سورة التوبة آية 12.

(2)     سورة يونس آية 24.

قوله تعالى:إِن تَمسَسكُمَ حَسَنَةٌ000 (120) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ]إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ[أي:إن الله ذو علم بما تخفيه صدورهم فى قلوبهم من سوء النوايا، ومن                  سعير نار الحقد والحسد وحب الانتقام من المسلمين، وكفانا إكراما من الله تعالى بما فى صدور                      أعدائنا لنا من الحرص على الضرر والشر، وعمله سبحانه وتعالى بما فى قلوبنا لهم والعطف عليهم لنجاتهم يوم          القيامة؛ ولكن لعد أن بين الله لنا هذا بيانا يجب أن تكون الرحمة التى فى قلوبنا خاصة بإخواننا المسلمين،           محافظة عليهم من كيد أهل الكفر بالله تعالى بهم.

وهنا أبين لك أن المسلم بصير على نفسه، بصير فى دينه، يجب عليه أن لا يجعل للعاطفة حكما إلا فيما              يرضى الله ورسولهrومسلم تدعوه العاطفة إلى أن يتخذ من غير المسلمين بطانة؛ حكم على نفسه بأنه لا            بصيرة له، ومن لا بصيرة له اتبع الهوى، ومن اتبع الهوى فقد غوى، لأن الهوى أخو العمى، وما أضر              المجتمع الإسلامى إلا أن المسلمين قلوبهم ملئت بالرحمة والعطف على كل ذى كبد رطبة، ومن لم يحصن تلك        الرحمة والعاطفة الإسلامية بالحصون الشرعية هلك وأهلك، وكيف يعطف مسلم على كافر ؟ ويرحم عدوا             لله كافرا به سبحانه جاحدا ؟ والكافر عندى شر من إبليس، وأضر من الوحش الكاسر، يجب على المسلم              مهما رأى منه من الإحسان والتقرب أو التودد أن يسىء به الظن، وكيف يأمن المسلم عدوا من أعداء الله            تعالى ؟ والمسلم يتحفظ من مرتكبى المعاصى، فكيف يركن إلى كافر ؟ اللهم إلا ما رخَّصت لنا فيه الشريعة فى       معاملة أهل الذمة بما بينته لنا الشريعة.

وهذه الآية وإن دلت على أن الله قدّر فى أزله أن المنافقين من اليهود والنصارى وغيرهم؛ الذين كانوا إذا              رأوا المؤمنين قالوا إنا معكم؛وإذا خلوا عضوا عليهم الأنامل من الغيظ؛ قَدّر سبحانه فى أزله أن هؤلاء             الأعداء يموتون مما يرونه فى المسلمين من عناية الله وإكرامه لنا؛ فإن هذه الآية أيضا تبين أن الله تعالى يأمر نبيه   محمدا rبالدعاء عليهم أن يهلكهم الله بغيظهم، فإن قوله تعالى: ]قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ[صادق أن يواجه               أعداءه بهذا القول، ويسأل الله تعالى به عليهم، وإحياء للسنة يسن لنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء، فنسأل الله            أن يهلكهم جميعا بغيظهم منا، وأن لا يمكن لهم فى الأرض.

قوله تعالى:إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ                             لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ p120i

]إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَة[يزيدنا الله بينا عن أحوال أعدائنا من اليهود والنصارى والمنافقين، بأنهم إن                  نصرنا الله وأقبل بوجوه خلقه على الإسلام، وأظهر المعجزات الباهرات على يد حبيبه محمد r، الدالات            على صدق نبوته ورسالته، وفتح لنا كنوز عطاياه ظاهرا وباطنا؛ من الحب والتعاون والتعاضد بيننا، ومن            تأييد الله لنا، ومن توالى الخيرات منه سبحانه، وهى الحسنة التى يتفضل الله بها علينا؛ بمعنى أن الله تعالى إذا         تفضل علينا بأنواع الحسنات الدنيوية والأخروية (تَسُؤْهُمْ ) أى: تحزنهم وتبكيهم وتغمهم.     

وفى هذه الآية الشريفة يقظة لقلوب المؤمنين؛ لينشطوا فى القيام بطاعة الله، والمسارعةفى تنفيذ أوامره،              وليدخلوا على أعدائهم الذل والخزى؛ فيكونون فى عمل يرضى الله وينيلهم خير الدنيا والآخرة، وبذل لهم              أعدائهم.

 

]أسرار القرآن [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ        ]وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا[يقيم الله لنا الحجة على ما مَكُنَ فى قلوبهم لنا من الحقد والضغائن ـ                    قاتلهم الله ـ يسرهم ما يُصِيبنا من السوء. كما حصل منهم جميعا فى وقعه أحد، وفى سفر رسول الله rإلى          تبوك حين ارتد عبد الله بن أبىّ بن سصلول هو والمنافقين إلى المدينة، وتركوا رسول الله rومعه أصحابه        رضوان الله عليهم لمحاربة الروم فى الشام. وكما فعل يهود خبير من مساعدة قريش فى وقعة الخندق وقريظة         وقينقاع وبنى النضير، من ذم رسول الله r، ومن مساعدتهم لقريش فى عصر رسول الله r. وكما فعل           المنافقين من الردة بعده rولو تصفحنا أوراق التاريخ لوجدنا ألف حجة وحجة على صدق خبر الله عنهم،             ولا يزالون ولن يزالوا تنمو الخبائث فى قلوبهم، وتقوى على عمل الشرور نفوسهم، ولا نزال نحن ولن نزال          مؤيَّدين بروح من الله تعالى، مادمنا على ما كان عليه سلفنا الصالح رضى الله عنهم.

]َإِن َصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ[بعد أن شرح الله تعالى لنا ما                  بعد أن شرح عليه أعداء الإسلام والمسلمين من سوء قصدهم، وخبث نواياهم، ومسارعتهم إلى الكيد للإسلام والمسلمين            بين لنا ما به نجاتنا من شرورهم بقوله تعالى: ]وَإِن تصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكمْ كَيدُهُم شَيْئاً [                      افتتح الأية بـ (إن ) الشرطية بيانا لخيبتهم فى إرادتهم السوء لنا، لأن (إن )تدل على ضعف مكائدهم.         والصبر هنا يراد به العمل بأوامر الله تعالى، خصوصا التى أنزلها فى نهينا عن موالاتهم، وعن اتخاذ بطانة منهم،   وفى أمرنا بالتحفظ من شرورهم وخدعهم فى الظاهر مما يضمرونه لنا إذا خلوا، لأن تلك الحقائق تحتاج فى           تحملها ودوامها إلى الصبر، والصبر هو حبس النفس عما تحب عملا لأوامر الله تعالى ومخالفة للعواطف والميول   النفسانية. ]وَتَتَّقُوا [والتقوى هي مخافه الله تعالى، ووقاية من الوقوع فيما يغضبه بدوام مراقبته .                      ]لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيَئْاً [أى: لا يصيبكم شىء من كيدهم لكم، بإظهار الإيمان إذا قابلوكم وعضَّ الأنامل            .عليكم غيظا إذا فارقوكم، والسعى فى عمل ينتج الفساد بينكم فى الدين والإخاء أو غيرهما. وهذه الآية ميزان           .حق، لأن المسلمين إذا عملوا بوصايا القرآن وأوامره ونواهيه، حصنهم الله بحصن الحكمة، والوقاية،                   وأيدهم بعناية وبروح منه، وجملهم بالعزة التى وعدنا بها جماعة المسلمين، والأسباب التى وضعها الله تعالى           لا نرى فيها تفاوتا. فإنا نرى النظام الشمسى مرتبطا كمال الارتباط ى يختلف فى الغالب. وكذلك الأسباب              وضعها الله تعالى وجعل القيام بها وتنفيذها مقتضيا لنيل الخير منه سبحانه فى الدنيا والآخرة لا تختلف أبدا. فإن         الله سبحانه لا يخلف وعده، قال الله تعالى: ]وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [(1)لأن الأسباب والأواسط أقامها الله             تعالى للعقول لتتعرف بها إليه، وتشهد البصائر حكمته فى إبداع بدائع صنعه سبحانه. ]إِنَّ الله بَمَا يَعَمَلُونَ              مُحِيطٌ [أُكدت الآية الشريفة بـ (إِنَّ ) ليهش قلب المؤمن ويبش بها. والإحاطة هنا بـ (إِنَ ) ليست هى              الإحاطة الحسية التى يجعل المحيط ظرفا للمحاط به، ولكنها حيطة قدرة، وقوة، وقهر، فهى مجازية. ومعنى            ((   إِن الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ   ))أى: أنه قادر على الانتقام منهم، ودفعهم عن بلوغ ما يريدون من إساءتهم                    وضررهم بعد تمكينكم فى الأرض بالحق رغم أنوفهم.

ـــــــــــــــــ

(1) سورة الحج آية 47.        

 

قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ 000 (112) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

        قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ p121i

بعد أن أخبرنا الله تعالى بأحوال اليهود والنصارى والمنافقين التى تدل على بغضهم للإسلام والمسلمين كما             تقدم؛ وأعلمنا أنه محيط بأعمالهم؛ بعد أن بشرنا بأننا إذا صبرنا على طاعة أمره ولمنخالف رسولهr                    لا يضرنا كيدهم شيئا؛ وحصلت المخالفة عندما أحب عليه الصلاة والسلام أن يلقى عدوه فى المدينة، ورأوا            الخروج إليه، فأصابهم بذلك بلاء فى أحد. فصَّل ذلك فقال سبحانه: ]وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكِ تُبَوَّىءُ                                آلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ [يذكرنا غزوة أحد بدليل ما بينه فى هذه الآية.

]غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ[أى: خرجت من أهلك غدوة من المدينة. ]تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ[أى:                                           تنزل المؤمنين محال القتال بما تقضيه الخطط الحربية، فجعل أُحُداً ضلعا للقلعة وأوقف الرماة فى موضعهم،          وأمرهم أن لا ينتقلوا منه؛ سواء أكانت لنا أو علينا، وجعل ضلعين للقلعة من أصحابة. ]وَآلله سَمِيعٌ                   عَلِيمُ [أن لله سمع كلام الصحابة لرسول الله rعند مشورته لهم فيما يفعل بقريش، الذين جمعوا                            العرب وأتوا لحربه r، حتى تولوا بأحد بعد أن أخبرهم بأنه يحب إليهم من المدينة، وأحضر                          عبد الله بن أبى بن سلول ليستشيره، ولم يكن تكلم معه فى شأن من تلك الشئون قبل ذلك.

          قوله تعالى:إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ  p122i                                             

هذه الآية الشريفة برهان ساطع على ما للإيمان من المكانة عند الله، حيث تفضل سبحانه على أهل الإيمان             بفضله العظيم، حتى ولو وقعوا فى المعاصى، فكيف لا ؟ وهو بعد أن يخبرنا بأن طائفتين همتا بالفشل، ويخبرنا        سبحانه أنه وليهما يهصمهما من الوقوع فيما يكره ويوفقهما لما يحب وبعد قوله تعالى:]وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ       الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [(1)فحكم سبحانه أنهما مع وقوعهما فى القتال لم يسلب منهما الإيمان.                                              وبعد أن أخبرنا أن الكفر بالله لا ينفع معه عمل ولو كان من خير البر بدليل قوله تعالى: ]لن تُغْنِيَ عَنْهُمْ              أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مَّنَ آللهِ شَيْئاً [(2).

والهم وإن تأوله بعضهم بأنه لم يبلغ درجة الاختيار ولا العزم؛ فهو من الصغائر عندهم. وعلى فرض أنه              من الكبائر لا يضر عقدة الإيمان، ولا يخرج المسلم عن دينه، ومادام الإيمان ثابت فى القلب. فالله  يغفر الكبائر        والصغائر، ولكنه سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ومن منحه الله تعالى الفقة فى دينه علم مراد الله تعالى من             كلامه. وعبد منحه الله الإيمان فى قلبه وهو أصل الخير لم يعتوره شك ولا ريب فى عقيدته؛ لا نحكم عليه           بالكفر ولا بعذاب النار والخلود فيها. وفى تلك الآية بشرى من الله تعالى لأهل الإيمان جميعاً. وفيها روح              يقوى به الحياء من الله سبحانه وروح المراقبة له سبحانه، والأخرى لمن ينتسبون إلى العلم أن لا يفتحوا أبواب         ـــــــــــــــ

(1)     سورة الحجرات آية 9.

(2) سورة آل عمران آية 10.  

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفتن على المسلمين؛ بتأويل مثل هذه الآيات الشريفة. بل الواجب أن يسارعوا إلى تلقى فهمها ممن هو أعلم           منهم، والله لا يخلى الأرض من قائم له بحجة. وهذه الآية معطوفة على قوله تعالى: ]وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ                تُبَوَّىءُ آلمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقتَالِ [.

 

]إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ[عند التبوء، والهم كما أنه قد يكون واردا، وخاطرا، يكون إرادة للنجاة من                   كثيرة العدو. لا مفارقة للدين وبغضا له. وفى الوارد والخاطر والتردد فالهم صغيرة. وفى العزم والاختيار             كبيرة. والكبيرة والصغيرة يمحو ظلمتها نور الإيمان الذى انعقد عليه القلب، حتى لو وقع المؤمن فى شىء منها        فإن نور الفرآن يبين له خطأه، ويرجع به إلى التوبة والإنابة رحمة من الله بالمؤمنين وعطفا عليهم، وفى قوله          تعالى (مِنكُمْ ) حجة على أن القوم كانوا على إيمان كامل.

 

]أَن تَفْشَلا[الفشل هو الجزع، والرعب، والفزع، ولولا أن الله تعالى دفع عنهما هذا البلاء لا نهزم                      القوم. وكان سبب هذا الهم أن عبد الله بن أبى بن سلول لما أشار على رسول الله rبالبقاء فى المدينة،             ومحاربة الأعداء فيها، وأشار عليه بعض الصحابة بالخروج إليهم، بعد أن كان يريد عليه الصلاة والسلام أن           يقيم فى المدينة فأطاع من رغبوا فى الخروج إلى لقاء العدو، وبشرهم بالنصر عليهم، وليس آلة الحرب                 وخرج، فحزن عبد الله بن أبى بن سلول وقال: خالفنى وأطاع غيرى. وانتهز فرصة الأعداء وكاد                     للمسلمين؛ لأنه كان رأس المنافقين، وقال لأهل النفاق منهم: إذا نحن لقينا العدو نرجع مهزومين من الجيش             فيرجع معنا غيرنا، وهذه عادة أهل النفاق مع النبى وأصحابه. فلما انهزم عبد الله بن أبى بن سلول وانهزم معه        ثلثمائة رجل من المنافقين، هم بنو سلمة و بنو حارثة من الأوس بالهزيمة تبعا لعبد الله بن أبى سلول ـ قاتله            الله ـ فأكرمهم اله تعالى بدفع الشر عنهم، وثبت قلوبهم، وأيدهم بروح منه.

]وَآلله وَلِيُّهُمَا [.وفى رواية: ]وَلِيُّهُمْ [. وولاية الله تعالى تأييده لأهل الإيمان، وحفظ قلوبهم من أن                     يكون للشيطان عليهم سلطان. قال سبحانه: ]إنَّ عِبَادى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَنٌ [(1)وكفى المؤمن فخرا                  ولاية الله له. حتى كان من تأثير الآية على قلوب المؤمنين الذين لم يهموا بالفشل قالوا: ما يسرنا إذ لم نهم               بالفشل بعد قول الله تعالى ]وَآلله وَلِيُّهُمَا [؟ فإن فى ذلك من صلاح الله والثناء منه سبحانه ما يشرح صدور            المؤمنين، بعد أن أنزل فيهم تلك الآية بالثناء والمدح. وولاية الله كلمة جامعة لكل خيرات الدنيا والآخرة،               فمنها النصر على الأعداء، والتمكين فى الأرض بالحق، والسلامة والعافية فى الدين والدنيا والآخرة، وتنفيذ           الكلمة، والتوفيق لمحاب الله ومراضيه، وغير ذلك مما لا يحصر من الفضل العظيم.

]وَعَلَى آللهِ فَليَتَوَكَّلِ آلمُؤمِنُونَ [ التوكل هو تفويض جميع  الأمور إلى الله، تفويضا يطمئن به القلب،                   حتى يتجمل العبد بالرضاعن الله فى كل شأن من شئونه، والتوكل أرقى مقامات اليقين، وهو فضل الله الذى            يتفضل به على كُمَّلِ أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام وورثتهم من بعدهم. قال تعالى مخبرا عن هود عليه          ــــــــــــــــ

(1) سورة الحجر آية 42.

 

 

قوله تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ000 (123) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلام: ]إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبّىِ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [(1)والتوكل بعد مقام                               المحبة. والمحبة لا تكون إلا بعد كمال المعرفة. والمعرفة لا تكون إلا بعد مقام التوبة، والرجاء، والخوف. فإن             الجاهل بالله لا يحبه ولا يتوكل عليه. وكيف يحب الإنسان من يجهل ؟ ومن أحب من يجهل عاداه. فقد يحب                معنى من معانى جماله، ويمكون الله تعالى قدّر عليه شيئاً من جلاله ينكره العبد نفورا منه، فيكره الله تعالى                 لعدم رضاه بقدره، وذلك من جهله بربه. وما أمر الله المؤمنين أن يتوكلوا عليه إلا لأنه يحب أن يرفعهم إلى                أعلى مقامات اليقين، بعد أن نفضل عليهم بالإيمان وبمزيده وبالمحبة، وأهّلهم لمقام التوكل.  

.

 

ومعنى الآية أن الله تعالى يقول وعلى الله فليعتمد ويلتجىء ويستعين كل مؤمن حصل له وهن أو ضعف أو                رعب مما لا طاقة له به، أو خوف من نزول مصاب فادح. وهذه الآية بشرى للمؤمن بعد بشرى؛ لأن أمر                 الله للمؤمن أن يتوكل عليه سبحانه حجة على إغاثة الله له، ونصرته وفوزه بطلبته فى الدنيا والآخرة. وفى هذه              الآية أيضا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يسرع فى الإجابة على من أقبل عليه، وتوكل وتاب إليه، وأناب                 ورجع. فما على المؤمن إلا أن يلتجىء إلى الله فى كل حاجاته موقنا بإغاثة الله وسرعة إجابته، لأن المؤمن إذا             التجأ إلى الله وحصل له الاضطرار شرح الله صدره، ومنحه اليقين الحق بنيل مقصده. أما ضعيف الإيمان فإنه             إذا نزلت به مصيبة تحير قلبه، وسخط على الزمان والمكان، وانزعج فلم يصبر، وطاش عقله فنسى الله ونسى             الاستغاثة، والله يقول: ]وَإذَا سَألَكَ عِبَادِى عَنَّى فإِنَّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ آلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [(2)وصدق الله                   العظيم، وكذب العبد ضعيف الإيمان. والمؤمن لا يجرب ربَّه، ولا يخالف أمره.

 

والتوكل على الله صولة اليقين فى القلب، التى تجعل العبد يرى ما فى يد الله أقرب إليه مما فى يده، بل                    ويسمع بأذن قلبه تلبية الله له عند الشدائد، بل ويحس بإمداد الله له بالخير الذى يحتاج إليه فى دنياه ودينه                    وآخرته. التوكل ذخيرة المؤمن، وكنز المحسن، وخير أهل اليقين، وهو مقام عَلِىٌّ خصَّة الله تعالى بأهل                    القرب منه، جعلنا الله من المتوكلين عليه سبحانه.

 

           قوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ p123i

 

]وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ[هذه الآية الشريفة مرتبطة بقوله تعالى: ]وَإِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا                              لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهًمْ شَيْئاً [والمعنى: إذا صبرتم على لقاء عدوكم وكيده لكم؛واتقيتم ربكم، ينصركم ويؤيدكم                   بنصره العزيز الذى نصركم به أيام كنتم قِلَّةًّ وكان عدوكم كثرة، وكنتم أذلة وأعداؤكم أعزة فى يوم بدر، فإِن الله            نصر أهل بدر وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا، وكان جيش الكفار أكثر من ألف معهم السلاح والدروع،                 ومعهم أحباشهم وخدمهم، وليس مع أهل بدر سلاح  ولا خيل، لأنهم خرجوا من المدينة ليسوقوا عير قريش                القافلة من الشام إلى مكة، وعليها أموالهم وتجاراتهم. كما أخبرنا الله تعالى فى قوله: ]وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذَاتِ                ـــــــــــــ

(1)     سورة هود آية 56.

(2)     سورة البقرة آية 186.

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [(1)أى: أن العير بما عليها يكون لكم، وأن لا تلقوا ذات الشوكة ـ يعنى الجيش ـ ولم                 تكونوا مستعدين له فنصر كم الله وأيدكم، وهزم المشركين وأذلهم وجعلهم غنيمة لكم. وذلك لأنكم سمعتم                    وأطعمتم وصبرتم واتقيتم، وكذلك يكون لأهل الإيمان إذا هم صبروا واتقوا. ولو أجمع على قتالهم أهل الكفر              بالله جميعاً فإن الله ينصرهم ويهلك الكافرين بقوته وقهره، وكيف لا يكون ذلك ؟ وكان جيش أهل بدر                    ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا، فهزم الله به جيوش قريش المشركين.

.

والمسلمون الآن أربعمائة مليون مسلم تقريباً(2)، وكلهم أذلاء تحت يد من كانوا بالأمس عبيدا يباعون فى                   أسواقهم. فذلوا مع كثرتهم، وافتقروا مع وفرة خيراتهم، وهانوا مع قوتهم، وما ذلك إلا لأن النصر لا يكون                 إلا من عند الله، والله لا ينصر إلا من صبروا واتقوا. والواجب علينا فى مثل هذا الزمان أن نرجع إلى ماكان             عليه، سلفنا الأول، فنجدد سنة رسول الله r، ونعمل بكتاب الله، ونصبر على بلاء الله، ونجاهد فى سبيل                 الله، موقنين بأن النصر لا يكون إلا من عند الله . ومعنى هذه الآية أن الله تعالى يخبرنا أنه نصرنا ونحن فى قلة          وذل ، والعدو فى كثرة وعز يوم بدر، وهذا النصر من حيث لا نحتسب. فعلينا أن تتذكر هذا الفضل العظيم              فنتوكل على الله، ونلتجىء إليه، وننتظر الفرج منه سبحانه.

]فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [تقدم الكلام على التقوى، ولما كان من معانى التقوى رعاية جانب الله                      تعالى ؛ رعاية تجعلنا نتمثل ما تفضل به سبحانه علينا من الخير فى وقت الإعطاء والمنع أمرنا بالتقوى ؛ لنشكره        على ما أكرمنا به من تنجيز وعده ، ومن إغاثتنا عند اضطرارنا إليه . فإذا نحن اتقينا شكرنا ، وإذا نحن شكرنا          منحنا المزيد من فضله ، قال تعالى : ]لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [(3)فالتقوى أصل كل إحسان وفضل من الله                 تعالى ، قال سبحانه : ]وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [(4)وقد تقدم الكلام على              معنى (لَعَلَّ ) فى القرآن.

قوله تعالى : إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ                                    مُنزَلِينَ p124i             

هذه الآية الشريفة نزلت فى عزوة بدر على الأرجح من الروايات، وعلى هذا تكون ( إذْ ) متعلقة بقوله                    تعالى : ]وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ[وروى بعضهم أنها نزلت فى أحد وتكون(إذْ ) متعلقة بقوله :             ]وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ [وظاهر اللفظ يدل على أن هذه الآية أنزلت فى غزوة بدر، ودليل ذلك اتصالها                  بالآية السابقة، وأن الملائكة قاتلوا يوم بدر وهزموا الأعداء . وأن المؤمنين علموا أن كرز بن جابر المحاربى همّ          أن يمد المشركين بجيش، فحصل لهم حزن شديد . فقال لهم رسول الله r: ]أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ                      رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ [والاستفهام هناك لإنكار عدم الكفاية ، ولن لنفى المستقبل .                        ]يَكْفِيكُمْ [من الكفاية : وهى دفع الأذية ونيل الخير ، و (أن ) وما دخلت عليه مؤولة بمصدر أى :                    إمدادكم، و (بَلَى ) إيجاب للنفى بـ (لَنْ ) و ]بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ [أصلها ألف . بدليل قوله تعالى فى الأنفال : ]إذْ            ـــــــــــــــــ

(1)     سورة الأنفال آية 7.

(2)     كان ذلك وقت إملاء التفسير سنة 1340هـ .

(3)     سورة إبراهيم آية 7.

(4)     سورة الطلاق آية 2 ـ 3 .

 

قوله تعالى : بَلَى إِن تَصْبِرُواْ 0000 (125) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ[(1)فأكمل الله آلاف المردفين                          فجعلهم ثلاثة آلاف هنا . وكل ذلك فى غزوة بدر . ولم يرد خبر يثبت أن الملائكة قاتلوا فى غزوة أحد على             الأصح . والحقيقة أن الله أمد أهل بدر بألف ملك قاتلوا قريشاً مع الصحابة . ولما بلغهم خبر كرز بن جابر ،              وحصل لهم الحزن أمر الله تعالى رسوله rأن يقول للصحابة : ]أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ                  مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ [قال الصحابة : بلى ، إيجابا للمنفى . ولم يأت كرز ، وهزم الله قريشا ، ونصر نبيه                r. فثبت بأن الله أنزل ملائكة يوم بدر زيادة عن الألف تقاتل مع الصحابة . ولما أن اطمأنت قلوب                     الصحابة بخبر الله فى أن يمدهم بثلاثة آلاف؛ زادهم الله طمأنينة وشكرا وفرحا بقوله لرسول الله rقل                  لهم : ]بَلَى إِن تَصْبِرُوا 000 [.

قوله تعالى: بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ                                   مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ  p125i

]بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا [شرط الله تعالى للإمداد بخمسة آلاف : الصبر ،                      والتقوى، ومجىء كرز بمن معه من الجيش . ولم يأت كرز فى بدر لما علم بهزيمة قريش . وهذا كله على أن            هذه الآيات نزلت فى بدر، وقد قررنا مامضى فيها أن الله أمد أهل بدر بألف ملك قاتلوا . ومَن أوَّل تلك الآية             الشريفة أنها كانت فى أحد يرى أن انقلاب عبد الله بن أبى بن سلول مع ثلثمائة رجل من جيش رسول الله               r، وقد هن أن تفشل طائفتان من الصحابة مع عبد الله وآخرين ممن بقى منهم فأيدهم الله وثبتهم ، وطمأن               قلوبهم فى يوم أحد بقوله : ]أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِبَلَى إِن تَصْبِرُواْ [                       على لقاء عدوكم ]وَتَتَّقُواْ [ربكم في الرغبة فيما عنده والزهد فيما فى الدنيا . وقد تقدم معنى ]تَصْبِرُواْ                   وَتَتَّقُواْ []وَيَأْتُوكُم [أي : قريش ]مَّن فَوْرِهِمْ [أي : من غضبهم وحقدهم على من قتل منهم يوم بدر .     

.

]يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم [أي : يؤيدكم وينصركم ]بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ [إن كانت من :                             سامت الإبل ، أى : انطلقت فى المرعى ، أو من قولك : الأنعام السائمة، فالمعنى : مسومين أى : مهلكين                    للكفار ، لأن الأنعام إذا سامت أرضا أهلكت ما فيها من النبات . وتأويل هذه الكلمة بمعلَّمين بالفتح أو معلَّمين              بالكسر ، أقرب إلى بيان الآية . وفى هذه الآية طهور مدار على أرواح أهل الإيمان إذا وفقهم الله تعالى فصبروا           على مناوأة الأعداء ، واتقوا الله بالرغبة فيما عنده ، والزهد فيما فى الدنيا من زبرجها الفانى ، وزخرفها                 الباطل ، أمدهم سبحانه بروح منه تقوى بها همههم ، وتطمئن بها قلوبهم ، وبالملائكة مردفين ومسومين ،                وكم أكرم الله هذه الأمة وخَلَفَها بالتأييد والنصرة ـ حتى فى الحروب الصليبية وبعدها إلى اليوم ـ والواجب              علينا فى مثل تلك الظروف العصيبة ونحن فى القرن الرابع عشر من الهجرة أن نعمل بقوله تعالى : ]بَلَى إِن                          تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ [وقد جربنا السياسة العوجاء مع الإفرنج ، واقتدينا بزعمائها ، ونسينا وعد الله تعالى ، وكانت             نتائج هذه السياسة العوجاء والمخالفة للشريعة ؛ إذلاَلنا وتمكين عدونا مِنّا . وقد وضحت الحجة لذى عقل ،                فهلم بنا نرجع إلى ما وعدنا الله به ، ونثق أنه حكيم ، قال تعالى : ]قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْك [(2)

ــــــــــــــــــ

(1)     سورة الأنفال آية 9.

(2)سورةالأنعام 73.             

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى : وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ                            الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ p126i

يزيد الله المؤمنين إيمانا حتى تبلغ بهم طمأنينة القلب التى تمناها الخليل عليه السلام . فأنزلهم ـ له الحمد                 والشكرـ منازل أنبيائه الكرام ؛ لأن الخليل عليه السلام قال : (بَلَى ولَكِن لَّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ) فسأل الله أن يريه              تعلق القدرة بالمقدور بقوله : ]أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [(1)والله تعالى إكراماً لحبيبه محمد rيكرمنا بما به              تطمئن قلوبنا . كما أكرم حبيبه سيدنا محمداً rفشرح صدره بدون سؤال فقال سبحانه : ]أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ                  صَدْرَكَ [(2)بعد قول موسى عليه السلام :]رَبَّ آشْرَحْ لىِ صَدْرِى [(3)]وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ [                   أي وما جعل الله وعده بإمدادكم بخمسة َْالف من الملائكة مسومين إلا بشرى ، أى : خيرا وسرورا لكم.                  ]وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ [عطف الفعل على الاسم ، وكان يمكن أن يقول : وطمأنينة لقلوبكم ، ولكنه سبحانه                أتى بالاسم وعطف عليه الفعل ؛ لأن الوعد بالإمداد يحصل منه للإنسان أمران عظيمان : أولهما البُشرى.                وثانيهما الطمأنينة ، وهى القصد الأعظم . فقدم سبحانه البشرى ، ثم أتى بالمقصد الأعظم متصلا بلام                    التعليل ؛ فأتى به تعالى فعلا تقوية للاطمئنان ، كما قال تعالى : ]وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [(4)            فعطف الفعل على الاسم هنا لتلك الحكمة . وجائز أن تقول : الواو هنا زائدة ، ويكون المعنى : وما جعله الله             إلا بشرى لكم لتطمئن قلوبكم به . ولما أن وعدنا الله تعالى بإمداد الملائكة لنصرتنا على أعدائنا ؛ طهر قلوبنا             من شوب التوحيد بالنظر إلى الأسباب . وإن كان الصحابة بل وكمل المؤمنين من المسلمين لا يشوب                    توحيدهم شوب الأسباب ، لأنهم يرون الأسباب قد وضعها الله تعالى ليتعرف بها إلينا ، ولكنه سبحانه تفضل              فأشهدنا حقيقة التوحيد ؛ لتكون طهرة لنا مما يلم بقلوبنا من النظر إلى الأسباب ، أو من الوقوف عندها،                   عصمنا الله تعالى مما يشوب التوحيد ويوقع فى الشرك الأخفى.

.

]وَمَا النَّصْرُ[أي : وما الظفر والفوز بالنجاة من الأعداء ونيل الخير فى الدنيا والآخرة ]إِلاَّ مِنْ عِندِ                     اللّهِ [وحده فهو سبحانه القادر على أن ينصرنا من غير إمدادنا بالملائكة . قال تعالى : ]كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ              غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [(5)وما وضع اله الأسباب إلا لتقوم الحجة له سبحانه على النفس                    والعقل والحس والجسم؛ وليظهر للأرواح ظهور القادر الحكيم الفاعل المختار، المدبر شئون خلقه، وصدر                الجملة بأداة الحصر ، وهو النصر الحقيقى . أو قصر الصفة على الموصوف ، يعنى : النصر لا يكون لأحد من        الخلق إلا من عند الله . فمن شهد النصر بكثرة عَدد أو بقوة عُدد أو بحيلة وكيد أو بسياسة وخدع ؛ فهو                  مشرك يجب عليه أن يجدد إسلامه ؛ لأن الشئون قدّرها الله أزلا بإِرادته ومشيئته ، ونفذها أبدا بقدرته                    وحكمته ، وأظهر الأسباب للعقول والأبصار ؛ ليظهر كمال إيمان المؤمنين ، أو شرك المشركين بوقوفهم عند             الأسباب .

ـــــــــــــــ

(1)     سورة البقرة آية 260.

(2)     سورة الشرح آية 1.

(3)     سورة طه آية 25.

(4)     سورة النحل آية 8.

(5) سورة البقرة آية 249.       

 

قوله تعالى : لِيَقْطَعَ طَرَفاً0000 (127) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]الْعَزِيزِ[أي : القهار  الذى يؤيد أولياءه الذين جملهم بالصبر والتقوى بقوته العلية ؛ فيذل أعداءهم                     وينصرهم عليهم بقهره وانتقامه ، وذلك بتدبيره وتقديره الخير لهم من الأزل ، وينفذ ماقدره أزلا.                           ]الْحَكِيمِ [أي : الذى يظهر ماقدره بحكمة علية ، وتدبير ؛ ليقوى إيمانهم ، وليدخل فى الإيمان أهل الكفر                 بالله ، الذين أذلهم الله بالمؤمنين بما أظهره من عنايته بهم وإكرامه لهم .

 

قوله تعالى : لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ p127i

 

يزيد الله المؤمنين قوة فى إيمانهم ؛ بما بينه لنا من حكمة إمدادهم بالملائكة ، فيجعل من تلك الحكمة قطع                   طائفة أو جماعة أو فئة من الذين كفروا . وقطعهم : إهلاكهم . والحقيقة أن الحرب إذا قامت أهلكت الطرف               الذى يلى المجاهدين ، وأيقظت الطرف الثانى والوسط ، فمعنى ]طَرَفاً [أي : الطائفة التى برزت للحرب ،              وتركت الوسط والطرف الثانى وراءها ، وفى قطع هذا الطرف إذلال لمن وراءهم من قومهم وقهرلهم . وأراد            سبحانه بالطرف : المقاتلين منهم . ومتى قهر الله طرفهم سرى القهر منه إلى الوسط وإلى الطرف الثانى ،               ولذلك يقول سبحانه وتعالى :]أَوْ يَكْبِتَهُمْ [والكبت لغة : هو لصق الوجه والبطن على الأرض ذلا وقهرا ،             وهو مأخوذ من : كبه على وجهه ، ومنها كتبه ، أى : رماه على وجهه فوق الأرض . والمعنى : أن من لم يُقتل          منهم يهان حتى يسقط على وجهه فوق الأرض من الجراح والخوف .

.

]فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ [أي : فيوؤل من كبتهم الله ولم يهلكوا فى القتال بالخيبة من الظفر بما كانوا يقصدونه ،                 ومن سلب ما كان فى أيديهم من الأموال والنعم باستيلاء الصحابة عليه غنيمة . والخيبة : حرمان الإنسان من             الضرورى والكمالى ومن آماله .

 

قوله تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ p128i

 

معنى هذه الآية بحسب النظم : ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم                     ظالمون ، ليس لك من الأمر شىء . فقدم سبحانه : ]لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [على نظم الآية ، لأنه هو                المقصود الأعظم من البيان ، لأن  ]لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [أي : ليس لك من الأمور عبادى فى الرحمة بهم ،         والشفقة عليهم ، وتمنى الخير لهم ، أو فى الانتقام منهم ، وقهرهم ، لأن ذلك كله إلىَّ لا إليك ، والذى لك هو             أن تنفذ أمرى مسارعة إلى رضاى ، ولا تجعل لك مرادا إلا المسارعة إلى القيام بما أمرتك به ، فإن فى ذلك نيل          مرضاتى ؛ أما ما جعلته فى قلبك من الرحمة العامة ؛ والشفقة الشاملة ؛ وحب الخير للخلق جميعاً ؛ فذلك إنما            تستعمله فيما أمرتك به ؛ ونهيتك عنه ؛ لأكون أنا الفاعل المختار وحدى ، لا شريك لى .

.

وذلك لأن رسول الله rبقدر ما كان يحصل من الرسل السابقين من الدعاء على قومهم ، وتمنى                          إهلاكهم ، ودمارهم ، كان قلبه عليه الصلاة والسلام مفعما بالرحمة على الخلق ، والعطف عليهم ، وتمنى                 هدايتهم ، حتى عتب الله سبحانه عليه فى هذه الأحوال الرحمانية ، قال تعالى : ]فّبِمَا رَحْمَةٍ مَّنَ آللهِ لِنتَ لَهُمْ              .

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَلَوْ كُنتَ فَظَّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لآَ نفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [(1)وقال سبحانه : ]فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ                                حَسَرَات [(2)وقال جل جلاله : ]فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ [(3)وأمثالها من الآيات الشريفة . بعد                 قول نوح عليه السلام : ]رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [(4)وقول موسى عليه السلام : ]رَبَّنَا             إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ                    وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ [(5)الآية . مع أن رسول الله محمداً rكان إذا اشتد عليه البلاء قال : ]رَبَّ اهْدِ                    قَوْمِى فَإِنَّهًمْ لاَ يَعْلَمُونَ [وهذه الآية الشريفة من هذا المعنى . فقوله تعالى : ]لَيْسَ لَكَ مِنَ آلأَْمْر شَىْءٌ [                  أنزلها الله عتابا لنبيه محمد rعلى ما كان يتمناه للخلق أجمعين من الهداية ، والنجاة من الكفر والعذاب يوم              القيامة .

وعلى تأويل أن الآية افتتحت بـ]لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [تكون (أَو ) الداخلة على ]يتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ                  يُعَذَّبَهُمْ [بمعنى حتى ، ويكون الفعل منصوبا بها .

والآية الشريفة من قوله سبحانه : ]لِيَقْطَعَ طَرَفاً [إلى قوله تعالى : ]فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ [نزلت فى غزوة                     أحد . سبب نزول هذه الآية أن رسول الله rصلى الفجر بعد غزوة أحد ، وبعد أن كسرت رباعيته                     وشجت رأسه دعا للمستضعفين من المسلمين فى مكة ، ودعا على جبابرة قريش ، وهى المرة الفذة التى دعا              فيها فأنزل الله عليه : ]لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ[أى : ليس لك من الحكم والقضاء على خلقى شىء ، إلا أن            تنفذ أمرى فيهم ؛ لأنى أنا الحكم العدل الذى قضيت ما قضيته أزلا حتى أتوب عليهم أو أعذبهم ، فإنى لا                 أعذب إلا الظالمين ؛ بدليل قوله تعالى : ]فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ [. والظلم هو الشرك بالله . وتقدم الكلام فى غزوة               أحد بالإجمال ، ومن رغب التفصيل فليراجعه فى مكانه .

وفى هذه الآية الشريفة من الإشارات على مشاهد التوحيد ما فيها . إن الله تعالى يقول : ]أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ                 أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [بين الله تعالى أن الخلق أجمعين لن يضروه شيئاً ولو كانوا على قلب أكفر رجل               منهم ، وأنهم إنما يظلمون أنفسهم بالكفر والمعصية ، وهو جل جلاله أخبرنا أن له سبعين اسما من أسماء                 الجمال ، وله تسعة عشر اسما منت أسماء الجلال ، وأن رجمته وسعت كل شىء ، فله فضل وإحسان على عباده ،        فيقدّر الخطايا جل جلاله ، ويقٍدّر العفو والمغفرة سبحانه ، ويوفق العبد بما يُنيله به التوبة إليه ، ويتفضل فيقبل           التوبة . ثم يتفضل فيغفر الذنوب . ثم يتفضل فيبدل سيئاته بحسنات . وهو الحَكَمُ العدل ، فيؤاخذ من شاء                من عبيده بخطاياه فيحرمه سبحانه من التوبة ، وتكون مؤاخذته جل جلاله للعبد على قدر الخطايا ، وذلك كله              برهان على أنه سبحانه هو الفاعل المختار ، الملك القادر الحكيم ، الذى لا يسأل عما يفعل . هذا إذا نحن فهمنا           أن قوله : ]فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [خبر عن مفعولى يتوب ويعذب ، ويكون : ]فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [صادقا على من                تاب عليهم ، وعلى من عذبهم . ونحن نجوز أن الله تعالى يخلف وعيده وإن لم يخلف وعده ، ويجوز أن تكون           ــــــــــــــــــ

(1)     سورة آل عمران آية 159.

(2)     سورة فاطر آية 8.

(3)     سورة الكهف آية 6.

(4)     سورة نوح آية 26.

(5)     سورة يونس آية 88.

 

 

قوله تعالى :وَلِلهِ مَافِى آلسَّمَوَاتِ000 (129) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المغفرة منه لأهل الظلم لأنفسهم يوم القيامة ؛ لأن الله على كل شىء قدير ، لا يتقيد بوعيده بل ولا بوعده ، إلا             أن وعده تَفَضُّل منه فلا يخلفه ؛ لأنه سبحانه ذو الفضل العظيم .

 

قوله تعالى :وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ                             غَفُورٌ رَّحِيمٌ p129i

]وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [هذه الآية مرتبطة بالآية قبلها . والمعنى أن الله تعالى يقول لحبيبه              محمد r، ليس لك من الأمر شىء ، بل الأمر كله له سبحانه وتعالى ، فيتوب على من يشاء ، ويعذب من                شاء ممن خالفوا أمره ، وذلك لأنه سبحانه وتعالى له ما فى السموات وما فى الأرض مُلْكًا ، ولما كانت                   السموات والأرض مكانا لخلقه ، وكان من خلقه من هم أفضل من السموات والأرض ، لزم أن تكون                     السموات والأرض له جل جلاله بدليل قوله تعالى : ]لَهُ مُلْكُ آلسَّمَواتِ وَالأَرْضِ [(1)وقوله تعالى : ]لَهُ                  مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [(2)وبهذا يثبت أن من فى السموات والأرض وما فيها له سبحانه مُلْكًا وإيجادا ،          ومتى ثبت ذلك قامت الحجة أنه سبحانه يفعل ما يشاء فى ملكه ، ويتصرف فيما يريد سبحانه من غير أن                 يسأل عما يفعل ، لأنه مالك كل شىء ، وموجد كل شىء .

وفى هذه الآية الشريفة حجة على أن كل مخلوق ـ وإن علا ـ عبد لله طوعا أو كرها ، وبها تجريد التوحيد              من الشوب حتى تثبت وحدة الأفعال ، وهى أن الفاعل المختار ]أَحَدٌ [هو الذي وضع الأسباب وأقامها                  أواسط بينه وبين خلقه ، سبحانه بمعانى صفاته فى تلك الأسباب والأواسط ، فإن الكائنات جميعها                         لا تخلو من خصوصيات ، ليست لها تلك الخصوصية لأنها مادة ؛ بل لأن القادر الحكيم خلق تلك الخصوصية             فى كل مادة بحسبها .

وفى طى تلك الخصوصيات تجليات لأهل البصائر تجلى للناظر إليها بعيون عقله ونفسه ، وجمال علىٌّ يشهد             الأرواح أنوار الأسماء العلية التى أفاض الله منها جماله وجلاله على الخلق . وما من مادة من المواد ، ولا حقيقة         من الحقائق ، إلا وأبدع الله فيها من بدائع إبداع صنعه أنواعا كثيرة من الخواص لا حياة للعالم بأجمعه إلا بها ،           فترى الشمس مع أنها تضىء تعطى الحرارة للأجسام ، وتبخر الماء ، وتؤثر فى الهواء ، وتنمى المعادن ، وتجمل        المدر فى البحار العظيمة ، وتغذى النباتات بما تكمنه فيها من أنواع الحرارة التى تكون فى أليافها وجذوعها               وفروعها ، وتوجد عند التهاب النار بها ، وتعطى الألوان للزهور ، وتنضج الفواكه ، وتوجد الزيوت فى                البذور المؤهلة لها ، وتعمل غير ذلك بالخواص التى أودعها الله فيها .

جمع الله السموات وأفراد الأرض ؛ ليدل على أن السموات كثيرة ، وأن الأرض واحدة . فإنه ماذكر                      السماء فى القرآن إلا وأخبر سبحانه أنها سبع سموات ، ولاذكر الأرض إلا وأفردها . وما وقع من الخلاف بين           العلماء وتخبط علماء الأحكام الشرعية إلا من عدم تحقيق علماء الأحكام ، وجهل علماء التحقيق بآداب                   المناظرة . وإلا فالقرآن أنزله الله تعالى الذى خلق كل شىء وعلم بكل شىء قبل خلقه ، فخبره لا يخالف                  ـــــــــــــــــ

(1)     سورة البقرة آية 107

(2) سورة البقرة آية 255.

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشاهدات الحسية والعقلية ، وقد أثبت أن الأرض واحدة ، وأنها ليست كروية تامة التكور ،                            ولا مبسوطة كل البسط ، ولم ترد فى القرآن آية تدل على أنها مبسوطة ولا أنها كرة . ولكنا نرى أن كل ما خلقه         الله من تلك الأجرام الهائلة يكون مستديرا . والأرض وإن كانت منقسمة إلى سبعة أقسام ، وهى آسيا وإفريقيا             وأوربا واستراليا والأمريكتان وجزائر الأوقيانوسات ؛ فإنها كتلة واحدة فصلت بالبحار . ولا يجوز أن نسميها             سبعة أراضى .

وإن ورد فى الآية الشريفة قوله تعالى : ]خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأََْرْضِ مِثْلَهُن [(1)فإن المشبه به                       السموات  ، والمشبه الأرض ، ووجه الشبه هنا أن الله خلق الأرض سبع طبقات . ووجه الشبه هنا أن الله خلق           الأرض كما خلق السموات ، ولم يرد نص صريح على أن الأرض سبع طبقات لتقوم الحجة . وهذه الآية لا تقوم         بها الحجة على ذلك ، وما مال إليه الباحثون فى طبقات الأرض ؛ مما وصلوا إليه من أن الأرض فيها طبقات            ترابية ، ثم حجرية ، ثم معدنية ، ثم بعد ذلك أجسام أشفّ من ذلك وأهش ؛ فذلك مما لا يستدل به على                   شىء ؛ فإن تأثير الأفلاك على الطبقات العليا ، وما تقبله تلك الطبقات العليا من تأثير تلك الأفلاك ؛ من حرارة           ورطوبة ، وما يحدث فيها من انفعالات كيماوية فى جرم الأرض الباطن ؛ يجعل تلك الأجسام التى كمنت فيها            تلك الآثار ؛ تخالف كل المخالفة سطحها الظاهر ، كما يحصل هذا التأثير فى الأجسام الحية ، التى تكون فى              الأقاليم الباردة أو الحارة ، والواجب ألا نتعصب لما نفهمه فى كتاب الله حتى تقوم الحجة ، فلا نفتح أبواب                الفتن على المسلمين فيقعون فى الجدل الذى حرمه الله تعالى .

]يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء[المغفرة فى اللغة : هى الستر على الذنب ، حتى ينسى ذنوبه فلا يرى              أحد عليه ذنبا ولا الملائكة ، قال r: ( إِذًا تَابَ آلْعَبْدُ أنْسَى آللهُ آلْحَفَظَةَ ذُنُوبَه وَأَنسَى ذَلك جَوَارِحَهُ                       وَمَعَالِمَهُ مِنَ آلأْرْضِ حَتَى يَلْقَى آلله وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ بِذَنبٍ ) والعذاب هو الانتقام من المجرم المرتكب                    للكبائر .

وفى هذه الآية دليل على أن الله تعالى لا يتقيد بشىء فهو الملك المطلق، يتفضل بفضله العظيم على من يشاء                         بغير استحقاق ، ويعاقب من يشاء باستحقاق .

]وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[أي : ستار يستر العيوب ، والذنوب الصغائر والكبائر بفضله وإحسانه . (رَّحِيمٌ ) أى :            عطوف وسع خلقه برحمته ، ولولا رحمته لما وجد كون ، ولولاها لما بقى فى السموات والأرض مخلوق.               فبرحمته أوجد الخلق ، وبرحمته أمدهم بمابه بقاؤهم إلى الأجل المحتوم ، وبرحمته تفضل فأرسل الرسل ، وأقام           العلماء ، وبها أنزل الأمطار ، وسخر السحاب ، وصرف الرياح ، وأجرى الأنهار ، وزرع النباتات ، وأمد              الخلق بما لا بد لهم منه وأكمل . فسبحان الغفور الرحيم . وقد ذكر هذين الاسمين الشريفين ليشهد النفوس                 فضله العميم ، وبره وجوده ولطفه ورأفته ، فتنجذب إلى الإسلام بعامل المحبة .

ــــــــــــــــ

(1)     سورة الطلاق آية 12.

 

        

 

 

 

 

 

قوله تعالى :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ000 (130) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ                               تُفْلِحُونَ p130i

بعد أن بين الله تعالى أحكام الجهاد ؛ وما يجب على المؤمنين أن يقوموا به بالنسبة لأعداء الله تعالى ؛ استأنف             الكلام بأحكام يجب أن يراعيها المؤمنين . وجائز أن يكون كفار قريش حصلوا من ربح الربا أموالا أنفقوها فى           محاربة الله ورسوله ، أن تميل قلوب الصحابة إلى استعمال الربا . ليجمعوا منه أموالا كثيرة يجاهدون به                أعداء الله تعالى ، فبين لهم حرمه الربا بقوله تعالى : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ [الآية . أى : يا أيها الذين صدقوا الله          ورسوله ]لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً [هذه أول آية نزلت فى الربا ، وهى منسوجة بقوله تعالى :                    ]وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [(1)ومعناها أن الرجل فى الجاهلية كان إذا أعطى الرجل مالا وزاد عليه ربا ولم            يتمكن من دفع المال فى ميعاده ، زاد عليه مالاً آخر وأجَّله ، حتى قد يبلغ الربا أضعاف رأس المال ، فنهانا الله           عن ذلك . وهذه الآية لا تفيد إباحة الربا بأقل من ذلك .

]وَاتَّقُواْ اللّهَ [تقدم معنى التقوى والفلاح فى سورة البقرة ، ولكنا نزيد هنا بأن الله تعالى جعل كل خير                    يمنحه العبد متوقفا على التقوى . فالتقوى سبب كل خير فى الدنيا والآخرة ؛ لأن تقوى الله تعالى تكسب                   الإنسان أخلاقا جميلة من المراقبة لربه ، فيحب لغيره ما يحب لنفسه ، بل ويؤثر غيره على نفسه فى مرضاة الله          تعالى فيلقى الله عليه محبة منه سبحانه فيحبه الخلق ، وبذلك يعيش سعيداً عزيزا ، فإِذا مات واجهه الله بما                يواجه به الأتقياء من عباده ، فأنزله فى دار كرامته ، وجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء ، وفى مقعد صدق           عند مليك مقتدر . ومن اتقى الله تعالى ملأ الله قلبه غنى ، وأراح جسمه من العناء ، ووسع له رزقه ، والتَّقِىُّ              قريب من الله ؛ قريب من الخلق ؛ قريب من الجنة ، بعيد عن النار .

]لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [أى: لتفلحوا ، والإفلاح هو الفوز بجميع المقاصد . فمن كان مراده الله فاز بمقصده ،                     ومن كان مراده مادون الله تعالى من نعيم الآخرة ومسراتها فاز به بسبب التقوى .

          .

قوله تعالى : وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ p131i

 

]وَاتَّقُواْ النَّارَ [بينت لك فيما سبق أنواع القوى ، وهى تقوى الله ، وتقوى الرب ، وتقوى اليوم ،                         وتقوى النار ، وقد تقدم لك تعريف التقوى . وتقوى النار هاهنا ؛ هو العانية بالتحفيظ عن عمل يستوجب                  دخول النار .

]الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [أي : أعدها الله للكافرين . فإِذا قارف المؤمنون عملا لا يعمله إلا أهل الكفر                      بالله ؛ اتصلوا بهم . وهذه الأعمال التى سيقت الآية الشريفة لها هى الربا . فإن أكل الربا لا يستطيبه إلا أهل             الكفر بالله ، الذين سلب الكفر الرحمة من قلوبهم ،بالطمع والحسد والحرص ، ولا تكون تلك المعانى                       فى قلب كمل فيه الإِيمان ، فإِن الإِيمان كما قررت لك : عقد القلب على إفراد الله بالتعظيم ، وعلى المسارعة إلى          ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 275.

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العمل بأمره ، والعبد عما نهى عنه ، فإِقرار باللسان ، فعمل بالجوارح ، وقلب عمر بعقيدة التوحيد واطمأن             بذكر الله يعصمه الله من القوع فى الكبائر ، قال تعالى : ]إِِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ                       سَيِّئَاتِكُمْ [(1)ولا يفرح عبد بعمل المعاصى وقلبه فيه الإيمان ، قال r: ( لاَ يَزْنِى آلزَّانِى حينَ يَزْنِى وَهُوَ مُؤْمنٌ وَلاَ            يَشْرَبُ آلْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِن ) الحديث . وهذه الآية تدل على أن مرتكبى الكبائر التى لا يقع فيها               إلا أهل الكفر باله تعالى يدخلون النار ، ولم يخالف ما عليه أكثر المسلمين من أن المؤمن  لا يدخل النار . فإن            المراد منها أن المؤمن الذى طهره الله من الوقوع فى الكبائر ـ مهما ارتكب من السيئات الأخرى ـ لا يدخل               النار ، وذلك لأن الإيمان يزيد وينقص ، ونقصانه بعمل المعاصى ، وزيادته بتحصيل العلم النافع ، والمسارعة            إلى العمل الرافع .

 .

قوله تعالى :وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ p132i

.

]وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ [هذه الآية يعتب الله بها على الصحابة الذين شهدوا يوم أحد من الرماة الذين                    خالفوا رسول الله rوتركوا مواقفهم وأسرعوا للغنيمة ، فكان ما كان ، وإن كان سببها خاصا ولكنها عامة                 فى الحكم . ومعناها : أن الله يقول للمؤمنين أطيعوا الله تعالى فيما كلّفكم به فى كتابه العزيز ، وأطيعوا                   الرسول فيما بيَّنه لكم من كتاب الله ، وما أمركم به بالقول والعمل .

]لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [أى : لترحموا فتنالوا النجاة فى الدنيا من عقوبة الله تعالى فيها ، وتنالوا النجاة فى الآخرة               بالفوز بالجنة والعبد عن النار . هذه الآية وما بعدها وما قبلها متصلة بغزوة أحد .

وفى هذه الآية إشارة إلى أن طاعة الرسول فرض عين علينا فيما أمرنا به ولم يكن له دليل من القرآن ، وهى             حجة على بعض من لاخلاق لهم ، ممن إذا سمعوا الخبر عن الرسول الله rقالوا : ما رأيناه فى كتاب الله عملنا          به ، وما لم نره فى الكتاب لم نعمل له !! وقد ورد فى آخر الحديث الطويل قوله r: ( أَمَا وَإِنَّى أُوتِيتُ                 آلقُرآنَ وَأكْثَرَ مِنَ آلْقُرْآنِ ) وإنا لم يصل إلينا القرآن إلا منه r ، وقد قامت الحجة بالمعجزة وبالعقل وبما                أنزله الله فى الكتب السالفة من أنه rخاتم الرسل ، وأنه معصوم ، قال الله تعالى : ]وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى                 إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [(2).

 

قوله تعالى :وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ                                 لِلْمُتَّقِينَ p133i

 

]وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ [هذه الآية الشريفة من متعلقات غزوة أحد ، والحكم فيها عام أيضا ،                     والمسارعة لا تكون إلى المغفرة ، ولكنها تكون إلى ما ينيل العبد المغفرة من الله تعالى ، والأمر فيها عام لا يختص        بحكم دون حكم ؛ لأن السياق يقتضى المسارعة إلى طاعة الله وطاعة رسوله فى كل أمر ونهى ، وإن خصه              ـــــــــــــ

(1)     سورة النساء آية 31.

(2)     سورة النجم آية 3 ـ 4 .

 

 

 

قوله تعالى : الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء000(134) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعضهم بقوله : هو الإسلام ، أو الجهاد ، أو الحج . والظاهر أنه لا قرينة تعين نوعا من أنواع الأحكام دون               غيره . ونيل المغفرة لا يكون إلا بالقيام بتأدية كل الأوامر واجتناب كل ما نهى الله عنه .

]وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ [هذا دليل على أنم الجنة مخلوقة ، وأن مكانها فوق السماء السابعة ،                 وسقفها العرش ، وهى محيطة بالسماء السابعة وأكثر ، حتى أن عرضها لو وضعت طبقات السموات ومدت               الأرض واتصلت بطبقات السموات لكانت مثله ، والعرض أقل من الطول بكثير فكيف يكون طولها ؟                       ومادعا بعض من جهل قدرة الله تعالى إلى السؤال بقوله : إذا كان عرض الجنة كالسموات والأرض متصلة               بعضها ببعض ممتدة ، فأين تكون النار ؟ الأمر هين عقلا ؛ لأن داراً سقفها العرش ، وكانها فوق السموات                 السبع ، والسموات السبع تحت أرضها من كل جهة ، وكل سماء فى جوف الأخرى ، وبين  الجنة والسماء                 السابعة كما بين الأرض والسماء السابعة من الارتفاع ، هذه الدار يكون طولها بعد هذا التصوير مساويا لعرض           السموات والأرض . ولكن الجاهل عدو نفسه ؛ وقد كتب هرقل ملك الروم فى الشام إلى رسول الله r                                      يسأله : أنت تقول : الجنة عرضها السموات والأرض فأين تكون النار ؟ فأجابه رسول الله rبقوله :                      ( سبحان الله ، هذا النهارُ فأين يكونُ الليل ؟ ) وفى هذا الجواب الحجة البالغة ، التى أخضعت أهل الشك                    والريب .

.

]أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [أي : أن الله تعالى خلق وجعلها دار نعيمة المقيم ، وأعدها محملة بما به مسرات                         الروح ، وبهجة العقل ، ولذة الجسم ، وأنس الحس ، وأكرم بها أهل التقوى من عباده المؤمنين ، وجعلها                  دائمة أبدية ، ولما كان هذا الخير من الله تعالى يجعل نفوس أهل الإيمان يشتاقون إلى علم ما يحصلون به الفوز            بهذا النعيم الأبدى . بين الله صفات المتقين ، ولم يذكر أشخاصهم رحمة بعباده ، ووسعة لرحمته سبحانه ،                  حتى يسارع من سبق فى عمله تعالى إعدادها لهم ، وذكر تلك الصفات وافتتحها بما هو شاق على النفوس ،                وهو الإنفاق فقال سبحابه :

 

قوله تعالى :الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ                             يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]134[

 

]آلَّذِينَ يُنفِقُونَ [والإنفاق هو صرف المال فى سبيل الله تعالى كالجهاد ، والحج ، وإغاثة الغريب ،                         والأسير والفقير ؛ ليعلم أكلة الربا ـ من سُلبوا الرحمة من قلوبهم فصاروا أضر من الوحوش الكاسرة ببنى                 الإنسان ـ كيف يكون الإنفاق فى سبيل الله تعالى ، وكيف لا ؟ والله تعالى أعد الجنة التى عرضها السموات               الأرض لكل تقى بمفرده ، وجعل من أعظم صفاتهم وأجلها الإنفاق فى السراء والضراء فى سبيل الله تعالى .               ]فِى آلسَّرَّآءِ [والسراء هي مزيد السرور ، وهو الوسعة فى الأرزاق ، والعافية فى الأبدان ، والصلاح فى                الأهل والأولاد . ]وَآلضَّرَّآءِ [هي الشدة في الضرر ، وتكون بالفقر ، والمرض ، وسوء الحال . والتقىُّ هو              .

 

 

 

 

 

 

 ]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذى ينفق ماله فى وجوه الخير حالة الغنى والفقر ، كما قال الله تعالى : ]وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ             خَصَاصَةٌ [(1) .

.

]وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ[أى: الذين يقهرون أنفسهم عند إسعار نار الغضب ، وهيجان شهوة الانتقام ،                               فيحسبون أنفسهم عن إظهار مقتضى الغيظ . وكظم الغيظ برهان على جهاد العبد نفسه ، مسارعة إلى نيل                 رضاء الله تعالى .

.

]وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ[لما كان كظم الغيظ تجرع مرارة الصبر على مضض ؛ وكان هذا مقاما من مقامات                  أهل المعرفة ؛ ولكن أعلى منه وأفضل أن يحسن إلى المسىء ، قال رسول الله r: ( أَحْسِنْ إلى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ            تَكُنْ أَعْبَدَ آلنَّاسِ ) وفى الحكمة : (( الإِحسانُ وراءَ الإِحسانِ إحسانٌ ، وأحسن منه : الإِحسانُ وراء                          الإِساءَة . والإِساءةُ وراءَ الإِساءةِ إساءةٌ ، وأسوءُ منها الإِساءةُ وراءَ الإِحسانِ )) وكظم الغيظ لأهل الصبر ،                 والعفو عن المسىء عفوا ينتج عنه صفاء جوهر النفس ؛ صفاء يجعل العافى عن المسىء يعطف عليه ، ويتودد             إليه ، وهو من أعلى مقامات أهل اليقين ، بدليل قوله تعالى : ]وَآللهُ يُحِبُّ آلْمُحْسِنِينَ [فجعل محبته سبحانه                التى هى أعظم نعمة ينعم بها على من اصطفاهم من خيرة خلقه ـ تفضلا منه على من جملهم بتلك الصفات                المحبوبة لحضرته ، ومن أجلَّها العفو عن الناس .

 

]وَآللهُ يُحِبُّ آلْمُحْسِنِينَ [أخبرنا سبحانه بأنه يحب المحسنين ، والمحبة من الله هى إيثار الله العبد إيثارا                     يجعله فردا لذاته ، كما قال مخبرا عن إخوة يوسف عليه السلام : ]تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا [(2)وخبر الله بأنه            يحب المحسنين حجة على منكرى محبة الله للعبد ، وقد بينتُ هذا الموضوع فى كتاب : ( أصول الوصول )(3)            فى مقام المحبة ، فليرجع إليه طالب المزيد من العلم . والمحسن هو الذى سارع إلى القيام بأوامر الله تعالى ابتغاء         مرضاته جل جلاله ، مراعيا فى ذلك الاقتداء بالسنة الشريفة ؛ ولا يكون الإِحسان إحسانا إلا إذا كان عمل                  الجوارح مستمدا من القلب ، حتى يكون القلب والجوارح متحدين نية وإرادة وعملا ، قال رسول الله                       عنه : ( آلاِْحْسَانُ أن تَعْبُدَ آلله كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِن لَمْ تَكُن تَرَاهُ فإِنَّهُ يَرَاكَ ) فالمقام الأول اليقين المؤيد                           بالشهود ، والمقام الثانى مقام المراقبة والرعاية المؤيد بالعلم الحق . وكفى المحسنين شرفا أن الله يخبرنا بمحبته            لهم ، وهذا هو المقام الذى تسارع إليه أرواح الصفوة من عباد الله المؤمنين ، وما أحب الله عبدا إلا جمله بجذبة            المحبوب لحضرته العلية ، قال سبحانه :]يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [(4).

 

ــــــــــــــ

(1)     سورة الحشر آية 9.

(2)     سورة يوسف آية 91.

(3)     يطلب هذا الكتاب وغيره من كتب الإِمام أبى العزائم رضى الله عنه من مكتبة دار المدينة المنورة 114 ش مجلس الشعب ـ بالقاهرة .

(4)     سورة المائدة آية 54.

 

 

 

قوله تعالى :وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً 0000 (135) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ

وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ p135i

 

لمَّا بين الله تعالى لنا أنه أعد جنة . عرضها السموات والأرض لكل تقى ، ورحمة بعبادة بيّن لهم الصفات                  التى تجعل لمن تجمل بها هذه الجنة . وذكر تلك الصفات فى أنواعها ، فجعل من أهم تلك الصفات وأجملها                 تلك الأخلاق الجميلة ، التى يتجمل بها المتطهرون من دنس البشرية ن ولوازم الحيوانية ، ودواعى النفوس                 الأمارة بالسوء ، وشرحها بقوله مبتدئا بالقسم المالى : ]آلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى آلسَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ [ثم بالنوع                      الأخلاق بقوله : ]وَآلْكَظِمِينَ آلْغَيْظَ وَآلْعَافِينَ عَنِ آلنَّاسِ [وبشرهم بمحبته لهم بقوله : ]وَآللهُ يُحِبُّ                       آلْمُحْسِنِينَ [وهو فضل من الله مضاف إلى تفضله سبحانه عليهم بتلك الصفات العالية . ولما أن بين سبحانه                صفات المتطهرين من خلقه ، طمأن قلوب أهل المعاصى ؛ وهو النوع الثانى الذى ينال من وفقه الله للقيام به               جنة عرضها السموات والأرض فقال تعالى :

.

]وَآلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَحِشَةً [أي : وقعوا فى ذنب تجاوزوا بوقوعهم فيه حد الأدب مع الشريعة تجاوزا                            فاحشا ، وإن كان خصه بعضهم بأن الفاحشة هى الزنا ، بدليل قوله تعالى : ]وَلاَ تَقْرَبُوا آلزَّنَى إِنَّهُ كَانَ                   فَحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً [(1)والمعنى : والذين إذا فعلوا فعلة فاحشة ، فأتى بلفظ الفاحشة نكرة ، ونسلم بأن                     الفاحشة هى الزنا ، إلا أن ذلك لا يمنعنا من أن نفهم أن (فَاحِشَةً ) هنا قد يراد بها كل كبيرة ، وهذه وسعة               من الله تحفظ قلب المؤمن من اليأس ، أو القنوط بارتكاب الكبائر ، وتُطْمِعُه فى نيل مغفرة من الله وثوابه ،                 هذا كمال الفضل من الله العظيم الذى لا تضره المعاصى ولا تنفعه الطاعات . وعلى هذا ، فالمؤمن فتح الله له            أبواب التقرب إليه  ، وجذبه بجواذب الإِحسان ؛ ليفوز بما لديه ، فلا يدخل م}من نار جهنم إلا إذا كان ممن                 سبقت لهم السوءى ، وقفل الله قلوبهم عن ذكره .

]أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ[ذكر ظلم النفس هنا بعد الفاحشة دليل على أن ظلم النفس هو وقوع المؤمن فى                        الصغائر التى لم يَحدُ لها القرآن المجيد حدًّا يقام على مرتكبيها . إلا أنها تكون سببا فى الوقوع فى الكبائر إن تمادى        المؤمن فى فعلها ، وهى كالنظرة ، والتهاون بفعل السنن المرغب فيها أو ما أشبه ذلك مما لا يتنزه عن الوقوع فيه         كُمَّل الرجال أهل المقامات العالية . وهنا نتحقق أن الله تعالى هو لنا نعم الرب ، ونسأله سبحانه أن يجعلنا له              نعم العبيد ، فإِن ذلك بفضله وإحسانه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وعلينا أن نحكم على أنفسنا بالعجز عن                 شكره جل جلاله ، ونسأله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته ، قياماً لحضرته العليّة بالواجب علينا                 على قدرنا لاعلى قدره .

]ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ [ولما كان ذكر الله تعالى يكون على قدر علم العبد به سبحانه ؛ حذف                         المضاف إليه . فإِن من المؤمنين من يذكر عقوبته فى الدنيا كالفقر والمرض والزلزال وعداوة الخلق فيستغفره عند          وقوع الكبائر والصغائر ، ومنهم من يذكر الموت وعذاب القبر فيسارع إلى الاستغفار ، ومنهم من يذكر                   حساب الآخرة وعقوبتها ونعيمها فيستغفره سبحانه مما ألم بنفسه من اللقس ، ومنهم من يذكر رضوانه الأكبر               ـــــــــــــــ

(1)     سورة الإسراء آية 32.

 

 

                                                    ]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومشاهدة جماله العلى فى مقعد صدق عند مليك مقتدر ؛ فيستغفر الله من أصغر الهفوات التى يراها كأكبر                 الكبائر بالنسبة لأهل الغفلة ، فإِنه إنما يعظم الهفوات بقدر تعظيمه لربه ، كما أن أهل الغفلة بجهلهم بالله لا تعظم           فى نفوسهم إلا الكبائر . ومنهم أهل الرضا عن الله ؛ الذين رضى الله عنهم وأرضاهم ، فإِنهم يستغفرون الله إذا              لم يقوموا بما قام به أهل العزائم من السلف والخلف . فاستغفارهم لا ستغفارهم أعظم القربات ، والذى كان                 يستغفر فى المجلس الواحد سبعين مرة هو سيد المحبوبين وإمام المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام ، وهل هذا          الستغفار منه rإلا علم بنفسه وبربَّهه ؟ قال تعالى : ]إِذَا جَآءَ نَصْرُ آللهِ وَآلْفَتٍحُ وَرَأَيْتَ آلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى                  دِينِ آللهِ أَفْوَاجاً [(1)الخ السورة . ومن احتسى جرعة من هذا الطهور المحمدى ؛ يعلم كيف أن الله أمر نبيه              وأصحابه بعد نصر الله لهعم فى الجهاد ودخول الناس فى دينه أفواجا بفادح جهادهم ، وبذل أنفسهم تحت شفار              السيوف ؛ أمرهم بعد ذلك بالتسبيح والاستغفار ، وهم فيما كانوا فيه من مرضاته جل جلاله ، فكيف بنا                      ونحن فى كمال الغفلة والنسيان ؟ ونحن أولى بأن نستغرق أنفاسنا فى الاستغفار والتوبة إلى الله ، ونطمع أن يغفر            لنا ؛ بل نتمنى أن يغفر لنا .

 

فقوله : ]ذَكَرُوا آلله [أي : ذكروا عقوبته ومؤاخذته فى الدنيا والآخرة . ]فَآستَغفَرُواْ لِذُنُوبِهِمُ [أي                        ذكروا ما قررتُ لك ، فأنتجب الذكرى انفعالا نفسانيا تمثلت فيه النفس وقوع المكروه ولا محالة ، ولم يبق لها              إلا طلب الخلاص منه ؛ أو الوقوع فى اليأس والقنوط . فيسرَّ الله للمذنبين سبل النجاة ، وفتح لهم أبواب                    القبول ، فسارعوا إلى الاستغفار بوجدان جاذب إلى الله تعالى بعد تمثل ما توعد الله به أهل الكفر والنفاق ،                 فلما أنتحت تلك الذكرى ؛ وأنتج هذا الانفعال المسارعة إلى الاستغفار بعد كسر القلب ، من ندم على                       الوقوع فى معاصى الله ، والعزم على عدم العودة بمجاهدة فادحة ؛ تفضل الله فطمأن قلوبهم ، وبين لهم سبحانه             أنه هو المتفرد بالعفو والمغفرة والقبول دون غيره ، وأنه سبحانه لا تضره معاصى الخلق ، كما لا تنفعه طاعاتهم .         فأتى بقوله تعالى]وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللهُ [.

.

]وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللهُ [وهى جملة حالية مقحمة بين الآيتين ؛ ليسرهم بقبول توبتهم ، بأنه غفر                        لهم ، ثم ساق الآية الثانية متصلة بالتى قبلها ، مبينا فيها أن هذا الاستغفار نتج عن يقين حق ، وتمثيل صحيح ،            فقويت الإِرادة ، وعظمت لديهم الرغبة فى بغض الذنوب وكراهتها ، حتى ذاقوا مرارة الذنب بعد وقوعه ، كما             ذاقوا حلاوة المعصية عند وقوعها بدليل قوله سبحانه : ]وَلَمَ يُصِرُّواْ عَلَى مَافَعَلُواْ [يخبرنا الله أن الذين فعلوا               الفاحشة وظلموا أنفسهم ؛كانوا مصرين عليها فرحين بالوقوع فيها . فلما ذكروا الله تعالى وتمثلوا هول الموقف              أمامه ؛ دعتهم العناية الإِلهية إلى الندم وبغض المعاصى ، وانكسرت قلوبهم أمام من ذكروا عقوبته ، والجملة               معطوفة على قوله تعالى : ]وَآلَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [والإصرار على الشىء : الرغبة فى العودة إليه ، والعزم              على عمله .]عَلَى مَا فَعَلُوا[أي : من المعاصى]وَهُم يَعلَمُونَ [معناها أن الله تعالى يتجاوز عن الناسى                 والساهى والجاهل ، والمكره لا لوم عليه وله العذر . أما العالم بالأوامر والنواهى ، المخالف لما أمر به فهو                المؤاخذ الذى لا عذر له .

ــــــــــــــــ

(1) سورة النصر آية 1 ـ 2.

 

 

قوله تعالى :أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم 0000 (136) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى :أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ                                   فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ p136i

 

الإشارة عائدة إلى المتقين الذين بيّن الله صفاتهم لنا ، وأعد لكل واحد منهم جنة عرضها السموات                           والأرض ، ولما أن شرح لنا صفاتهم المتعلقة بقواهم النفسانية والأخلاقية والجسمانية ؛ أعاد لهم البشرى بما به              تطمئن قلوبهم ، فقال سبحانه : (أُوْلَئِكَ) أى : هؤلاء الذين أثنيت عليهم ، وأقمتهم موفقين للعمل بما أمرتهم به            ونهيتهم عنه ]جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ[أى : ستر لذنوبهم حتى ينساها كل مخلوق والملائكة الحفظة ؛ لأن الذنوب                   والمعصى معلومة لله تعالى لا تمحى ، ولكنه يغفر ، والمغفرة هى الستر ، فيسترها عن الشخص نفسه ، وعن             الخلق ، وعن معالمه من الأرض ، وعن الملائكة ، وعن الخلق أجمعين ، فيلقون الله تعالى وليس عليهم شاهد             بذنب . ]مِن رَّبِّهِم [أى : تلك النغفرة فضل من ربنا جل جلاله . لا بشفاعة ولا وسيلة (وَجَنَّتٌ ) أى :                   وبساتين زاهرة زاهية ، جامعة لأنواع المسرات الجسمانية والعقلية والروحانية ، بحسب ما أحتوت عليه من               الجمال والكمال والنور ]تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ[أى : من تحت أشجارها . وهذه الآية إشارة إلى دوام النعيم               مع راحة الأبدان من عناء التعب فى تحصيل مالا بد منه ؛ لنضرة النباتات من الماء . وقد أفرد الجنة فى أول الآية         وجمعها فى آخرها ؛ ليدل على أن كل واحد منهم له جنة خاصة لكمال مسراتهم ؛وطهارة قلوبهم من التنافس                والحسد .

.

]خَالِدِينَفِيهَا [أثبت الله لهم البقاء فى الجنة ؛ لتطمئن قلوبهم بدوام المسرات فى غير انزعاج من خوف                   حصول نقص ، أو أمل فى مرغوب فيه لتوفر كمالياته ، لأن الله تعالى لما قال : ]جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ [أمِنَّا                               العذاب ، وكلنا تشوقنا إلى نيل الخير ، فقال : (وَجَنَّتٌ )أى : بساتين ، ففر حنا ، ولكنا تشوقنا إلى أن تكون               تلك البساتين توفرت فيها لوازمها ، وأعظم اللوازم هو الماء الذى كنا نتحمل فى تحصيله الشدائد الفادحة ،                 التى تقع فيها المشاحنات والمنازعات والخصومات ، خصوصا إذا قام الظلمة بالانتفاع بالماء ، وأهملوا الفقراء             ]تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ[ففرحنا براحتنا من هذا الوجه ، ولكن خطر ببالنا الموت الذى كنا نتوقعه فى                      الدنيا فى كل نفس ، ونخاف منه ومما بعده ، فأزال الله عنا تلك الوحشة ، لتكمل لنا المسرات ، وتتم علينا                  النعمة ، فقال سبحانه : ]خَالِدِينَفِيهَا[فلمَّا بشرنا بالخلود عجزنا عن شكره سبحانه وصرنا معه جل              جلاله ، بعد أن أكرمنا بما هو فوق ما نشتهيه ونتمناه ، فقال سبحانه : ]دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ                فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [(1) .

انظر إلى تفضل الله وإحسانه ، كيف وفقنا وهدانا فى الدنيا للتوبة والإنابة إليه من معاصينا ، وكيف أقامنا                  فيما يحبه ويرضاه من الأعمال القلبية والبدنية ، وكيف تنزل جل جلاله فنسب ما تفضل به بإِجسانه ومنته من                التوفيق والهداية إلينا ، ثم تفضل فضلا أكبر وأعظم ومنحنا نعيم الآخرة الأبدى ، والأنس فى رياض الجنة ،               وجعل ذلك الفضل جزاء لنا وهو جل جلاله الفاعل المختار . وإذا كان هذا فضله ؛ فالواجب علينا أن نعرف               قدر أنفسنا لنعرفه ، ونعلم أننا عبيد مقهورون ، وعباد مربوبون ، أبدعَنَا البديعُ القادرُ الحكيمُ من العدم ،                     وتفضل فجمّلنا بما يحبه من صفاته العلية ، وهدانا لما يحبه من الإِسلام والإِيمان ، وأعاننا على العمل بشرائع              ـــــــــــــ

(1)     سورة يونس آية 10.

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإِسلام ، ثم أتم نعمته علينا بما أقامنا فيه من خير الخيرين فى دار كرامته ، والأنسفى جوار حضرته ، فله                الحمد وله الشكر حتى يرضى .

.

]وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ[يعنى أن المغفرة والجنات التى تجرى من تحتها الأنهار والخلود فيها أجر عظيم                لعملهم ، ونعم هذا الأجر على عملهم . هذا ظاهر الآية .

.

أما ما فيها من سرها الغامض فهذه الآية تنزل من الله لأحبابه ؛ ليعلمهم كيف تفضل عليهم بما قاموا به ،                    وكيف نسب إليهم هذا التفضل ، ليعلموا كيف يتأدبون لحضرته العلية ، وكيف ينظرون إلى أعمالهم القلبية                 والجسمانية فى جانبه جل جلاله . وهذا مشهد أهل التوحيد الكامل . وظاهر الآية لأهل الظاهر ، وسرها                   لأهل المحبة والقرب . جمَّلنا الله بما به نكون مقربين من حضرته ، مشاهدين لغيب أنواره ، حاضرين معه                سبحانه .

قوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ                                    الْمُكَذَّبِينَ p137i

 

هذه الآية الشريفة خبر من الله تعالى تبيانا للمؤمنين ، وعبرة لهم ليعتبروا بها ، وتشنيعا وتوبيخا للكافرين                   ليتحققوا أن وقوع ما وقع منهم على المسلمين فى يوم أحد إنما كان استدراجا من الله تعالى لهم ، وإمهالاً منه               سبحانه لا إهمالا حتى إذا أخذهم لم يفلتهم ، كما أخذ من قبلهم ممن كذبوا الرسل وكفروا بهم ، كقوم نوح                   وعاد وثمود ولوط ، وقوم عيسى من بنى إسرائيل . وفى ذلك يقظة لقلوب المسلمين من الرماة الذين خالفوا                رسول الله rوفارقوا مواقفهم فى غزوة أُحد طمعا فى الغنيمة ، فكان وقوع ما وقع من سفك دمائهم                        ةسلطة المشركين عليهم آية من الآيات الكبرى ، ليعلموا أن مخالفة رسول الله rتنتج مالا يرضوه لأنفسهم               فى الدنيا والآخرة .

.

]قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ[أي : مضت ، فإن لفظة خلا ، إذا دلت على الزمان كانت بمعنى : مضى ،                       وإذا دلت على المكان كانت بعنى : انفرد ، فيقال : خلا المكان أى : انفرد من الناس . والسنة هى : العادة                 والعمل الذى يقع ممن يقتدى به ، فهى كالإِمام . والمعنى أن الله تعالى يقول قد مضت من قبلكم أمم من أهل                الإِيمان الذين أقامهم الله دعاة إلى الحق بالحق ، فصبروا على ما أوذوا مسارعة إلى نيل رضوان الله الأكبر ،              ومضى اقوام من أهل الكفر بالله كذبوا رسله وآذوهم ، فأمهلهم الله تعالى ولم يهملهم ، حتى انتقم منهم فى                   الدنيا بما أنزله بهم من خسف وغرق ومسخ وتسليط الأعداء عليهم ، ثم أجَّل الانتقام منهم بالخلود فى نار جهنم             يوم القيامة . ولكل من الطائفتين آثار : فآثار أهل الإِيمان مدح الله لهم فى كتبه المنزلة ؛ وحسن الأحدوثة                   الباقية لهم فى تلك الدار ؛ ثم ينيلهم النعيم الأبدى كما أخبرنا الله بذلك . وآثار أهل الكفر بالله ما نراه من مدن               خاوية على عروشها ؛ وآثار مشيدة تدل على ظلم وقهر واستعباد عبادالله كما تراه فى مصر وفى بابل ، وفى                غيرها مما أثبته التلايخ ، ولذلك فالله تعالى يقول : ]فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ0000[.

 

 

 

قوله تعالى : هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ 000(138) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ[هذا أمر من الله تعالى لأهل الإِيمان الذين                صدقوا الله تعالى وصدقوا رسوله r، يأمرنا سبحانه أن نتنقل فى البلدان لنرى بأعيننا آثارا عن ]إرمَ ذَاتِ              آلْعِمَادِ [(1)حتى غرتهم الدنيا وما خولهم الله من الملك فهلكوا وهلك من كان معهم ، وصارت آثارهم عبرة               لمن يعتبر . ]فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ[يكلفنا الله بالنظر الفكرى فيما نراه من آثار الكفار التى               شيدوها وأقاموها وأبادهم الله وأهلكهم ، ولم يبق لهم أثر يذكر فيُشكر ، بل كل ما نراه دال على الظلم                     والانتقام . و (آلْمُكَذّبِيِنَ ) أى : الذين لم يمنحهم الله القابل الذى ينتفعون به بما جاءهم من عند الله على ألسنة                 رُسله صلوات الله وسلامه عليهم . وسبب نزول هذه الآية أن الله تعالى يبين لمن شهدوا أحداً أن ما أصابهم من               البلاء ـ وكان سببه مخالفة الرماة لرسول الله rـ وإنما هو تمحيص لهم ، وعبرة لمن يأتى بعدهم ، ليحسنوا           اتباع السنة بإخلاص .

 

قوله تعالى : هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ    ]138[

.

الإِشارة هنا التى لا تكون إلا للقريب المسموع أو المرئى ؛ تعود إلى الآيات السابقة التى بين الله فيها غزوة                أحد ؛ وختمها بالعبرة التى ذكر فيها : ]قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ [إلخ الآية . وجائز أن نقول : الإشارة عائدة                  إلى القرآن المجيد ، والبيان هو كشف الحقائق لتظهر لمن يدعى إلى الحق رغبة فى أن يقبل البيان فيفوز .               والهدى : هو الدلائل التى تظهر أحكام الدين للعمل بها بعد ظهور السبل للهدى . والموعظة : هى القول المؤثر           للمتساهل ليسارع إلى الإِقبال بالكلية على ما يقيمه فى مقام الأبرار . فالهدى هو القول الذى تستبين به أصول             الدين وفروعه ، والموعظة هى القول الذى يلفت القلوب والأبدان إلى ترك ما يخالف ، وعمل ما يوافق                  السنة ، ولذلك فاله تعالى يقول :]هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ [فخص البيان بالناس عامة . وخص الهدى والموعظة                بالمتقين . وكل قول أو عمل لأهل الجهل أو لغيرهم من أهل النفاق أو الكفر بالله يسمى بيانا . وما كان لأهل             الإِيمان الراغبين فى تحصيل العلم وقبوله للعمل به فهو هدى . وما كان لأهل الإِيمان الذين حصلوا العلم اللازم           للمسلم وتساهلوا فى العمل به ؛ أو وقع منهم ما يخالف السنة فهو موعظة .(لِّلْمُتَّقِينَ )تقدم الكلام على                  المتقين .

وفى هذه الآية دليل على أن أهل التقوى هم الذين يقبلون الهدى والموعظة من العلماء غير الحكماء ، لأن                 ظرف الجوهرة لا ينقص الرغبة فيها . وكذلك المتقين إذا سمعوا الهدى والموعظة من العدو البغيض البعيد أقبلوا          عليه وقبلوا منه . قال r: ( آلْحِكْمَةُ ضَالَّةُ آلْمُؤْمِنِ ) وميزان أهل الإِيمان الذى نعلم به مقدار إيمانهم ؛                     هو أن يشرح الله صدورهم للهدى والموعظة ، حتى تظهر عليهم انفعالات نفسية تدل على صدق توبتهم ،                وحسن إنابتهم . وأما أهل الإِيمان الضعيف فإنهم إذا سمعوا الهدى والموعظة انتفخت أوداجهم ، واكفهرت                 وجوههم ، وظنوا أنفسهم أنهم فوق الهدى والموعظة ، وربما خاصموا من يدلهم على الحق . ومن كان من                المتوسمين يعلم من صحيفة وجوههم جهلهم بأنفسهم ، وغرورهم بما فى أيديهم من خراب قلوبهم .

ـــــــــــــــــــ

(1) سورة الفجر آية 7.

 

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى : وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَp139  i

 

]وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا [هذه الآية مرتبطة بغزوة أحد ، إذ يكرمنا الله بأن ينهانا عن أن نضع أنفسنا فى                  هوان مما أصابنا يوم أحد ، ومن أن نحزن ، لأنا إنما قمنا مسارعين بنصرة الله تعالى ورسوله r، ومن أقامهم           الله أنصاراً لدينه ونبيه وأصابهم ، يجب أن يفرحوا بتلك الإِقامة ، ويجب أن يتمناها كل مؤمن ، لأن                      المؤمن إذا قتل فى الجهاد فاز فوزا عظيما ؛ لأنه شهيد ، وإن نصره الله وأيده شكر الله تعالى على ما أمده به من           قهر الباطل ، ونصرة الحق ، ومن التمكين فى الأرض ، ومن الغنيمة . فمن أين يلم به الهوان أو الحزن ؟ اللهم           إن كان فى ذلك على أهل الباطل ، والله تعالى نفى نصرة الباطل على الحق بخبره الصادق بقوله تعالى : ]وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ [وفى هذا يبشرنا ربنا نحن أمة محمد rبالمقام الأعلى مكانة فوق المقام الأعلى مكانا ، وهذه                    البشرى فوق البشرى بالجنة ونعيمها .

ومعنى هذه الآية بحسب ظاهر العبارة ؛ أن الله تعالى ينهانا عن أن يصيبنا الهوان مما قدره جل جلاله فى                واقعة أحد من شج رأس رسول الله rوكسر رباعيته ، وقتل من قتل من الصحابة . والهوان : هو الذل                 لفقد المحبوب . والحزن : هو هم يحبس القلب بسبب ضياع ما فى اليد . وخبر الله أننا الأعلون لأنا نلنا من              الكفار فى بدر أكثر مما نالوا منا فى أحد ؛ فوق ما يتمناه كل مؤمن لخاصة نفسه من الشهادة فى سبيل الله ،               ومن تأييد الله لنا بعد أن كان ما كان . وأعلوْنَ بما أصاب كفار قريش فى بدر ، وبما أصابهم فى أحد ؛ لأن               قتلاهم انتقم الله منهم عاجلا ، وينتقم سبحانه منهم آجلا يوم القيامة بالخلود فى نار جهنم . فنحن والحمد لله                 الأعلوْن .

وأما معناها بحسب ما يفقه أهل العلم بالله ، فأعلون : مكانة عند الله تعالى ، وهنا أشير إليك بقوله تعالى                   عن إدريس عليه السلام :]وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [(1)وفرق بين رفعة المكان ورفعة المكانة . فمن أخبرهم             الله أنهم أعلَوْن أى قرَّبهم سبحانه حتى صاروا عند العلىَّ جل شأنه ؛ لأن الله تعالى يقول : ]وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ [                        من الآن إلى ما لا نهاية . ومن ما كان فيه الصحابة مع المشركين فى تلك الغزوات ؛ وما قاموا به مسارعة               إلى نيل رضوان الله الأكبر ؛ يعتقد أنهم ليسوا من بنى البشر . ومن يقول أن ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا ليس              معهم سلاح للقاء الأعداء ـ إذ أنهم خرجوا ليسوقوا عير قريش فوجدوا جيش قريش المستعد غيرة وشوقا                للانتقام لأنفسهم وأموالهم من رسول الله rوأصحابه ـ يهزمون هذا الجيش ويسلبون ما معه من                        ذخيرة ؟!! .

وإليك غزوة أحد : جاء جيش قريش بأحباشه وحلفائه إلى المدينة لحرب رسول الله r، بعد أن أجج                     الشيطان فيهم نار حب الانتقام لقتلاهم فى بدر ، وهم أكثر من خمسة آلاف فارس ؛ فأسرع إليهم                         رسول الله rـ ومعه ألف فارس ، فارتد عباد الله بن أبى سلول رأس المنافقين بثلثمائة منهم وبقى                     سبعمائة ـ فهجم الصحابة عليهم شوقا إلى نيل الشهادة ، وحباًّ فى لقاء الله تعالى ، فكان ما قدَّره الله تعالى من             إحسانه إلى رجال لم بشهدوا بدرا بالشهادة يوم أحد ، ثم أمدهم الله بالملائكة الذين قاتلوا يوم أحد من غير أن               ــــــــــــــ

( 1) سورة مريم آية 57.

 

 

 

قوله تعالى  : إن يَمْسَسَكُمَ قَرَحٌ 0000 (140) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يراهم مؤمن ، بل كان كل مؤمن بعد أن علم أن رسول الله rحىٌّ بينهم يتمنى أن يقتل بين يديه . هذا                    فضل من الله حق . وتفضل بما هو أفضل من هذا الفضل فجعلهم الأعلين ، ولا يزال جل جلاله يتفضل بهذا            الفضل على كل جماعة من المؤمنين رخصت حياتهم فى أعينهم ، فبذلوها لنصرة الحق فرحين مستبشرين ،              فسبحان من منحهم الصدق ، فالعلم ، فاليقين ، فالشهود ، فبيع الأنفس والأموال والأولاد لله تعالى ،                       فالشهادة فى سبيله ، فالإِحسان إليهم بأن يكونوا الأعلين عند العلىّ الأعلى ، وهنا نمسك القلم عن أن يسطر               على صفحات الأوراق ما لا يباح إلا لأهل هذا المقام ، من القلب إلى القلب .

]إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المعنى الظاهر أى : دمتم على الإيمان الذى هو اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل                   بالجوارح ، فإن أهل الإيمان من تفضل الله عليهم بما تفضل به على أصحاب محمد rإلى يوم القيامة ، والله             سبحانه ما وعد المؤمنين وعداً وهم على الحالة التى يرضاها إلا زادهم إحسانا ، وخصوصا أهل زماننا هذا الذى          كثرت فيه الفتن المضلة ، وانتشرت فيه البدع ، حتى أصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر .

 

قوله تعالى :إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ                                  النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ p140i

 

هذه الآية الشريفة نزلت لمناسبة حادثة أحد .

]إِِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ [والقَرح بفتح القاف : الجراح والقتل . والمعنى : إن                        يصبكم جراح وقتل فى أحد فقد أصاب القوم جراح وقتل فى غزوة بدر ، وجرحاكم وقتلاكم شهداء عند الله فى             مقام الأنس والقرب منه ، وجرحاهم وقتلاهم أعداء الله فى غضبه وانتقامه منهم فى الدنيا والآخرة ، وشتان              بين من فاز بالشهادة برضوان الله الأكبر ؛ وبين من خسر الدنيا والآخرة بغضب الله عليه وانتقامه . فللشهداء            المقام الأعلى عند الله ، فهم الأعلون فى الدنيا والآخرة .

]وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [إشارة إلى بدر وأحد ، والسبب خاص والحكم عام . وهذه سنة الله                      الماضية فى عبادة ، يسلط أعداءه على أوليائه ؛ لتقوم لهم الحجة عند الله أنهم كاملوا الإِيمان ، وحسنوا الظن               والثقة به ، صادقوا الحال فى الإِقبال عليه، ويسلط أولياءه على أعدائه ليقهرهم بالذل فى الدنيا ، وليعجل لهم              النقمة فيها ، وي}جل لهم العذاب الأليم فى نار جهنم يوم القيامة وإنا لنرى الدول قد تدول للكافرين ، وهنا                 يكون البلاء الأكبر والامتحان الشديد : فيظهر أهل اليقين والتمكين مطمئنى القلوب ثابتين على ما يحبه الله                ويرضاه ، ويظهر المنافقون فى نواياهم ، يقولون : نخشى أن تصيبنا دائرة ، وإنما قدّر ظهور الكافرين                    على المؤمنين ليمحص أهل الإيمان ، قال تعالى :]لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ [(1)وهو           سبحانه الحكم العدل .

ومتى أظهر الله أهل الحق أخفى أهل الباطل ، وأهل الباطل لا يزالون أبدا ، ومهما كثروا فهم الأذلاء وإن                 قويت شوكتهم ، وامتدت سلطتهم ، وكفاهم تعسة كفرهم بالله . ومهما قَلَّ أهل الحق فهم الأعزاء ، فهم                     كثير وإن قلّوا ، وأعزاء عند الله ، وإن ذلوا فى نظر أهل الجهل ؛ ولو أن قليلا من أهل الإيمان اتحدوا على العمل            ــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال آية 42.              

     

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بكتاب الله وبسنة رسول الله r؛ وتسلط عليهم العالم أجمع ؛ لأظهرهم الله ونصرهم وأيدهم ، قال تعالى :                 ]كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّه [(1)وما كانت حادثة أحد إلا لحكمة اقتضتها إرادة الله ، إعلاء              لمقامات أصحاب رسول الله r، وأدباً لمن خالفوا أمره صلوات الله وسلامه عليه من الرماة ، ليكونوا فى                  غزواتهم على بصيرة ، مسارعة إلى طاعة أمره عليه الصلاة والسلام .

وهناك سر غامض ، وهو أن الله إذا أحب قوما أدم لهم ما يجعلهم فى يقظة لشهود مقام العبودية الكامل ،                    لتدوم لهم المراقبة والأخذ بمحابه ومراضيه سبحانه ، فلا يعملون برأى ولا هوى ولا تأويل فيما هو صريح فى            الكتاب والسنة ، كما حصل منهم فى أحد ؛ بعد أن أمرهم رسول الله rأن لا ينتقلوا من مواقفهم مطلقا ـ                 ولو انهزم الكفار ـ فتأولوا الأمر الصريح وفارقوا مواقفهم للغنائم ، فكان ما يسىء كل مؤمن .

]نُدَاوِلُهَا [أي : نجعلها دولا فتدول الدولة لقوم على قوم ، وتدول منهم لغيرهم ، لينفرد الله تعالى بالملك                   والبقاء والعزة والجلال والبهاء والنور ، لا ينازعه فى صفة من صفاته أو اسم من أسمائه أحد ؛ إلا قصم ظهره            وأهلكه . وفى تاريخ الأمم السابقة عبرة لمعتبر ، وإلا فأين الأكاسرة والفراعنة والقياصرة وأبناء السماء من ملوك          الصين غيرها ؟ والعاقبة للمتقين .

]وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ [بعد أن بين الله تعالى أن تلك الأيام الدنيا يداولها بين الناس ؛ ولفظة : ]بين                   الناس [معلوم أنه يراد بها المؤمن والكافر والمنافق ، لأن الله تعالى ما ذكر الناس بـ ( ال ) التعريفية فى القرآن          كله ؛ إلا وهو يريد أن يخاطب أو يخبر عن جميع الناس ، فإذا أراد المؤمنين ذكرهم بصفاتهم فقال : الذين                آمنوا ، أو أحسنوا ، أو اتقوا .

علمتَ أن المداولة انتقال الشىء من يد إلى غيرها ، ولما كانت غزوة أحد ظهر الكافرون فيها على المؤمنين ؛              وكان ظهورهم عليهم بعد قهر المؤمنين للكافرين فى بدر آية من آيات الله الكبرى ، التى يظهر بها مكنون                غيبه ، فإن البلايا والمحن إذا أصابت الكافرين فحسب أسلم جميع الناس خوفا من البلايا ، ولكن الله تعالى أراد            أن يقيم الحجة لأهل الإيمان على المنافقين والكافرين ، فامتحن أهل الإيمان بما أصابهم فى أحد ، ليميز الله تعالى           أهل الإيمان بما جملهم به من الصبر ، واليقين له بما يحب . وأظهر جل جلاله أهل النفاق كعبد الله بن                   أبى بن سلول ومن معه ، الذين انقلبوا على وجوههم فارتدوا عن رسول الله rكما بينت لك . ولذلك فالله                تعالى بين ذلك بقوله : ]وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ [لو جاءت الآية بغير واو لكانت متصلة بما قبلها ، وهى                خبرية معطوفة على التى قبلها . وفى هذه الآية مجاز بالحذف ، ويكون المعنى : وليعلم نبىُّ الله الذين آمنوا ،              فحذف لفظ : نبى ، وذكر اسم الله تعالى رفعه  لقدر رسول الله r، وقد ورد فى القرآن ما يدل على هذا                   المعنى وهو قوله تعالى : ]إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه [(2). وجائز أن يكون المعنى : لِيُعْلِمَ الله ،                أى : ليُظهر الله تعالى مكنون ما قدَّره فى علمه ؛ من تأييد المؤمنين بروح منه حتى يدوموا على الإيمان الكامل         فى وقت المحن الشديدة والفتن الهائلة كما حصل فى غزوة أحد . وجائز أن يكون المعنى لتمييز أهل الإِيمان من أهل       النفاق والكفر . ولما كان لا يُعلم إلا ما ظهر بالنسبة لنا ، ولا يُعلم ما قدره الله تعالى إلا بالنسبة له سبحانه                 كان (لِيَعْلَمَ ) أى : ليتميز .

ـــــــــــــ

(1)     سورة البقرة آية 249.

(2) سورة الفتح آية 10.

 

قوله تعالى : وَلِيُمَحَّصَ آللهُ 0000(141) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء [هذه الآية الشريفة خير بشرى لنا ، لأن اله تعالى يقول : ]وَيَتَّخِذَ [ولا يتخذ                   إلا أصفياءه وأولياء . وفى قوله تعالى :]شُهَدَاء [أى : جمع شهيد ، والشهيد هنا : إما المقتول من المؤمنين            بين الصفين ؛ وهى مكانة عالية عند الله تعالى . وتأتى بمعنى : شاهد ؛ وهى إقامة الله تعالى من اجتباهم من             أمة سيدنا محمد rشهودا على الأمم يوم القيامة ؛ بدليل قوله تعالى :]لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ [(1)                   وهى المكانة التى يجمل الله بها رسله وأنبياءه ، فأنزَلَناَ الرسل والأنبياء ، وفى ذلك من عظيم الفضل علينا                من الله تعالى ، ما نعجز عن القيام بشكره سبحانه . وتكون حكمة ما أصابنا يوم أحد تفيد الفضل من الله                   لنا ؛ لأن الله تعالى لا يخذل نبيه ولا أصحاب نبيه r؛ وينصر أعداءه الكافرين أبدا . ولكنه سبحانه                     استدرج أعداءه ، وأظهر أحبابه بما فازوا به من الصبر والثبات ، والتفانى فى نصرة الله تعالى ورسوله r                وتلك الآيات وإن كان سبب نزولها خاصا إلا أن أحكامها عامة . وقول الله : مِن ، فى (مِنكُمَ) إما أن                     تكون للابتداء أو للتبعيض ؛ وهى للابتداء أقرب ؛ لوسعة رحمة الله . وعلى هذا فكل من وقف موقف                   الصحابة مع رسول الله rأمام أعداء الله ؛ وصبر حتى استشهد أو رجع بالنصر والغنيمة ؛ فله ما وعد الله                به أحبابه فى هذه الآيات .

.

]وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [تقدم الكلام على معنى محبة الله للعبد ومحبة العبد لله ، وقامت لك الحجة فيما                    سبق ، ووضحت المحبة . وضد المحبة البغضاء . فكأن الله تعالى أثبت بغضه للظالمين ونفى عنهم محبته لهم            سبحانه . والظلم : هو الشرك ، والله تعالى يبغض من ظلم نفسه بالشرك بالله تعالى ، أو بارتكاب معاصى الله            تعالى من الكبائر . وقد بينتُ لك أن الرحمة : إرادة الله الخير الدنيوى للعبد ، والمحبة : إرادة الله الخير الأخروى          للعبد وإقامته فى محابه ومراضيه . ويكون بغض الله تعالى للعبد تقدير السوءى له فى الأزل وإقامته فى مغاضب         الله ومساخطه ، أعاذنا الله وإخواننا المؤمنين من ذلك .

 

قوله تعالى :وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ p141i

 

التمحيص : هو التنقية والتطهير . والمحق : هو النقص والإِبادة . والمعنى : أن الله تعالى قدّر ما قدّره فى                غزوة أحد ليظهر المؤمنين بالتمحيص ، ولينقيهم ممن لا بسهم من أهل النفاق ، الذين ارتدُّوا عن رسول الله r            فى غزوة أحد .

 

علمت أن الله تعالى محّص المؤمنين أى : طهرهم ، واللام فى قوله تعالى : ]وَلِيَعْلَمَ []وَلِيُمَحِّصَ[                     متعلقة بقوله تعالى : ]نُدَاوِلُهَا [على فرض عدم وجود الواو ، وخبر بعد خبر إثبات الواو ، وكأن الجمل                معطوفة على محذوف ملحوظ ، أى : نداولها بين الناس وكيف وكيت لنعلم .

 

ـــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 143 .

 

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ                                   الصَّابِرِينَ p142i

.

]أَمْ [هنا منعطفة وتقدم الكلام عليها ، و ]حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ [أى : قوى ظنكم أن تنالوا                            النعيم المقيم والخير العظيم الذى أعده الله لأحبابه ، ومجاورة الأخيار من رسله الكرام وأنبيائه العظام ، ونيل             المسرات العليا بمشاهدة وجه الله تعالى ، والأنس بما يجليه لأهل الصفوة من عباده ، لإظهار أنوار أسمائه وصفاته        ظاهرة فى أنواع الطيبات التى أعدها لهم .

]وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [أى : ولما يظهر لرسوله محمد rوللمؤمنين معه                   قوة إيمانكم وثباتكم عند الجهاد فى سبيل الله ، وصبركم على تحمل البلايا الفادحة فى لقاء العدو ، حتى تطمئن             قلوبكم على نيل بغيتكم من الجنة ، ومن رضوان الله الأكبر ، ومن الفوز بالعندية التى وعد الله بها عباده                  الأخيار من صفوة خلقه فى قوله تعالى : ]إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ                            مُّقْتَدِرٍ [(1). وكلنا نعلم أن العندية فوق المعية ، فإن العندية تقتضى الرضا الأكبر ، ورؤية وجه الله العظيم .            بخلاف المعية فإن الله تعالى يقول :]وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ[(2). ]مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ                     رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ [(3): فهو سبحانه مع الخلق                  أجمعين بالإِيجاد والإِمداد والإِعطاء والمنع ، وقليل من يكونون عنده سبحانه ومن يكون عنده أو معه .

.

]الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ [الجهاد هو بذل ما فى وسع ابتغاء وجه الله تعالى وإعلاء لكلمته ، وتجديدا لسنة                   نبيه r، وإظهاراً لأهل الحق ، وإهلاكاً لأهل الباطل . وخير الجهاد النفس فى ذات الله تعالى ، قال                     r: (أكْثَرُ شُهَدَاءُ أُمَّتِى عَلَى آلْفُرُشِ) . يعنى أن المجاهدين لأنفسهم ؛ الناشرين لشريعة رسول الله                     r. يعنى أن الإِنسان لآ يخاف إلا الله فى نشر الدعوة ، فلا يخافون لومة لائم فى جهاد أنفسهم وفى الأمر                بالمعروف والنهى عن المنكر ، فإن المجاهدين بين الصفين قد يشوب نيتهم الطمع فى غنيمة أو رياسة ، وأما             الذين يجاهدون ـ فى سبيل الله ـ أنفسهم ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، لا يمازجها طمع ولا                أمل ، وهم الأفراد الذين أقامهم الله ورثة لرسله صلوات الله وسلامه عليهم ؛ لا تأخذهم فى الحق لومة لائم ،               وهذا هو الجهاد الذى يثنى الله على من قاموا به هذا الثناء ، فيجعل لكل رجل منهم جنة عرضها السموات                والأرض .

.

]وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [الصبر : هو قهر النفس على المسارعة إلى نيل مراضى الله تعالى . والفرق بين الصبر               والرضا أن الرضا هو أنس النفس بمواقع البلايا ، ويكون فى القضاء والقدر . وأما الصبر فهو قهر النفس على          العمل بأمر اله ، وهى العبادات المفروضة والمرغب فيها ، والأخلاق التى كان عليها المصطفون الأخيار من             عباد الله تعالى . والصبر بحسب الأصل يكون على القيام بالعبادة والمحافظة عليها والمداومة على إقامتها كما قال         ــــــــــــــ

(1)     سورة القمر آية 54 ـ 55.

(2)     سورة الحديد آية 4.

(3) سورة المجادلة آية 7.

     

 

قوله تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ 0000 (144) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعالى : ]الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ [(1). وقد شرحتُ مقام الجهاد والصبر فى كتاب : ( أصول                    الوصول ) عند شرح مقامات أهل اليقين ، فراجعه إن ش~ت المزيد ، وهذه الآية سببها غزوة أحد أيضا                  وحكمها عام .

 

قوله تعالى :وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ p143i

 

اللام هنا للقسم . و (قَدْ ) لتحقيق الخبر . و]كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ [أى : ترغبون فيه بحرص عليه وشدة                 فى الطلب ؛ لأن المُتَمَنَّى : المتعذر الوقوع . ومعنى هذه الآية أن الصحابة بعد غزوة بدر كانوا يسألون الله               تعالى غزوة يستشهدون فيها حُباًّ منهم فى الشهادة ، وهذا خبر من الله تعالى يرتب عليه بيان الآتى ، ليعلمنا أن            نتجمل فى كل أوقاتنا بالرضا عنه فيما أقامنا فيه ، من غير أن نتمنى غير ما أقامنا الله تعالى فيه ، بل نجعل              أنفاسَنا كلَّها مستغرقه فى شكره سبحانه وذكره ، والفكر فى آلائه وآياته ، حتى نفوز بشهود جماله الظاهر                 الجلى فى جميع مكوَّناته .

]مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ[أى : من قبل أن يهاجمكم الأعداء ، ويطلبون منكم . وهذه الآية الشريفة أدب من                    الله تعالى ، يبين فيه لعباده أن المؤمن الكامل يعمل ولا يقول ، وينفذ ولا يتمنى ، أما تمنى عمل الخير وغيره             يسبقه إلى عمل الشر فإن حرب الكفار شر عليهم ، وهم يسارعون إليه ، وجهاد المؤمنين خير لهم وهم يتمونه ،           وشتان بين التمنى والعمل ، وفى هذا الأدب إشارة إلى من خالفوا رسول الله rمن الرماة ، ومن خالفوه فى             المدينة عندما كان يُحِب أن يحارب الكفار فيها فاستحثوا الخروج إليهم . ]وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ[إن كانت الواو                للحال فالجملة حالية ، وإن لم تكن للحال فهى توكيد ؛ لقوله تعالى : ]رَأَيْتُمُوهُ [والمعنى : إنكم تنظرون                  إليه وهو قريب منكم جدا وذلك يوم أحد .

 

قوله تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ                                      عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ  فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ                                         الشَّاكِرِينَ p144i

.

]وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ [هذه الآية المفيدة للقصر الحقيقى الدالة على الرسل والرسالة ، لأن لفظه                          ]رَسُولٌ [تفيد فاعلا ومفعولا ، وإن تضمنت الرسالة بحسب دلالتها فهو rرسول ورسالة . ]قَدْ خَلَتْ                   مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ [يعنى مضت وسلفت ، وهى سنة الله فيمن يرسلهم ، ولما كان rرسولا لزم أن يخلو كما               خلوا . إذْ لاَ بقاء لغير الله تعالى فإن كل رسول أو نبىّ أو ولىّ أو غيره بعد انتهاء ما قدّره الله له من العمر                يموت .

سبب نزول هذه الآية ما وقع للصحابة رضوان الله عليهم من الهلع والفزع فى غزوة أحد ، عندما ظنوا أن                رسول الله rقد قتل . وتفصيل هذه الحادثة أن رسول الله r، لما نزل بأُحد أمر الرماة أن يقفوا بأصل                  ــــــــــــــــــ

(1) سورة المعارج آية 23.

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجبل ولا يتحولون عنه ، سواء كان الأمر لهم أو عليهم . فلما حمل جيش المسلمين على الكفار وأمعنوا فيهم             فتكا ، وَقَتَلَ على بن أبى طالب طلحة بن أبى طلحة صاحب لوائهم ، وكذلك فعل الزبير والمقداد ، وحمل                الرسول مع أصحابه فهزموا أبا سفيان ورجاله ، وانهزم المشركون وترجعوا . فلما رأى بعض الرماة هزيمتهم            طمعوا فى الغنيمة فتأوّلُوا أمر رسول الله rوفارقوا أماكنهم وانحدروا يطلبون الغنائم ، وكان خالد بن الوليد             يقود ميمنة الكفار ، فلما رأى الرماة قد تفرقوا في طلب الغنيمة، حمل على جيش المسلمين فهزمهم وفرق             جموعهم ، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثى رسول الله rبحجر فكسر رباعيته ، وشج رأسه ، وأقبل يريد           قتله !! فتصدى له مصعب بن عمير صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد ، فقتله بن قميئة وظن أنه قد قتل رسول            الله rفصاح : قتلت محمدا ، وصرخ الشيطان فى المسلمين : قُتل محمد . فانتشر الخبر بين الناس قوقع الهلع          فى قلوب المسلمين ، وقال بعضهم : ليت عبد الله بن أبى يأخذ لنا الأمان من أبى سفيان . وقال بعض                   المنافقين : لو كان نبيا لما قتل ، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم ، فصاح فيهم أنس النضر عم أنس بن                  مالك قائلا : يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد حى لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله                r؟ قاتلوا على ما قاتل عليه ، وموتوا على ما مات فى سبيله ، ثم قال : اللهم إنى برىء مما يقول هؤلاء .            وسل سيفه وهجم على المشركين فقاتل حتى قتل رضى الله عنه .

ولما شج الكفار وجهه عليه الصلاة والسلام دافع أبو بكر وعلىّ وغيرها ، واحتمله طلحة بن عبيد الله                    وكان حوله ثلاثون من صناديد الصحابة يقاتلون عنه ، وكلما سقط واحد منهم جثا الآخر بين يديه وقال :                 وجهى لوجهك وقاء ، ونفسى لنفسك فداء ، وعليك سلام الله غير مودع . ولما تفرق المسلمون وظنوا أن                 رسول الله rقد قتل بدت عليهم الهزيمة ، وقتل منهم عدد كبير ، وأخذ رسول الله rيصيح قائلا : ( إلىَّ                عبادَ اللهِ ) فسمع بعض الصحابة صوته الشريف فانحازوا إليه ، وقد سرت فيهم روح الحياة ، فلامهم عليه              الصلاة والسلام على هزيمتهم ، فقالوا : يا رسول الله ـ فديناك بآبائنا وأمهاتنا ـ أتانا خبر قتلك فولينا                   مدبرين .

]أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [دخل الاستفهام على فعل الشرط وهو مقدم عن تأخير ،                        والأصل دخوله على الجواب . والانقلاب الردة عن الإِسلام والفرار يوم الزحف ، ولم يحصل من ذلك شىء فى           تلك الغزوة لا موت ولا قتل ، أما القتل فلأن الله تعالى بشرنا فى القرآن بأنه يعصمه من الناس بقوله تعالى :              ]وَآللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ آلنَّاسِ [(1)فما بقى إلا الموت على الفراش كما بشره الله تعالى ، وهى معجزة كبرى .               ]وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا [أى : ومن يرتد عن الإِسلام فيرجع إلى الكفر فى الدنيا فلن                يضر الله شيئا ، فإن الله هو الضار النافع سبحانه ، قال تعالى : ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ                الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [(2).                                           

]وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ [معلوم أن الشكر عمل ، قال تعالى : ]اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ                       عِبَادِيَ الشَّكُورُ [(3)وثناء الله تعالى فى هذه الآية على الشاكرين الذين عملوا مع رسول الله rعندما هجم               ـــــــــــــــــ

(1)     سورة المائدة 67.

(2)     سورة يونس آية 23.

(3)     سورة سبأ آية 13.

 

              

 

قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ 0000 (145) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عليه عبد الله بن قميئة ورماه بالحجر وهم بقتله ، فدفعه عنه مصعب بن عمير كما تقدم ، ووقف علىّ وأبو بكر            وغيرهما من أفذاذ الصحابة الذين ثبتوا أمام رسول الله rفى وقت الفزع الأكبر ، وهم الذين يمدحهم الله                تعالاى بموقفهم هذا ، ويبشرهم بالخير العاجل والآجل ، بالفعل قد تفضل الله عليهم فجعل أبا بكر خليفة عن                  رسول الله r، وأقام علياًّ هذا المقام بعد عثمان ، وأعد لمن مدحهم الله تعالى المقام الأعلى يوم لقائه فى                     مواجهة وجهه العظيم .

بينت لك أن الشكر عمل ، لأن الشكر قيام كل جارحة بما أوجبة بما أوجبه الله عليها . والحمد قول ، لأنه لا يكون             إلا باللسان . ولأن الشكر لله تعالى ولكل من أسدى إليك نعمة من الخلق كالوالدين ، ومعلم الخير ،                         والسلطان العادل ، وغيرهم . أما الحمد فهو قول باللسان ، وهو الثناء بياللسان على جميل اختيارى ، ولا                   يتفضل عليك بالجميل اختيارا إلا الله ، فهو خاص بالله فلا يحمد إلا الله فى السراء والضراء .

 

قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا                                   نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ p145i

.

تضمنت هذه الآية الشريفة حقيقة من حقائق التوحيد الذى يجب أن يكون عليه أهل الإيمان بالله ، لأن الله                   تعالى ينفى بتاتا أن تمُوت نفس إلا بإذن الله . والقصر هنا بالاستثناء حقيقى ، أى : بتقديره ومشيئته وعلمه                  سبحانه ، فإذا كانت تلك الحقيقة قامت عليها الحجة بالآية الشريفة فكل كائن من إيجاد وإمداد يبرز فى                      الوجود الظاهر لابُدَّ وأن يكون بتقدير الله تعالى ، وإذاً نصدق الله تعالى حيث يقول : ]وَآللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا                      تَعْمَلُونَ [(1)أى : خلقكم وخلق أعمالكم ، والمكان الذى تعملون فيه ، والمادة التى تنوعونها بعملكم ، وقال                سبحانه : ]هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ آللهِ [(2). وهذه الآية مرتبطة بالآية السابقة ، وسبب نزولها إرجاف المبطلين                بقولهم : إن محمد قتل ، فيقصم الله ظهورهم بقوله تعالى : ]وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله[أى :                                     أن الله لم يقدر موت محمد rفى غزوة أحد ، وعلى ذلك فإنه لم يمت ولم يقتل ، ولأسباب نزولها حِكم                    كثيرة .

ومعناها أن الله تعالى يعتب على من انهزموا من الصحابة يوم أحد ، مبينا لهم الحقائق الإِسلامية التى بايعوا                 عليها رسوله  r؛ من أن الأعمار والأرزاق قدرها الله قبل أن يخلق الإِنسان؛ وأن الموت والقتل لا يكونان                إلا بإذنه ، أى : بتقديره وإرادته ، وتلك العقيدة تنتج للمتمسكين شجاعة إسلامية وإقداما على الشدائد                          العظام من غير خوف من القتل والموت ، فإن الله إذا قدَّر على العبد الموت أو القتل فى وقت معين ؛ نفذه مهما             احتاط الإِنسان وتحفظ . وعذا لم يقدَّر عليه شيئا من ذلك وألقى بنفسه فى النار ، أو فى متلاطم البحار لا يصيبه           شىء . ومسلم يعتقد تلك العقيدة الحقة ويفر من الصفِّ ؛ أقام الحجة أنه ضعيف الإِيمان . وعلى ذلك فإنى                  أعيدج ما قرته قبل من أن العلم غذا لم يبلغ اليقين الذى تؤيده الحجة ، أو يبلغ حق اليقين الذى هو شهود                    الحقائق ؛ قد يضر ولا ينفع ، وكم نرى الآن من عالم يقرر الحقائق وهويخالفها فى مجلس التقرير ، فيشرح ضرر          الغنيمة والنميمة والحسد ، وهو فى أثناء الشرح يذم وينبذ ويغتاب ، ويظهر ما يفيد انه حسود وحقود . ولو كان            ـــــــــــــ

(1)     سورة الصافات آية 96.

(2) سورة فاطر آية 3.

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للعلم فائدة لحفظه علمه عن الوقوع فيما يخالفه ، فالله سبحانه يكشف لنا غيبا مصونا من أسرار التوحيد                     كشفاً تهش له القلوب وتبش بقوله تعالى : ]وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً [حتى لا                                        تجبن عند لقاء الأعداء ولكثرة عَددهم ، فإن الموت والقتل مقدر أزلا لا مفر منه ، وَلأَن يموت المسلم                        أو يقتل مجاهدا ؛ خير من أن يقتل منهزما .

]كِتَابًا مُّؤَجَّلاً [( كِتَاباً ) مصدر منصوب بفعل محذوف ملحوظ تقديره : كتب الله كتابا ، أى : كتبه فى                    اللوح المحفوظ كما بينته السنة ، وإنما كانت كتابته لأن الله وضع الأسباب قائمة وسائط بينه وبين خلقه من                   الملائكة والإنس والجن ، فكتب فى اللوح المحفوظ ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وأقام لتلك الأحداث                  المؤقتة ملائكة فى آناتها الخاصة يتلقونها من اللوح لتنفيذها فى الأعيان الحادثة ، وهذا غيب القدر ولا يطلع على            هذا الغيب إلا مَلَكٌ أقامه الله عاملا فيه ، أو مقرب من الله تعالى يطلعه عليه ليقوى إيمانه بعجائب قدرة الله                 تعالى وحكمته . أما الغيب المصون الذى هو جمال الله جلا جلاله ، وبهاؤه ، ونوره ، وضياؤه ، وكماله ،                  وأحكامه التى يحبها من أمره ونهيه ، فإنه لا يطلع عليها إلا رسول ، قال سبحانه : ]فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِِهِ أَحَداً             إِلاَّ مَنِ آرْتَضَى مِن رَّسُولٍ [(1)ومعنى الآية : أن الله تعالى كتب الأقدار التى خصصتها إرادته فى حضرة علمه          فى اللوح المحفوظ ، كما ورد أنه محدود بأوقات مخصوصة ، مرتبط بأسباب خاصة اقتضتها حكمة الله .

]وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَانُؤْتِهِ مِنْهَا[هذه الآية جملة شرطية ، بينت تقييد العقوبة فى الآخرة والنعيم فيها                       مرتبا على المعصية والطاعة ، والمؤاخذ عليه أو المجازى عليه بالنعيم هو الإِرادة ، ومعنى الإِرادة هنا الاختيار .     فإن الإِرادة أولا هى : التردد بين عمل الشىء أو اركه . أما الاختيار فهو أعلى من الإِرادة ، وهو العزم المؤكد      على عمل الشىء ، قال r: ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ وَإنَّمَا لِكُل امْرِىءٍ مَا نَوَى ) . ومعنى الآية أن الله                         يقول : من كان يريد ثواب العاجلة مختارا له ، فلم يرد ثواب الله ونيل العنيم المقيم يوم القيامة ؛ والفوز بجوار          الأخيار وبالمغفرة من الله والرضوان ؛ نعطه منها أى فيها ، فيعطه ما يريده من مال أو بنين أو جاه وشهرة ،           وكل ما يناله فيها زائل تعقبه العقوبة بعد السؤال عن العمل ، وتاكون الحجة قامت على العبد أنه ضعيف الإيمان    جاهل بحقائقه .

]وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا[أى : يختار وينوى الفوز بالنعيم المقيم فى جوار الأخيار والصديقين                     والشهداء ، فيعمل ما فى وسعه مستصغرا نفسه ومال فى سبيل الله تعالى ، نؤته من ثولب الآخرة فيها .                سبب نزول هذه الآية خاص لمن شهدوا أُحدا ، فإن منهم من كان يريد الدنيا وهى : الغنائم والشهرة                         والانتقام من الأعداء ؛ ولم يرد غير ذلك من ثواب الآخرة ، وهؤلاء إذا عاقهم عن بلوغ مرادهم عائق ؛ فروا             وانقلبوا ؛ تمنى أهلهم خاسرين . وأما من كان يريد ثواب الآخرة فإنه إذا اشتد الفزع وهلعت قلوب أهل                     اِلنفاق ؛ تمنى الشهادة ليفوز بمراده الذى من أجله جاهد فى سبيل الله وهو الفوز بنعيم الآخرة ، ولا ينال نعيم                الآخرة وهو فى الدنيا أبدا ، وسبيل الوصول إلى الآخرة هو القتل فى سبيل الله تعالى ، فكيف يتحقق الفوز                  بمراده المختار له ويفر ؟!! وهذه الآية تقريع شديد من الله تعالى لكل مؤمن أراد الدنيا ، ويقظة لقلوب أهل                  الإِيمان أن يطهروا قلوبهم للعمل فى سبيل الله ، تبارك ربنا وتعالى ، ما ترك شيئا ننال به الزلفى عنده إلا وبينه            ــــــــــــــ

(1) سورة الجن آية 26 ـ 27.

 

 

قوله تعالى : وَكَأيَّن مِّن نَّبِىًّ000 (146) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بيانا يشفى كلوم القلوب ، ولا شىء يوقعنا فى نار جهنم إلا وبينه بيانا جليا ، أسأل الله تعالى التوفيق لما يحبه              ويرضاه ، والحفظ من معاقبته سبحانه .

]وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ[تقدم شرحها فى قوله تعالى : ]وَسَنَجْزِي آللهُ الشَّاكِرِينَ[إلا أن هذه الآية قال                        فيما : ]وَسَنَجْزِى [وفى الآية المتقدمة قال : ]وَسَنَجْزِى آللهُ [والفرق بينهما أن الآية الأولى نزلت فى أفراد               وقفوا موقفا لا يقفه إلا أهل التمكين الكامل كأبى بكر وعلىّ ، حيث كانت النفوس رخيصة ، فكان قوله                     تعالى : ]وَسَنَجْزِى آللهُ [في مقاماتهم وعلو درجاتهم حيث أسند الجزاء لذاته العلية . وأما هنا فالآية خبر لمن              أرادوا الآخرة فأخبر عنهم بقوله : ]وَسَنَجْزِى[أى : يكون جزاؤهم بنعيم الجنة والفوز فى الفردوس الأعلى               وأما فى الآية المتقدمة فيكون الجزاء نيل رضوان اله الأكبر وشهود وجهه العلى العظيم فى مقعد صدق عند                مليك مقتدر ، وقد أخبرنا بالفعل المضارع المتصلة به السين الدالة على تأخير الجزاء على الحال الحاضرة ، فدل           ذلك على أن الجزاء يكون يوم القيامة .

 

قوله تعالى : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ

وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ p146i

.

هذه الآية الشريفة قُرأت بهذه الرواية وبرواية أخرى وهى : ]وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ[بضم القاف  ]مَعَهُ                    رِبِّيُّونَ [والروايتان صحيحتان . أما تأويل الأولى (وَكَأَيِّن ) أى : كثير . و]قَتَلَ مَعَهُ [أى : جاهد معه .                 (رِبِّيُّونَ ) أى : جموع كثيرة أو مؤمنون به من عامة أمته ، ويكون الربانيون هم العلماء والالاة ، و آلّربيِوّنَ              بكسر الراء العامة المتبعون . ويكون التفسير على الرواية الثانية (قُتِل )بضم القاف ، أى : أن النبى قتل ،                والحال أن معه جموعا كثيرة . وجائز أن تقول : قُتل معه رِبَّيون على تأويل لفظه قُتل بضم القاف حالا ،                   ويكون المقتول فيها هو نبى الأمة . وإذا كالن المقتول أكثر الربيين يكون الوهن والضعف والاستكانة منفية عن             القليل منهم الذى لم يقتل ، ويكون (رَبَّيُّون ) نائب فاعل (قُتل ) ويكون المعنى على التأويل الأول أن                      كثيرا من الأنبياء قاتل معه ]رَبَّيُّون كَثِيرٌ [أى : جيوش كثيرة ، فكأن الجيوش الذين يقاتلون مع الأنبياء يثبتون             فى القتال ، قُتل نبيهم أو لم يٌقتل . وإن لم يثبت بطريق صحيح أن نبيا من  الأنبياء قتل فى الحرب . فكأن                 الرِّبِيُّونَ لا يزدادون كلما حمى الوطيس إلا إقبالا على الأعداء ، وطمأنينة قلب ، وكان الأولى بتلك الصفات                 هم أصحاب رسول الله r، لأن الله تعالى أكمل لنا به الدين فأتم علينا نعمته . وهذه الآية أدب لأهل                      الإِيمان .

]فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ  وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ  [فالوهن : ضعف القلب ، يجعل                                                  الواهن فى هلع وجزع ويأس وفزع . والضعف : ما يعترى الجوارح عند  الخوف الشديد من الرعب وانحلال              القوة . والاستكانة : هى الاستسلام للأعداد أو الردة عن الإِسلام ، ومن استسلم للأعداء أحاط به الذل                       والخزى ، ومن أهلكه الفزع فارتد عن الإِسلام يتمنى أن يكون ترابا يوم القيامة ، أعاذنا الله وإخواننا من                    الكفر بعد الإِيمان . فالله تعالى يشنع على من يفر يوم الزحف بخصال ثلاثة : الخصلة الأولى : ضعف القلب                وجزعه . والثانية : انحلال الأعضاء لشدة  الضعف والفزع . و الثالثة : حصول اليأس للإنسان حتى يذل                  للأعداء أو يرتد عن الدين بالستكانة .

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [هذه الآية ثناء من الله ومدح لمن ثبتوا فى غزوة أحد ، والحكم فيها عام وإن كان               سببه خاصا ، فالله تعالى يحب كل عبد صبر على القيام بتأدية ما فرضه الله عليه وسنه رسول الله r، وقد               يكون الصبر أيضا على مُر القضاء ، والصبر هو حبس النفس على القيام بمحاب الله ومراضيه ، وقد تقدم               الكلام عليه فى قوله تعالى :]وَآلْكَاظِمِينَ آلْغَيْظَ [وبينت لك محبة الله للعبد أنها إرادة الله اصطفاء العبد                  لحضرته العلية ، وإيثاره على غيره ممن أقامهم فيما يحبه ويرضاه ، قال إخوة يوسف له : ]تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ            عَلَيْنَا [(1)أى : أحبك . وإن أنكر بعض من لا علم لهم محبة الله للعبد وتأولوا قوله تعالى :]يُحِبُّهُمْ                      وَيُحِبُّونَه [(2)على قدر عقولهم . وقد فصلت هذا المقام فى كتاب : ( أصول الوصول )(3)باب المحبة . ومن            فقه خطاب الله تعالى فى تلك الآية المشيرة إلى غزوة أحد ، لعلم أن الشدائد التى يصاب بها المؤمن التقى سوابغ           إحسان من الله تعالى ، يرفع بها درجات من امتحن قلبه للتقوى ، وجواذب حب يصطفى الله بها من ابتلاهم               فصبروا ، وسارعوا إلى محابة ومراضيه ، وهو التمحيص الذى يظهر به أهل سابقية الحسنى بعزائمهم العلية            وكمال علمهم ، وكفاهم شرفا ثناء الله عليهم بقوله : ]وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [، وليس فوق محبة الله للعبد               مقام تتشوق إليه أرواح المقربين ، وإذا تفضل الله بمحبته على العبد فقد رفعه إلى أعلى عليين .

 

قوله تعالى : وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ

أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ p147i

.

بيّن الله لنا ما كان عليه أتباع الرسل السابقين عليهم السلام ، من حيث أجسامهم التى واجهوا بها سيوف                   الأعداء ورماحهم ونبالهم ، مع الهمة والفرح بلقاء الله تعالى ، وما كانت عليه قواهم الروحانية من التبرئة من             القوة والحول إلا بالله ، ومن لزوم العبودية بالابتهال والتضرع والدعاء ، بدليل قوله سبحانه : ]وَمَا كَانَ                  قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا [الآية . هنا يقف العقل البشرى عن أن يدرك مقدار ما تفضل الله                  عليهم من مواجهتهم بوجهه الجميل ؛ حتى كأنهم ليسوا بشرا فى القتال : وأى عقل يتصور أن إنسانا يمزق                 جلده بالنبال والرماح والسيوف ؛ وقلبه حاضر مع الله يتمثل أنه مذنب مرتكب للكبائر ؟ فى وقت يتصور                 أعلم الناس بالدين أنه نصر الله وجاهد فى سبيله فيرى له عملا يُطمِع فى نيل الزلفى عند الله . وهؤلاء أقرب ما          يتقرب به المجتبون يرونه ذنبا يستغفرون الله منه ، وهذا هو كمال الأدب مع الله تعالى ، والعلم به سبحانه .

.

ومعنى ]اغْفِرْ لَنَا[أى : استر لنا ذنوبنا وعيوبنا فإن الغفر هو الستر . ]ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا [بلغ                  تعظيم الله فى قلوبهم مبلغا شهدوا به قدرهم فى هذا الجانب العلى فرأوا عجزهم عن القيام له سبحانه                      بما يحب ، قال سبحانه :]وَمَا قَدَرُوا آلله حَقَّ قَدْرِهِ [(4)فكان شهود العجز والقصور منهم ؛ ذنبا فى نظرهم              يستغفرون الله منه . والإِسراف : هو التفريط والتبذير]فِى أَمْرِنَا [أى : فى جميع شؤوننا . ولما كان الإِنس             والجن لو اجتمعت قواهم فى فرد واحد ، وعَبَد ذلك الفرد الله بجميع القوى ، وكانت تلك العبادة خاصة به ،               ـــــــــــــــــ

(1)     سورة يوسف آية 91.

(2)     سورة المائدة آية 54.

(3)     يطلب من مكتبة دار المدينة المنورة 114 ش مجلس الشعب ـ القاهرة .

(4)     سورة الأنعام آية 91.

 

قوله تعالى : فَئَاتَهمُ اللهُ ثَوَابَ آلدّنْيَا0000 (148) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكان مقصرا فى جانب الله لو انكشف للإِنسان حقيقة نفسه فعرف بها ربه ، وفى قولهم : ]ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا                   ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا [الآية ؛ حجة على كمال عبوديتهم لله تعالى ومعرفتهم به .

.

]وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا [بيان لكمال شهودهم حقائق التوحيد ؛ شهودا جعلهم يتبرءون من الحول والقوة إلى                        من بيده الحول والقوة . وهذه الآية برهان على أن الله تعالى خلق الإِنسان وخلق عمله ، قال سبحانه :]هَلْ              مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ آللهِ [(1)وإن تأولها بعض من حجب عن شهود كمال التوحيد إلى أن تثبيتهم يكون بألطاف الله              تعالى ليثبت للإنسان عملا بنفسه ، ولهم العذر ، قال تعالى :]وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ [(2)وإنما هي                   البصائر إذا منحها الله نورا تستبين به الحقائق ؛ شهدت بما نظرت . وإن حرمت النور ؛ حجبت عن الغيب              المصون . وكان المشهود للإِنسان حكمه الله فى إيجاد الكائنات ، ولكنه حجب عن شهود قدرة الله تعالى                    وآثارها فى المبدَعات .

وشتان بين من يرضى بالجنة ، وبين من يجذبه العلم بالله حتى يكون على منبر من النور قدتم عرش ربنا                 تعالى . فأهل العلم بالله فوق أهل الإِيمان بالغيب مكانة ومكانا . والتثبيت هو التمكين الذى يجعل العبد لا                   يعتوره شك ولا ريب ولا خوف ولا فزع ، حتى يكون الشىء الذى يخاف منه الشجاع المقدام ؛ يتمناه                     بنفسه شوقا إلى لقاء ربه تعالى .

]وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[إشارة لكمال توحيدهم ، لأنهم يعتقدون العقيدة الكاملة أن النصر من                      عند الله . قال سبحانه : ]وَمَا آلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ آللهِ [(3)فابتهلوا إليه أن ينيلهم التأييد بروح منه ، وأن يقهر            أعداءه وأعداءهم الكافرين حتى يكون الدين لله . وهذه الآية بيان من الله لنا ، وعتب منه سبحانه على أهل                أحد ، فهى وإن نزلت فى غزوة أحد إلا إن الحكم فيها عام . والواجب علينا أن نسأل الله تعالى أن يجملنا بما               جمل به أتباع الأمم السالفين ، خصوصا ونحن أمة خاتم الأنبياء . وفى هذه الآية مزيد فى الإِيمان لأهل الغيرة             والفقه عن الله تعالى .

 

قوله تعالى :  فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ p148i

 

]فَآتَاهُمُ اللّهُ [أى : أعطاهم جزاء ما أخبرنا به عنهم عطية جعلها عامة لكل من جمله سبحانه بصفاتهم إلى                يوم القيامة . لأن (آتَى )أى : أعطى عطية عامة لكل من آتاه ولغيره ، و ( أعطى ) أى : أعطى عطية خاصة           للمُعْطَى له . وفى قوله : ]فَآتَاهُمُ [بشرى لنا جماعة المسلمين بأن هذا الخير المعطى لهم ينالنا إن شاء الله                تعالى . ومعنى الآية أن الله تعالى تفضل على من وصفهم بأنهم صبروا على لقاء الأعداء بعد قتل أنبيائهم ؛ صبرا         أثبت أنهم بلغوا كمال الشهود ، وتحققوا بالوجود الحق ، وكيف لا ؟ وقد قامت الحجة لهم بما وصفهم الله به               أنهم من المصطفين الأخيار . ]ثَوَابَ الدُّنْيَا [أى : نفوذ الكلمة على الأعداء ، والتمكين فى الأرض بالحق ،                 ــــــــــــــ

(1)     سورة فاطر آية 3.

(2)     سورة الصافات آية 164.

(3)     سورة آل عمران 126.

         

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقهر أعداء الله وأعدائهم ، والفوز بالغنائم ، والحفظ من الفتن والمحن ، وتوالى نعم الله عليهم من السماء                  والأرض .

]وَحُسنَ ثَوَابَ آلأَخِرَةِ [وهو الخير الحقيقى الذى يتفضل به على أصفيائه من عباده ، لأن الجنة ونعيمها                 هى ثواب الآخرة فقط . أما حُسن هذا الثواب ـ بضم الحاء ـ فهو ما فوقها من مقعد صدق جوار الرسل                  الكرام عليهم الصلاة والسلام عند مليك مقتدر ، فرضوان الله الأكبر لأهل الذكر الأكبر ، فالأنس بالله على                 بساط إكرامه . وهذا هو حسن ثواب الآخرة . وليس فوق هذا المقام إلا مقام فى قوله تعالى : ]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ                نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ [(1)والآخرة مأخوذة من اليوم الآخر . فإن الدنيا يوم ،                 والبرزخ يوم ، والآخرة يوم آخر ، وآخِر بكسر الخاء أى : متأخر عن يومى الدنيا والبرزخ .

]وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[تقدم لك الكلام على محبة الله للعبد ، وهنا يبشرنا الله تعالى بأنه يحب                           المحسنين . فمن هم المحسنون الذين يحبهم سبحانه ؟ . بين رسول الله rهذا المقام فى الحديث الطويل الذى             أورده البخارى بسنده إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى قوله r: ( آلإِحْسَانُ أَن تَعْبُدَ آلله كَأَنَّكَ تَرَاهُ                 فَإِن لَمْ تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) فبين أن أهل الإِحسان نوعان : نوع أعلى وهو الشهود الذى دَلّ عليه                         (كَأَنَّكَ تَرَاه) ونوع يليه وهو مقام المراقبة الذى يجعل العبد حاضرا مع الله ، بدليل قوله r: ( فإن لم                    تكن تراه فإنه يراك ) وبعد مقام المراقبة مقام المحاسبة للنفس ، وبعدها لا مقام للعبد ، وهو سالك يطلب                   العلم ، حتى يعرف نفسه فيعرف ربه ، فيحاسب نفسه ، ثم يراقب ربه ، ثم يشاهد جماله .

 

قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ                                             خَاسِرِينَp149i

 

سبب نزول هذه الآية أن أبا سفيان واليهود والمنافقين لما أن علموا أن رسول الله rقتل ؛ قام أبو سفيان                  فطلب ممن يعرف من المهاجرين أن يرجع إلى دينه وبلده ، وقام عبد الله بن أبى بن سلول ومن معه من المنافقين         يرسوسون إلى الأنصار بقولهم : لو كان نبيا مرسلا ما قتل ، وقام اليهود يدخلون الريبة والشك فى قلوب                 المسلمين بما فطرت عليه نفوسهم الخبيثة ، وخصوصا فى وقعة أحد عند إشاعة قتل رسول الله rفحذرهم               الله تعالى بقوله سبحانه : ]إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ [ومعلوم أن                    سبب نزول هذه الآية خاص ولكن حكمها عام ، والله ينهانا ضمنا عن إطاعة كل كافر ويرتب عليها الكفر به              سبحانه ، والحكم هنا عام لم يتقيد .

فما هى الشؤون التى ينهانا ربنا عن إطاعة الكفار فيها ؟ هل ذلك ما يعنيه سبب نزول الآية ؟ أم الأمر                    شامل لكل ما يأتينا من قِبل الكفار ؟ والظاهر أن الله تعالى نهانا عن اتباع الكفار وعن نصرتهم وتأييدهم ،                وعن سماع مشورتهم ، وعن الركون عليهم والمسارعة فيهم ، وعن التقرب إليهم . اللهم إلا ما عدت إليه                  الضرورة ؛ كالمبادلة التى لا يتسرب منها فساد فى دين ولا عرض ولا نفس ولا خلق ، فإن المسلم إذا وجد ما             ـــــــــــــ

(1)     سورة الأحقاف آية 16.

   

قوله تعالى : بَلِ آللهُ مَولَكُمْ 00000 (150) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحتاج غليه من لوازمه الضرورية والكمالية عند أخيه المسلم يتعين عليه ألا يأخذ حاجاته إلا منه ، فإذا دعت              الضرورة فَقْد ما يلزم من عند المسلم ؛ جاز له معاملة غيره ،والمسلم الذى يستحسن معاملة غير المسلمين يقيم              الحجة على نفسه أنه ضعيف الإيمان ، وربما تسرب إلى قلبه شىء من حب غير المسلمين فيكون بذلك فارق              الإِسلام من حيث لا يشعر ، فإن معاملة غير المسلمين ـ خصوصا فى بلاد إسلامية ـ تقوى شوكة الكافرين              بما يكتسبون من الأموال ، وتضعف المسلمين ، ولا ترى مسلما يحب أن تقوى شوكة أعداء الإِسلام .

وإذا كان الله تعالى يبين لنا أن إطاعة الكافرين ردة ؛ فكيف تكون طاعة من طعنوا فى ديننا ، وآذونا فى                   نبينا ، وفتحوا علينا أبواب الفتن بعد هذا كله ؟؟ حتى لا ترى بلدا من بلاد المسلمين إلا ويحتلها جيش من                جيوش الكفار ، طليعته دعاة النصرانية الذين لم يجدوا أمامهم غيرة إسلامية تصدهم بالقوة ، فإن أعداء الله               ليست لهم حجة يقيمونها على دعواهم ، وحجتهم السب ، والتنديد ، ونشر أباطيلهم ، ثم الجيش الجرار . فلو               أن المسلمين تمسكوا بدينهم فصدوا قوة تلك الطليعة المضلة لما وجدنا فى الشرق جيشا مستعمرا ومستعبدا ،               ولكن قاتل الله الطمع . هل بعد قوله تعالى : ]إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ                     خَاسِرِينَ [يقف مسلم فيسمع قول دعاة النصرانية مفقود الغيرة لدينه ووطنه على أعدائهما ؟!! .

.

]يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [الفعل جواب الشرط ، والردة والعياذ بالله معلومة . و ]عَلَى أَعْقَابِكُمْ [أى :                    منهزمين فى الدنيا والآخرة ، لأن الكفر بالله خسران فى الآخرة وهو شأن المنقلب على وجهه منهزما .                   ]فَتَنقَلِبُواْخَاسِرِينَ [الفاء هنا للسببية ، والمعنى : ترجعون خاسرين فى الدنيا والآخرة . أما فى الدنيا فَبِذُلِّ               الكفر بسبب نصرة المسلمين التى وعدهم اله بها وتمكينهم فى الأرض ، فإن حادثة غزوة أحد كانت أدبا من                الله للمسلمين . وأما فى الآخرة ؛ فبسبب الانتقام منهم بخلودهم فى نار جهنم . وفى هذه الآية إشارة إلى أن الله             يحفظ المسلمين من الردة ومن الخسران فى الدنيا والآخرة ، بدليل الإِتيان بـ (إِن ) الشرطية ، ولله الحمد فإنَّا             ما سمعنا بمسلم باشر الإِسلام قلبه فهش له وبش أطاع كافرا أبدا ، وما ارتد عن الإِسلام مسلم من أب مسلم               وماء حلال ، ودليل ذلك ما يقوم به دعاة النصرانية المؤيدون بالحديد والنار ، وبعشرات الملايين من الجنيهات           من ايام الحروب الصليبية إلى الآن ، ولم نسمع أن أجهل مسلم تنصر ـ ولو بذلوا له المال والجاه والسلطان ـ            بينما نرى أهل العقل منهم والثراء يعتنقون الإِسلام فى كل دولة من الدول .

 

قوله تعالى :بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ p150i

 

هذه الآية الشريفة متعلقة بالآية قبلها وهى : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ [ووجه تعلقها بها أن الله                    تعالى يقول يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ]إِن تُطِيعُواْ[أى : لا تطيعوا ، إلى آخره . وسبب إطاعة                   الكافرين تكون لطلب النصرة منهم ، أو دفه الأذى ، أو الطمع فى عاجل الحياة الدنيا ، ومن اعتقد ذلك فقد                 وقع فى شرك خفىًّ ، وحرم الفوز بمقاصده التى لأجلها أطاع الكفار . والواجب على أهل الإِيمان أن يفردوا                الله تعالى بالقصد دون غيره ، فلا يطيعوا غير أهل العلم بالله ، العاملين بكتابه وسنة نبيه عليه الصلاة                    والسلام . ولذلك قال سبحانه : ]بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ [أى : هو الذى يتولى أموركم فيؤيدكم بروح منه ، وينصركم             على أعدائكم ، ويمكن لكم فى الأرض بالحق ، إذ هو الفاعل المختار لا شريك له سبحانه . وجائز أن يكون                .

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكلام لا تطيعوا الذين كفروا وأطيعوا (آلله ) مولاكم بنصب لفظ الجلالة . أى : الذين هو وليكمن يتولاكم                بفضله السابق لكم واللاحق .

]وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [أى : وهو الناصر وحده . إذ لا قدرة لمخلوق على نصرة مخلوق ، بل ولا على                  نصرة نفسه إلا بإذن الله تعالى . وفلفظة (خَيْرُ ) ليست أفعل تفضيل على بابه ؛ بمعنى أن هناك نصراء كثيرين           وهو سبحانه خيرهم . تنزه وتعالى عن المعنى التى يفيدها اسم التفضيل . بل لفظة ( خَيْرُ ) هنا دالة على نفى            النصراء سوى الله تعالى ، ونفى النصراء سوى الله تعالى من الملائكة والإِنس والجن ، وكيف لا ؟ وكل من فى              السموات والأرض عبيد مقهورون وعباد مربوبون .

      

قوله تعالى :سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ                                 سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ p151i

 

]سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ [يطمئن قلوب أهل التوحيد بما تفضل عليهم من اليقين الحق ،                   لأنه سبحانه وتعالى يلقى الخوف والفزع فى قلوب أهل الشرك به ، لأن الشرك بالله لا تقبله إلا النفوس التى              خلقت من أسف سافلين ، ومن علاماتها أن تعبد غير الله تعالى ، فتصنع الأصنام بيدها ، وتعبد البهائم                    والكواكب وغيرها . ومن علامات تلك النفوس ـ حتى ولو كان صاحب النفس مسلما ـ اعتمادها على                    الخلق ، وتوكلها عليهم ، ووقوفها عند الأسباب التى أقامها الله تعالى ليتعرف بها إلى عباده .

وتلك الأسباب قد تتخلف عن تأدية ما وضعت له لتفرد الله تعالى بالفعل . فقد ترى القمر منيرا                            والشمس كذلك ثم تنكسف ويخسف ، وقد تنزل الأمطار فى الوقت الصائف فى أيام الصيف ، وقد تتخلف                 الأمطار عن أوقاتها والأنهار ، وقد تزيد الأنهار فى غير أوقات زيادتها ؛ لتقوم الحجة على كمال تفريد الله تعالى           بالإِرادة والعمل . ولذلك ترى المشركين لا تطمئن قلوبهم ، وتراهم فى رعب شديد من أهل الإيمان بما أودعه             الله فى قلوب المؤمنين من اليقين الحق بالله ، وعدم الانزعاج عند تخلف الأسباب ، وتراهم يسارعون إلى محاب          الله ومراضيه بشجاعة وإقدام ، لفرحهم بالفوز بما عند الله تصديقا لوعده ، وثقة به سبحانه . وكل خلق                   يتخلق به المؤمن فهو بإلقاء الله النُّورَ فى قلبه ، وكل خلق قبيح تخلق به المشرك هو كذلك بإلقاء الله تعالى فى            قلبه ؛ كسوء الظن به سبحانه والميل إلى الشريك ، وهذا مشهد أهل التوحيد الكامل ؛ الذين تبرءوا من حولهم             وقوتهم بما آتاهم الله من العمل بأنفسهم وبه جل جلاله .

ظهر لك أن عقيدة التوحيد والأخلاق الفاضلة إنما يجمل الله بها من منحهم القابل لها ، فإن الإِنسان ـ من                 حيث هو إنسان ـ مفطور على الشر لخبث طبعه ، ولقس نفسه الأمارة بالسوء ، حتى تفضل الله تعالى عليه             بالقابل الذى يعقل عن الله خبره ، قال تعالى : ]  أُوْلَئكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ آلإِْيمَانَ [(1)والكتابة في الحقيقة هي              غير المكتوب فيه ، والتأييد غير المؤيد ، فالله تعالى يزيد على الإِنسان ما ليس منه . وقال تعالى : ]وَلَكِنَّ آلله           حَبَّبَ إِلَيْكُمُ آلإِْيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ [(2)والحب زائد على من يحب ، والتزين زيادة على المزيَّن ، فإذا تُرِكَ             ـــــــــــــــ

(1)     سورة المجادلة آية 22.

(2) سورة الحجرات آية 7.            

 

قوله تعالى : سَنُلقِى فِى قُلُوبِ الَّذِيَنَ كَفَروُا الرُّعْبَ (151) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإِنسانُ ونشأته من غير عناية الله به ؛ فهو شيطان وأشر ، ووحش كاسر وأضر ، لفقده القابل الذى يقبل به               عن الله .

وهذه الآية الشريفة بيان لأهل الإيمان أن الله تعالى ينصرهم ، ويؤيدهم بقوته سبحانه وإن كانوا قِلاًّ وكان                  أعداؤهم كُثرا ، بإلقائه الرعب فى قلوب الكفار . وهذه الآية نزلت لمناسبة غزوة أحد ، لأن المشركين بعد أن             قويت شوكتهم على الصحابة فقلوا وجرحوا فروا منهزمين ، حتى وقف أبو سيفان فوق الجبل ينادى ، فرد                 عليه عمر بن الخطاب بشجاعة وقوة ، فقال المشركون : إنا تمكنا من القوم فما لنا لا نرجع إليهم                          فنستأصلهم ؟ ولكن الله ألقى الرعب فى قلوبهم فانهزموا . وحكم الآية عام بدليل أنها نزلت بعد أحد التى                  أصيب فيها الصحابة بفادح المصاب ، فهى وعد من الله تعالى بدليل قوله سبحانه : (سَنُلْقِى ) بالسين التى               هى للمستقبل ، وهذا هو الحق ، لأن الله تعالى بعد أُحُد أيّد المسلمين فنصروا وظفروا ، حتى فتح جنوب                 أوربا ووسط آسيا وشرقها ، وشمال أفريقيا وسواحلها شرقا وغربا ، وما مضى أقل من قرن حتى كان الإِسلام             تخفق أعلامه على أكثر من نصف الأرض شرقا وغربا . وهذا وعد الله تعالى . فكانت تلك الآية معجزة                 كبرى . واللاعب فى اللغة بحسب الأصل هو الملء لذلك يقال : رعب الوادى ، أى : امتلأ ماء . وهو استيلاء            الخزن الشديد على تجويف القلب حتى يملأه فيبلغ مبلغ اليأس ، وهو شدة الحزن والخوف . وورد فى اللغة                 رَعَب بفتح الراء والعين ، وجائز أن يكون رُعْب بضم الراء مصدرا ، ورَعَب بفتح الراء والعين الاسم منه .

.

]بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ[معنى هذه الآية , أن الله تعالى ملأ قلوبهم خوفا وانزعاجا لأنهم اتخذوا من دون الله                    أندادا من الأوثان ، والكواكب ، والبهائم ، وغيرها . وجعلوا لله ولدا وبنات من الأناسى والملائكة ، وهذا هو               الشرك الظاهر ، وهناك شرك خفىّ ، وهو خُلق ضعاف الإيمان يعتمدون على أهل الثراء وأهل السلطة                  والقوة ، أو يقفون عند الأسباب كما قررتُ لك . وهؤلاء يحتاجون إلى أن يجالسوا العلماء العارفين بالله ليتعلموا            علم التوحيد ، وحكمة الأحكام ، وبذلك يمدهم الله بتأييده وعنايته ، ويجعل لهم نورا يمشون به فى الناس .

.

]مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [( مَا ) هنا مصدرية ]لَمْ يُنَزِّلْ [أى : لم ينزل بإشراكهم سلطانا ، والسلطان                    مأخوذ من السليط الذى يسرج به السراج ، أو من السلطة والقوة ، أو من الحجة والبرهان . فيقال للسليط                 الذى يسرج به السراج : سلطان . وكذلك لصاحب القوة والسلطة : سلطان . وللحجة والبرهان :                          سلطان . فالمعنى أن الله تعالى لم ينزل فى كتبه السماوية آية تدل على أن له شريكا فى الأرض يُحَبُّ من دونه .           وفى هذه الآية دليل على كمال تنزيه الله تعالى عن الشريك والند والضد والولد ، لأنه قال سبحانه : ]مَا لَمْ             بِهِ سُلْطَانًا [ولما لم ينزل به سلطانا قامت الحجة على أن وجود الشريك لله مستحيل عقلا ونقلا ، وصار                  لا وجه لمن يقول : إن عدم إنزال السلطان لا يقتضى استحالة وجود الشريك . لأن القرآن المجيد أنزله الله لمن             منحهم القابل منه سبحانه ، فلا عبرة لقول من لا عقل لهم يعقل عنه جل جلاله .

 

]وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [حكم الله تعالى على أهل الشرك به بأن يجعل لهم النار مأوى يأوون إليها يوم القيامة ،                  لأنهم نظروا بعيون رؤوسهم ما خلقه لهم فى السموات والأرض والأجواء والأرجاء من النعم التى لا تحصى ،             ورأوها متوالية عليهم من غير استحقاق لهم بها ، فإن السموات والأرض وما فيهن خلقت قبل وجود                      الإنسان ، وهى ضرورية له جدًّا ، بحيث لو فقد عنصر من العناصر الكونية ؛ لهلك كل من فى الوجود ،                 كالهواء والشمس والماء وغيرها . وهى دالة على وجود الصانع جل جلاله ، وتفريده بالإِيجاد والإِمداد ، ومع             .

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك فإنهم نسوا الله تعالى ، غفوا عنه فأنساهم الله سبحانه أنفسهم ، من حيث ما يحب أن يعلموه فيها من                   الذل والفقر والعبودية له والاضطرار إليه ، والعجز عن جلب المنافع ودفع المضار إلا بحوله وقوته ، بل وعن            حفظ ما تفضل به عليهم من الجوارح والأعضاء الباطنة ، وهذا يجعل الإِنسان لا ينسى ربه ، بل يديم ذكره               وشكره ، ويتخلق بأخلاقه العلية . ولأجل تلك النعم الغزيرة والمنن الوافية وحرمانهم من الفكر فيها ؛ عاقبهم                الله بالخلود فى نار جهنم .

]وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [أى : وبئس مآل ومقر من ظلموا أنفسهم بالشرك بالله تعالى . ومن تلا تلك                     الآية وتدبر ما فيها من البشائر لأهل الإِيمان ؛ وعقوبات أهل الشرك ؛ يطمئن قلبه ، وتصغر الدنيا فى نظره ،              ويسارع إلى عمل ما يحبه الله ويرضاه ، موقنا بالفوز بخيرى الدنيا والآخرة .

.

قوله تعالى : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي                                    الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ                                     ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ p152i

.

(وَلَقَدْ ) افتتح الله هذه الآية باللام و : قَدْ ؛ المفيدتين لتقوية الخبر .]صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ [أى وعدكم                      وعدا حقا مصدقا فى بدر حيث نصركم وأنتم قِلٌ وغيركم كُثْر ، وفى أول غزوة أحد ، حيث أظهركم عليهم                ونصركم وهزمهم ، والقوم أكثر من خمسة آلاف وأنتم أقل من سبعمائة رجل . ]إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ [أى :              تقتلونهم وتمزقون جلودهم بالنبال والرماح ، وحَسَّه أى : قتله أو جرحه (بِإِذْنِهِ ) أى : بعناية وإرادته                     سبحانه .

]حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ[أى : خالفتم أمر رسول الله rبمفارقة الرماة مواقفهم التى أوقفهم عليه الصلاة                        والسلام فيها ؛ بتأويلهم الذى أولوه فى ألأمر الصريح ، وذلك التأويل أنهم قالوا : إنما أمرنا بوقوفنا حتى تحصل        النصرة ، وقد نصرنا الله وهزم الأعداءَ فمال لنا لا نسلبهم أموالهم ؟ فأبى رئيس الرماة وبقى معه أقل من عشرة           ووقفوا ، وأسرع بقية الرماة إلى تناول الغنائم ، وكان خالد بن الوليد كامنا فى الجبل على يمين المشركين ومعه            ثلثمائة فارس ، فهجم على المسلمين من خلف ظهورهم . وقد بيَّنتُ لك فيما سبق عمل عبدالله ابن قميئة                    عندما رمى رسول الله rبحجر كسر رباعيته وشج وجهه ، وهجم عليه بالسيف فصده بن عمير                          رضى الله عنه فضرب ابن قميئة فقتله ، ونادى : إنى قتلت محمدا ، فصاح الشيطان بأعلى صوته : قتل محمد . ففر       الصحابة وسال الدم من رسول الله r، والمشركون فى ثروة النصرة ، وليس مع رسول الله rإلا أبو                  بكر وعلىّ . فعند ذلك نادى رسولً الله r: ( إِلَىَّ عبادَ الله ) فأسرعوا إليه rبحماسٍ وغيرة .

وبيان هذا قوله تعالى : ]وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم [الرسول ، أى : تنازع الرماة فى البقاء أو مفارقة                  المواقف وعصوا أمر الرسول . ]ِمِن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ [أى : فى بدر وفى أوائل أحد .

]مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا [المراد بالإِرادة هنا الاختيار ، لأن معنى الإِرادة : التردد بين أمرين فعلا وتركا ، فإذا               قويت إرادة أحد الأمرين كان اختيار . فمنهم من كان يختار الدنيا أى : النصر والنعيمة والسلامة ، وهم ضعاف            .

            

 

 

 

قوله تعالى : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ(152) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإِيمان ؛ أو المنافقون كعبد الله بن أبى بن سلول الذى ارتد ومعه ثلثمائة رجل ممن كانوا خرجوا مع رسول الله             rلأُحد . أما ضعاف الإِيمان فالذين فارقوا مواقفهم بعد صريح أمر رسول الله rلهم بالقباء فيها على أى                 حال كان .

]وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ [أى : يختارها ، وهم أهل الإِيمان الكامل . وخير ما يختاره المؤمن لقاء الله                     تعالى بنيل الشهادة ، ولا يختار الآخرة إلا أهل اليقين بوعد الله تعالى ، الذين وقع بهم العلم على عين اليقين               فأنِسُوا بما استوحش منه أهل الغِرَّة بالله تعالى ، ونظروا إلى الدنيا بعين شهدت حقيقتها فاضمحلت أمام أعينهم              وتضاءلت ، ولا يبلغ المؤمن هذا المقام إلا فى وقت الفزع الأكبر كغزوة أحد .

]ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [معنى هذه الآية أن الله تعالى يقول : ]حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي                           الأَمْرِ [إلى قوله تعالى : ]وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ [حذف سبحانه الجواب وهو ملحوظ ، ومعناه : فشى                  فيكم القتل والجراح والهزيمة ، وعطف على الجواب]ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ [وعنى الصرف هنا : أن الله تعالى              ألقى الرعب والخوف والفزع فى قلوب المشركين ـ بعد أن مكنهم من الصحابة وبلغوا منهم ما بلغوا ففروا                منهزمين ـ عندما رجع الصحابة بحماس شديد وغيرة وفرح0 بسلامة رسول الله r؛ وجائز أن يكون ذلك              بما أمدَّ به رسوله rمن الملائكة على صحة القول بقتال الملائكة فى أحد . ولما هزم الله تعالى الكفار أطمأن             المؤمنون وانصرفوا عن الهجوم عليهم .

ويكون هذا الصرف رضا عن الله وطاعة له بوقوع ما قدره من هزيمة الأعداء ، ولم يكن الصرف معصية ،              وكيف يكون معصية وقد أسنده الله إليه جل جلاله ؟ وما فهمه من فهمه أن الصرف معصية ؛ إلا لأنه ظن                 أنهم فروا بعد إسراعهم إلى رسول الله r، بعد أن تحققوا من حياته rوذلك لم يحصل منهم رضى الله                  عنهم ، ولو حصل منهم ما أسند الله صرفهم عن المشركين إلى ذاته العلية جل جلاله . وحجة من فهم ذلك                غير مقبولة ، لأنه يدلل على رأيه بأن الله عتب عليهم ، والعتب من الله تعالى فى كل هذه الآيات إنما هو على            مخالفة رسول الله rفى أمره للرماة . فإن الرماة يرون أن لهم العذر فى مسارعتهم إلى الغنيمة بعد الهزيمة ،              والله تعالى يحب من أهل الإِسلام عُلُوَّ الهِمَّة ، واحتقار الحياة الدنيا فى سبيل السمع والطاعة لرسوله r.

وتلك المعاصى منهم على حد قولهم : حسنات الأبرار سيئات المقربين . وإلا فصرف الله تعالى أصحاب                   رسول الله rعن القوم كان مما يحبه الله تعالى ، خصوصا بعد أن جرى القتل والجراح فيهم ، وهى رحمة من            الله تعالى ليتفرغوا لخدمة رسول الله rفيما ألم به صلوات الله وسلامه عليه ، والواجب على أهل العلم أن              يسلّموا لله ولرسوله rتسليماً . فإن الغيب المصون فوق عقولنا ، بل وفوق أرواحنا ، والقرآن كلام الله ،                  وكلامه صفته ، وهو سبحانه ليس كمثله شىء فى ذاته وفى أسمائه وفى صفاته ، وما علينا إلا أن نقول : ]ءَامَنَّا           بِهَ كُلٌّ مَِن عِندِ رَبِّنَا [ولم نكَلَّف أن ندرك الحقائق ، والله وليُّنا .

وجائز أن يكون : ]صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ [عندما فارق الرماة موافقهم ، وخالفوا صريح الأمر ، وهجم على                      المسلمين جيش خالد بن الواليد ، ونادى الشيطان : قتل محمد ، فهجم الغم على قلوب الصحابة بحالة مزعجة              فرجعوا ، ولهم العذر ؛ لأنهم يرون بعد علمهم بقتل رسول الله r؛ وبعد ما رأوه من قتل حمزة رضى الله               عنه ؛ وقتل سبعين من الصحابة ؛ أنه لابد من التحيز إلى من فى المدينة ، ليعيدوا الكرة على كفار قريش .              وعلى الوجه الأول يكون قوله تعالى : ]لِيَبْتَلِيَكُمْ [أى : يمتحنكم بالخير الذى أسبغه عليكم فى بدر ، وفى أحُد              .

            

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بما ظهر فيها من النصرة بعد الهزيمة . وعلى التأويل الثانى يكون :]لِيَبْتَلِيَكُمْ [أى : ليمتحن إيمانكم قوة                 وضعفا ؛ بعد أن أصابتكم فى أحد الشدائد الفادحة .

]وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ [فى هذه الآية ما يطمئن قلوب أهل أحد بفوزهم بعفو الله ؛ بعد مخالفتهم أمر رسول                     الله r، وفى قوله : ]وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ [دليل على أن الكبائر لا توقع فى الكفر ، لأن الله تفضل بالعفو                    عنهم بدون أن يبين لهم تابوا إليه ، والله تعالى يعفو عن التائب وغير التائب فضلا منه وكرما . وجائز أن               يكون رجوعهم بعد سماع صوت رسول الله rتوبة منهم وندما على مخالفتهم أمره ، ويكون الله تعالى عفا                 عنهم بعد حصول التوبة منهم التى وفقهم لها . ومن فقه هذه  الآية ظهر له أن الذنب الذى وقع فيه الرماة                 بالنسبة لتأويلهم القريب ؛ قد عجّل الله لهم به عقوبة فادحة ـ أسدُّها كسر رباعية رسول الله r، وشج                    رأسه الشريف ، وقتل سبعين منهم ، وقتل سيد الصحابة حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه وعنهم ـ على            فعلتهم ثم عفا عنهم ، وأنت تعلم مقدار العفو من الله تعالى الذى لا يسمى بحسب العقل عفوا ؛ إلا إذا كان من             ذنب عظيم ، ونحن نرى شرَّ الفُسّاق يقع فى كل نفَس فى الكبائر ولا يلقى لها بالاً ، فاللهم وفقنا لما تحب                 وترضى .

]وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [لأنه سبحانه لولا فضله العظيم لأبادهم جميعا بهذا الذنب . فتفضل                       عليهم جل جلاله فجعل منهم شهداء مع النبيين والصديقين ، ومنَّ عليهم بالعفو عنهم ، وهزم العدو ، وحفظ                رسوله r، ورجعوا إلى المدينة سالمين . وهذا كله بفضل الله تعالى ، ولا يزال فضله العظيم أكثر ما يكون              برسوله rيوالينا به . لأنه لو آخذنا بذنوبنا فى زماننا هذا لما أبقى على ظهرها من دابة ، وإن كان يعاقبنا               بتسليط الكفار علينا ، وحصول التفرقة بيننا ، وبخروج بعضنا على بعض ، إلا أننا نعتقد أنه أدب منه وعبرة لنا          لنرجع إليه سبحانه . وفقنا الله للإِنابة إليه ، والرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح ، ووفقنا لما يحبه                  ويرضاه .

          

قوله تعالى :   إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ                                    غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ p153i

.

وردت الآية بضم التاء وكسر العين ]تُصْعِدُونَ [وعيها أكثر القراء ، ومعنى الفعل : تسرعون المشى على              الأرض المنبسطة . ووردت بفتح التاء والعين ]تُصْعِدُونَ [وعناها : ترفعون فوق الجبل أو فوق الأرض                المرتفعة ، وعلى الرواية الأولى أى : تسرعون إلى المدينة فوق الأرض المنبسطة ، وعلى الثانى : ترفعون فوق          صخور الجبل وذلك عند الهزيمة يوم أحد .

]وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ  [أى : ولا تلتفتون وترجعون على أحد .]وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ [                        بقوله r: ( إِلَىَّ عِبَادَ الله ) . يذكرهم الله تعالى هذا الحادث ليتمثلوه فى مستقبلهم ، ويكونوا على حال                    من السمع والطاعة لرسول الله r؛ ينيلهم الله تعالى به ما يحبونه فى الدنيا والآخرة ،ة بل ومحبته تعالى لهم              التى هى أغلى من الأرواح ، وتلك الذكرى يجب أن يكون ماثلة أمام كل مسلم عند قيامه لله بحق من حقوقه               سبحانه ، قال تعالى : ]فَإنَّ آلذِّكْرَى تَنفَعُ آلْمُؤْمِنِينَ [(1).

ـــــــــــــــــ

(سورة الذاريات آية 55.

قوله تعالى : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ(153) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ [الإِثابة هي الجزاء ، وما يكافأ به المحسن والمسىء يسمى إثابة مادام ذلك يستحقه                      بمبادلة أو بعمل ]غُمَّاً بِغَمٍّ [أى : غما على غم . لأن أول غم سلب العقول ، وأذهب الحفيظة سماعهم بقتل               رسول الله r، ثم رؤيتهم جيش خالد بن الوليد هاجما عليهم يقتل فيهم قتلا ذريعا ؛ حتى قتل حمزة ،                     ففزعت القلوب وجزعت ، وطاشت الأحلام ، وانحلت القوى ، ولم يبق إلا الرجوع القهقرى ، وهو البلاء                 الذى ابتلاهم الله به ليلزمهم الأدب مع رسول الله r، ويعلمهم أن إشارته rفوق شهود عيونهم ، لأن                    رسول الله rلا ينطق عن الهوى لاطلاعه على سر القدر المكنون ، وإن كان الحذر لا يمنع القدر ؛ فنحن                مكلفون بالأخذ بالأسباب ، وهو rالإمام الذى يعلمنا بقوله وعمله وحاله . والواجب علينا التسليم بكل                     معاينه .

]لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ [اللام متعلقة بأصابكم ، والجملة مترتبة على قوله                            تعالى : ]فَعَفَا عَنكُمْ[والمعنى : فعفا عنكم لكيلا تحزنوا حزنا يشوب التوحيد ، فإن الحزن على المصائب                والفرح بالنعم دليل على ضعف الإِيمان . والمؤمن القوى الإِيمان يفوض أمره إلى الله تعالى فيصبر ويرضى طمعا          فى نيل عفو الله ورضوانه ]عَلَى مَا فَاتَكُمْ [أى : من الغنيمة والنصر ]وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ [في رسول الله r               وفى قتل حمزة والسبعين منكم نعه ، وفى الهزيمة عند لقاء العدو ، وهى مصائب جمة تحزن القلوب حقا ،                خصوصا لأنها نتجت من مخالفة الأمر .

والحزن فطرة من فطر الإِنسان ، ولكنه يكون مذموما إذا لم يراع فيه الرضا عن قدر الله تعالى ، والحزن                 على نفسه لأنها فقدت ما به نيل فضل الله تعالى ورحمته فى الدنيا والآخرة ، وهو المحافظة على طاعة أمر رسول        الله r، فإن كل تلك المصائب سببها تلك المخالفة حتى ظهر أهل الكفر بالله ، ووقف أبو سفيان فوق الجبل               يصيح بيوم بدر اعل هبل ، هل فيكم ابن أبى كبشة ؟ فسكت القوم ، فقال : قتل محمد ورب الكعبة ، ثم                  قال : أفى القوم ابن أبى قحافة ؟ فسكتوا ، فقال : قتل ورب الكعبة ، ثم قال : أفى القوم عمر بن الخطاب ؟                فسكتوا ن فقال : قتل ورب الكعبة ، ثم قال أبو سفيان : اعل هبل يوما بيوم بدر ، وحنظلة بحنظلة ، وأنتم                واجدون فى القوم مثله ، لم يكن عن رأى سراتنا وخيارنا ، ولم نُكرهه حين رأيناه ؛ فقال النبى rلعمر بن               الخطاب : ( قم فناد فقل : الله أعلَى وأجلُّ ، نعم ، هذا رسولُ الله r، وهذا أبوُ بكرٍ وها أنا ذا ،                        لا يستوى أصحابُ النَّارِ وأصحابُ الجنةِ أصحابُ الجنةِ هم الفائزونَ ، قتلانا فى الجنةِ وقتلاكم فى النارِ )  .

]وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [أى : ذو خبرة بأعمالكم التى أوقعتكم فى ذلك المصائب الفادحة ، من ظهور                   الأعداء عليكم حتى صرتم بين ثلاثة أنواع : نوع قتلى ، ونوع جرحى ، ونوع منهزمون . بل وهو سبحانه              خبير بما تكنه قلوبكم من النوايا التى دعتكم إلى عمل ما عملتم ؛ وهى نية الطمع فى الغنائم حتى خالفتم أمر              نبيكم عليه الصلاة والسلام .

وفى هذه الآية يقظة لقلوب أهل الإسلام ؛ الذين إذا خلا لهم المكان من الخلق هموا بعمل المعاصى ؛ جاهلين                بأن الله تعالى معهم أينما كانوا ، ولو أنهم راقبوا الله كما يجب عليهم أن يراقبوه لما ظن مسلم أنه فى خلوته أبدا ،          وكيف يظن أنه فى خلوة والقوى القهار معه أينما كان لا يفارقه بعلمه وقدرته ؟ فيثيب المحسن بإحسانه وأكثر ,            .

       

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويعاقب المسىء بقدر عمله فحسب . ومن فقد محاسبة نفسه ومراقبة ربه ؛ يخشى الناس واله أحق أن يخشاه ،              ولم يترك من الجهالة شيئا من ظن أنه إذا أغلق الأبواب عليه خلا بنفسه ، لأن من يفعل ذلك لا فرق بينه وبين            أهل الجحود بالله . قال تعالى : ]مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ                      أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا[(1)والمسلم غير معصوم ، فقد يستهويه الشيطان بفعل                   الصغائر ، حتى إذا بلغت الكبائر تداركته العناية فتذكر ؛ فراعى معية الله تعالى ، فقد يخر صعقا ، وقد يبكى              على نفسه ، وقد يفر إلى الله تعالى ]إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم                            مُّبْصِرُونَ [(2).

أما المسلم الذى إذا خلا من الناس ظن أنه فى خلوة يفعل ما يشتهى ؛ سجل على نفسه أنه غير مسلم . لأن                الإِسلام هو التسليم لله ولرسوله ولأحكامه ، ومن ظن أن وحشاً فى غابة لا يراه لا يدخلها أبدا خوفا من                    الوحش الذى لا يراه ، فكيف بالمسلم وهو يصدق أن الله معه يَخْبُرُه سُبحانه ، ثم يتخلى فيقع فى الكبائر غير                هياب ولا وجل ولا كأنه مسلم ؟! هذا دليل على أنه كالببغاء التى تقول ما لا تفقه ، أو كآلة الصدى التى                   ترجع الأصوات فتحفظها وتعيدها ، وهذا فى نظر أهل العلم بالله ليس بإنسان فضلا عن أن يكون مسلما .               فإن الطير يتكلم ولا يفقه ، وآلة الحديد تتكلم ولا تعلم ، ولا فرق بينه وبينها والجهل ليس عذرا .           

وما على المسلم الذى يزول إيمانه عند وقوعه فى الكبيرة ؛ إلا أن يتوب التوبة التى قررتها الشريعة ؛ بأن                يسلَّم نفسه للحاكم الشرعى فيقطع يده فى السرقة ، ويقتله فى القتل ، ويرجمه أو يجلده فى الزنا ، حتى يموت              طاهرا من غير سابق حساب .

 

قوله تعالى :   ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا  يَغْشَى  طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ                             أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ  مِن شَيْءٍ                                  قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ  يَقُولُونَ  لَوْ  كَانَ لَنَا  مِنَ الأَمْرِ                                شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ                                وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ  بِذَاتِ                                                 الصُّدُورِ ]154[

 

معنى هذه الآية أن الله تعالى أنزل على أهل اليقين الكامل (أَمَنَةً )يعنى أمنا ، ثم بين ذلك الأمن بقوله                    تعالى : (نُّعَاسًا ) وهو بدل من (أَمَنَةً ) ولفظة : (يَغْشَى )بالتاء والياء على أن الفاعل (أَمَنَةً ) أو                       (نُّعَاسًا ) وهما روايتان صحيحتان ، والنعاس فى الجهاد أمنة من الله تعالى ، وفى الصلاة غفلة من الشيطان .            (طَآئِفَةً ) أى : أهل الإِيمان واليقين ، وهم أهل التثبيت ، وهم الذين لا يريدون إلا وجه الله تعالى . (مِّنكُمْ )            أى : من الصحابة .

 

ــــــــــــــــ

(1)     سورة المجادلة آية 7.

(2)     سورة الأعراف آية 201.

 

قوله تعالى : ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً (154) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

]وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ [وهم أهل الشك والريب الذين شغلتهم أنفسهم ]يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ                          الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [وهم الذين لم تقو حالتهم الإيمانية على تحمل تلك الشدائد الفادحة . فإنَّ قَوِىَّ الإِيمان                 يتمنى ما عند اله عند الكرب العظيم وينتظر الفرج منه سبحانه ، وانتظار الفرج عبادة الرسل الكرام والملائكة           عليهم السلام , وقد ورد أهل اليقين من الصحابة أن النوم غشاهم حتى كانت السيوف تسقط من                          أيديهم . هنا كان الصحابة المنهزمون فريقين : فريق كر إلى المدينة ، وفريق صعد الجبل وهو يشرف على              المقاتلين . وهذه الآية والتى قلبها خبر من الله تعالى عن الذين فروا إلى المدينة وكانوا يظنون بالله غير الحق ظن        الجاهلية الأولى ، وقد قيل لعبد الله بن أبى بن سلول قُتِل الخزرج فقال : ]هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ  مِن شَيْءٍ[فأمر           الله رسوله rأم قل لهم : ]قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [يعنى سبحانه أنه هو المقدَّر الفاعل المختار لا شريك له               ولا راد لقدره .

]يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ [لأن الطائفة الذين أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق يخفون فى                أنفسهم النفاق ، وهو ظن السوء بالله تنزه وتعالى ، ويبدون لرسول الله rالإِيمان فيقولون : ليس لنا من                 الأمر من شىء . ]يَقُولُونَ  لَوْ  كَانَ لَنَا  مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا [وهذا القول قول المنافقين الذين                انهزموا إلى المدينة يقولون]لَوْ  كَانَ لَنَا  مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا [أى: ما قتل من كانوا معنا ، لأن              القتلى رضى الله عنهم لم يقولوا ذلك وهم شهداء عند ربهم يرزقون .

]قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [يعنى بذلك جل جلاله :                           قل لهم لو كنتم فى بيوتكم أى : محصنين بأمنع الحصون ، لنفذ الله قدره فيكم بأن تبرزوا من بيوتكم إلى                  مضاجعكم بأى سبب من أسباب الموت ، ولا مفر من قدر الله تعالى . إنما يؤمن بالقدر من سبقت لهم                      الحسنى من الله تعالى ، ولا يكون الريب والشك إلا من أهل النفاق الذين على قلوبهم أقفالها .

]وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ [تقدم لك بيان فى قوله : ]وَلِيَعْلَمَ آللهُ [، ]وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ [ونعيد هذا                      البيان ، ومعنى قوله تعالى :]وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ [أى : وَلِيَبْتَلِيَ أَوْلِياءُ الله المنافقين ، فأسنده اللع ذاته سبحانه ،                والمراد أن الذى يَبْتَلِيَ ويعلم هم المؤمنون ، ليتميز لهم المؤمن من المنافق , والمعنى أن الله تعالى يقول : ]لَوْ            كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [أى : إلى مكان قتلهم حيث يراهم                          المؤمنون ، ويرون حزنهم على ما هم فيه لنفاقهم ، لأن تلك المشاهد يتمناها أهل الإِيمان لأنفسهم . والابتلاء               هو الامتحان ، وما فى صدور المنافقين يجتهدون أن يخفوه عن المؤمنين إلا فى وقت الشدة ، فإذا وقعوا فيها              قهرهم حالهم فأظهروا مكنون صدورهم من الندم والأسف والحزن .

]وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [أى : أنه يقهرهم بالمصائب الشديدة التى تذهب عنهم الحفيظة فى كتم                         مقاصدهم ونواياهم عن المؤمنين حتى يظهروها مقهورين ، والتمحيص هو التنقية كما تقدم ، فتنقى البلايا ما               يظهرونه من الإِيمان بألسنتهم ؛ حتى يبيحوا بما يخفونه عن المؤمنين وهو الردة عن الدين .

]وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [أى : والله ذو علم بما يخفيه المنافقون فى صدورهم من سوء النية                          والقصد ، فيعذبهم فى الدنيا بحرمانهم من المواقف التى ترضيه ، وفى الآخرة بالخلود فى النار ، وهو سبحانه              العليم بظاهر الأمور وباطنها ، فلا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء .

 

                

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ                                       مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ p155i

 

تقدم الكلام فيما سبق أن عبد الله بن أبى بن سلول ارتد فى غزوة أحد ومعه ثلثمائة رجل من المنافقين ،وأما                  هذه الآية الشريفة فقد نزلت فى المؤمنين فى المؤمنين الذين انهزموا بعد أن سمعوا الشيطان يصيح : قتل محمد ، r،      ومعناها : أن الله تعالى يخبرنا أن الذين  ولوا وجوههم عن قريش يوم أحد وانهزموا من أمامهم ]إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ             الشَّيْطَانُ[أى : طلب لّهم فحصلت منهم الزّلة بطلب الشيطان منهم ذلك . ولا ينكر الأسباب إلا جاهل ،                  لأن الله تعالى هو الذى وضع الأسباب ، وهو الذى خلقها لتؤدى مقتضاها ، كما أن النار تحرق والماء يغرق              لأن الله تعالى ؛ فكذلك خلق الله الشيطان سببا لوقوع الإِنسان فى الكفر بالله ؛ أو فى معاصيه . والشيطان                  مأخوذ من : شطن ، أى : بَعُد ، أوشاط أى : احترق .

]بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ [أى : ببعض الذنوب التى اكتسبوها وهى مفارقه الرماة مواقفهم ، وإن كان الذين                       تولوا فى هذا اليوم أكثر الصحابة ؛ فإن الذين لم يتولوا وثبتوا مع رسول الله rأفراد قليلة من الصحابة ؛                 كأبى بكر ، وعلىّ ، وأبى عبيدة ، وسعد بن أبى وقاص ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ،                  وطلحة ابن عبد الله ، وهؤلاء من المهاجرين . ومن الأنصار الحباب بن المنذر ، وأبى دجانة ، وعاصم بن               ثابت ، والحرث بن الصمة ، وسهل بن عنيف ، وأسيد بن خضير ، وسعد بن معاذ ، وذكر أن ثمانية من                 هؤلاء رضى الله عنهم كانوا بايعوه rعلى الموت ، ولما كانت روعة ذلك الحادث المؤلم فوق أن تطيقها إلا              قوى الصديقين ، والأفراد العلمين بالله تعالى ؛ كان لمن فر بعض العذر ، خصوصا بعد أن سمعوا بمقتل رسول           الله r، ولرحمة الله الواسعة بهم وعطفه وإحسانه إليهم قال سبحانه :

]وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ [أى : عفا عنهم ما ارتكبوا من غير شك ولا ريب ولا عناد ولا ضعف فى                          إيمانهم .

]إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [أى : وذلك العفو من الله تعالى إحسان منه وتفضل عليهم ، وظهور لمعانى اسمه                    الغفور ، الذى يستر السيئات والخطايا والذنوب عن عيون مرتكبها وغيره من الخلق ، حتى يلقى الله وليس                عليه شاهد بذنب ، بل ولا نفسه ولا جوارحه ، وتفضل سبحانه بفضل بعد فضل بمعنى اسمه الحليم ؛ الذى               لا يسرع بالعقوبة لمن عصاه ، ثم يعفو ويغفر بظهور اسمه الحليم ، أو يمهل وينتقم بظهور اسمه القهار ، فأما             الذين سبقت لهم الحسنى من الله فحلمه ليغفر لهم ، والذين لم تسبق لهم الحسنى فحلمه عليهم إمهال ، ثم                   يباغتهم بالنقمة والعقوبة ، أعاذنا الله من جلاله بجماله العلىّ .

قوله تعالى :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ  كَفَرُواْ  وَقَالُواْ  لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ                                  فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي                                قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ p156i

 

يتفضل الله سبحانه وتعالى فينادى الذين آمنوا نداء إحسان ، قدر الله لهم به السمع والطاعة . ومعنى                       النداء : يا أيها الذين صدقوا الله تعالى ورسوله r. فلما أصغوا بآذان قلوبهم ؛ نهاهم سبحانه عن أن يكونوا               .

                     

قوله تعالى : وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ 000  (157) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمثل أهل النفاق الذين لم يقبلوا التوحيد بقلوبهم ، وأظهروه بألسنتهم خوفا من القتل ، وطمعا فيما يفنى ،                      وهؤلاء المنافقون هم شر من أهل الكفر لأننا نحتاط منهم ، وهم عند الله كفار ، ودليل ذلك قوله تعالى : ]لاَ               تَكُونُوا كَآلاَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخوَانِهمَ [الآية . نهانا الله أن نشبه بالذين كفروا ، ثم بين لنا شر صفاتهم                      وهى أنهم يقولون لأِخوانهم ]إِذَا ضَرَبُواْ فِى آلأَرْضِ[أى : خرجوا لطلب العلم ، أو لطلب المعاش ، أو                    لحج ، أو لزيارة إخوان فى الله ]أَوْ كَانُواْ غُزًّى [أى : غزاة فى سبيل الله ، وأصاب بعضهم الموت أو فاز               بالشهادة فى سبيل الله ، يقولون ]لَّوْ كَانُواْ عِندَناَ مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ [أى : لوكانوا مقيمين معنا ولم                        يخرجوا تحصيل الخير ما ماتوا وما قتلوا .

.

وهذه الآية حجة على أنهم كفروا بقضاء الله وقدره ، إذ لا يقول لو كان كذا لكان كذا إلا جاهل بالقدر .                      (لَوْ )هذه بعد الوقوع باب من أبواب الشيطان ، والمؤمن يعتقد أن الفاعل المختار هو الله تعالى ، وما عليه                 عند نيل الخير إلا أن يقول : الحمد لله ، وعند وقوع الشر إلا أن يقول : لا حول ولا قوة إلال بالله ، ومتى قال              مدعى الإِسلام : لو كان كذا لفعلت كذا ؛ دل على جهله بشعب الإِيمان . والذين قالوا هذا الكلام هم عبد                     الله بن أبى بن سلول ، وبعض المنافقين معه . وقوله تعالى : ]لإِخَوَانِهِمْ[لأن القائلين هذا الكلام أظهروا                   الإِسلام ، وكانوا يصلون مع المسلمين ، ويخفون الكفر فى صدورهم .

 

]لِيَجعَلَ آللهُ ذَلِكَ حَسرَةً فِى قَلُوبِهِمْ [أى : ليجعل الله تعالى هذا الكلام فى قلوبهم هما وغما فى الآخرة                         أولاً وبالذات عندما ينكشف الحجاب ، فيظهر أهل الإِيمان الذين جاهدوا فى سبيل الله فى مقعد صدق عند                    مليك مقتدر ، ويسحب أهل النفاق على وجوههم فى نار جهنم ، ولديها تعظم الحسرة ولات حين مندم ،                     وتكون الحسرة فى الدنيا بعد بيان الله تعالى هذا البيان ؛ الذى أخبرنا فيه أن الذين قتلوا يوم أحد لو لم يحضروا              مع الجيش وتأخروا فى المدينة ؛ لقدر الله عليهم أن يخرجوا من بيوتهم ويبرزوا فى الصف فيقتلون ، لأن الفاعل             المختار هو الله تعالى ، فهو المحيى وهو المميت جل جلاله . وفى هذه الآية من الهم والحزن والحسرة ما لا                يوصف . وجائز أن تكون الحسرة بما يناله المسلمون من الظفر والنصرة وانتشار الإِسلام كانتشار ضوء                   الشمس فى رابعة النهار .

.

]وَآللهُ يُحِى وَيُمِيتُ [حجة لأهل الإِيمان الذين جملهم الله باليقين الحق ، وحجة قاطعة على أهل                            النفاق ، وبرهان ساطع على تفريد الله بالإِيجاد والإمداد والإِيحياء والإِمانة ]وَآللهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِيرٌ [أى : أنه              تعالى لا يخفى عليه شىء من عمل أهل الإِيمان به ، وعمل المنافقين والكافرين ، فيحسن إلى عمل الخير                    مقتفيا أثر السلف ، ويعذب من خالف الشريعة . وفى هذه الآية دليل على أن الله تعالى يبصر الحقائق بصراً                يليق بكمال تنزيهه وعظمته .

قوله تعالى : وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا                                        يَجْمَعُونَ p157i

.

.معنى هذه ألاية أن المنافقين فرحوا بفرارهم من الجيش ، ففازوا بالحياة الدنيا فى نظرهم ، وسلامة أموالهم                   وأولادهم ، وبراحتهم من مواقف القتال التى لا يتحملها أهل النفاق . واعتقدوا أن إخوتهم الذين قتلوا حرموا                 .

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من هذا الفضل ، لأنهم فارقوا الدنيا وتحملوا من الشدائد والآلام قبل القتل ما ر يطاق ، وهم بفرارهم لم                    تصبهم الشدائد الفادحة ، فشنع الله عليهم بأن الذين قتلوا فى سبيله فازوا بمغفرة الله وبرحمته ، أى : بستره                  لذنبهم ، وعطفه عليهم ، وإحسانه إليهم فى البرزخ ؛ وفى الدار الآخرة .

.

]وَلَئن قُتِلتُمَ فِى سَبِيِلِ آللهِ [ففزتم بالشهادة ]أو مُتُّمْ [فى سفركم لعمل الخير النافع للمسلمين                                ]لَمَغَفِرَةٌ مِّنَ آللهِ وَرَحمَةٌ[تفوزون بهما وهى]خَيرٌ مِّمَّا يَجمَعُونَ [من الحرص على الصحة والعافية ،                     ومن المال والأولاد والنساء ، إذ لا مناسبة بين ما هو عَرَض زائل صاحبه فى السؤال يوم القيامة وفى                      شديد الحساب ؛ وبين ما هو فضل من الله وخير يتفضل الله به على أهل محبته ، الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم                فى إعلاء كلمته ونصرة سنة نبيه . وعلى رواية الفعل المضارع ]يَجْمَعُونَ [بالياء يكون لفظة (خَيْرٌ ) وإن              صيغت بمعنى اسم التفضيل ، إلا أنها لا تدل عليه ، لأن ما يجمعه أهل النفاق والكفر ليس فيه خير . وتكون                مغفرة الله ورجمته خيرا حقيقيا لا خير سواه للكافر ، وإن كان الفعل بالتاء والمخاطب هم أهل الإِيمان تكون                 الخيرية بمعنى اسم التفضيل . لأن ما يجمعه المؤمنون هو حلال طيب ، وينتفعون به فى زكاة وحج وبر وصلة ،            وتكون مغفرة الله ورحمتهخ خيرا منه ، بمعنى اسم التفصيل ، واللام الداخلة على حرف الشرط والداخلة على              ]مَغْفِربَةٌ [الأولى للقسم ، والثانية داخلة على جواب الشرط وهى لتأكيد الخبر ، وما دخلت لام القسم على                  إن الشرطية ؛ إلا ودخلت على جوابها اللام .

 

قوله تعالى : وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ p158i

 

لما كان المجاهدون فى سبيل الله تتفاوت ومقاماتهم ـ وذلك بحسب مشاهد التوحيد ـ فمنهم من يجاهد ليفوز                 بالجنة ، ومنهم من يجاهد ليفوز بالرضوان الأكبر ، ومنهم من يجاهد فانيا عن وجوده وقلبُه معلق بالرفيق الأعلى          متحققا بقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا يشهد لنفسه عملا . قال تعالى :]فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ آلله                            قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ آلله رَمَى [(1)وعبد يجاهد ،  يمزق جلده ، ولا يرى لنفسه عملا استغراقا فى              شهود معانى قدرة الله وحكمته ؛ ليس كمن يجاهد مثبتا لنفسه العمل والجهاد والقتل .

 

وهؤلاء الذين يخبرنا الله عنهم بقوله : ]وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ[وهم أهل مشاهد                                   التوحيد العالية . ولذلك افتتح الآية بـ (مُتُّمْ ) لأن الموت فى هذا المقام فوق درجة العقل ، قال تعالى : ]أَوَ                  مَن كَانَ ميْتاً فَأَحْيَيْنَةُ وَجَعَلْناَ لَهُ نُوراً يَمْشِى بِهِ فِى آلنَّاسِ [(2)ولم يقل فى القبور . فهذا الموت الذى أعنيه                   بكلامى هو موت الإِرادة لا موت عزرائيل ، قال r: ( مُوتُوا قَبْلَ أَن تَمُوتُوا ) ويسميه أهل العلم بالله                    الفناء أو الجمع . والقتل قد يكون بين الصفين وقد يكون على الفراش ، لأن الله إذا أحب العبد جذبه إليه                     جذبة محبوب لمحبوب ، فأفناه عن الدنيا والآخرة ، وقد ورد فى الحديث : ( مَنْ أًَرَادَ أَن يَنْظُرَ إِلَى مَيَّتِ                   ـــــــــــــــــ

(1)     سورة الأنفال آية 17.

(2)     سورة الأنعام آية 122.

 

 

قوله تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ آللهِ لِنتَ لَهُمَ000 (159) آل عمران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يَمْشِى مَعَ آلأَحْيَاءِ فَلْيَنْظُرْ إِلى أَبِى بَكْرٍ ) وهذا هو الموت الحق الذى من أماته الله به كان مستغرقا فى                      شهود وجه الله تعالى . قال تعالى : ]فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّه [(1).

.

]لإِلَى الله تُحْشَرُونَ[هذه الآية الشريفة راح طهور يدار على نفوس أهل التمكين ، فإن المرجع قد يكون                  إلى الرب ، قال تعالى : ]إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى [(2)للجزاء والحساب . أما قوله ]تُحْشَرُونَ[أى : يقبل الله             بكم إليه على الرفاف عنايته ، وبجواذب محبته ، وشتان بين من يحشره العلى العظيم إلى حضرته العلية ليشهده ما         لديه من جمال وجلال ، ونور وضياء وبهاء وكمال ؛ وبين من يسوقه ربه إلى المحشر ليقف بين يدى ربه ،              فيحاسبه حسابا يسيرا ، وينقلب إلى أهله فى رياض الجنة مسرورا ، أو يحاسبه حساب الحكم العدل ثم يلقى فى              جهنم محصورا .

 

قوله تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ                                    حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ                                     اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ p159i

 

 ]فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ []مَا [هنا صلة ، والمعنى : فبرحمة جملك الله بها لتقوم الحجة لمن آمن                   وعلى من كفر ، إكراما لأمتك الذين خصهم الله بأن تكون بهم الرءوف الرحيم ، ورسولهم الكريم ، وليفقد                     من كفروا بك العذر يوم القيامة ، لأنهم إذا نظروا للرسل قبلك الذين كانوا يدعون على أممهم بالهلاك فى الدنيا            والآخرة ؛ وتذكروا ما قمت لهم به من عطف ورحمتة وحنان وحرص عليهم ؛ تكون حسرتهم أشد وأنكى .               وبتلك الرحمة فازت أمتك بخير واسع . ]وَلَوْ كُنتَ فَظًّا[فى قولك ]غَلِيظَ الْقَلْبِ [أى : قاسى القلب عليهم               ]لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [أى : تفرقوا .

.

وفى هذه الآية دليل على أن محمد rبعثه الله رحمة للعالمين ، لمن آمنوا ومن كفروا . أما لمن آمنوا :                     رحمة لما فازوا به فى الدنيا من عقد القلب على عقيدة التوحيد ، ومِن إقامة الله إياهم فى محابه ومراضيه من               العبادة الحقة ، والمعاملة الحسنة ، والأخلاق الجميلة ، وبما تفضل الله به عليهم من تنفيذ الكلمة ، وحسن                 الأحدوثة ، والتمكين فى الأرض بالحق . أما الرحمة يوم القيامة : فبفوزهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا           خطر على قلب بشر . أما كونه rرجمة لأهل الكفر بالله : فى الدنيا فقط ، فبدليل قوله تعالى : ]وَمَا كَانَ                اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ [(3)يعنى ليخسف بهم الأرض ، أو ليسقط عليهم السماء ، أو ليغرقهم ، أو                          يحرقهم ، وبما نالهم من الخير بسبب تعاليمه ووصاياه r؛ التى جعلت أمته رحماء أهل عطف وحنان ـ حتى          حال ذبح الذبيحة أو فى وقت الجهاد ـ وبتلك الرحمة التى منحها الله لجميع خلقه بسبب بعثة محمد r؛                ــــــــــــــــ

(1)     سورة البقرة آية 115.

(2)     سورة العلق آية 8.

(3)     سورة الأنفال آية 33.

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فاز العالم أجمع بالخير العظيم بما فى الحقائق الكونية ، فإن الناس قبله rكانوا يعبدون البقر والأصنام                   والأنهار ، ويقدسون أكثر الحقائق . فلما جاء رسول الله rكشف الحجاب للعقول ، فانتفعت                               بكل تلك الحقائق الكونية ، بعد أن كانت العقول تقدسها .

انظر إلى ما بلغه المجتمع الإِنسانى من الرقى فى الصناعات ، ومن إدراك خواص الحقائق الكونية والانتفاع               بها ـ مما يسمونه مدنية ـ تر هذا الخير لم ينله أهل الكفر بالله تعالى فى أوربا ، وأمريكا ، واليابان ، وغيرها إلى          أن انتشرت تعاليم القرآن بينهم أيام كان المسلمون مسلمين يعلمون بروح الدين ، فقد فتحوا الجنوب الغربى                 لأوربا إلى بحر المانش ، وأستقذروا شمال أوربا عندما سارت سفن المسلمين لغزو القسم الشمالى لأوربا ، وقف           ربان السفن وقالوا : ((  أنْكَلُشْ )) أى : رائحة سمك وبيىء ، وتذكروا قوله r: ( اتْرُكُوا آلأَنْكَلُش فَإِنَّهُ                      وَبيىٌء ) فرجع الصحابة رضوان الله عليهم محافظة على صحتهم ، فلما تركنا الدين وراء ظهورنا أصبح سكان           البلاد الموبوءة أصحاب السلطة والقوة علينا . وصدق أبو هريرة فى حديثه وهو قوله : ]إِنَّمَا يَسْعَدُ آخِرُ هَذِهِ               الأُمَّةِ بِما سَعِدَ بِهِ أوَّلُهاَ [وإنما يفوز بقسط من تلك الرحمة المحمدية أهل الإِيمان الكامل ، والعاملون بكتاب                الله وسنة رسوله r. أسأل الله تعالى أن يعيد لنا هذا المجد ، وأن يتفضل علينا بالرجوع إلى ما كان عليه                سلفنا الصالح .

وهذه الآية أنزلها الله تعالى فى شأن أهل الإِيمان الذين حدثت منهم الأحداث فى وقعة أحد ، ففارقوا                        مواقفهم التى أوقفهم فيها r، وكان ما كان مما تقدم ، وطهرهم الله بما ابتلاهم به من قتل كثير منهم ، ومن                هزيمتهم ، وبما منّ به عليهم بأن جعلهم من أمة حبيبه محمد r؛ الذى هو رحمة للعالمين ، وأمان للأميين ،              فكان ما جمله الله به عليه الصلاة والسلام ؛ نعمة الله العظمى لنا ، حيث حفظنا الله من التفرقة بعد وقوعنا فى              معصية الأمر الذى لا تطيقه الرسل السابقون ، ومع هذا فإنه عليه الصلاة والسلام يعفو ويستغفر لنا ويقبلنا                قبولا يشعر بأنا أحسنَّا . فجزاه الله عنا خير جزاء جازى به أُولُو العزم من الرسل .

]فَاعْفُ عَنْهُمْ [أى : فتجاوز عن سيئاتهم التى ارتكبوها بما فطرك الله عليه من جميل الأخلاق . قال                     سبحانه : ]وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [(1)]وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [واطلب من الله لهم المغفرة ، أى : الستر لذنوبهم                 التى ارتكبوها فى غزوة أحد ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ثم أكرم الله الصحابة وأمر حبيبه rأن ينزلهم منه                  منزلة الحكماء العلماء الممنوحين فصل الخطاب ونور الإِلهام بقوله : ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [.

 

وكلنا نعلم أن رسول الله rلا ينطق عن الهوى ، وأن الله تعالى خلقه من نور جماله ، وأقامه مقام نفسه                   فى آيات كثيرة من القرآن ، لم يقم أحداً من الرسل هذا المقام .

 

قال تعالى : ]مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه [(2)وقال تعالى : ]إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ                         اللَّهَ [(3). وغير ذلك من الآيات التى سنتكلم عنها فى مواضعها ، فأمر الله تعالى حبيبه rبمشاورة الصحابة             ـــــــــــــــ

(1)     سورة القلم آية 4.

(2)     سورة النساء آية 80.

(3)     سورة الفتح آية 10.

 

 

قوله تعالى : إِن يَنصُركُمُ آللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمَ000 (160) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فى الأمر ، تفضلا منه سبحانه ، ليرفع شأنهم لديه تعالى ، وليزلهم منازل الرسل الكرام ، وليكمل لنا ديننا كمالاً           ننال به الفوز بحقيقة التوحيد ، فإن مشاورة رسول الله rليكمل يقيننا أنه أكمل عند لله ، وبذلك يحفظنا                   سبحانه مما وقعت فيه الأمم السابقة الذين جعلوا عُزَيراً : ابن الله ، والمسيح : ابن الله سبحانه ، أو جعلوه ربًّا .             ففى الآية كمال العناية من الله بنا ، حيث حصننا من الغلو فى معرفة مقام حبيبه ، ففى أمره rأن يشاورنا فى             الأمر كمال لمقامه المحمدى ، وتشريف لنا حيث يعصمنا جل جلاله من التطرف كما وقع للأمم السابقين ، كما             قدمت لك .

]فَإِذَا عَزَمْتَ [أى : فإذا أجمعتم أمركم بعد المشورة على تنفيذ ما ألهمكم الله تعالى من العمل فى مرضاته                 سبحانه . ]فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ [أى : ففوض أمورك جميعها لله ، ومراعياً حقيقة التوحيد فى إقدامك على العمل              أو تركه ؛ فإن رعاية مشاهد التوحيد فى القيام بالأحداث التى تدعو إليها الحاجة فى إعلاء كلمة الله تعالى ونشر            دينه ، مما يجعل القائمين بها فى عصمة الله تعالى ، وفى حصونه المنيعة ، ولا يحدث منهم حدث إلا وهو فى محاب      الله ومراضيه .

وفى قوله تعالى : ]فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ [أى : أقبل واثقاً بعنايته وتوفيقه ، وبالظفر بالمقصد . لأن المتوكل                   على الله تعالى بحسب يقينه قد يكون عند ربه ، وقد يكون لديه ، وقفد يكون مع الله تعالى ، وأعلى من ذلك :               أن يكون الله تعالى معه ، وهذا هو خير ما تسارع إليه المقربين إلى الله تعالى . فإذا قدّر الله تعالى نصرتهم               وفوزهم بطلبتهم ؛ كان عاجل فضل الله فى الدنيا لهم ، وعلى هذا فيكون الشهيد فاز بخير مقاصده . ومقام                  التوكل قد شرحته فى كتاب : ( أصول الوصول ) وفى غيره من الكتب(1)فراجعه إن شئت التفصيل .

]إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [. افتتح هذه الآية الشريفة بأداة التوكيد لتقوية الخبر ، وأتى باسم الذات                          تقدس وتعالى إشارة إلى أن أهل مقام التوكل أفراد ذاتيون ، أقامهم الله تعالى له ، فتفضل عليهم بالحب الإِلهى              الذى هو فوق مقام عليين حيث الأعلون . وقد بينت فيما سبق معنى محبة الله للعبد ، وأقمت الحجة عليها بعد             أن أنكرها من حُرِمها ممن يدعون العلم ، وما أحبَّ الله عبداً إلا وقد أحسن إليه بأن جعله ممن يحبون الله                  تعالى ، قال سبحانه : ]يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه [(2)وكل من أحب الله تعالى فإن الله تعالى يُحِبه ، ومتى أخبر الله               عن محبوبيته وجب أن نعتقد أنه يحب الله ، وقوله سبحانه : ]إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[دليل على أن المتوكل             تجمل بمعانى صفاته سبحانه ؛ فإحب الله تعالى صفاته فيه ، وهو المحبوب جل جلاله والمحب سبحانه .

 

قوله تعالى:   إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن

بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ p160i

هذه الآية مزيد جذبة لقلوب أهل الإِيمان الذين أقامهم الله للجهاد فى سبيله ، وهى متصلة بغزوة بدر بعد                    ما حدث فيها ما حدث مما بينه الله فى الآيات السابقة ، وفيها تشجيع للمسلمين على الجهاد لأن الله تعالى وعدنا            ــــــــــــــــــ

(1)     تطلب جميع مؤلفات الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم رضى الله عنه من مكتبة دار المدينة المنورة 114 ش مجلس الشعب ـ                                    القاهرة .

(2)     سورة المائدة آية 54.

             

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعد الحق بقوله : ]ِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُم [(1). وكل فئة من المسلمين أعدوا أنفسهم لإِعلاء الكلمة ؛                 فإنهم بذلك يكونوا من أنصار الله تعالى . وصدق الله فى وعده .

 

ومعنى هذه الآية حيث بين لنا أنه جل جلاله ينصرنا إذا نصرناه ، وأنه إذا نصرنا سبحانه ثَبَتَ لدينا أن مَن               على وجه الأرض لو اجتمعوا علينا قهرهم الله ، وأخزاهم وأذلهم ، وجعل لنا الغلبة عليهم ، ومتى كمل يقين              المسلم تضاءلت أمامه قوى العالم . وفى هذه الآية كشف لأسرار التوحيد الذى يزيد به الإِيمان ، والأصل فى                ذلك النية . قال تعالى : ]فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأثَبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [(2)وقال r:                     ( إنَّمَا آلأَعْمَالُ بِالنَّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلَّ امْرِىءٍ مَا نَوَى ) .

 

]فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ [معنى ذلك أن الله تعالى إذا نصر أهل طاعته الذين يحافظون على أوامر نبيه r،                      محافظة لا يشوبها تأويل يدعو إليه حظ أو هوى أو طمع ، فإن نصرة الله لهم تجعلهم يقهرون أعداء الله                   وأعداءهم ولو حاربهم كل الخلق وكانوا هم فى قِلٌ ، وغزوة بدر حجة قائمة على نصرة الله لرسوله r ولمن              كانوا معه ، قال تعالى : ]وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْب [(3)]وَإِن يَخْذُلْكُمْ [أى : وإن يذلكم                    ويقهركم بالأعداء كما وقع فى غزوة أحد بعد أن فارق الرماة مواقفهم مخالفة لأمر رسول الله rـ طمعاً فى                الغنيمة ـ وتأولوا الأمر الصريح الذى لا يتأوله إلا طامع فى متاع الدنيا ]فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ [               أى : من بعد أن يخذلكم القوى القادر ، الذى بيده ملكوت كل شىء . وفى هذه الآية حجة على أن المؤمن                 الكامل الإِيمان ينفذ الأمر الصريح مهما تحمل فى سبيله من المشاق ، وفقد من الخيرات ، طمعاً فيما عند الله               وتوكلاً عليه ، فلا يتأول الأمر الصريح مؤمن ذاق حلاوة الإيمان ، ولكن الله بالناس رءوف رحيم فعفا عنهم               وغفر لهم .

 .

وهذه الآية هى ميزان الأحوال ، لأم الحال هو الحجة القائمة على صدق الدعوى أو على كذبها .

.

]وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ[هذه الآية الشريفة شراب طهور يحيى أرواح أهل الإِيمان فيسارعون                     إلى التوكل على الله ، خصوصا عند قيامهم بنصرة الله وإعلاء كلمته ، وفى كل موطن من المواطن التى تدعونا          فيه الشريعة للقيام بالأعمال الواجبة : من جهاد ، أو أمر بمعروف ، أو نهى عن منكر ، أو عبادة ، أو صلة ، أو           إصلاح بين الناس ، ومرغب فيه : كالإِحسان إلى المسىء ، والعفو عن الظالم ، وصلة القاطع ، والشفقة على             جميع خلق الله تعالى . سبق بيان مقام التوكل فى كتبنا السابقة .

 

ـــــــــــــــــــ

(1)     سورة محمد آية 7.

(2)     سورة الفتح آية 18.

(3)     سورة الحديد آية 25.

 

             

 

 

قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ 000 (161) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

              قوله تعالى :    وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ

              نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ p161i

]وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ [نفى الله حصول الغلول من الأنبياء . والغلول : هو الخيانة ، كما أن الغل هو ما                 يجد الإِنسان فى صدره من الحسد والبغضاء . وانتقاء الغلول عن الأنبياء لأن الله تعالى عصمهم ، لأنهم هم            المبلغون عنه شرائعه للناس ، وقد توعد الله تعالى أهل الخيانة بالحساب عليها ، والأنبياء شهود على أممهم ،        فانتفى حصول الغلول منهم . وقد قرأ بعض القراء هذه الآية بفتح الياء وضم الغين ، وجعل سبب نزولها ؛ أنه       تأخر تقسيم غنائم حُنَسْن لمانع ، فجاء قوم وقالوا : يا رسول الله ، ألا تقسم غنائمنا ؟ فقال علية الصلاة               والسلام : ( لَوْ كَانَ لَكُم مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً مَا حَبَسْتُ عَنكُم مِنْه دِرْهَماً أَتَحْسَبُونَ أنَّى أغُلُّكُم                               مَغْنَمَكُمْ ) . وورد أيضاً أن الله تعالى لما ذم آلهة المشركين وعوائدهم من وأد البنات وغير ذلك ؛ طلب                     المشركون من رسول الله rأن يترك ذلك ، فأنزل الله هذه الآية . أى : ما كان لنبى أن يخون فيما أوحاه                  الله إليه . وقيل : إنه ضاعت قطيفة حمراء فى غزوة بدر ، فظن بعض الجهلاء أن النبى rأخذها ، فنزلت              الآية . وقرأها بعضهم بضم الياء وفتح الغين .

سبب نزولها : أن أشراف الناس طلبوا من رسول اللهrأن يخصهم بشىء من الغنائم ، وأن الرماة فى يوم                 أحد تركوا مواقفهم طمعاً فى الغنيمة خوفاً من أن رسول الله rيقول : من نال شيئا فهو له وليس له فى                   الغنيمة ، كما حصل فى بدر ، فنزلت الآية . وهذه الآية حجة على كمال عصمة رسول الله r، وبراءته من            الغلول فى الغنائم وغيرها ـ وإن كان الغلول هنا خاصا بالغنائم ـ وكيف لا ؟! وأهل الإِيمان بالله يتخلقون                بأخلاقه rليحفظهم الله من الغول ، بل يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، قال تعالى : ]وَمَا                  الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [(1)]وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [المعنى أن الله تعالى لا يخفى عليه               شىء فى الأرض ولا فى السماء ، فإذا أوقف من غل فى الدنيا بين يديه يوم القيامة حاسبه على غلوله بعد كشف           الستر عنه أمام الحشر ، فكانت الفضيحة فى هذا الوقت فوق عذاب جهنم . وهذه الآية تهديد من الله تعالى ،               ووعيده لعصاة المسلمين . وإنما ذكرها الله تعالى هنا ليبين لنا مكانة النبوة من الترفع عن الوقوع فى معاصى الله           التى يقع فيها من لم يعصمهم سبحانه .

]ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [أتى بـ ]ثُمَّ[فى هذه الآية التى تفيد البعد بالنسبة                        لما تعلمه النفوس لغفلتها عن مراقبة ذلك اليوم ، أما الحقيقة فذلك اليوم ليس ببعيد  بحسب علم الله تعالى ، فإن              القيامة تقوم على كل إنسان يوم موته ، قال r : ( مَن مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ ) وعلى هذا فالإِنسان عند                    موته يشهد فى برزخه ما قدر له أزلاً من نعيم مقيم أو انتقام ، وإن لم يباشر النعيم والعذاب .

]تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ [أى : يوفى الله كل نفس ، أى : يعطيها جزاء أعمالها تامة ]مَّا كَسَبَتْ [أى : ما وقع منها               من أعمال الخير أو أعمال الشر لا ينقص من جزائها شىء ، وأما ما سبق لها فى الأزل من أحسان إلى النفوس             ـــــــــــــــــ

(1)     سورة آل عمران آية 185.

 

 

 

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التى صاغها من نور ، ذلك كسابقية الحسنى بالإِسلام ، والإِيمان ،والإِيقان ، والنور ، والعرفان ، وبالفرار                 من الكونين إلى الله تعالى ، وبما فوق ذلك من عطايا الله تعالى ؛ فذلك ليس بكسب وإنما هو فضل الله يؤتيه               من يشاء والله ذو الفضل العظيم . ]وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [نفى الله تعالى الظلم منه على عبادة لا ستحالة وقوعه              عقلا ونقلا .

أما عقلا : فلأن الكون وما فيه مخلوق لله مملوك له سبحانه ، والظلم تصرف غير المالك ، فلا ظلم ، ولأن                الله تعالى خلق الكون غير محتاج إليه فكان إيجاده وإمداده رحمتة منه وفضلا ، ومن سبقت رحمتهُ غضبَه ؛                استحال عليه الظلم .

وأما نقلا : فقد وردت الآيات الشريفة دالة على نفى الظلم عنه سبحانه وهو الحكم العدل .

والواو فى قوله : ]وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [للحال ، والمعنى : والحال أنهم غير مظلومين فلا يزيد فى عقوبتهم                  عن القدر الذى يستحقونه ، ولا ينقص من أجورهم التي يستحقونها بأعمالهم شىء بل قد يتفضل الله عليهم .               ونَفْىُ الظلمِ عنه جل جلاله يقتضى عدم جواز الظلم عليه تعالى ، لأن الظالم من تصرف فى ملك غيره ، ولا             ملك لغيره سبحانه . وهذه الآية الشريفة تأكيدٌ لخبر الله تعالى عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أنهم لا                يغلون ، لأنهم عليهم الصلاة والسلام عصمهم الله تعالى من الوقوع فيما يقتضى الحساب الموجب للعقوبة ، بل             وعصمهم جل جلاله من أن يشهدوا لأنفسهم كسباً ، لأنهم أكمل الناس توحيداً وعلما بتفريد الله تعالى                       بالإِيجاد والإِمداد من غير شريك ولا مثيل .

 

              قوله تعالى :   أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ

              الْمَصِيرُ p162i

الهمزة هذه للإِنكار ، والفاء لعطف الجملة بعدها على جملة محذوفة ملحوظة ، والتقدير : أفمن اتقى الله                    فاتبع رضوانه بمسارعته إلى عمل ما يحبه ويرضاه من ترك الغلول وغيره ؛ وعمل الطاعات التى أمر الله تعالى ؛        كمن خالف الله تعالى مخالفة بَاءَ بها بغضب من الله تعالى ؟ وهذه الآية سبب نزولها خاص وحكمها عام ، لأن             سبب قوله : ]رِضْوَانَ اللّهِ [أى ك بترك الغلول ، و : ]بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ [أى : بعمل الغلول . ولكنها عامة فى           كل ما ينيل العُمَّالَ رضوان الله ، وما ينيل المنافقين سَخَطَ الله وغضبه . وكل من سارع فى القيام بمقتضى                الوقت بحسب أنواع القربات ؛ فاز برضوان الله تعالى . وكل من خالف الله فعمل بغير ما أمر به سبحانه                  استحق الغضب والمقت . حفظنا الله من موجبات مقته وغضبه .

]وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ [أى : ومأوى من خالف الله بترك عمل ما أمره به وفعل ما نهاه عنه فباء بغضب من الله                   ]جَهَنَّمُ [والواو فى ]وَمَأْوَاهُ [دليل على أن غضب الله غير ]وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ [  ويكون غضب الله فوق جهنم                فى الشدة ، والذى فهمتُه أنه الحرمان من الإِيمان ومن فروعه وهى : الاستقامة ، والصبر ، والرضا ،                      والتوكل ، والتوبة ، وحسن الثقة بالله ، والمراقبة ، والفكر فى آلاء الله ، وغير ذلك من جنة الرضوان                     العاجلة ، وهذا الحرمان هو غضب الله تعالى . أما الخلود فى النار فإنه يكون يوم القيامة ، حيث لا ينتفع                   المؤمن بتلك الخيرات التى حرمها فى الدنيا ـ ولو نالها ـ فإن الكافر يوم القيامة تنكشف له الحقائق فيكون                 .

 

 

قوله تعالى : هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللهِ 000 (163) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقنا كامل الإِيقان ، ولكنه لا ينتفع بالإِيمان إلا إذا عمل به فى تلك الدار الدنيا قبل كشف الحقائق ، لتقوم                الحجة له أن الله منحه نفسا طيبة مؤمنة قابلة للتلقى عن الله ، ولكن بعد كشف الحقائق فإن نفسا لا ينفعها                  إيمانها لم تكن آمنت من قبل . وقد قيل لفرعون عند غرقه : ]ءَآلئنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [(1). ]وَبِئْسَ                    الْمَصِيرُ [أى : بئس المرجع والمآب والمأوى .

قوله تعالى : هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  p163i

 

الضمير إما أن يكون راجعا إلى مَن فى قوله : ]أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ[ويكون المعنى : أن الذين اتبعوا                رضوان الله درجات عند الله بحسب حقائقهم ، وأن نفوس من سبقت لهم الحسنى تتفاوت ؛ فمنها نفوس                   خلقت من النور الذى خلقت منه الأنبياء ، ومنها نفوس خلقت من الصفاء ، ومنها نفوس خلقت من جواهر                عالية ، وغيرها ، فيكونون درجات عند الله تعالى . وإن رجع الضمير إلى(مَن )فى قوله تعالى : ]كَمَن بَاءَ           بِسَخَطٍ مِّن آللهِ [وتكون نفوسهم متفاوتة ، فمنها نفوس خلقت من الظلمة ، ومنها نفوس خلقت من النار ،                  ومنها نفوس خلقت من أردأ جواهر النفوس ، وتكون درجات أهل الرضا من الجنة إلى مقعد صدق ، وتكون              دركات أهل الغضب من جهنم إلى لظى ؛ حفظنا الله وإخوتنا المؤمنين . وإن عاد الضمير إلى كل منهما ؛ كان            المعنى : ]هُمْ دَرَجَاتٌ [أى : لهم درجات . ولما كانت لفظة درجات لا تكون إلا لأهل الرضوان ؛ كان                  مرجع الضمير إلى قوله تعالى :]أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ[أقرب ، لأن لأهل الكفر بالله لفظة : ( دركات)              فى مقابل : ]دَرَجَاتٌ [عند المؤمنين .

 

]واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [أى : والله ذو علم بأعمالهم الباطنة والظاهرة ، فلا يخفى عليه شىء منها ،                    فيتفضل على أهل محبته سبحانه بما هو أهل له من نعيم مقيم ، وفضل عظيم . ويجازى أهل الكفر به بما                 يستحقونه عدلاً منه سبحانه .

قوله تعالى :    لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ                                 آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ p164i

.

 

]لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ [المنان هو الذى يتفضل بجميل                              الإِحسان من غير أن يحوج من تفضل عليه إلى دعاء ولا معاوضة . والمنُّ : هو ما يسقط على                         أوراق النباتات . ويكون للفخر والشهرة ، وهو الذى يبطل العمل فى قوله تعالى : ]لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم                    بِالْمَنِّ وَالأذَى [(2). وقد يأتى بمعنى القطع كما قال تعالى : ]لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [(3)أى : غير مقطوع . وقد          يكون بمعنى الإِحسان من غير مبادلة . وهنا يؤكد الله تعالى أنه تفضل علينا بجميل الإِحسان ، وهو بعثة حبيبه           ومصطفاه rفينا لنجاتنا وإرشادنا ، ولسعادتنا فى الدنيا والآخرة بما تفضل الله به علينا من النعم ؛ التى بها                ـــــــــــــــــ

(1)     سورة يونس آية 91.

(2)     سورة البقرة آية 264.

(3)     سورة فصلت آية 8.

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 كمال أرواحنا وأشباحنا ، وطهرة أنفسنا ، وتثقيف عقولنا ، وعمارة قلوبنا بتوحيد الله ، والإِيمان واليقين بما               جاءنا به rمما بينه الله تعالى بقوله : ]يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الآية .                    يعنى أنه تنزه وتعالى بعث فينا رسولاً من أنفسنا ، ليكون ذلك لقبول ما جاءنا به من عند الله ، لاتحاده                    بنا rنسبا ، ووطنا ، ولغة ، فيكون لنا بسبب ذلك الفوز بالسعادتين ، والشرف العظيم بتأييدنا له بعد                     قبولنا نصرة الله تعالى ، ونكون سببا فى نيل ذريتنا من بعدنا العز والتمكين فى الأرض بالحق ، والخيرات فى             الدنيا ، والنعيم المقيم يوم القيامة .

]يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ىأى : يسمعهم كلام الله تعالى الذى أنزله عليه إحساناً منه إلينا . ]وَيُزَكِّيهِمْ [                        أى : يطهرهم من خبث طباعتهم ونجاسات أنفسهم ، ليفوزوا بعد الطهارة بقبول النور والهدى والعلم .                   ]وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ[أى : يبين لهم معانى ظاهر القرآن المجيد المتعلقة بالأحكام والآداب والعبرة والسير .                ]وَالْحِكْمَةَ [أى : ما يتعلق بأسرار التوحيد ، وبغيب الآيات فى الكائنات ، وبحكمة الأحكام ، وحكمة                      الإِيجاد والإِمداد . تلك الحقائق الأربعة التى هى : تلاوة الكتاب ، وتزكية نفوسهم ، وتعليم الكتاب ، وتعليم                 الحكمة ؛ هى المعانى التى بها كمال الروح والجسم ، وجمال المجتمع الإِنسانى حتى يكون الإِنسان عبداً لله                تعالى ، عاملاً فى محابه ومراضيه . ويبلغ درجة من الكمال حتى يكون الإِنسان أخا للإِنسان كما قال r:                ]المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ [الحديث . وتلك الكاملات تفضل الله بها علينا أمة محمد rخاصة ، وبها                           أكمل الله علينا ديننا الذى ارتضاه لنا ، وأتم علينا نعمته . ]وَإِن كَانُواْ [أى : وإن كان العرب وغيرهم ،                وإن كان المراد بخبر الله هم العرب ]مِن َقَبلُ [أى : من قبل بعثة رسوله محمد rبما جاء به من النور                والهدى ]لَفى ضَلَلٍ [أى : لفى عمى وهلاك وقطيعة عن الله وكفر به ]مُّبِينٍ [أى : ظاهر جلى لا تقبله                العقول ، ولا تهش له القلوب وتبش ، ولكنها الأهواء ـ والهوى أخو العمى ـ وتقليد الآباء والجهلاء من غير             بصيرة .

قوله تعالى :أَو َلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ                                    أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ p165i

 

]أَو َلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ[الهمزة للاستفهام الإِنكارى ، والمعصية ما حصل فى غزوة أحد من قتل                        المشركين سبعين رجلا من الصحابة ، منهم سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه .               ]قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا [أى : فى بدر حيث قتلتم سبعين وأسرتم سبعين ]قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا [وبعد وقوع تلك                       الحداثة المؤلمة فتح المنافقون باب الفتنة ، فنشروا ما لا يرضى من القول ، فقالوا : نبى يعلم الغيب ، وينصر               ربه ، ويحكم أن القوم كفار وينُصرون عليه ؟ فأحب الصحابة أن يعلموا الحكمة من الله فى هزيمتهم فقالوا :              ]أَنَّى هَذَا [تعجبا مما حصل لجهلهم الحكمة فى ذلك ، فبينها الله طمأنينة لقلوبهم بقوله تعالى : ]قُلْ هُوَ مِنْ              عِندِ أَنْفُسِكُمْ [ردَّ الله تعالى عليهم مبينا لهم أن مصائب غزوة أُحُد سببها فى أنفسهم .

 

         

          

 

قوله تعالى :  وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ0000(166) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهنا يجدر أن نكشف للعقول حقيقة تسكن بها النفوس إلى الله تعالى : معلوم أن كمال مشاهد التوحيد ؛                    هو كمال يقين العبد بأن الله تعالى خلق العبد وخلق أفعاله ، ولكنه سبحانه وضع الأسباب ليتعرف بها إلى                  العقول ، وهو الذى خلق الأسباب وخلق الخلق وخلق أفعالهم ، فقوله تعالى : ]هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ [  ليس                دليلا على أن العبد يخلق أفعاله ، بما ورد من الآيات الدالات على تفريد الله تعالى بالإِيجاد والإِمداد ، وما قررته           العقول من حدوث الكون ، وأن الذى أحدثه قدّر ما به كماله فى وجوده ، قال تعالى : ]صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ                 كُلَّ شَيْء [(1)والذي هو عند أنفسهم هو الحظ والهوى ؛ الذى بسببه أخذوا الفدية من أسرى بدر بعد أن                    طلب منهم رسول الله قتلهم فقالوا : قومنا وعشائرنا نفديهم وننتفع بفديتهم . فقال لهم r: ( إِنْ قَبِلْتُم                        مِنْهُمُ الفِدْيَةَ يُقْتَلُ بعددِهمْ ) فقالوا : نقبل الفدية ونرضى أن يستشهد منا سبعون . وبالطمع يوم أُحُد حين                     خالف الرماة أمره عليه الصلاة والسلام وأسرعوا إلى الغنيمة ، وحين خالفوا رسول الله rعند خروجه إلى                أُحُد بعد أمره لهم أن يقيموا بالمدينة ويلقوا العدو فيها فأبوا غلال إلا الخروج ، ومن فشلهم بالفرار من الميدان . كل             تلك السيئات كانت سببا لظهور تقدير الله تعالى مصائب يوم أُحُد لتطهير الصحابة ، ولتشرق عليهم ساطعة                أنوار من التوحيد ، فيؤمنوا بالله إيمانا لا تشوبه علة ولا غرض ، ولا يُمازجه اعتقاد أن الله سبحانه ينتفع                  بعقيدتهم أو بجهادهم ، أو أنه سبحانه يغير ما قدره أزلاً بسبب صلاة أو صيام أو جهاد أو صدقة . وهذ1 من               كمال رحمة الله بنا جماعة المسلمين . فثبت أن قوله تعالى : ]مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [ليس المراد بها أنكم تخلقون              أعمالكم ، وأنكم أنتم الذين خلقتم أعمال المخالفة ، لا . ولكن الله جعل ذلك سببا ليظهر ما قدره أزلاً ،                     فيكمل إيمان أهل الإِيمان ، ويرتاب أهل النفاق ، والله سبحانه لا تنفعه طاعتنا ، ولا تضره معاصينا لأنه هو              النافع الضار .

]إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[افتتح الآية بأداءة التوكيد يقظة للقلوب لتلقى ما بعدها بحرص ونشاط ،                    فقوله : ]عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[أى : أنه لا يعجزه شىء ، فهو القادر على أن ينصر أولياءه على أعدائه ،               ويخذل أعداءه ، والقادر سبحانه على أن يغفر ويعفو عن المذنبين من أهل دينه ، والقادر سبحانه على أن يظهر           أحبابه بابتلائهم فى الجهاد بنيل عدوهم منهم ، ليرجعهم إلى الله ، ويطهرهم من الغرور ، وليرفع درجاتهم لديه            سبحانه ، فلا يعجزه شىء .

 

قوله تعالى : وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ p166i

 

]وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ [أثبت سبحانه أن الذى أصاب المؤمنين فى غزوة أحد له                       سبب ظاهر وسبب باطن ، فإما السبب الظاهر فهو قوله تعالى : ]قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [وأما السبب                 الثانى فقوله تعالى : ]فَبِإِذْنِ اللّهِ [لحكمة تميز المؤمنين عن الكافرين تمييزاً يجعل كل نوع عالما بالآخرة ، وهذه          الآية وما قبلها مرتبطان تمام الارتباط . ولما كانت (مَا )التى هى هنا بمعنى ]الذي[فيها معنى الجزاء ،               اتصلت الفاء بجوابها ، و ]يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [أى : يوم لقى جيش رسول الله rجيش قريش فوق                    أُحُد ]فَبِإِذْنِ اللّهِ [أى : بتقدير الله وحسن تدبيره للصحابة ، فإنه سبحانه وتعالى كشف لهم الستار عن                    ـــــــــــــــــــ

(1)     سورة النمل آية 88.

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حقيقة المنافقين ، حتى قامت الحجة على كفرهم ونفاقهم قبل التقاء الجمعين ، ثم محّص أهل الإِيمان يوم التقى             الجمعان ، فطهر من ارتكبوا خطايا مخالفة الأمر ومخالفة الشورى وغيرها .]وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [أى : ليعلم               الله المؤمنين ، والمعنى : ليظهرهم بما يجملهم به من اليقين الحق ، والصبر عند الشدائد ، والرضا بقدر الله               تعالى . وقد تقدم بيان معنى هذه الآية خصوصا فى بيان معنى : ]وَلِيَعلَمَ آللهُ [. وتفصيل قوله تعالى : ]وَمَا              أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الخ . أن الذى أصابهم هو قتل سبعين سيداً من سادات الصحابة ، وحصول                  الهزيمة ، ومفارقة الرماة .

.

 

قوله تعالى :  وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ                                نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي                                  قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ p167i

.

]وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ [أى : وليعلم الله الذين نافقوا بما أظهروه من قلوبهم بعد أن أخفوه عن المؤمنين ،                    فصاروا معروفين لا يجهلهم مؤمن . ]وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً                      لاَّتَّبَعْنَاكُمْ [وهؤلاء هم عبد الله بن عمر بن خزام لأخو بنى سلمة ، وعبدالله أبو جابر بن عبد الله الأنصارى ،            قيل لهم : لهم تعالوا قاتلوا معنا أعداء الله وأعداء رسوله ]أَوِ ادْفَعُواْ [أى : اتصلوا بنا لتحصل الكثرة المفزعة            لقريش فتدفعوا عنا شرهم ، فخدعوا المسلمين بقولهم : ]لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاََّتَّبَعْنَاكُمْ [ومعنى ذلك أنهم يريدون                  أن يرتدوا عن رسول الله rفيظهرون ما ليس فى قلوبهم بقولهم : ]لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاََّتَّبَعْنَاكُمْ [أى : أنه لا                  يقع قتال بينكم ، وهم معتقدون وقوع القتال حتما . ورجع عبدالله بن أبى بن سلول وهو يقول : أطاعهم                   وخالفنى ، يشير إليهrأنه كان يريد أن يكون القتال فى المدينة ، وهو يعلم أن الأنصار فى الجاهلية كانوا               يكرهون الغزو فيها ، فكيف يحبونه فى الإِسلام ؟ وكان يرى هذا الرأى ليخالفه الصحابة فيتعلل بمخالفتهم كما             فعل . ]وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [(1).

]هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ [معنى هذه الآية أن عبدالله بن أبى بن سلول ومن معه عندما                         أظهروا الإِيمان بقولهم : ]لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاََّتَّبَعْنَاكُمْ [أى : لو نعلم وقوع قتال بينكم وبينهم لاتبعناكم ، وهذا                   الكلام ظاهرة يدل على حسن النية ، ولكنه كشف لنا حقيقة كفرهم ، وأنهم فى الحقيقة أعداء الله ورسوله                   والمؤمنين . وفى قول المنافقين : ]لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاََّتَّبَعْنَاكُمْ [لو كان على ظاهرة لكان حجة على كفرهم ، لأن              العدو قرب من المدينة جدا ، فكيف يظن ظان أن جيشا عدده خمسة آلاف فارس بأحباشه ولوازمه يحضر من               مكة للمدينة لا يريد قتالاً ؟ هذا مستحيل ، وبقولهم هذا نحقق الصحابةُ كفرَهم ، وإن كانوا لا يجهلون ذلك                 من قبل . وإن كان المنافقون يقولون هذا القول بمعنى أنهم لا يعلمون أن هذا القتال قتال نافع ، يكون ذلك                 كفراً أيضا ، لأنهم كذّبوا الله ورسوله . وجائز أن يكون معنى قوله تعالى : ]هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ                  لِلإِيمَانِ [أى : أنهم أقرب على نصرة أهل الكفر من نصرتهم لأهل الإِيمان . وجائز أن يكون المعنى أنهم قربوا           من الكفر فوقعوا فيه وبعدوا عن الإِيمان .

ــــــــــــــ

(1) سورة يوسف آية 52.

 

قوله تعالى : الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ0000(168) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهنا إشارة لطيفة : وهى أن الله تعالى لم يحكم بالكفر على من يقول : لا إله إلا الله بلسانه ـ وإن عقد قلبه                على الكفر ـ تعظيما لكلمة التوحيد ، فقال سبحانه وتعالى : ]هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ [ولم                   يقل : هم الكفار يؤمئذ .

]يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [هذه الآية خبر من الله تعالى عن المنافقين ، وليعلمنا ما لم نكن                  نعلم . فإنه تعالى يعلم السر وأخفى ، ونحن لا نعلم إلا الجهر . وفى هذه الآية حكم من الله تعالى عليهم                     بالكفر ، وتعليم من الله تعالى لنا فى أن نحتاط لأنفسنا ، ونتبين أحوال بحكمة ، حتى تنكشف لنا الحقيقة                   فنسلم من شرورهم وسوء نواياهم . وذلك لأن أهل الإِيمان يحكمون على الناس بما يشهدونه فى أنفسهم من               حب الله سبحانه وتعالى ورسوله r، ومن الصدق وكمال الإِخلاص فى معاملة الله تعالى ، فيخدعهم أهل               النفاق ، وهم بسلامة قلوبهم ينخدعون ، قال r: ( آلْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ يُخْدَعُ ، وَآلْمُنَافِقُ خِبٌّ لَئِيمٌ لاَ                        يُخْدع ) وما على المؤمن إذا سمع قولا إلا أن يتبينه بعقله ، أو بالبحث عنه من الناس . ]وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا                   يَكْتُمُونَ [والمعنى أن الله تعالى يعلم ما تخفونه عنا من النفاق والكفر ، وما يكتمونه من سوء النية ، علما فوق            علمهم هم بما يكتمونه ، لأن الله يعلم المكتوم ويعلم سببه نتائجه ، لأنه هو الذى قدّر ذلك ، وأقامهم                        فيه ، وهم لا يعلمون شيئا منه إلا قصد أذية المسلمين من غير أن يضر المنافقين شىء .

 

قوله تعالى :   الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ                              الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ p168i

 

]الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [هذه الآية بيان من الله لنا أنه سبحانه إذا منح العبدَ                    الهداية ، وفقه للقيام كل أنواع القربات . وإذا أضل سبحانه العبدَ وقع فى كل أنواع الكبائر والخطايا                       والرذائل ، ودليل ذلك قوله تعالى فى هذه الآية خبراً عن عبدالله بن أبى بن سلول وأصحابه الذين ارتدوا إلى          المدينة أنهم اعتذروا أولاً بقولهم: ]لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ[ثم بعد أن وقع القتل فى الصحابة يوم أحد قاموا                  ليدخلوا الشك والريبة فى قلوب الصحابة من الأنصار ، وليست الثانية بأقل من الأولى ، فإن قولهم لإِخوانهم               من الأنصار :]لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [فتنة كبرى توقع فى الضلال . ولولا عناية الله بأهل الإِيمان من الأنصار           لوقعوا فى الشك والريب المؤديين إلى الشرك ، ولكن الله بعباده رءوف رحيم . وكم لأهل النفاق من خبث                  وكيد ، أعاذنا الله منهم .

]قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ [قهر الله بتلك الآية أهل النفاق قهراً قصم ظهورهم لقيام الحجة                           البالغة ، قال سبحانه وتعالى لحبيبه محمد rقل لهؤلاء المنافقين الذين يفتحون أبواب الفتن على أهل الإِيمان               بى :]فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ [أى : ادفعوه عنكم . إذا نزل بكم لا تمنعه حصون ولا قلاع ، ولكنها                  الأعمار اذا انتهت نزل الموت لا يدفعه دافع ، ولو اجتمعت الإِنس والجن والملائكة . و ]الَّذِينَ [هنا بدل من             قوله ]لِيَعْلَم [فهي فى محل نصب ، وجائز أن تكون فى محل رفع بدل من الواو فى ]تَكْتُمُونَ [. ]إِن كُنتُمَ             ـــــــــــــــــ

(1) سورة يوسف آية 52.

            

 

 

]         أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صَادِقِينَ[يعنى بذلك جل جلاله أن يقول للمنافقين إن كنتم صادقين فى قولكم ؛ إن إخوانكم لو كانوا                       أقاموا معكم فى المدينة لم يقتلوا بسيوف أبى سفيان ومن معه من قريش ، فادفعوا عن أنفسكم الموت إذا حل               بكم لتثبتوا صدقكم فى خبركم هذا ، وهذا مستحيل عقلاً . إذن فالقوم كاذبون ضالون .

 

قوله تعالى :   وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ

يُرْزَقُونَ p169i

 

تقدم لك ما شنع الله به على المنافقين ، وأدَّب به من خالفوا مواقفهم ، وظهر لك ما بينه الله من قول                          المنافقين : ]لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [ونشرهمبين المؤمنين الشبهات المضلة بسبب قتلى أحد ، حتى تمنى كثير             من الصحابة أن يخبرهم الله عن قتلاهم يوم أحد ، فأنزل الله تعالى هذه الآية طمأنينة لقلوب المؤمنين ، ولتقوى            رغبتهم فى الجهاد فرحاَ بما يناله الشهيد ، وليقصم الله ظهور المنافقين ، قال سبحانه : ]وَلاَ تَحْسَبَنَّ [أى :                   لا تظن ]الَّذِينَ قُتِلُواْ [يم بدر وأحد ]فِي سَبِيلِ اللّهِ [أى : فى إعلاء كلمته ونصرة دينه ]أَمْوَاتًا [                       كالذين يموتون فى غير الجهاد ، ويستمر موتهم إلى يوم القيامة حتى ينفخ فى الصور ]  بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ               يُرْزَقُونَ [بل هم أحياء عند ربهم . ولما كانت أنواع الحياة تتفاوت كما قررنا فيما سبق، فإن حياة الجماد               خالف حياة النبات، وحياة النبات تخالف حياة الحيوان، وحياة الحيوان تخالف حياة الإِنسان ، وحياة الإِنسان                 فى الكون تغاير حياة من استشهد فى سبيل الله ، فإنه بقتله فى سبيل الله فقد الحياة الحيوانية ، فأعطاه الله تعالى            حياة روحانية عنده سبحانه ، يتنعم بلوازم تلك الحياة الروحانية عند ربه ، مما يرزقه سبحانه به ؛ من الأنواع             التى بها سعادة وبهجة وملاذ وأنس الأحياء عند ربهم ، فيرزقهم الله تعالى من فضله ما لا عين رأت ، ولا أذن            سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

والواجب علينا السمع والطاعة لله ورسوله ، تصديقا لخبره وإيمانا به سبحانه وتعالى ، فهم أحياء عند ربهم                 حياة فوق أن نتصورها ، لا حياة من هم عند أنفسهم أو عند الكون ، وما تقول فى قوم فروا إلى الله رغبة فى             الوصول إليه ، وألقوا بأنفسهم على ظبى السيوف وتحت سنابك الخيل ، حتى بذلوا آخر نفس من أنفاسهم                 شوقا إلى نيل رضاه ، فصدقوا فيما عاهدوا الله عليه ، ووفروا فى بيعهم فقبل سبحانه منهم ، وأعطاهم خيراً مما          تقربوا به إليه ؟ وهم أحياء يرزقون كما قال تعالى . وليس للعقل بعد خبر الله تعالى أن يبحث عن هذا الفضل             العظيم ، بل الواجب عليه أن يسارع إلى ميدان الجهاد ، فيلقى بنفسه كما ألقوا بأنفسهم ، ولديها ينكشف                   الحجاب عما تفضل به العلىّ الوهاب ، فإن العقل يحكم أن أرقى الحيوانات لا تدرك ملاذ الحياة الإِنسانية ـ                وهى المشهودة المسموعة الملموسة لها ـ فكيف تدرك حياة مَنْ عِنْدَ ربنا ؟ حياة من استشهد فى سبيل الله                 فأحياه الله ورزقه وفرحه ؟ قال تعالى : ]فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ                  فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [(1).

ــــــــــــــــ

(1) سورة النساء آية 65.

      

 

قوله تعالى :  فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ 000 (170) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى :   فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ                                 خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ p170i

 

]فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ [الفرح : هو السرور الذى تدعو إليه سوابغ النعم والفوز بالأمل .                       والمعنى أنهم مسرورون بما آتاهم الله من فضله بقتلهم فى سبيله سبحانه ، فإن الله أحياهم الحياة العالية ،                  وتفضل عليهم بخير رزقه الجامع لملاذ الروح والنفس والعقل والحس ، بحسب حياتهم التى أكرمهم الله بها ،             فكان ما آتاهم الله من تلك الحياة وهذا الرزق موجبا للفرح والمسرة ، وكأن الله تعالى يقول : يا عبادى الذين              بذلوا أرواحهم وحياتهم فى سبيل إعلاء كلمتى ؛ ونصرة لدينى ؛ لأمنحنكم حياة روحانية عندى فى دار                    قدسى ، ولأرزقنكم مما به بقاء تلك الحياة أبديا ، ونيل مسراتها وملاذها وسعادتها .

]وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ [هذه الآية خبر من الله لنا عن شهداء بدر وأحد ،                         والسبب خاص والحكم عام ، فهو خبر عن جميع الشهداء الذين هم أحياء عند ربهم ، والمعنى أن الشهداء                 الذين هم أحياء عند ربهم يرزقون ، يطلبون الفرح والمسرة من الله تعالى ]بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم [من                    إخوانهم الذين تركوهم على ما كانوا عليه من التسليم الأكمل لرسول الله r، ومن المسارعة إلى الجهاد                   إعلاء لكلمة الله ، وتلك المسرة والفرح باستبشارهم بهم ، لتحققهم أن إخوانهم لا يزالون محافظين على ما                 كانوا عليه وهم فى الدار الدنيا ، وبتلك الحالة يفوزون بما فاز به الشهداء من الحياة الروحانية ، ورزق الله تعالى          الذى منه الفوز بفضل الله تعالى وبرضوانه الأكبر ، وكمال النعمة بدوام تلك الخيرات أبدية إلى ما لا نهاية .              معنى ]لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم [أى : لم يقتلوا فى سبيل الله فيفوزوا بما فاز مَنْ قُتلوا قبلهم ، والفوز متحقق ولكن                 لا ينال إلا بالشهادة .

]أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [أن وما دخلت عليه مؤولة بمصدر مجرور بالياء المحذوفة بدل من                    الذين فى قوله : ]بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم [بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ونفى عنهم سبحانه وتعالى                   الخوف من لقاء الله تعالى الذى يجعل قلوب أهل الإِيمان فى فزع من الحساب ؛ لتحققهم بالتقصير عن القيام له             سبحانه تعظيما واجلالاً له تعالى . وهذا الخوف لا يفارق قلوب العارفين بالله ـ خصوصاً عند الموت ـ إلا               إذا طمأن الله قلوبهم بالبشائر ، قال الله تعالى : ]لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [(1) ونفى عنهم                 الحزن على من يفارقونهم وما يفارقون من أهل وولد وآثار ، وهذا الحزن أيضا لا يفارق إلا بما يتفضل                   الله به على المؤمن عند موته بالبشائر ، ومنحنا الله هذا الفضل العظيم بإحسانه .

 

قوله تعالى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ p171i

 

]يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ [يطلبون المسرة والفرح بالنعمة من الله تعالى ، كما طلبوا منه المسرة                 بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم . والمسرة والفرح بنعمة تتوالى عليهم من الله تعالى ]وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ               ــــــــــــــــــ

(1) سورة يونس آية 64.

 
]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آلَمُؤَمِنيِنَ [لك فى الهمزة من (أَنَّ )الفتح بتقدجير عطفها على قوله : ]بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ [والتقدير : وبأن الله لا               يضيع أجر المؤمنين . ولك كسر الهمزة وتكون الجملة مستأنفة والمعنى : إِن الله تعالى يحفظ أجر المؤمنين                  فيوفيهم به يوم القيامة وفاءً وافراً . وهذه الآية لا تدل على أن العبد يخلق أفعال نفسه بدليل قوله تعالى :                    (أَجْرَ ) فإن لفظة : أجر ؛ تقتضى إثبات عمل للعبد ، والحقيقة أن الفاعل المختار هو الله تعالى ليبين وفاءه                بوعده جل جلاله ، فالموفق للعمل هو الله ، والهادى إلى الحق هو الله . ]آلَمُؤَمِنيِنَ [أى : الذين صدقوا الله                ورسوله r. ولما كامن مقام الإِيمان  أقل من الإِحسان والإِيقان ؛ أخبر الله تعالى بأنه لا يضيع أجر المؤمنين ،           لأن المؤمنين لم يشهدوا مشاهد التوحيد الكاملة كما شهدها أهل مقام الإِحسان والإِيقان ؛ الذين كاشفهم الله                    بغوامض التوحيد حتى تحققوا بعلم ]لاَ إِلهَ إِلاَّ آلله [علما شهدوا به أنه لا خلق إلا الله ، كما أنه لا إله إلا الله ،              فإن كلمة الإِخلاص كنز ، لو فك لأشرقت منه تسع وتسعون جوهورة ؛ نور جوهرة منها يستر الكون عن                  أعين العارفين .

 

قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ                               وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ p172i

 

]الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ  [بعد أن انتهت غزوة أحد إلى انصراف أبى                                      سفيان إلى الروحاء ؛ تناجى أبو سفيان ومن معه ، فقال : إنا قتلنا أكثرهم فما لنا لا نستأصلهم ؟ ارجعوا بنا ،               وهموا بالرجوع ، فبلغ ذلك رسول الله r، فأراد أن يُرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة ،                   فندب أصحابه إلى الخروج فى الطلب أبى سفيان ، وقال : ( لا أريدُ أن يخرجَ معى الآن إلا مَن كان معى فى             القِتَالِ ) فخرج عليه الصلاة والسلام مع قوم من أصحابه ، قيل : كانوا سبعين رجلاً ، حتى بلغوا ( حمراء                  الأسد ) وهو من المدينة على ثمانية أميال ، فألقى الله الرعب فى قلوب المشركين فانهزموا . وروى أن الذين              استجابوا لرسول الله كانوا مُثخنين بالجراح ، يحمل بعضهم بعضا تلبية لرسول الله      .

.

وقيل : إن الذين استجابوا هم الذين لبوا رسول الله rعندما قال :]إلَىَّ عبادَ آللهِ [بعد فرارهم . ولما                     رجع أبو سفيان لقى بعض المسافرين إلى المدينة فقال : إذا لقيت محمداً فبلغه أنا راجعون إليهم ، وأنا جمعنا                 العرب لقتالهم ، وذلك علىَّ أن أوقر جمالك زبيباً عند الموسم بسوق عكاظ . فلما أن وصلوا إلى رسول الله                     نشروا هذا الكلام ، واسمعوا رسول الله   ، فقال ومعه أصحابه صلوات الله وسلامه عليه وعليهم :                         ]حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ آلْوكِيلُ[كما سيأتي .

وقد أمر رسول الله rبالهجوم على جيش قريش ، وأمر ألا يصحبه إلا من كان معه يوم أحد ، أى الذين                    حضروا الملحمة ، وفى ذلك سر غريب وحكمة عجيبة ؛ أما السر فى ذلك : فليوقع فى قلوب الكفار الرعب                 والفزع منهم ؛ لا عتقادهم أنهم لا يزالون أقوياء لم يصبهم ضعف ولا وهن مما ألم بهم من القتل والجراح ،                 وليعلموا أن أصحابه فى المدين’ لم يخرج منهم أحد ، ولو خرجوا لملأوا السهل والوعر . والحكمة : أن رسول            .

 
قوله تعالى :  الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ 0000 (173) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الله rأحب أن يخص من كانوا معه فى أحد بالفوز بمحبة الله تعالى لهم ، حتى يرفعهم الله تعالى إلى مقام                 الأعلين . أقام r( بحمراء الأسد ) ثلاثة أيام : الإِثنين والثلاثاء والأربعاء ، ثم قفل rإلى المدينة .

]لِلَّذِينَ أَحَسَنُواْ مِنَهُمَ [هذا ثناء من الله تعالى عليهم رضوان الله عنهم وعنَّا بهم ، والإِحسان بينته لك                        فيما تقدم ، وهنا أزيدك وضوحاً : تعلم أن مقام الإِحسان هو مشهد التوحيد الأكمل ، الذى يجعل من جمله                    الله به لا يرى لنفسه وجوداً إلا بالله ، ولا عملاً إلا بالله ، حتى يبلغ به هذا المقام أن يكون بحيث كأنه يرى                  الله تعالى ، وهو أعلى مقام الإِحسان ، أو يتحقق حق اليقين بأن الله يراه وهو وسط مقام الإِحسان .

]لِلَّذِينَ أَحَسَنُواْ مِنَهُمَ [بيان أن هذا المقام فوق كل مقام ن بل لا تدركه هممالرجال العالية بعدهم ،                            لأنهم  ينصرون الله تعالى لبذل الأنفس والأموال تحت راية رسول الله r، وولاتهم يسمعون ويطيعون              رسول الله   مباشرة ، حتى كأنهم يسمعون من الله تعالى 00 وأكمل مجاهد بعدهم لا يفوز بتلك                             الخصوصية مطلقا ، ولو أن مجاهداً جاهد ألف سنة لا ينزل من على ظهر جواده فى سبيل الله ؛ لا يبلغ معشار ما           بلغوه رضوان الله عنهم ـ خصوصاً فى تلك الغزوة ـ وهم أفضل خلق الله إجماعاً بعد الفرسل والأنبياء عليهم              الصلاة والسلام .

]وَاتَّقَواْ[بينت لك فيما سبق أنواع التقوى ، وهنا أعيدها للمناسبة : وهو أن المسلم يتقى النار .                           والمؤمن يتقى اليوم . والمحسن يتقى الرب . والموقن يتقى الله . والتقوى هنا هى تقوى الرب ، وهى خوف                مقامه جل جلاله ؛ خوفا يجعله كأنه بلغ المثول أمام ربه ، فلا يسير به وطر إلا إليه ، ولا يقع به بصر إلا                   عليه ، ولا يشهد فاعلا مختاراً فى الوجود إلا هو سبحانه وتعالى . وهنا نمسك القلم عن أن نكشف غيبا من                 غيوب تقوى الرب أو تقوى تعالى ، وسنلمع إلى رذاذ منه فى(المضنون)(1)إن شاء الله تعالى .]أَجَرٌ                 عَظِيمٌ [الأجر من الله تعالى فضل فوق مقادير العقول ، فإذا أخبرنا الله تعالى أن لهم : ]أَجَرٌ عَظِيمٌ [؛ وقفت                العبارة والإِشارة عن بيانه ، اللهم إلا أن نقول : إنه عطاء من الله ، موصوف بما ورد عنه أنه ما لا عين رأت ،           ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

قوله تعالى :  الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً

وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ p173i

 

]الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً [بينتُ لك ـ بعد بيان                                                       الله لك ـ الثناء على من أمرهم رسول الله rبالذهاب معه لإِرهاب أبى سفيان ومَن معه من كفار قريش ،                وتعيينه rمن يذهبون معه ، كما بينت لك قبل . وفى هذه الآية الشريفة يكشف الله لنا الحجاب عن كمال                   يقين أصحاب رسول الله rمن أنهم ـ مع ما هم فيه من الجروح المثخنة والأحزان على من قتل منهم ـ لم                تشغلهم تلك الكوارث ـ التى لا تقوى عليها شوامخ الجبال ـ عن تليية الله ورسوله ، والإِلقاء بأنفسهم فى                   فادح المصائب . ومع هذا فإن أبا سفيان أرسل من يثبطون رسول الله rوأصحابه بما أعده لهم من الخيل                   ــــــــــــ

(1)     كتاب للإِمام أبى العزائم رضى الله عنه ( تحت الطبع )

 
 
]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والرجال ، فكان ما ثبط همم فحول الرجال مثيراً لهممهم ، ومؤيداً لكمال توحيدهم ، واعتقادهم أن الفاعل                  المختار هو الله ، وأن القتل فى سبيله هو الفوز بالسعادتين ؛ سعادة البرزخ وسعادة الآخرة .

 

وكل من واجه رسول الله rأو سمع كلامه الشريف ؛ انكشفت له حقائق الدنيا ، وأشرقت عليه أنوار                     ما عنج الله مما أعده لأحبابه وأوليائه ، فتضاءلت الدنيا فى أعينهم ، واضمحلت حياتهم الكونية فى نظرهم ،                وفروا إلى الله سراعاً تليية لله ولرسوله ، وأقاموا الحجة بالعمل والقول ، أما العمل : فإقدامهم على السفر مع               رسول الله  ، ]وَقَالُواْ [وأما القول فقولهم : ]حَسْبُنَا آللهُ وَنِعمَ آلوَكِيلُ [وهى الكلمة التى قالوها                        وجدًلا تواجُداً ، وكشف عيان لا علم يقين فقط ، فإن العلم ـ صورة المعلوم على جوهر النفس ـ قد يستتر                  عند المصائب الفادحة حتى يقوز المؤمن بحق اليقين الذى هو عيان بعد بيان ، وفى قولهم : ]حَسْبُنَا آللهُ وَنِعمَ                آلوَكِيلُ [إشارة إلى قوله rفى الحديث القدسى فيما ورد بسند أهل البيت : ( مَن طَلَبَنىِ وَجَدَنِى ، وَمَن                   وَجَدَنِى عَرَفَنِى ، وَمَنْ عَرَفَنِى عَشِقَنِى ، وَمَنْ عَشِقَنِى قَتَلْتُهُ ، وَمَنْ  قَتَلْتُهُ كُنتُ دِيَتَهُ ، وَمَن كُنتُ دِيَتَهُ                        لاَفَرْقَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ ) .

 

وكل مؤمن كامل الإِيمان ؛ يسارع أن يٌقتل فى محبة الله وفى سبيله ، فإذا بواحد منها ؛ كانت أحب إليه                     مما يتمناه أهل العقل الكامل . ومعنى ]حَسْبُنَا [أى : كافينا ، أو يكفينا . ومعنى ذلك أنهم يريدون أن                     يفوزوا بقتلهم فى سبيل الله بطلبتهم العظمى ، وهى عند قوم : الرضوان الأكبر . وعند قوم : أعلى من ذلك مما               لا يعبر عنه ولا يشار إليه . ]وَنَعْمَ آلْوَكِيلُ [والوكيل هو الذى يقوم للإِنسان بما لا يقوى عليه من                         الضروريات والكماليات .

والإِنسان لا بد له من معين يُعينه ، إذ لا سيتقبل بحوائجه الضرورية ، فله وكلاء يقومون بحاجاته من مأكل               ومشرب وملبس ومفرش ومبنى وغير ذلك . والله تعالى هو نعم الوكيل الذى يُعين بفضله فى كل ذلك ،                   فهو الذى أوجدنا من العدم ، وأمدنا بما به طابت لنا الحياة ، من أرض ، وأجواء ، وأرجاء ، وماء ، وهواء ،             ونباتات ، وحيوانات ، ومعادن ، وكواكب ثابتات وسيارات ، وغير ذلك من إحسانه سبحانه . ولما كان                    هذا العمل والحال والقول منهم وجداً لا تواجداً ؛ كان الله تعالى أقرب إليهم من أنفسهم ، ولذلك قال سبحانه                وتعالى :]فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ 000[

 

قوله تعالى: فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو                           فَضْلٍ عَظِيمٍ p174i

 

هذه الآية الشريفة حجة على سرعة إجابة الله لأحبابه وإغاثته لأوليائه . وقد أخبرنا الله تعالى أنه يستجيب                  للذين لآمنوا ، وأن استجابتنا له هى بتوفيقه ومعونته ، واستجابته لنا جلا جلاله هى بإحسانه وفضله ، قال                 .

 

 

 

قوله تعالى : فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ 0000 (174) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبحانه : ]وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ [(1). والمعنى : ويستجيب الله                  للذين آمنوا ، فـ (الَّذِينَ ) فى محل نصب على نزع الخافض بدليل قوله تعالى : ]وَيَزِيدُهُم [فالفاعل فى                 الحالتين هو الله . فهو سبحانه يستجيب لنا ، ونحن نستجيب له بتوفيقه وعنايته ، واستجابة الله لهم هى                   انصرافهم عن ( حمراء الأسد ) ورجوعهم إلى المدينة وهو انقلابهم إليها .

]فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ [النعمة إذا أسندت إلى اسم الذات الأعظم : كانت خاصة بالنعم                          الروحانية ، وإذا أسندت إلى اسم الرب كانت نعم الدنيا والآخرة 00 فمعنى ]بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ [أى : بكمال                 اليقين الحق والفوز بمحبة الله ، فالنعمة هنا : هى نيلهم كمال اليقين ومحبة الله تعالى لهم بدليل قوله سبحانه :             ]فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ [(2)وهؤلاء رضى الله عنهم قد اتبعوه فى أخطر الأوقات وأضيقها ،وكيف لا ؟!                   والقوم كانوا مثخنين بالجراح ، ودعاهم رسول الله rإلى لقاء العدو فلبوا ، وهذا هو الاتباع حقا عند أهل                المعرفة بالله ، واتباع رسول الله rفى هذا الموطن يتفضل الله به على أهل محبته ، وهو أكمل مقام يتفضل به           على رسله والصديقين من خلقه ، وقد قامت الحجة بالآية ، وقد بينت لك فيما سبق أن نعمة الله علينا ؛ هو                محمد r، بدليل قوله تعالى : ]وَآذْكُرُوا نِعْمَتَ آللهِ عَلَيْكُمْ [يعنى محمداً r، بدليل قوله تعالى : ]إِذْ                      كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [(3). فإذا أسندت النعمة إلى اسم الذات كانت خاصة بالعطايا الروحانية كما                 بينت لك .

.

]وَفَضْلٍ [الفضل هنا : هو إحسان الله على العبد بعافية فى بدنه ، ومزيد فى ماله ، وحفظ له من عدوه .                 والصحابة فى تلك الغزوة الأخيرة انصرفوا من ( حمراء الأسد ) بنيل اليقين الحق ، ومحبة الله تعالى ، وهما نعمة        الله فى هذا الموطن . وبمال وفير اكتسبوه بالتجارة فى ( حمراء الأسد ) وبما فيه رحمة فى أبدانهم من جراحهم           لجودة الهواء بها ، وهزيمة أبى سفيان ومن معه ، وهو فضل الله لنا . جدّد الله لنا تلك المواهب ، فإن الآن               أحوج ما نكون إليها ، خصوصاً وقد نفرقت كلمة المسلمين ، وخرج بعضهم على بعض ، وتسليط عليهم                   العدو الظالم الغشوم . أهلك الله أعداء المسلمين .

]لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [السوء هو : ما يلم ببدن أو أهل أو أرحام أو مال من المضار الفادحة ، أو ما                       يشوب إيمان المؤمنين أو عقائدهم ، من سوء الظن ، أو الشك ، أو الريب الذى كان يُنتظر فى مثل تلك                   المواقف ، وهذه منن الله تعالى علينا حيث حفظنا من أن يكر علينا أبو سفيان ومن معه ، ومن أن يحصل لنا               ضرر فى جوارحنا ، أو فساد بسبب هواء ( حمراء الأسد ) أو ألَمَّ بقلوبنا مَا يزعجها ، بل حفظنا الله من جميع            ذلك ، ومَنَّ علينا بسلامة أبداننا ، ووفرة أموالنا ، وحفظ إيماننا كما أخبرنا سبحانه بقوله : ]فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ               مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ [.

]وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ [أى : واتبعوا ما أناهم رضوان الله ، وهو السمع والطاعة لرسول الله r. فإن                   الرضوان هو نتيجة السمع والطاعة ، وكيف ! واتباع رسول الله rبه الفوز بمحبة الله للمتبعين ، وليس                    ــــــــــــــــ

(1)     سورة الشورى آية 26.

(2)     سورة آل عمران آية 31.

(3)     سورة آل عمران آية 103.

     

            

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فوق محبة الله تعالى مقام تشرف إليه أرواح العارفين . قال تعالى : ]قُلْ  إِن   كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي               يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [(1) .

]وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [خبر من الله تعالى أنه منفرد بملك كل شىء ،وأنه غنى عن كل شىء ، فهو                     يتفضل بما شاء على من شاء بغير حساب . وفضل الله تعالى كله عظيم ، لأن فضل الله كما بينت لك متعلق              بجمال الأرواح وفوزها بطلبتها العظمى . وكل ما تراه فى العالم من أعلى عليين إلى أسفل سافلين مما يختص             بالأرواح فى جمالها الروحانى ـ كالعلم ، والشوق ، والعشق ، والهيام ، والوله ، والشهود ، والفناء ،                     والجمع ، والفرق ، وغيره ـ فضل الله تعالى . وأما ما يتعلق بالأشباح ـ من الجنة فما دونها ـ فهو فضل               الرب جل جلاله ، فلا تقف بهم الهمة دون الوصول إلى حضرته العلية .

 

قوله تعالى : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ p175i

 

]إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ [معنى هذه الآية الشريفة أن الله تعالى يبين لأصحاب رسول الله                      r، أن الذين أشاعوا بينهم خبر اجتماع قريش وعزمهم على الرجوع لحرب رسول الله rبعد هزيمتهم فى              أُحد ، إنما تلك الإِشاعة من الشيطان ليخوفكم أولياءه ، وليس للشيطان قوة بعد تأييد الله ونصره لرسوله                    rولأصحابه . وفى هذه الآية الشريفة طمأنينة لقلوب الصحابة رضى الله عنهم ومزيد فى يقينهم . وفى                  قوله : ]يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ [أى : يخوفكم أولياءَه وهو تعبير فصيح ، فإن الشيطان لا يخوف أولياءه ، ولكنه              يخوف بأوليائه .

 

]فَلاَ تَخَافُوهُمْ [ينهانا الله تعالى أن نخاف من أهل الكفر بالله ـ حتى ولو اجتمعوا ـ فكيف نخافهم                        وهم قد ملأ الله قلوبهم جزعاً وفزعاً والتجأُوا إلى الكيد والخداع ؟! وهل بعد تأييد الله ونصرته سبحانه أحبابه              يخاف المؤمن غير الله تعالى ؟ .]وَخَافُونِ [يأمرنا ربنا فى هذه الآية بالمحافظة على أوامره ، والمسارعة إلى القيام     بمحابه ومراضيه ، ومستمدين منه سبحانه عنايته وتأييده وتوفيقه لنا ، حتى لا نتق فيما يغضبه فنستحق العقوبة           سبب معصيته . ]وَخَافُونِ [أى : اتقون أن تقعوا فيما يخالف أمرى ، فإنكم إن سمعتم وأطعمتم كنتم فى حصن            الأمن . قال تعالى : ]أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [(2)ومعنى الخوف منه : المسارعة إلى القيام بما يحبه              ويرضاه . ]إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [أى : إن تحققتم بالإِيمان بى وبنبيّى عليه الصلاة والسلام ، وعلمتم أنَّى أنا                النافع الضار ، وأنى وعدت أهل الإِيمان النصرة والتمكين فى الأرض فى الدنيا ، والنعيم المقيم يوم القيامة .             ومن ثبت لديه حق اليقين لا يخاف غيرى ، ولا يخشى الخلق ولو اجتمعوا عليه .

 

ــــــــــــــــ

(1)     سورة آل عمران آية 31.

(2) سورة الأنعام آية 82.               

        

 

 

قوله تعالى : وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ 000(176) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله تعالى :  وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ

يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ p176i

 

]وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [هذه الآية الشريفة متصلة بالآيات السابقة قبلها من قوله تعالى :                  ]وَمَا أَصَبَكُمْ يَوْمَ آلْتَقَى آلْجَمْعَانِ فَبِإذْنِ آللهِ [إلى آخر الآية ، وكل هذه الآيات من الله تعالى                                للمؤمنين ، وتطمئن به قلوبهم ، وتقوى به عزائمهم غل الجهاد فى سبيل الله تعالى ، وتوكلا على الله أعده الله            للمجاهدين فى سبيله من النصرة والتأييد ، الفوز بالتمكين فى الأرض فى الدنيا ، والنعيم المقيم يوم القيامة .               ومعنى هذه الآية الشريفة  ؛ أن الله تعالى ينهى نبيه rعن أن يحزن مسارعة المنافقين إلى الكفر ، وردة                المسلمين المستضعفين فى مكة ، وبمسارعة كفار قريش إلى محاربة رسول الله r، فإن عملهم هذا مسارعة              إلى الكفر . وهذ1 دليل على أن المرتدين عن الإِيمان بالنفاق ، أو بإعلان الكفر وبمحاربة النبى r؛ محكوم               عليهم بالذل والخزى فى الدنيا ، وبشديد العذاب يوم القيامة ، ولو اجتمع على حربه rمن بأقطارها . وفى                  ذلك حياة لأهل الإِيمان ، وإقبال بالكلية على أن الله تعالى ، ومسارعة إلى الفوز بالشهادة ، ودليل ذلك قوله                تعالى :

]إِِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً [يعنى أن الذين يسارعون فى الكفر من الأنواع التى بينتها لك ؛ لا يقدرون                    على أذية رسول الله rوأصحابه ، لأن الله تعالى معهم ، والحجة فى ذلك أن الله تعالى أقام نفسه مقامهم                  بقوله : ]إِِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً [وأهل الكفر بالله يعتقدون أن الله لن يضره شىء ، فما بقى إلا أنهم كانوا              يسارعون إلى ضرر رسول الله rوأصحابه . وفى قوله تعالى : ]لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً [كمال التأييد                     للمجاهدين ، كما قال تعالى : ]إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه [(1) وقوله تعالى : ]مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ                 فَقَدْ أَطَاعَ اللّه [(2) .

.

]يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ [أى : سبقت إرادة الله لهم فى الأزل بحرمانهم من الفوز بنعيم                   الآخرة ، فلا يوفقهم للإِيمان ولا للسمع والطاعة لرسول الله r. ]وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [أى : وقدر الله                     تعالى عليهم وقوعهم فى العذاب العظيم . ومعنى ]عَظِيمٌ [أى : أنه لا ينقطع أبداً وأنه كلما يتجدد وقت يزيد              ويقوى .

 

قوله تعالى :  إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ p177i

 

]إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ [هذه الآية مرتبطة بالآيات قبلها، ومعناها أن الله تعالى يخبرنا عن اليهود               الذين بين لهم فى كتابهم ـ التوراة ـ نبوة محمد rوصفته ، بعد ذلك كفروا به . وعن المنافقين الذين                   اعتنقوا الإِسلام بألسنتهم فلم تؤمن قلوبهم ، أنهم باشترائهم الكفر بالإِيمان ـ بعد أن ثبت لدى اليهود حقيقة                   ـــــــــــــــ

(1)     سورة الفتح آية 10.

(2)     سورة النساء آية 80.

                        

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نبوته r، وبعد أن أظهر المنافقون الإِيمان به rـ ]لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا [لن يضروا الله بعملهم هذا شيئاً ،             لأن الله تعالى هو الضار النافع ، وأن الخلق أجمعين لو اجتمعوا على قلب أكفر كافر ما ضر ذلك الله شيئاً ، ولو            اجتمعوا على قلب نبى ما نفع الله ذلك شيئا ، وإنما الضرر واقع على من كفر بالله ، والنفع واصل إلى من آمن            بالله وأخلص له سبحانه . والمعنى : أنهم بعد ثبوت دلائل الإِيمان ، وقيام الحجة على صدق رسول الله محمد               rلديهم ؛ رجعوا إلى الكفر فباعوا الإِيمان واشتروا الكفر عناداً من أنفسهم ، لأن أنفسهم نزاعة للشر ،                      مطبوعة على الخبث والجحود . ]وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[يعنى مؤلم ألما فوق الطاقة البشرية ليذوقوا وبال أمرهم                                            وهذا بيان من الله تعالى لأهل الإِيمان ، لتسكن نفوسهم إلى مُنَفّسِهَا جلا جلاله ، وليسارعوا إلى قهر أهل                  الباطل ، وإِعلاء الحق وأهله ، ولا يكون ذلك إلا بقهر تلك النفوس العنادية بالقتل والرّق ، وإعلاء لكلمة الله               تعالى . ومتى عز أهل الحق ذل أهل الباطل ، وبإذلالهم ينال الخلائق مسرات الحياة فى رغد العيش ، وهناءة             الحال ، وسعادة المستقبل . ومتى ظهر أهل الكفر بالله ـ أعاذنا الله تعالى ـ انتشر الهرج والمرج والفساد                 والضرَّر . أذل الله أعداءنا ، ومنحنا العزة التى بشر بها أهل الإِيمان المخلصين .

 

قوله تعالى :  وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأََِّنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ

إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ p178i

.

 

 

]وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ [قرأ بعضالقراء هذه الآية ]يَحْسَبَنَّ [بالياء التحتية ، وعليها يكون                          ]الَّذِينَ [فى محل رفع فاعل ، و ]أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِّنفُسِهِمْ [حلت محل المفعولين  . وقرأ بعضهم                   (يَحْسَبَنَّ )بالتاء الفوقية ، وتكون (الَّذِينَ )فى محل نصب مفعول أول ، والجملة بعدها مفعولا ثانيا  ]أَنَّمَا              نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِّنفُسِهِمْ [أى : إنما نؤخر عنهم العقوبة ، ونطيل لهم زمان الوسعة والرخاء والصبر عليهم ،               لأن الإِملاء حلم الله عليهم ، وصبره عن مباغتتهم بفادح العقوبة ، مع حرمانهم من القابل عن الله تعالى ؛ حتى             يحسبوا أنهم على الحق ، وأم كفرهم بالله ورسوله rهو الذى نالوا به عاجل الحياة الدنيا . فنفى الله تعالى                هذا الحسبان عنهم ، وبين ما قدّره عليهم ؛ من أن ذلك الإِرجاء للعقوبة ونيل ما يفرحهم إنما هو شر لا خير ،             كما قال تعالى : ]حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ [(1)وهو الاستدراج الذى أخبرنا             الله عنه بقوله : ]سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [(2)وهو الحقيقة فى نفس الأمر ، لأنه مبلغ علمهم أن                هذا خير فى نظرهم ، ولكن هذا العلم هو الجهل ، لأنهم علموا غير الحقيقة فى نفسها . و(ما ) فى قوله تعالى             ( إِثْمًا )مصدرية ، والجملة بعدها مؤولة بمصدر كما بينت لك . وجائز أن تكون موصولة ويكون العائد                   محذوفا تقديره : نمليه لهم . وهذا الآية برهان على أن الله تعالى هو الضَّار النافع ، وهو الهادى المضل ، لا يُسأل         عما يفعل .

]إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا [(إِنَّمَا )هنا للحصر ، و]نُمْلِي لَهُمْ [أى : نؤجل عقوبتهم ، واللام  فى                  قوله : ]لِيَزْدَادُواْ [لام العاقبة ، أى : لتكثر أوزارهم وخطاياهم بالوقوع فى أنواع من الكفر بعد الكفر بالله                ــــــــــــــــ

(1)     سورة الأنعام آية 44.

(2)     سورة القلم آية 44.

قوله تعالى : مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ 00 (179) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورسوله ، كمحاربة الله ورسوله ، والصد عن دين الله تعالى ، وتثبيط المؤمنين عن الجهاد ، والدعوة إلى                 الكفر . وكل تلك الكبائر متصله بالكفر بالله والاستدراج أعاذنا الله منه ، قال r: ( إِنَّ آلله لَيُمْلِى لِلظالِمِ                   حَتَّى إِذَا أَخَذَه لَمْ يُفْلِتْهُ ) .

]وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [هذه ألآية برهان على أن الأمر مُقَدَّرٌ أزلاً . ]وَلَهُمْ [أى : فى سابق القدر ،                      و ]عَذَابٌ مُّهِينٌ [أى : عذاب يجمع الله به عليهم شديد الآلام الجسمانية ، والآلام النفسية والقلبية : من                    الذل ، والخزى ، والمهانة ، والندم ، والهم ، والحزن ، والأنواع التى تضارع آلام الحطمة للقُوى التى لا تتألم             بسعير النار ، قال تعالى : ]إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [(1)                              ورؤية تلك الأعمال فوق الآلام النارية ، وهو ما يستحقونه عدلاً بسبب كفرهم ، ووقوعهم فى الكبائر التى                 كل واحدة منها يقع فيها مرتكبوها ، وقد تقدم ذكر تلك الأعمال التى أملى الله لهم حتى وقعوا فيها ، وهى :                 محاربة رسول الله r، وتثبيط المؤمنين عن الجهاد ، بعد الكفر بالله تعالى ، ونشر دعوة الكفر .

 

قوله تعالى :مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا

كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن

تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ p179i

 

هذه الآية الشريفة متعلقة بالآيات السابقة فى غزوة أُحد ، ولما كانت غزوة أُحد فيها أحداث                                 فادحة ؛ من القتل والجراح والهزيمة ؛ ودعوة رسول الله rالصحابة إلى الهجوم على قريش بعد أن أصابهم ما           أصابهم ، ثم دعوة الصحابة إلى غزوة بدر الصغرى لميعاد أبى سفيان ؛ أنزل الله تلك الآية ليسر المؤمنين بحكمة          وقوع تلك المصائب فقال سبحانه :]مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ[أى : ليتركهم ويدعهم               من غير أن تنكشف لهم ضمائر المنافقين الذين يظهرون الإِيمان ويخفون الكفر ، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر ،          والمؤمنون يثقون بهم ، ويعتبرونهم إخوانا ، حتى قّدَّر الله تعالى كشف الستر عن أعدائه المنافقين فى غزوة أُحد           وبيّن ذلك بقوله تعالى : ]حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [أى : حتى يظهر للصحابة ما عليه ضمائر                       المنافقين ، وهو بيان جلىّ مؤيد العملية التى تجعل الصحابة لا يخدعهم نفاق أهل الكفر بالله ، الذين                       يظهرون الإِيمان  ويخفون الكفر ، بعد أن كشف الله الستر عنهم .

]وَمَا  كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [أى : أن الله سبحانه وتعالى ستار عيوب الخلق ، حتى                             يكشفها سبحانه وتعالى لأوليائه بعمل النافقين .

والغيب غيبان :

1- غيب الأقدار : وهذا الغيب لم يطلع الله عليه أحدا على وجهه الأكمل ، إلا ما يظهره الله تعالى على                    ألسنة المتوسمين ، أو ما تطمئن إليه قلوب أهل الإِخلاص فيشيرون ‘ليه ، أو يُعلِمُ الله به رسله الكرام عليهم                ـــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 166.

         

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلام وورثتهم ، مما تدعو إليه ضرورة حفظ الدين ، أو حفظ المسلمين  من كيد أعداء الله ، ويكون ذلك                  بالنسبة إلى الرسل معجزة ، وإلى أولياء الله كرامة .

 

ومعلوم أن الرسل متعبدون بإظهار المعجزة ، الأولياء متعبدون بإخفاء الكرامة ؛ إلا فى مثل تلك                            الضرورات الفادحة ؛ كما فعل عمر رضى الله عنه حين قال : يا سارية الجبل . وكما فعل علىٌّ عليه السلام عندما          سأله السائل وهو على المنبر من أبى ؟ فصَّرح له . وكما فعل رسولُ رسولِ الله rحين قابله السبع فقال له :            ]إِنَّى رَسُولُ رسولِ آللهِ [فبصبص وانصرف . وتلك الكرامات فضل من الله على أفراد أمة محمد ، لا ينكرها             إلا من حُرمها .

2 ـ والغيب الثانى هو غيب الجمال ، والجلال ، والبهاء ، والنور ، والضياء ، والكمال ، وهى الغيوب                    التى أطلع الله عليها من اجتباهم من أهل الإِيمان ، فهيمهم عند مطالعة تلك الغيوب ، وحيَّرهم فيما أشهدهم                  من كماله العلىّ جل جلاله .

ظهر لك أن غيب الأقدار ، لم يطلع الله عليه العامة الذين لم يشهدوا أنوار التوحيد ، ولم يتذوقوا علوم                        اليقين ، قال تعالى : ]  فَلاَ يَظْهِرُ عَلَى أَحَداً إِلاَّ مَن آرْتَضَى مِن رَّسُولٍ [(1)وقال تعالى مخبراً حبيبه عليه                 الصلاة والسلام : ]وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ آلْغَيْبَ لاَ سْتَكْثَرُتُ مِنَ آلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ آلسُّوءُ [(2). ]وَمَا كَانَ آللهُ                    لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى آلْغَيْبِ [أى : غيب الأقدار ، لأنه سبحانه وتعالى أطلع أصحاب نبيه على غيب أسمائه وصفاته                وآياته حتى بلغوا مقام اليقين الحق .

]وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء [معنى الآية أن الله يختص بعض رسله ، فيقيمهم لتبليغ الناس               عنه ما به نيل محابه ومراضيه سبحانه ، ويقيم بعضهم للتبليغ وقهر أعدائه بالجهاد لمحو الجبابرة الطغاة المنازعين         للربوبية ، حتى يمحو الظلم والتظالم ، والكفر والجحود ، فينتشر الإِسلام ويعم النور . وبسبب الجهاد يمحص               الله أهل الإِيمان به ، ويظهر أهل النفاق والكفر لأوليائه المؤمنين . وهذه الآية متصلة أيضا بالآيات السابقة فى              غزوة أُحد ، إظهاراً لحكمة الله فيما أصاب به الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين يوم أحد ، فإن أحداث أُحد               اتخذها أهل النفاق وأهل الكفر بالله وسيلة لفتح أبواب الفتن المضلة بين المؤمنين ، ولله تفضل قثبت قلوبهم                   وقوى إيمانهم بما أنزله من تلك الآيات السابقة .

]فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ [هذا أمر من الله تعالى ، وجائز أن يكون لأهل الإِيمان ، ويكون المراد منه محو ما                  اعتورهم من فتن المنافقين والكافرين التى فتحوها بسبب أحداث أُحد ، ويكون المراد من الإِيمان طمأنينة                    القلوب ، لأن الإِيمان شىء ، وطمأنينة القلب شىء آخر ، كما قال الخليل عليه السلام : ]بَلَى وَلَكِن لّيَطْمَئِنَّ                 قَلْبِى [(3)أى : أنا مؤمن ، ولكنى أرجو البيان ـ كل البيان ـ ليطمئن قلبى ، والله يقول : ]فَأَمِنُوا بِاللهِ                     وَرُسُلِهِ [بعد أن اطمأنت قلوبهم بتلك الآيات التى كشف الله لهم فيها الحكمة فى إحداث تلك البلايا .                       ]وَرُسُلِهِ [بيان لنا أن نؤمن بكل رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم إيمانا موقنين أن الله أرسلهم من عنده               ـــــــــــــــ

(1)     سورة الجن آية 26 ـ 27 .

(2)     سورة الأعراف آية 188 .

(3)     سورة البقرة آية 260 .

 
قوله تعالى :  وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ 000 (180 ) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لتبليغ الخلق عنه ما يحبه منهم ، وهذا الإِيمان لا يكمل إيمان مسلم إلا به ، ولا يقتضى أن نتبعهم فيما أُنزل                عليهم بعد أن بين الله لنا ما بينه فى القرآن ، وبين لنا رسول الله فى السنة ، واللهم إلا ما يتعلق بمكارم                الأخلاق ، وفضائل الأعمال ، التى ليست واجبه ولا مرغبا فيها . وقد بينت لك فى كتاب :(وسائل إظهار                 الحق ((1)أن الله تعالى أرسل الرسل فى كل زمان ليجدد للناس ما أهّلهم لتلقيهم عنه سبحانه ، حتى أرسل خاتم           الرسل عليه الصلاة والسلام ، فأكمل لنا والحمد لله أمر ديننا ، وأتم علينا نعمته ، فنسخ بالقرآن المجيد ما نسخ              مما أنزله على الأمم السابقة ، فكان القرآن هو كتاب الله الجامع لكل ما يجب لله على الناس ، وبيان ما وعد به              من آمن به سبحانه وبرسله ، ووعيد من جحد وخالف .

وجائز أن يكون قوله تعالى : ]فَئَامِنُوا بِآللهِ وَرُسُلِهِ[لغير أهل الإِيمان ، لأن قول الله تعالى : ]وَلكِنَّ آلله                    يَجتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ [أى : يطلع من يشاء على غيب القدر ، فيعلمون ضمائر المنافقين وسوء                        نواياهم ، ويبينون ذلك لأهل خاصتهم ، وفى ذلك معجزة تجعل أهل العقول يؤمنون بالله ورسله . وما بيناه فى              الآية أن الله تعالى يكشف ستره عن أهل النفاق ، فتنكشف حقيقتهم للمؤمنين ، بسبب ما يبتلى الله به عباده                  الصالحين من ظهور الكفار عليهم ، كما حصل فى وقعة أُحد فيفتضح المنافقون ، ويظهرون مكنون ضمائرهم ،             ثم يًسلط الله نبيه وأصحابه على الكافرين ، والله ولى المؤمنين .

]وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ  [أى : أنكم أيها المؤمنون إن تتوبوا وترجعوا عما اعتراكم من                            الحزن بسبب أحداث أُحد ، بعد أن بين الله لكم الحكمة فى وقوع تلك المصائب ؛ فلكم أجر يتفضل الله به                   عليكم ]عَظِيمٌ [وهو النعيم الدائم يوم القيامة للروح ، والعقل  ، والنفس ، والجسم ، والحس ، لكلًّ قسط                    يناسبه من المسرات . وجائز أن يكون مراد الله تعالى : ]وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ [أى : تصدقوا وتتقوا الله أيها                 المنافقون بعد أن قامت الحجة من حكمة وقوع تلك الحوادث ، ومن بيان رسول الله rخفيات ضمائركم                  وكشف أسراركم مما لم يكن يعلمه إلا الله ، وكفى بذلك معجزة تملأ القلوب يقينا ]فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [أى :                جزاء كبير من الله تعالى .

                     

قوله تعالى :   وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ

شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ  وَالأَرْضِ  وَاللّهُ بِمَا

تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ   p180i

]وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ  [قرىء : ]يَحسَبَنَّ [بالياء                                                            التحتية ، والتاء الفوقية . وعلى رواية التاء الفوقية ]يَحسَبَنَّ[يكون المخاطب رسول الله r، ويكون                   المعنى : ولا تحسبن بُخل الذين بخلوا بما آتاهم الله هو خيراً لهم . فـ : بُخل ، المحذوف الملحوظ هو المفعول              الأول لـ ]تحسبن[و ]خًَيراً[الأخيرة مفعول ثان ، وهو فصل أو عماد على الكوفيين أو البصريين .                  وفى قوله تعالى ]بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ[أى : من العلم والمال والجاه والعافية . وإن كان سياق الآية هنا                    ــــــــــــــــــ

(1)     يطلب وجميع مؤلفات الإِمام المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم من مكتبة دار المدينة المنورة 114 ش مجلس الشعب .

 
 
]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يخص المال فقط ، لأنه أتى بعد الحث على الجهاد وبيان فضائله ، فناسب أن البخل بما آتاهم الله هو إمساك المال          عن أن ينفق فى سبيل الله تعالى ، ليعين المجاهدين فى سبيل الله . والبخل : هو عدم القيام بالواجب كزكاة                  المال ، وتقديمه لمساعدة المجاهدين فى سبيل الله كما قال تعالى : ]خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم                بِهَا [(1)وأهل اليسار يجب عليهم أن يجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، والفقراء سقط عنهم الجهاد                  بالمال ووجب عليهم الجهاد بالنفس ، قال تعالى : ]لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [.

وعلى المال حقوق كثيرة ، ومن ظن أن المال ليس عليه حقوق إلا الزكاة فقد جهل الواجب عليه من نفقة                   فى الجهاد ، وفى البر ، والصلة ، ومساعدة الغرباء ، وفى العقل(3)للدية ، وإكرام الضيف والجار ، وإغاثة               المستجير وغيرها . مما يقتضيه واجب الوقت . وإلا فالمال مال الله ، يضعه فى أيدى الرحماء من عباده ،                  والفقراء عاليه ، منع المال من أيديهم ووضعه فى أيدى الأغنياء ، وكم رأينا بيوتا مشيدة عامرة هوى بها الظلم             فأصبحت خاوية على عروشها ، قال تعالى : ]وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [(4)ومن أحب                المزيد من الخير فى الدنيا ؛ شكر الله بأن يرحم الفقراء بفضل ماله . ومن أراد السعادة الباقية فى الآخرة ؛                 سارع إلى القيام بمحاب الله ومراضيه ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

وعلى تأويل من قرأ  ]يَحْسَبَنَّ [بالياء يكون الفاعل ضميراً يعود على رسول الله rمحذوفا ، أو ضمير :               أحد ، ويكون المعنى : ولا يحسبن رسول الله بخل الذين يبخلون ، وحذف : بخل ، لدلالة ]يَبْخَلْونَ [عليه .               أو : ولا يحسبن أحد بخل الذين يبخلون . وجائز أن يكون التأويل : ]الَّذِينَ يَبْخَلُونَ[فاعل يحسب ،                      والمفعول الأول محذوف تقديره : بخلهم ، وحذف لدلالة : ]يَبْخَلْونَ[وَ ]خَيراً [مفعول ثان والضمير                      فصل أو عماد . يعنى أن البخل فى نظرهم يرونه خيراً ، لأنه يحفظ لهم أموالهم التى هى عندهم فوق أنفسهم ،              لأنهم جهلاء بأنفسهم ، كفار بالله ورسوله . ولا تجد إنسانا يجهل نفسه ، ويجهل نشأته الأولى والثانية ؛ إلا                  ويرى المال معبوداً من دون الله ، يبذل حياته العزيزة حرصاً عليه ، وما تقول فيمن يجهل يوم القيامة ؟ كما قال            تعالى : ]بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[(5)وقوله تعالى : ]كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا[(6)ولذلك شنع الله                   عليهم ، وتوعدهم بقوله :

 

]بَلْ هُوَشَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [وعنى هذه الآية : سيعاقبهم على بخلهم هذا يوم                          القيامة بما يستحقونه من ألم العقوبة على بخلهم ، وهو امتناعهم عن أن ينفقوا مال الله الذى تفضل به عليهم ،               بدليل قوله تعالى : ]بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ [فإن الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر . وأهل اليسار فى           الدنيا وأهل العافية والجاه والنزلة ، تفضل عليهم بكل ذلك ، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ، ولكن                الإِنسان ظلوم جهول ، يدعوه الشرك بالله إلى اعتقاد أنه هو الذى نال المال والمنزلة والجاه بحوله وقوته ، فيبخل           أن ينفقه فى وجوه الخير ، وينسى أنه كان نطفة مذرة ، وأنه سيعود جيفة قذرة . ولك أن تقول : ]سَيُطَوَّقُونَ              مَا بَخِلُوا [أى : به يوم القيامة ، فيجعل الله لهم فى أعناقهم أطواقا مما بخلوا به ، فتكون أفاعى وحيات كما ورد             ــــــــــــــــ

(1)     سورة التوبة آيةن 103 .

(2)     سورة البقرة آية 286 .

(3)     العقل : من العاقلة وهم أهل الجانى .

(4)     سورة الشورى آية 30 .

(5)     سورة ص آية 26 .

(6)     سورة الجاثية آية 34 .

قوله تعالى : لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ 0000 (181) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك فى الجحديث . وقد تكون تلك الأطواق فى كل أجسامهم من الأعناق إلى الأقدام ، أعاذنا الله من ذلك .                 وإذا كان ما بخلوا به مما تفضل الله به عليهم من المال ، والعلم ، والجاه ، والعافية ، فيكون تطويقهم به إلقاؤهم            فى العذاب الشديد الذى يطوقهم ، يقول العربى : فلان طوق فلاناً ، أى : قهره . وقوله تعالى : ]يَوْمَ                      آلْقِيَمَةِ [أى : أن الله يمهلهم فى الدنيا استدراجاً لهم ، وفى يوم القيامة يؤاخذهم بتركهم القيام بالواجب عليهم                فى مالهم الذى هو العدة فى الجهاد ، فينتقم الله منهم بعدله يوم القيامة .

]وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ[معلوم أن ملك السموات والأرض لله ، ولله ما فيها ، وله سبحانه                   من فيها . ولما كانت تلك الآيات الشريف أنزلها الله للتشنيع على من بخلوا بالمال أو يبذلوه فى سبيل الله تعالى ،            قال سبحانه : ]وَللهِ مِيراثُ آلسَّمَوَاتِ وَآلأّرْضِ [أى : له سبحانه ما يتوارثه الناس من بعضهم بحسب                      زعمهم أنهم يملكون ما يرثون ، وأنهم بعد ذلك يموتون جميعا فلا يخلفهم أحد يرثهم ، فيكون لله تعالى ،                   ويكونون ظلموا  أنفسهم ببخلهم ، وتركهم الإِنفاق فى سبيل الله تعالى ، وبذلك يستحقون أليم العذاب ،                       فيكون ما يحل بهم من العذاب بسبب ما كانوا يحسبونه خيراً لأنفسهم من البخل الذى أوقعهم فى هذا العذاب                 الشديد . ولو كانت نفوسهم من الجواهر النورانية ، لقبلت عن الله تعالى ما أرسل به رسله عليهم الصلاة                   والسلام . والهوى أخو العمى .]وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[قرىء الفعل بالياء التحتية ، وبالتاء الفوقية ،                    والمعنى ظاهر إن كان للخطاب او للغيبة . وقد تقدم تفسير ذلك فى السورة التى تذكر فيها فى البقرة(1).

 

               قوله تعالى : لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ

               وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ p181i

بعد أن بين سبحانه فضل الجهاد فى سبيله ببذل المال والنفس ، وشنع على من بخلوا بالمال وثبطوا                         المجاهدين ، بين لنا سبحانه الشبه التى تذرع به أهل النفاق وغيرهم من أهل الكفر بالله فى فتح أبواب الفتن بين             المسلمين ، فيدخلون فى قلوبهم الريبة فى صحة نبوة رسول الله r، بسبب ترغيب الله المسلمين فى بذل                   المال فى سبيله تعالى ، فقالوا : إن كان محمد نبيا ، فكيف يطلب المال ، وطالب المال محتاج إليه ، والله غنى لا              يحتاج إلى المال ، فنتج عدم صحة نبوته ‍‍!! .

 

وقال اليهود : إن كان محمد نبيا وطلب المال ، فإنما يطلبه لتنزل نار من السماء تحرقه كما هى عادة الأنبياء               السابقين !! وتلك الفتن أباطيل يحفظ الله من شرها قُلوب أهل الإِيمان به . وما يدعونه من نزول النار ، فإنما               كان فيما يقر به الأمم السابقون من أنفسهم لتطمئن قلوبهم بقبولها ، كما فعل قابيل وهابيل وغيرهما . أما ما                 يكلفنا الله تعالى به لتقوم لنا الحجة عنده سبحانه بأننا سمعنا وأطعنا ؛ أو تقوم على أعدائه الحجة بأنهم خالفوا                 وأنكروا ؛ فذلك مما يبتلى الله عباده به من الخير والشر . قال تعالى  ]وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَة [(2)والله              جل جلاله يكلف من شاء بما شاء ، ويسلبه التوفيق والهداية ، حتى ينتقم الله منه يوم القيامة بما قدّره عليه                عدلاً منه جل جلاله .

ـــــــــــــــ

(1)     راجع الجزء الثالث من ( أسرار القرآن ) ص 36 .

(2)     سورة الأنبياء آية 35 .

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والله تعالى يسمع ويرى دبيب النملة السوداء فى الليلة الظلماء على الصخرة الملساء ، ولكن قوله تعالى :                 ]لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ[هنا ، أى : أحاط علما بقوله من الأزل ، وأبرزه سبحانه وتعالى على ألسنتهم عندما            أنزل تلك الآية الشريفة ، والله تعالى يسمع سماع إجابة ، كما قال سبحانه : ]قّدْ سَمِعَ آللهُ قَوْلَ آلَّتِى تُجَدِلُكَ                 فِى زَوْجِهَا [(1)ويسمع سماع مؤاخذة كما فى هذه الآية الشريفة . وهنا أخبرنا الله تعالى عن مقولهم ـ أى                 اليهود ـ بدليل قوله تعالى مخبراً عن اليهود : ]وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [(2)وهى دليل على                    أنهم هم ]الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء[قاتلهم الله ، وهم يدعون أنهم أتباع موسى عليه السلام ،                       وكيف يدرسون التوراة ويحكمون بالفقر على الله تعالى ؟!!.

والذى يظهر لى أنهم ـ قاتلهم الله ـ إنما أرادوا بذلك فتنة أهل الإِيمان ، وإيهام كذب رسول الله r.                لأنهم يعلمون حق العلم أن الله غنى عن العالمين ، وأنه جل جلاله يمتحن قلوب عباده بما يكلفهم من الأمر                 والنهى ، فمن سمع وأطاع جمله بجماله ، وأشهده غيبه المكنون ، وصرّفه فى ملكه وملكوته . وإنما هو الفضل             والعدل ، فمن أقبل على الله بقلبه عاملاً فى محابه ومراضيه ؛ ستر قبائحه بجماله العلى ، فلا يراه راءٍ إلا وانجذاب         إليه قلبه بالمحبة . ومن أدبر عن الله وأنكر ؛ كشف عنه ستره وأظهر عيوبه للخلق ، فلا يراه أحد إلا وانزعج               منه وأنكر عليه . وقد ورد فى الآثار : يقول تعالى : ]يَا دُنْياَ آخْدُمِى مَنْ خَدَمَنِى وَآسْتَخْدِمِى مَنْ                           خَدَمَكِ [وإنما هو الجهاد ، والصبر على شدائده ، ثم التمحيص ، ثم الاجتباء ، ثم الاصطفاء ، حتى يبلغ                    العبد من الله مبلغا يقول الله له : أنا أقول للشىء كن فيكون ، وقد وهبتك كلمتى فقل للشىء كن فيكون .

]وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [هذه الكلمة قد يقولها الجاهل بلسانه أو بحالخ ، أما بلسانه فلأن اليسار والعافية والأمن                     تطغى العبد الجاهل فتنسيه نشأته الأولى والثانية ، ويجهل نفسه وربه ، فيقولها بلسانه عناداً وكبراً . وقد يقولها               بحاله وإن لم يقلها بلسانه ، وذلك إذا جهل استناد وجوده إلى واجب الوجود الذى أوجده وأمده سبحانه ،                    فيظن البقاء فى يسار وعافية وأمن ، ويظن استغناءه عن الله تعالى ، وكلا الأمرين شرك . فإذا سبق فى قدر الله             تعالى للعبد سعادة ، ابتلاه الله ليلتجىء إليه سبحانه ويقبل ، فيخرجه من ظلمات الطغيان والغرور ؛ إلى النور               التوبة والإِنابة ، ومن لم يسبق له القدر بالسعادة استدرجه حتى يهلك . أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من الغرور             بالدنيا .

]سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْوَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء [أى : نسجل عليهم قولهم الذى أثبت عليهم الكفر ، وأوجب                                  عليهم العذاب الدائم ، ونكتب عليهم أيضا قتلهم الأنبياء بغير حق ، فإنهم ـ قاتلهم الله تعالى ـ بلغ بهم العناد                لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم مبلغا جعلهم يقتلونهم ويجحدون بالله تعالى مع دراستهم التوراة .

ولا تعجب ، فإن النفوس الإِنسانية كثرت أنواعها حتى فاقت أنواع الخلائق أجمعين ، فما شئت أن ترى                    إنسانا قد فاق الملائكة إلا رأيته ، وما شئت أن ترى إنسانا شرا من إبليس إلا رأيته ، وما شئت أن ترى إنسانا              أضر من الوحوش الكماسرة إلا رأيته ، وما تقول فى إنسان بلغت به الجهالة بنفسه إلاّ أن يبنى مرتفعا من الطين            ليصل إلى ربه فيقتله بحربته ؟ .

ـــــــــــــــــ

(1)     سورة المجادلة آية 1 .

(2)     سورة المائدة آية 64 .

 

 

 

 

قوله تعالى : ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ 000 (182) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإِنسان مَلَك وأفضل ، وشيطان وأشر من الشيطان ، ووحش وأضر ، وجماد وأسفل . فالإِنسان ـ مع                    صغر حجمه بالنسبة للعالم ، وكثرة ضرورياته إلى ما أحاط به ـ قد جمع الحقائق كلها . ومادام الإِنسان فى                الإِنسانية فهو جاهل بنفسه ، جاهل بربه ، حتى يخرج من سباجها الظلمانى ، قال تعالى : ]إِنَّ آلإِنسَنَ لِرَبِّهِ                لَكَنُودٌ [(1)ومن خرج من إنسانيته وتشبه بالعالم الروحانى ؛ كان إنسانا كاملا فوق العالم أجمع ، فيمنحه الله                معيته ، أو عنديته سبحانه ، أو لدنيته ، قال تعالى : ]إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا [(2)وقال سبحانه : ]إِنَّ آلَّذِينَ             عِندَ رَبَّكَ [(3)وقال جل جلاله : ]وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [(4).

 

]بِغَيْرِ حَقٍّ[القتل بحق محصور فى ثلاثة أمور :الأول : أن يرتد المسلم عن دينه فيُقتل بحق . الثانى : أن                يَقتل إنسانا فيُقتل حدا بحق . والثالث : أن يزنى وهو محصَنٌ فيُرجم حدا بحق .

والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم الدعاة إلى الله حقا ، والرحماء على الخلق ، والمضحون بكل غال ورخيص            فى سبيل نجاة الخلق من عذاب الله ، فالواجب لهم أن نسمع منهم ، ونطيعهم ، ونجاهد هوانا فى هواهم ،                 ونسلب من أنفسنا العواطف إذا دعتنا إلى مخالفتهم ، ونهجر ملذاتنا وشهواتنا مسارعة إلى تنفيذ أوامرهم ،                 فكيف يبلغ بالإِنسان الهوى والحظ أن يقتل أمثال هؤلاء وقتلهم كفر وضلال وباطل ؟ !!. لذلك يقول سبحانه                        ]بِغَيْرِ حَقٍّ[.

]وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ [هذه الآية خبر من الله تعالى عما يكون يوم القيامة لأهل الكفر عند                       حشرهم إلى جهنم ، فيحيط بهم العذاب من كل جهة ، وتكون آلامهم أشد عندما يسمعون هذا الكلام من                    الله تعالى ، ففى هذا الحال يشتد بهم البلاء ويتمنى كل واحد منهم أنه كان ترابا ولم يكن إنسانا ، ولات حين               مندم . وجائز أن يكون هذا الكلام عند الموت وذلك عندما ينكشف حجاب الكون عن الإِنسان ، بالموت ،                  وأن يكون عند البعث . و ]الْحَرِيقِ [فعيل بمعنى فاعل ، يعنى : آلمُحْرِق .

 

قوله تعالى : ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ p182i

 

]ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [الإِشارة عائدة إلى الوعيد بأليم العذاب ، و ]بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [أى :                              بذنوبكم التى كبلتم أنفسكم بها ، وتلك الذنوب من ذنوب القلوب والجوارح ، ولما كانت الأيدى هى آلات                   العمل أسند الفعل إليها . ]وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [نفى الله عنه بهذه الآية الظلم ، لأن الظلم :                         التصرف فى كلك الغير ، وهو سبحانه تفضل ، وأحسن ، ورحم ، وأعطى المزيد من إحسانه ورحمته ببعثة              الرسل لبيان السبل ، وللأمر بما يحب ، والنهى عما يكره ، لنيل السعادة فى الدنيا والآخرة ، فأبى القبول من               الرسل من لا خلاق لهم ، بعد قيام الحجة ووضوح المحجة ، وبعد الإِمهال ، والحلم ، والصبر من الله جل                 ـــــــــــــــــ

(1)     سورة العاديات آية 6 .

(2)     سورة النحل آية 128.

(3)     سورة الأعراف آية 206.

(4)     سورة النمل آية 6.

 

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جلاله ، بل وبعد أن قصمت المعجزة ظهور أهل الإِنكار . فمؤاخذة مَن هذا شأنهم عدل ، وليس للعبد بعد                  هذا البيان كله إلا أن يحكم على هؤلاء أن هذا الوعيد بالعقوبة ، بل ووقوع العقوبة بالفعل عدل من حَكَم                  عدل ، رءوف رحيم ، حليم صبور .

 

قوله تعالى: الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ  تَأْكُلُهُ

النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ                                                        إِن كُنتُمْ صَادِقِينَp183i

 

هذه الآية الشريفة ما حقة للفتن المضلة ، التى فتح بابها شر أهل اليهودية بعد الفتنة الأولى فى الآية السابقة ،             وهى مسألة المال كما قررت لك . وتقرير تلك الفتنة : أن كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ومالك بن                 الصيف ، ووهب بن يهوذا ، وزيد بن التابوت ، وفنحاص بن عازوراء وغيرهم ، أتوا رسول الله r                     فقالوا : يا محمد ، تزعم أنك رسول الله ، وأنه تعالى أنزل عليك كتابا ، وقد عهد الله إلينا فى التوراة أن                   لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، ويكون لها دوى خفيف تنزل من السماء ، فإن جئتنا بهذا                  صدقناك ، فنزلت هذه الآية كما ورد ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما .

و ]الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ  تَأْكُلُهُ النَّارُ [هم من ذكرتُ                         لك قبل ، فقصهم الله ظهورهم ، ورد عليهم بالحجة القاصمة وهى قوله تعالى : (قُلَ ) يا محمد هؤلاء الضالين            المضلين : ]قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [يعنى                        سبحانه وتعالى أن الله تعالى أرسل لسلفهم رسلاً أيدهم بالمعجزات ، وبكتب سماوية ، بإنزال النار من السماء              تأكل ما قربوه ، ومع ذلك فإن سلفهم لم يقبلوا منهم الهدى أو يتركوهم سالمين ، بل إنهم قتلوهم ، فوقعوا فى               الكفر بالله وبرسله ، وفى محاربة الله تعالى بقتل أنبيائه ، وهذا دليل على أن نفوسهم عنادية خلقت من طينة                 الخبال . حتى لو أشرقت لهم الشمس ضحوة فى رابعة النهار ، ودعوا أن يؤمنوا أنها شمس لأنكروا وعاندوا ،             قال تعالى : ]وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا [(1). وهل بعد الحق إلا الضلال ؟ وما أرسل الله الرسل                 إلا ليبينوا سبله ، ويعلّموا الناس أحكامه سبحانه . ]بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ [بينت هذه الآية الشريفة أن                    الرسل السابقين عليهم الصلاة والسلام ؛ لم تكن معجزاتهم جميعا إنزال النار من السماء ، بل كانوا يأتون                 بالبينات التى هى المعجزات غير إنزال النار فى قول بعض العلماء : إن فى التوراة نزول النار شرط إلا فى رسالة عيسى ومحمد r.

 

قوله تعالى :فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ

الْمُنِيرِ p184i

]فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ [هذه الآية أنزلها الله تعالى طمأنينة لقلب حبيبه محمد r،                        لما كان يحصل له من الحزن بسبب تكذيب أهل الكفر له ، لحرصه على نجاتهم من عذاب الله تعالى ، وقد أزال          ــــــــــــــ

(1) سورة الكهف آية 17.

قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ 0000 (185) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الله عنه ما كان يلم به من حزن بهذه الآية الشريفة ، فإن الله تعالى يقول له r: إن الذين سجل عليهم                   القضاء ـ يعنى يكونوا كفاراً من الأزل ـ لا يقبلون الهداية من أى نبى ظهر فى أزمنتهم . وهذا من لدن                  الإِنسان الأول : فقد قتل قابيلُ هابيلَ ، وكُذِّب شيث عليه السلام ، ونوح وإبراهيم ولوط وهود عليهم السلام               من بعدهم ، ولا يزال الإِنسان ولن يزالوا يشرك أكثرهم . قال تعالى : ]وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [(1)                     وقال تعالى : ]فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [(2)وقال تعالى : ]فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ                        إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [(3)ولم يقل لرسول الله سواه عليه الصلاة والسلام هذه الآيات ، وإنما قيلت له           صلوات الله وسلامه عليه ؛ لأنه مجمل باسمين من أسمائه وهما : الرءوف الرحيم ، لأنه rحريص على إيمان           العالم أجمع . أما الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ؛ فكان كل رسول كذّبه قومهُ دعا عليهم فأهلكهم الله                   تعالى ، إلا يونس بن متى عليه السلام ، فإن الله أنجى قومه بعد دعائه عليهم . وكان رسول الله rلحرصه               إذا آذاه قومه قال : ]آللَّهُمَّ آهْدِ قَوْمِى فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [فهذه الآية وما يماثلها فى القرآن المجيد كمال                      تلطف من الله تعالى لحبيبه r، لما يعلمه سبحانه وتعالى فيه من الرحمة والحرص ، ولما قدره على أكثر                الخلق . ]جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [فالبينات هي ، المعجزات الباهرات التى منها إنزال النار .              ]وَالزُّبُرِ [يعنى الكتب السماوية ، أو هى الصحف ]وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [التوراة والإِنجيل . وفى قوله تعالى :               ]بِالْبَيِّنَاتِ [هنا ، وذكر الزبر والكتاب بعدها ، برهان على أن الأنبياء السابقين عليهم السلام كانت دعوتهم               غير حجتهم ، ولم ينزل الله تعالى على نبى كتابا جامعاً للدعوى والحجة إلا على سيدنا محمد r، فإن القرآن             المجيد دعوى محجة ، حتى أن أقصر سورة منه معجزة لفحول اللغة العربية . وفى هذه الآية الشريفة دحض              لدعوى منكرى نبوته r، وبرهان على أنه خاتم الرسل وسيدهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ، وفى                 هذه الآية دليل على أن الله تعالى أرسل الرسل لتقوم الحجة لله على أهل الشرك وليميز الله الطيب من الخبيث .

 

           قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ

           النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ p185i

 

]كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ [هذه الآية الشريفة تسلية لرسول الله rعلما أصابه من الحزن بسبب                            تكذيب أعداء الله له r، لأنه عليه الصلاة والسلام بتحققه موت كل نفس تحصل له المسرة ، لما يناله أهل               الإِيمان بالله من السعادة الباقية ، وما يصيب أعداء الله من العذاب الأليم .

 

وفى قوله تعالى :]ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ [بيان لفقد النفس لوازم الحياة البشرية التى تزول بموت الجسم فعلا ،                    فإن النفوس بحسب جواهرها ، فالنفوس التى جواهرها من النور تكون فى عليين ، والنفوس التى جواهرها من           ــــــــــــــــ

(1)     سورة سبأ آية 13.

(2)     سورة فاطر آية 8.

(3) سورة الكهف آية 6.        

           

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النار أو من غيرها تكون فى سافلين أو فى أسفل سافلين حتى ينفخ فى الصور . والموت فى كل نوع من                الأنواع : فقد لوازم الحياة من الغذاء والنمو فى النباتات ، ومن الحس والحركة فى الحيوانات ، ومن الحس               والحركة والإِرادة فى الإِنسان . ]وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [يبين الله لنا أن الدار الدنيا مهما توفر               خيرها ، وتيسر نعيمها ، وتمكن الإِنسان فيها من نفوذ الكلمة وكمال العافية ، فإن عاقبتها الموت ، وأن ذكره               قبل نزوله ينغص كل ملاذ الحياة ، فكيف بنزوله ؟ بل وكيف إذا سمع المسلم قوله : ]وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ              يَوْمَ الْقِيَامَةِ [فهذه الآية تسلية كبرى للمؤمنين وإنذار للكافرين .

]فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [أى : جُذب بتوفيق الله وهدايته تعالى للعبد من                            موجبات النار ، التى من أهمها الشرك بالله ، ومخالفة أمره ، والوقوع فيما نهى عنه . فإن المشركين ومرتكبى              الكبائر فى نار جهنم فى الدنيا ، نار العبد عن شهود أنوار الله تعالى وآياته ، فإن ماتوا على ما هم عليه كبوا على         وجوههم فى النار ، إلا من هداهم الله تعالى صراطه المستقيم بحسن عنايته وتوفيقه ، فكتب فى قلوبهم الإِيمان             وزينه فى قلوبهم ، وأيدهم بروح منه ، فأولئك هم الذين زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة . ]فَقَدْ فَازَ [يعنى              ظفر بالحسنين .

]وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [يعنى بذلك سبحانه أن متعة الحياة الدنيا من مأكلها ، ومشربها ،                      ومسكنها ، وملاذها الشهوانية ؛ من تنفيذ الكلمة ، وعلو المكانة ، والجاه ، والتسليط على النظراء ، وما يلحق             ذلك مما تهواه نفوس أهل الجهالة ؛ إن هو إلا مشتهيات ، يدعو إليها الغرور الكاذب بسرعة زوالها ، وعظيم             عقوبتها يوم القيامة . والمتاع : هو الأشياء التى يتمتع بها الإِنسان ثم تطرح وتلقى مع القاذورات كالملابس ،              والأثاثات ، والأوانى البالية التى لا ينتفع بها بعد . وهذه الآية تقوية لإِيماننا بيوم القيامة ، لأن قوله تعالى :               ]الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [بيان لأن هناك حياة أخرى . وفى لفظ ]الدُّنْيَا [إشارة إلى دُنُوِّها منا ، أو دناءتها .                     ويقابلها : الأخرى ، البعيدة أو العالية .

 

             قوله تعالى : لَتُبْلَوُنَّ فِي  أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ  وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ  مِن قَبْلِكُمْ

             وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ p186i

 

هذه الآية الشريفة تسلية لرسول الله rولأصحابه فى حادثة أحد ، وختامها معجزة عظمى لرسول الله                     rوهو قوله : ]وَلَتَسْمَعُنَّ [. واللام فى قوله : ]لَتُبْلَوُنَّ [للقسم ، والنون للتوكيد لتقوية الخبر .                         والابتلاء هنا : الاختبار ، من حيث ظاهر العبارة . ومعناها فى الحقيقة : ليقدرن الله عليكم نقصا فى الأموال             وفى الأنفس المحبوبة لكم . وحكمة هذا التقدير ، أن يدوم لكم الالتجاء إلى الله تعالى ، والانكسار على أعتاب              العبودية ، لتفوزوا بفضله العظيم الذى يتفضل به على أهل المجاهدة ، وجبه العلى الذى يمن به على الشهداء              من خاصة عباده . ولينفذ قدره فى أعدائه الذين قدَّر أن يكونوا مخلدين فى سعير الحطمة لكفرهم به سبحانه ،               ومحاربتهم رسله وأولياءه ودعاة الحق من الناس . إذاً المعنى اللغوى لقوله تعالى : ]لَتُبْلَوُنَّ [لا يناسب عقلا أن          يسند إلى الله بمعناه اللغوى ، لأن الله تنزه عن أن يجهل حقيقة أمر مخلوق خلقه فيبتليه لتنكشف له حقيقته بعد             أن جهلها . ]فِي أَمْوَالِكُمْ [والبلاء فى الأموال هو بذلها فى الجهاد ، واشتغال الرجال فى المجاهدة فلا                      يشتغلون فى المال لينمو ، فينقص من غير أن يزيد . ]وَأَنفُسِكُمْ [والبلاء فى الأنفس قتلها فى الميدان . وفى              .

قوله تعالى : لَتُبْلَوُنَّ فِي  أَمْوَالِكُمْ 000 (186) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقص الأموال والأنفس بلاء كبير من الله تعالى ، تنكشف به حقائق المسلمين ، فيظهر المؤمن الكامل والمنافق ؛            لرسول الله rولأصحابه ، فإذا أعاد الله للمسلمين الكرة على الكافرين ، وأظهرنا عليهم ، فرحنا بنصر الله               وذل أعداء الله ، فلم يمكنهم كيدنا ، بعد أن ظهرت حقائقهم لنا بالبلاد الذى قدره الله تعالى .

.]وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا [ونزلت هذه الآية فى                        فنحاص سيد بنى قينقاع وكعب بن الأشرف ، فالأول أرسل له rأبا بكر برسلة يطلب بها منه أن يمده                    بمال ، فتقلد أبو بكر سيبفه وتوجه إليه فى قينقاع ؛ فلما بلغه الرسالة قال : إن ربكم افتقر حتى يطلب منا                  المال !! فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف لولا أن رسول الله rقال له : ( لاَ تَفْتَئِتْ عَلَىَّ ) أى : لا                      تحدث حدثا يؤلمنى . وأما كعب بن الأشرف فإنه كان يناوىء النبى عليه الصلاة والسلام ويذمه بالشعر ،                  ويعين على أذيته حتى أفرط ، فتوجه إليه محمد بن مَسْلَمة فى خمسة رجال من الأنصار فيهم محمد بن عبس ،            وكان كعب يسمر فى الليل هو وأصحابه ويهجو النبى عليه الصلاة والسلام ، فأتوه وهو فى مجلس قومه                  بالعوالى ، فلما رآهم ذعر منهم فقالوا : جئناك لحاجة ، قال : فليدن إلى بعضكم فيحدتنى بحاجته ، فجاءه                    رجل منهم وقال : جئناك لنبيعك أدرعاً عندنا لنستنفق بها ، فقال : والله لئن فعلتم لقد جهدتم ـ أى افتقرتم ـ               منذ نزل بكم هذا الرجل ـ يعنى النبى rـ فواعدوه أن يأتوه عِشاء حين تهدأ عنه الناس .

فأتوه فنادوه ، فقالت امرأته : ما طرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشىء مما تحب ، قال : إنهم حدثونى بحديثهم                   ة\وشأنهم . قال معمر : فأخبرنى أيوب عن عكرمة أنه أشرف عليهم فكلمهم : أترهنون أبناءكم ؟ وأرادوا أن              يبيعهم تمراً ، فقالوا : إنا نستحى أن تعير أبناؤنا فيقال : هذ1 رهينة وسق ، وهذا رهينة وسقين ، فقال :                 أترهنون نساءكم ؟ قالوا : أنت أجمل الناس ولا نأمن ، وأى امرأة تمتنع منك لجمالك ؟ ولكنا نرهنك                        سلاحنا ، فقج علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم ، فقال : ائتونى بسلاحكم واحتملوه ما شئتم ، قالوا : أنزل                   إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا . فأراد النزول ، فتعلقت به امرأته وقالت : أرسل إلى أمثالهم من قومك ليكونوا              معك ، قال : لو وجدونى هؤلاء نائما ما أيقظونى ، قالت : فكلِّمْهم من فوق البيت ، فأبى عليها ونزل إليهم                  يفوح ريحه ، قالوا : ما هذه الريح يا فلان ؟ قال : هذا عطر أم فلان ( امرأته ) فدنا إليه بعضهم يشم رائحته ،             ثم اعتنقه وصاح : اقتلوه عدو الله ، فسبق إليه رجل منهم بالسيف ، فانضم على محمد بن مسلمة ، فقطع                  السيف رجل محمد بن مسلمة ، فأسرع إليه أبو عبس فطعنه فى حاضرته ، واحتمل الأنصار صاحبهم وأتوا به            رسول الله rفنفث على الركبة ولصق بها الرجل فعادت كما كانت ، وهى من معجزاته r. وكما حصل                 ذلك مع كعب اليهودى الذى قتله عبدالله بن جحش فى حصنه ، وعند نزوله من المسلم قفز فكسرت فخذه ،               فأعادها رسول الله rوشقيت بإذن الله . ولما قتلوه ورجعوا أصبح اليهود مذعورين ، وجاءوا إلى رسول                 الله rفقالوا : قتل سيدنا غيلة . فذكرهم النبى rصنيعه ، وما كان يحض عليه فى قتالهم ، ويؤذيهم ، ثم                دعاهم إلى أن يعقد بينه وبينهم صلحا ، فكان ذلك الكتاب مع علىّ كرم الله وجهه .

وأهل الكتاب هنا هم اليهود الذين قالوا : ]يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ [(1) وقالوا : ]إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [(2)                  وقالوا : ]إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ [(2)وقالوا ما بينت لك عن                    فنحاص وكعب بن الأشراف . وأما الذين أشركوا ، فهم النصارى الذين قالوا : إن المسيح ابن الله .

ـــــــــــــــ

(1)     سورة المائدة آية 64.

(2) سورة آل عمران آية 181 ، 183.                             

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد بينت لك أن هذه الآية معجزة ، فإن اليهود والنصارى ـ أذلهم الله ـ منذ انبلاح فجر الرسالة إلى                     الآن يؤذوننا فى ديننا ، وفى نبينا ، وفى أموالنا وأنفسنا . ولا تزال تلك الأذية والبلايا والمضار تكال منهم كيلا ،         انظر إلى دعاة النصرانية المنتشرين كالجراد المفسد ، والسيل المدمر ، والسموم والأوبئة الفتاكة  لا تخلو منهم أمة         ولا قرية . أصبحوا كما قال تعالى : ]فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ [(1)وقال سبحانه :]وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ [(2)                وبذلك تعين علينا أن نقاتل أئمة الكفر كافة ، بكل أنواع الجهاد المشروعة بقدر استطاعتنا ، فإنهم يقاتلوننا                 كافة بكل أنواع الجهاد التى لم تشرع ،ولم يرضها العقل ، وعداوة للدين وكفرا بالله ]أَذًى كَثِيرًا [وأهل                  الكتاب والذين أشركوا ، لا يتركون هذا الأذى الكثير إلا إذا أذلهم الله فأظهر الدين بأهله ، وجعلهم أرقاء                  يباعون فى أسواقنا كما كانوا ، ويؤمئذ تكون رحمة المسلمين بهم ؛ إما الإِسلام أو استئصالهم . فإن الحكم                 الشرعى فى أهل الكتاب والمشركين كان : الإِسلام ، أو الجزية ، أو القتل . ولكن بعد تلك التجربة ، وبعد أن             نشر الإِسلام ألويته ودق أوتاه ، وبعد أن علم الخاص والعام ، وأصبح الواجب : الإِسلام ، أو القتل .                     وسيكون لهذا الكلام حقيقته ، خصوصاً إذا نزل عيسى بن مريم فى آخر الزمان ، وكسر الصليب ، وقتل من             لم يسلم من أهل الصليب . والأذى الكثير بخبر القرآن المجيد قليل على ما وصل إليه أهل الكتاب والمشركين من         الأذية إلينا . ومَن علم بأحداث فلسطين وبمكائد الصليبيين بالنسبة للمسلمين ، يفهم معنى قوله تعالى :                     ]أَذًى كَثِيرًا [.

.

]وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [يبشر الله المسلمين بما يتفضل به عليهم إن هم                         صبروا ، بما أمرهم به من بذل المال والنفس فى سبيل الله ، ومن المسارعة إلى تأدية الفرائض والمندوبات ،             عبادة وأخلاقا ومعاملة فى القيام بما أمرهم به بقلوبهم ، وأبدانهم ، وجوارحهم . والصبر هنا يكون على ما                 يصيب المسلم من نكبات الدنيا ، ومن المصائب التى تعتوره فى سبيل إعلاء كلمة الله ]فَإِنَّ ذَلِكَ [أى : فإن              الصبر والتقوى من عزم الأمور ، أى : من الأمور التى عزمها الله ، بل من القوة التى يتفضل بها على أهل              الإِيمان . وأمور عزمها الله تعالى ؛ ومنح القوة لأهل الإِيمان على تأديتها ؛ لهى الأمور التى يرفع الله بها من               وفقهم للمسارعة إليها إلى أعلى عليين ، وهى من خير البشائر التى أخبرنا الله عنها ، قال تعالى : ]لَهُمُ الْبُشْرَى           فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [(3)وقال سبحانه : ]يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ [(4).

 

             قوله تعالى :وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ

             وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ p187i

]وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ [أى : اذكر يا محمد إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ، وهم بنو              إسرائيل ]لَتُبَيِّنُنَّهُ [أى : لتبينن نبوة محمد r، وصفته أنه خاتم الرسل ]لِلنَّاسِ [الذين يظهر فى زمانهم ، كما بينه   ــــــــــــــــ

(1)     سورة الأسراء آية 5.

(2)     سورة التوبة آية 12.

(3)     سورة يونس آية 64.

(4)     سورة آل عمران آية 171.

 

 

 

قوله تعالى :لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ 0000 (188) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موسى وعيسى وغيرهما ببيان الله لهم ، كما كنتم تستظهرون ببعثته على كفار قريش ، وتهددونهم بأنه إذا ظهر تنصرونه  عليهم ، ]وَلاَ تَكْتُمُونَهُ [فلما أظهره الله تعالى ودعا دعوة الإِسلام ؛ أبت نفوسهم الخبيثة إلا أن تقع فيما وقعت به مع       الرسل السابقين عليهم السلام ، فجحدت ، وأنكرت ما أنزله الله تعالى على رسله السابقين من نعت نبيه محمد r،         وهو قوله تعالى : ]فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ [أى : أخفوه عن الناس كالمنبوذ وراء الظهور .

.

]وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً [من فنحاص وكعب بن الأشرف وغيرهما ، وهم أحبار اليهود الذين سمعوا                         كلام رسول الله rفاعترفوا بنبوته ، وخرجوا إلى كعب بن الأشرف ، فلما رغبهم فى المال أنكروا ما                       اعترفوا به أمام الصحابة ، وتلك عادة طبعهم الخبيث ، ونفسهم الأمارة ، وهذا كله بعد أن أمرهم سبحانه                      بالتباع النبى الأمى الذى يجدزنه مكتوبا عندهم فى التوراة . قال سبحانه : ]وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ                              بِعَهْدِكُم [(1)وبعد أن أظهر لهم rغيوبا فى التوراة والإِنجيل لم يعلمها إلا كبار أحبارهم ؛ بيانا تحققوا                      صحته ، وانقلبوا على وجوههم ، وعادوا لما كان عليه شرار سلفهم ؛ الذين قتلوا الأنبياء وكذبوا الرسل ،                   وهنا شنع الله عليهم ، وذمهم ذما أحاط بهم قوله تعالى : ]فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [أى : أنهم استبدلوا الهدى                     بالضلال ، والحق بالباطل ، والنور بالظلمة .

 

قوله تعالى :لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ

تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ p188i

.

]لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ [وهذه الآية الشريفة نزلت                              فى أنواع من معاصرى رسول الله r، ومنهم المنافقون الذين كانوا يظهرون الخروج مع رسول الله rفى                  المغازى ثم يتخلفون ، فإذا رجع رسول الله rمنصورا اعتذروا إليه فقبل اعتذارهم ، ففرحوا بعملهم هذا ،                   وجهلوا أن الله لا تخفى عليه خافية .ومنهم أشخاص معينون من اليهود ، وكفنحاص سيد بنى قينقاع ، ونظرائه               الذين كانوا يفتنون الصحابة بما كانوا يكذبون به على الله وعلى رسوله r، ويفرحون إذا أظهروا للناس أنهم               عباد ، أنهم علماء بالباطل . ومنهم بعض اليهود الذين كانوا يكتمون ما أنزله الله فى التوراة من صفات محمد                 r، وإذا سئلوا عن ذلك أجابوا بالكذب والضلال ، يفرحون بما أوتوا من ذلك . وقد بلغ ببعض أهل                        الإِيمان من الورع أنه فهم أن تلك الآية نزلت فينا ، فقال بعضهم : ما لكم ولها ؟ إنها نزلت فى اليهود الذين                   أنكروا ما أنزله الله فى التوراة من صفات محمد r.

.

ومعنى الآية الشريفة : ]فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ [أن الله ينهى حبيبه محمدا rعن حسبان                          أن اليهود الذين أنكروا نُبوته المؤيدة بالتوراة عندهم ، وأن كفار قريش من المنافقين الذين يظهرون غير ما                  يبطنون ، ويفرحون بما أتوا ، ويجملون ظواهرهم للخلق مع سوء مقاصدهم ونواياهم ، وبذلك يحبون أن                    يمدحهم الناس فيقولون عنهم إنهم عباد علماء ، مع ما هم عليه من الخبث والخدع لأهل الإِيمان ، ومن افتراء                 الكذب على الله وعلى رسوله r، بمفازة من العذاب الأليم أو بمنجاة من الوقوع فيه فى هذه الدار الدنيا ، من                ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 40.

           

             

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخسف ، والزلزال ، والغرق ، والشرق ، والأمراض ، والحروب ، وكل ذلك عاجل فى الحياة  الدنيا .                    ]وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [أى : ومع ما يعجله الله لهم من عذاب الدنيا فلهم عذاب أشد وأنكى يوم القيامة .                         .

وهذه الآية الشريفة وإن كانت خاصة بمن ذكرنا وبغيرهم ممن نزلت الآية بسببهم ، فإن كل فَرِحٍ بما أتى مما                 يغضب الله ، متجمل للخلق حبا فى مدحهم له بما لم يفعل ، فإن الذى يجمل ظاهرة للخلق ـ مع خبث                        سريرة وسوء ضميره وفساد نواياه ـ كان ممن يطلب الدنيا بعمل الدين ، وهو الذى حكم عليه رسول الله                   rباللغة قال عليه الصلاة والسلام : ( مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ ، قَالُوا : مَن يَا رَسًولَ آللهِ ؟ قَالَ : مَن                         طَلَبَ آلدُّنْياَ بِعَمَلِ آلأَخِرَةِ ) وبهذه الأعمال الخبيثة يكون له قسط وافر من هذه الآية الشريفة . وأما من                      فرح بما أتى من أعمال الصلاح والبر ، وأحب مدح إخوته المسلمين ـ مع حسن سريرته وطويته ـ فهو                  مؤمن ، قال عليه الصلاة والسلام : ( آلْمؤمِنُ مَن سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَأَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ ) .

 

قوله تعالى : وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ p189i

 

تقدم تفسير هذه الآية ضمنا فى قوله تعالى : ]لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [(1) . ونزيدك هنا أن                  ارتباط هذه الآية بما قبلها ؛ أنها قصم لظهور أعدائه اليهود الذين أشاعوا السوء كنفحاص وغيره ، عندما طلب              منهم رسول الله rالمساعدة على دفع الأعداء عن المدينة فقالوا :]إِنَّ آلله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [فكذبهم الله                 وأخزاهم بقوله : ]وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [أى : هو الذى أوجدها بافتتاح إيجادها بقدرته ، وأمدّها                  .

بما زيّنها به من أفلاك سائرات وثابتات ، وأنهار ، وحيوانات ، ونباتات ، ونسيم عليل بليل ، غير ذلك من                 أنواع النعم التى لابد منها لوجود من عليها ، وما بين كل سماء ، وما بين الأرض والسماء . ومن كانت هذه                صفته تنزه وتعالى عن الفقر ، فتقوم الحجة على قوله تعالى : ]وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [.

 

قوله تعالى :إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأَّوْلِي الألْبَابِ p190i

 

]إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [بيّن الله سبحانه فى الآيات السابقة الأحكام                       والقصص وأنواع الناس بالنسبة للإِسلام ، ثم أخذ يبين دلائل التوحيد وحججه الجلية ومآخذه ، كما بين بعض               ذلك فيما سبق فى قوله : ]إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي                   الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ [(2)الآية ، من سورة البقرة ، وهى سنة القرآن المجيد . لأن الله تعالى أعطى كل قوة               ــــــــــــ

(1)     سورة البقرة 284.

(2)     سورة البقرة آية 164.

 

 

 

 

قوله تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا 0000 (191) آل عمران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من القوى التى جعل منها الإِنسان وهى الجسم ، والحس ، والعقل ، والنفس ، فبيّن عبادات كل قوة منفردة                 ومزدوجة مع غيرها ، بيّن ما يحبه من الأخلاق ، والمعاملات ، وبيّن العقائد مفصلة بحججها الناصعة ،                   ووعد سبحانه من وفقهم لقبول ما ارسل عليهم الصلاة والسلام بالنعيم فى الدنيا وفى الآخرة ، وتوعد                       من خالف الرسل بالخزى والذل فى الدنيا ؛ والعذاب الأليم يوم القيامة . وهذه الآية الشريفة كشفت الستار                    عن غيب الآيات فى خلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، الدالة على وحدانية الله وقدرته                    سبحانه ، بل وتفريده بإيجاد كل شىء ، إمداده بما لا بد له منه ، وقد سبق تفسير هذا فى قوله تعالى : ]إِنَّ                 فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الآية ، فى سورة البقرة . فذكر سبحانه فى الآية الأولى الحقائق المحسوسة                  الملموسة التى خلقها لحاجات الإِنسان فضلا منه ، وكرماً ، وفى تلك الحقائق من بدائع صنع البديع                         سبحانه ، مما يجعل القلوب تطمئن بكمال قدرة الله وحكمته ، والنفوس تسكن إليه تنزه وتعالى . تلك الآية                   السابقة أظهرت أنوار تجليات الحق للعقول ، وقد كتبتُ رسالة فى التوحيد عن تفسير تلك الآية سميتها :                    ( عقيدة النجاة ) وفى هذه الآية التى نشرحها بيان لصفات العبد الكامل ، فقد جمع الله لنا فى الآيتين صفات                 الربوبية ، وصفات العبودية .

.

 

]لآيَاتٍ لأَّوْلِي الألْبَابِ [لما كان ظاهر العقل يسمى عقلاً ، وباطنه يسمى لُبًّا ؛ وكانت الآية السابقة                          حججا محسوسة يعقلها من عنده ملكه عقل ؛ قال الله فيها : ]لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [(1). ولما ذكر هذه الآية                  قال سبحانه : ]لآيَاتٍ لأَّوْلِي الألْبَابِ [بيان أن خلق السموات والأرض ؛ واختلاف الليل والنهار ؛ كان من                  حيث التكوين والتركيب والتدبير الإِلهى لحفظ وبقاء تلك الحقائق التى تدركها العقول وتصل إليها إذا ذكرت                بها .

وأما هنا : فلحكمة الله تعالى فى الإِيجاد والإِمداد ، ولِسِرَّ تعلق الأسماء والصفات بآثارها ، ولظهور معانى                   أسماء الجمال والجلال فى كل كائن من الكائنات ـ وتلك الأسرار لا يدركها إلا من تفضل الله عليه بالقابل ،               وأحسن إليه ي\بالفيض المقدس ، والفيض هو ما جاء به رسول الله r، والقابل هو النور الذى يجعله الله                سبحانه لمن اجتباهم من خلقه ـ لتلك الحكمة قال تعالى : ]أَّوْلِي الألْبَابِ [. ولما كان أهل الاختصاص من                  الله منحهم الله تعالى الهمة فى علم ما يحبه سبحانه من أحبابه ، اشتاقوا أن يَعْلَمُوا الصفات التى يجمل بها من               اجتباهم من خاصة خلقه ، ليسارعوا إلى التجمل بها بتوفيقه وعنايته سبحانه ، قال تعالى مبينا محابه ومراضيه             من عباده المخلصين ؛ وافتتح صفاتهم بعمل اللسان والأركان فقال سبحانه : ]الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ 000 [.                    

 

قوله تعالى :الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ

السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ p191i

 

]الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ [فوصفهم بالذكر فى كل أحوالهم ، وهذا لا يكون                           على الوجه الأكمل إلا فى الصلاة ، لأنها تجمع الذكر بقراءة القرآن ، والتهليل والتسبيح والتحميد ، والتبتل فى              كل حركة وسكنة .

ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة آية 164.

 

]أسرار القرآن [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولما كان من لا يطيق الصلاة قائما ولا قاعداً يصلى مضطجعا ؛ ذكرت لك أن أكمل الذكر يكون فى                       الصلاة ، وهذا ليس حصراً حقيقياً ، فإن الإِنسان مطالب أن يجعل كلامه كله ذكراً برعاية ما يحبه الله تعالى               من الإِنسان فى قوله وعمله ، بل فى كل شئونه التى لا يخرج عنها كالأكل والشرب وقضاء الحاجة ، والأعمال             كالتجارات والزراعات ، بل وفى كل أحواله الشخصية فى نوم ، ويقظة ، وفرح ، وحزن ، ورضا ، وما لابد              له منه ، وبذلك يكون مع الله تعالى ، لا يغفل إذا غفل الغافلون ؛ ولا ينسى إذا نسى الناسون ، وقليل ما هم .               قال تعالى : ]وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [(1)وذلك لا يكون إلا بدوام مراقبة الله فى كل الحركات                       والسكنات .

.

وهذا حال السالكين طريق الله تعالى ، الذين يجاهدون أنفسهم قهراً لها على عمل بالكتاب والسنة ، فإذا                     فطر على الأجمل والأشراف من السنن المحمدية ، واستراح بقهر نفسه النزوعية والشهوانية والإِبليسية للفراغ             بكلية للسياحة الفكرية فى ملكوت السموات والأرض ، ومحصنا بحصون الشريعة المطهرة ، وفى هذه الحال                الشريفة العلية يبلغ درجة علم اليقين ، الذى يجعله مطمئن القلب من لمة الشيطان ، ومن مقتضيات البشرية ،              فيشتغل بالفكر آمنا على نفسه من وسوسة الشيطان ، قال سبحانه وتعالى : ]أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم                          مُّهْتَدُونَ [(2)ويفتح الله له باب التفكير فى آلائه لتجلى له أسرار تلك الكائنات ، وقد فصلت لك هذا الموضوع              فى كتاب : ( النور المبين ) تفصيلا يليح لك الغيب المصون جليا ، والحس الحاجب خفيا ، فلا تقهرك شهوة                 بطنك ، ولا تشغلك شهوة فرجك ، ولا تقطعك أهواؤك وحظوظك ، بل يكون هواك متحداً مع رسول الل